← Тараджим

Тараджим · id 17551

الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

أبو حفص البزار

Полный текст (65 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الأَعْلامُ العَلِيَّة فِي مَناقِبِ شَيْخِ الإسْلامِ ابن تيميّة تأليف الشيخ أبي حفص عمر بن علي البزار ت (٧٤٩) تحقيق علي بن محمد العمران دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذا كتاب «الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» للإمام أبي حفص عُمر بن علي البزّار (ت ٧٤٩)، وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمهما الله تعالى. وقد رأينا ضمّه إلى هذه السلسلة المباركة إن شاء الله تعالى من آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال، لتكون ضمن تراجم شيخ الإسلام التي اضطلع المشروع بطباعتها، وهي: ١ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون [*]. ٢ - تكملة الجامع .. [*] ٣ - ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبدالهادي، المعروف بـ «العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية». ٤ - ورابعها هذا الكتاب: الأعلام العليّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية. فبهذه الأربعة يكتمل عقد التراجم المنثورة في كتب التواريخ والتراجم ونحوها، مع أهم كتابين في التراجم المفردة لابن تيمية. وقد كان بادئ الرأي أن تُلْتَقط الفوائد والزوائد التي يضيفها البزّار في كتابه هذا، وتضاف إلى حواشي «العقود الدرية»، أسوةَ بقيّةِ التراجم المفردة الأخرى، لكنّي رأيت ذلك قد يطيل الحواشي؛ إذ فيه معلومات جيدة، وزوائد _________ [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وفي طبعة الأخيرة، ضُمت التكملة إلى الجامع، في مجلد واحد

стр. 3

كثيرة، ومشاهدات مباشرة. فكان من صائب الرأي أن يُطبع ملحقًا بالعقود الدرية، ليقف القارئ عليه بتمامه، ولا يفوت شيء من فوائده. * ترجمة المؤلف (١): قال الحافظ ابن رجب: عمر بن علي بن موسى بن الخليل البغدادي، الأزَجيّ، البزَّار، الفقيه، المحدِّث، سراج الدين، أبو حفص. ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة تقريبًا. وسمع من إسماعيل بن الطبَّال، وعلي بن أبي القاسم أخي الرشيد، وابن الدواليبي، وجماعة، وعُني بالحديث، وقرأ الكثير، ورحل إلى دمشق وقرأ بها «صحيح البخاري» على الحجَّار بـ «الحنبلية»، وحضر قراءته الشيخ تقيّ الدينّ ابن تيمية وخلق كثير (٢)، وجالس الشيخ تقيَّ الدين، وأخذ عنه (٣). وتلا ببغداد ختمةً لأبي عَمرو، على شيخنا عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي، وقرأ عليه بعضَ تصانيفه في القراءات، وحجَّ مرارًا، وأعاد _________ (١) من كتاب «الذيل على طبقات الحنابلة»: (٥/ ١٤٦ - ١٤٨ - تحقيق العثيمين) لابن رجب. وهو من تلاميذه. وله ترجمة في «المنتقى من شيوخ شهاب الدين ابن رجب» (ص ٧٥ - ٧٧)، و «الرد الوافر» (ص ٢١٠ - ٢١١)، و «الدرر الكامنة»: (٣/ ١٨٠)، و «المقصد الأرشد»: (٢/ ٣٠٤)، و «المنهج الأحمد»: (٥/ ٨٦ - ٨٧)، و «شذرات الذهب»: (٦/ ١٦٣). (٢) ذكر المؤلف هذه القراءة في كتابه هذا (ص ٦٣٧). وذكر الشهاب ابن رجب: أنه حضر هذه القراءة المزي والبرزالي وشيوخ الشام. (٣) ذكر الشهاب ابن رجب: أنه قرأ المحرر على شيخ الإسلام ابن تيمية، وأذن له بالفتيا.

стр. 4

بـ «المستنصرية». وولي إمامة «جامع الخليفة» ببغداد مدةً يسيرة، ثم أقام بدمشق مدة، وأمَّ بها بـ «الضيائية». وكان حَسَن القراءة للقرآن والحديث، ذا عبادة وتهجّد. وصنَّف كثيرًا في الحديث وعلومه، وفي الفقه والرقائق (١). وقَدِم في آخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيرًا، ثم توجَّه إلى الحجّ سنة تسع وأربعين. وحججت أنا تلك السنة أيضًا مع والدي، فقرأت على شيخنا أبي حفص عمر «ثلاثيات البخاري» بالحِلّة المزيدية. ثم توفي ﵀ قبل وصوله إلى مكة بمنزلة حاجر، صبيحة يوم الثلاثاء حادي عشري ذي القَعْدة سنة تسعٍ وأربعين وسبعمائة، ويُقال: إنه كان نوى الإحرام، وذلك قبل الوصولِ إلى الميقات. ودُفِن بتلك المنزلة، ومعه نحوٌ من خمسين نفسًا بالطاعون، رحمهم الله تعالى. * نبذة عن الكتاب: ١ - إثبات نسبته للمؤلف: ذكر هذا الكتاب ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢) في «الرد الوافر» (ص ٢١١) قال: «وجمع له ترجمةً مفردةً سماها: الأعلام العلية في مناقب _________ (١) ذكر شهاب الدين ابن رجب في «المنتقى» أنه قرأ عليه من مصنفاته «الكفاية في الجرح والتعديل»، و «الفنون [وفي طبعة أخرى: العيون] في علم الحديث» قال: وهو أكمل من كتاب ابن الصلاح. و «الرياض الناضرات» مجالس. و «ناسخ الحديث ومنسوخه»، وبعض مصنف له في الفقه.

стр. 5

الإمام ابن تيمية» ثم نَقَل فقرة منه تتعلّق برجوع بعض العلماء عن مذهب المتكلمين بعد وقوفهم على بحوث الشيخ ﵀ (١). وذكره الشيخ مرعي الكرمي (ت ١٠٣٣) في كتابه «الكواكب الدرية» (ص ٥١) وجعله من الكتب التي اعتمد عليها في كتابه، ونقل جلّ مباحثه. وذكره أيضًا في كتابه «الشهادة الزكية» (ص ٦٨). وأشار إليه إسماعيل البغدادي في «إيضاح المكنون»: (١/ ١٠٣)، و «هدية العارفين»: (١/ ٧٩٠). ٢ - نسخ الكتاب الخطية: - النسخة الأولى: نسخة المنجد: وهي نسخة خاصة من مقتنيات الدكتور صلاح الدين المنجد. قال في وصفها: «وكنت اقتنيت من هذا الكتاب نسخة قديمة، ضمن مجموع قديم من القرن الثامن الهجري، فيه رسائل كثيرة لشيخ الإسلام، بعضها غير معروف ولا منشور ... ومخطوطتنا هي الرسالة السابعة في المجموع الذي أشرتُ إليه. وعدد ورقاتها ٢٣ ورقة. في كل ورقة عشرون سطرًا. كتبت بخط نسخي مملوكي جميل. وهي نسخة تغلب عليها الصحة، إلا أن ناسخها كان يُهمل بعض الإعجام. وقد جاء في الورقة الأولى منها: (كتاب الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية للإمام الحافظ أبي حفص البزّار ﵀. _________ (١) وهذا الموضع في كتابنا (ص ٦٢٢).

стр. 6

وجاء في آخرها: «علّقه لنفسه فقير رحمة ربه محمد بن علي البعلي ثم الدمشقي الحنبلي لطف الله تعالى به في الدارين، ووافق تمامه غرّة المحرم سنة ست وخمسين وسبعمئة بالمدرسة الحنبلية بباطن دمشق حرسها الله». يلي الكتاب بخط الناسخ نفسه ذيل في أسماء أصحاب شيخ الإسلام ومحبّبيه وأعوانه. ويبدو أن الكاتب جعله تذكرة لنفسه ليجمع فيه في ورقتين أسماء كثيرة، وترك بياضًا ليُضيف إليها، لكنه لم يستوف فيما ذكر أسماء المحبّين ولا المعترضين. ولم أجد ترجمة لناسخ الكتاب. على أنه يبدو أنه كان من فقهاء طلَبة المدرسة الحنبلية بدمشق. وهي المدرسة التي وقفها شرف الإسلام عبد الوهاب بن أبي الفرج الحنبلي سنة ٥٣٦ بدمشق». انتهى كلام المنجد (١). - النسخة الثانية: نسخة ليدن: نسخة في مكتبة جامعة ليدن في هولندا. رقمها ١١٢٦، وهي نسخة متأخرة، ليس عليها تاريخ ولا اسم الناسخ، ولعلها من مخطوطات القرن العاشر، وهي مليئة بالأخطاء تصحيفًا وتحريفًا بخطٍّ عادي. على الورقة الأولى من النسخة: (كتاب الأعلام العليّة في مناقب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن الحليم (كذا) بن عبد السلام ابن تيمية قدس الله روحه ونوّر ضريحه تأليف الشيخ الإمام العالم العامل الفاضل الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزّار رحمة الله تعالى عليه _________ (١) مقدمته للأعلام العلية (ص ٧ - ٩).

стр. 7

وغفر له بمنه وكرمه ولجميع المؤمنين آمين) (١). وقد سقطت منها كلمات كثيرة، ووجد فيها عبارات الزائدة على نسخة الأصل، مما يدل على أنها ليست منقولة منها، وأن أصلهما مختلف. وقد أشرنا إلى بعض ذلك في الحواشي، وقد رمزنا إليها بحرف (ل). - النسخة الثالثة: نسخة الكويت: نسخة محفوظة في مكتبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت رقم (٢/ ٣١٧)، في ٥٣ ورقة ضمن مجموع (ق ٦ - ٥٨)، وهي نسخة متأخرة كتبت سنة ١٣٧٧ هـ. وليس عليها اسم الناسخ. ٣ - طبعات الكتاب: ١ - طبعة دار الكتاب الجديد، تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجّد، ط. الأولى ١٣٩٦ هـ، وقد اعتمد على نسختين، واحدة كان يملكها وسبق وصفها من كلامه، والثانية نسخة ليدن (ل). ٢ - طبعة المكتب الإسلامي ببيروت، تحقيق الشيخ محمد زهير الشاويش، وقد طبع سنة ١٣٩٤ هـ ثم أعيد عدة مرات. ٣ - طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، تحقيق الدكتور يحيى مراد، طبعت سنة ١٤٢٦ هـ، ضمن مجموع يضم خمسة كتب. وقد سقطت منها مقدّمة المؤلف بتمامها!! ولعلها أُخذت من بعض مواقع الشبكة الإلكترونية، إذ وجَدْتُه في بعضها بلا مقدمة! _________ (١) انظر مقدمة المنجد (ص ٩ ــ ١٠).

стр. 8

٤ - منهج التحقيق: - اعتمدت في إثبات نص الكتاب على طبعتي المنجد والشاويش، واستفدت من ذكر فروق النسخ في هوامشها. وكان من المفترض أن تكون نسخ الكتاب بين أيدينا، ولكن عذرنا أن بعض نُسَخه خاصة وليست في مكتبات عامة، ونسخة ليدن حاولت الحصول عليها جاهدًا، ولكن لم أتمكّن من ذلك، مع كونها متأخرة ومليئة بالأخطاء. - قارنت نصوص الكتاب بالمصادر الناقلة، وبكتب التاريخ، وصححتُ كثيرًا من الأوهام الواقعة في الطبعات. - علقت على النص بما يزيل الإشكال، أو بما فيه استدراك على المؤلف في بعض ما ذكره، وذلك من مصادر ترجمة الشيخ، أو كتب الشيخ نفسه. وكتب علي بن محمد العمران

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين قال الشيخ الإمام العالم الورع الفقيه المحدّث سراجُ الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البغداديّ البزّار ــ ﵀ وأثابه الجنّة ــ: الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم. أمّا بعد، فإنّي لما بلغني خبرُ حبر الأمة وربّانيها، الإمام المجتهد المجاهد، ناصر الشريعة الحنيفية، والذابّ عن السنّة المحمدية، شيخ الإسلام تقيّ الدين أبي العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، قدّس الله روحه، قال لي جماعةٌ من أهل العلم والدين، ومحبيّ الخير لكافة المسلمين: إنّك قد رأيت الشيخ وصحبته، ووقفت على أحواله وعرفته، فلو أمليت شيئًا منها وسطّرته، ممّا شاهدته وخبرته، لينتفع به من يقف عليه من هذه الأمة، إذ عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. فأجبتهم: أني إنما صحبته أيامًا معدودة قلائل، فليس ما أعرفه بالنسبة إلى مناقبه بطائل. لكن لمّا رأيت حُسن قصدهم ونيّتهم، وما دلّ من ظاهرهم على صلاح طويتهم، وأنّ الذي طلبوه مني علَيّ حقًّا واجبًا، إذ يلزم العالم بما فيه نُصْح المسلمين أن يكون على نشره مواظبًا= فذكرتُ

стр. 10

نبذةً مختصرة من مناقبه وطُرَفِه (١)، تدلّ العاقل المنصف على فضائله وشرَفه. وقد رتّبتها فصولًا، لتكون لمتأملها دليلًا. وذكرت في كلّ فصلٍ منها ما حضرني ممّا يليق بذكره فيه؛ من ذكر مولده، ومنشئه، وتوفيق الله تعالى له مدة عمره من أوله إلى آخره، وحرصه على العلوم واجتهاده، وكثرة سماعه الأحاديث وازدياده، وغزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته، وسعة نقله في فتاويه ودروسه البديهية ومنصوصاته، وثاقب بصره بأنواع أجناس المذكور والمقول والمنقول، والمتصوّر والمفهوم والمعقول، وذكر تعبّده وورعه، وزهده وتجرّده، وخلوّه عن الدنيا وتبعّده، وإيثاره مع فقره وتواضعه، وكرامته وفراسته، وثباته وكرمه، وشجاعته وصبره في ذات الله ومِحَنِه، وحِفْظ الله تعالى ورعايته له، مع تحاشد أعدائه وحُسّده، وذكر وفاته، وكثرة من صلى عليه ومشيّعي جنازته، وما ألقى الله تعالى في قلوب الخاصة والعامّة في حياته وبعد وفاته، وانتشار فضله وفضائله، وعلمه ومسائله في البلاد والآفاق. فأقول وبالله التوفيق والرشاد: الفصل الأول: في ذكر مولده ومنشئه، ومدة عمره ﵁ وأرضاه. الفصل الثاني: في غزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته، وسَعَة نقله في دروسه وعلومه البديهية ومنصوصاته. الفصل الثالث: في ذكر معرفته أنواع أجناس المذكور والمقول والمنقول، والمتصوَّر والمفهوم والمعقول.

стр. 11

الفصل الرابع: في ذكر تعبّده. الفصل الخامس: في ذكر بعض ورعه. الفصل السادس: في ذكر بعض زُهده وتجرّده، وتقاعده عن الدنيا وتبعّده. الفصل السابع: في إيثاره مع فقره وتواضعه. الفصل الثامن: في هيئته ولباسه. الفصل التاسع: في ذكر بعض كراماته وفراسته. الفصل العاشر: في ذكر كرمه. الفصل الحادي عشر: في ذكر قوّة قلبه وشجاعته. الفصل الثاني عشر: في ذكر قوّته في مرضاة الله تعالى وصبره على الشدائد واحتماله إيّاها لله، وثبوته على الحق إلى أن توفّاه الله على ذلك. الفصل الثالث عشر: في ذكر أن الله تعالى جعله حجّة في عصره، ومعيارًا للحق والباطل، مريدًا الآجل، وغير مؤثر العاجل. الفصل الرابع عشر: في ذكر وفاته، وكثرة من صلّى عليه وشيَّعه. ﵁ وأرضاه (١).

стр. 12

الفصل الأول في ذكر منشئه وعمره ومدّة عمره ﵁ وأرضاه أمّا مولده فكما أخبرني به غيرُ واحد من الحُفاظ أنه ولد بحرّان في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مائة. وبقي بها إلى أن بلغ سبع سنين، ثم انتقل به والده ــ ﵀ ــ إلى دمشق المحروسة، فنشأ بها أتمَّ إنشاءٍ وأزكاه، وأنبته الله أحسن النبات وأوفاه. وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة. أخبرني من أثق به عن جدّته أنّ الشيخ ﵁ في حال صغره، كان إذا أراد المضيّ إلى المكتب، يعترضه يهوديٌّ كان منزله بطريقه، بمسائل يسأله عنها لما يلوح عليه من الذكاء والفطنة. وكان يجيبه عنها سريعًا، حتى تعجّب منه. ثم إنه صار كلّما اجتاز يُخبره بأشياء مما يدلّ على بُطلان ما هو عليه، فلم يلبث أن أسلم وحسن إسلامه. وكان ذلك ببركة الشيخ على صغر سنّه. ولم يزل منذ أيام صغره مستغرق الأوقات في الجدّ والاجتهاد. وخَتَم القرآن صغيرًا، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك، مع ملازمته مجالس الذِّكر وسماع الأحاديث والآثار. ولقد سمع غير كتابٍ على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية. أمّا دواوين الإسلام الكبار، كـ «مسند أحمد»، و «صحيح البخاري»، ومسلم، و «جامع الترمذي»، و «سنن أبي داود السجستاني»، والنسائي،

стр. 13

وابن ماجه، والدارقطني؛ فإنه سمع كل واحد منها مرّات عدّة. وأول كتاب حفظه في الحديث «الجمع بين الصحيحين» للإمام الحُمَيدي. وقلّ كتاب من فنون العلم إلّا وقف عليه. كأنّ الله قد خصّه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان. لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء غالبًا إلا ويبقى على خاطره، إمّا بلفظه أو معناه. وكان العلم كأنّه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن له مستعارًا، بل كان له شِعارًا ودثارًا. لم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد، والقدم الراسخة في الفضل. لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع عمره لأعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته أكبر شهادة، حتى اتفق كلُّ ذي عقل سليم أنّه ممن عنى نبينا ﷺ بقوله: «إنّ الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدِّد لهذه الأمة أمرَ دينها» (١). فلقد أحيا الله به ما كان قد دَرَس من شرائع الدين، وجعله حجة على أهل عصره أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 14

الفصل الثاني في غزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته، وسَعَة نقله في فتاويه ودروسه البديهية ومنصوصاته أمّا غزارة علومه فمنها: ذكر معرفته بعلوم القرآن المجيد واستنباطه لدقائقه، ونقله لأقوال العلماء في تفسيره، واستشهاده بدلائله، وما أودعه الله تعالى فيه من عجائبه، وفنون حكمه، وغرائب نوادره، وباهر فصاحته، وظاهر ملاحته، فإنه فيه الغاية التي يُنتهى إليها، والنهاية التي يُعوَّل عليها. ولقد كان إذا قُرئ في مجلسه آياتٌ من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها، فينقضي المجلس بجملته، والدرس بزمنه، وهو في تفسير بعض آيةٍ منها. وكان مجلسه في وقت مقدَّر بقدر ربع النهار. يفعل ذلك بديهةً من غير أن يكون له قارئٌ مُعيَّن يقرأ له شيئًا معيّنًا يُبَيّته (١) ليستعدّ لتفسيره، بل كان من حضر يقرأ ما تيسّر، ويأخذ هو في القول على تفسيره. وكان غالبًا لا يقطع إلا ويفهم السامعون أنه لولا مضيّ الزمن المعتاد لأورد أشياء أُخر في معنى ما هو فيه من التفسير، لكن يقطع نظرًا في مصالح الحاضرين. ولقد أملى في تفسير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مجلّدًا كبيرًا. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ نحو خمس وثلاثين كرّاسة. ولقد بلغني أنّه شرع في جمع تفسير لو أتمّه لبلغ خمسين مجلدًا.

стр. 15

أمّا معرفته وبصره بسنّة رسول الله ﷺ وأقواله وأفعاله وقضاياه ووقائعه وغزواته، وسراياه وبعوثه، وما خصّه الله تعالى من كراماته ومعجزاته، ومعرفته بصحيح المنقول عنه وسقيمه، والمنقول عن الصحابة ﵃ في أقوالهم وأفعالهم وقضاياهم وفتاويهم وأحوالهم، وأحوال مجاهداتهم في دين الله، وما خُصوا به من بين الأمة= فإنه كان ــ ﵁ ــ من أضبط الناس لذلك، وأعرفهم فيه، وأسرعهم استحضارًا لما يريده منه. فإنه قلّ أن ذَكَر حديثًا في مصنّفٍ وفتوى، أو استشهد به، أو استدلّ به، إلا عزاه في أيّ دواوين الإسلام هو، ومن أيّ قسم من الصحيح أو الحسن أو غيرها. وذَكَر اسم راويه من الصحابة. وقلّ أن يُسأل عن أثرٍ إلا وبيّن في الحال حاله، وحال أمره (١) وذكره. ومن أعجب الأشياء في ذلك: أنه في محنته الأولى بمصر (٢) لمّا أُخِذَ وسُجن، وحيل بينه وبين كتبه، صنف عدّة كتب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدِّثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كلَّ شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذلك فيها، وفي أي موضع هو منها. كلُّ ذلك بديهة من حفظه؛ لأنّه لم يكن عنده حينئذٍ كتاب يُطالعه. ونُقِّبَت (٣)

стр. 16

واعْتُبِرَت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغيّر. ومن جملتها كتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (١)، وهذا من الفضل الذي خصَّه الله تعالى به. ومنها ما منحه الله تعالى من معرفة اختلاف العلماء ونصوصهم، وكثرة أقوالهم واجتهادهم في المسائل، وما رُوي عن كلٍّ منهم من راجح ومرجوح، ومقبول ومردود، في كل زمان ومكان وعصر، من الصحيح الثاقب الصائب للحقّ مما قالوه ونقلوه، وعَزْوه ذلك إلى الأماكن التي بها أودعوه، حتى كان إذا سئل عن شيء من ذلك كأنّ جميع المنقول عن الرسول ﷺ وأصحابه والعلماء فيه من الأولين والآخرين متصوَّر مسطور بإزائه. يقول ما شاء الله، ويذكر (٢) ما يشاء. وهذا قد اتفق عليه كلّ من رآه، أو وقف على شيء من علمه، ممن لم يُغلِظ عقلَه الجهلُ والهوى. وأمّا مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبًا أحد؛ لأنّها كثيرة جدًّا، كبارًا وصغارًا. وهي منشورة في البلدان. فقلَّ بلدٌ نزلتُه إلا ورأيت فيه من تصانيفه.

стр. 17

- فمنها ما يُبلغ اثنى عشر مجلدًا، كتخليص (١) التلبيس على أساس التقديس وغيره. - ومنها ما يبلغ سبع مجلدات، كالجمع بين العقل والنقل. - ومنها ما يبلغ خمس مجلّدات، ومنها منهاجُ الاستقامة والاعتدال ونحوه. - ومنها ما يبلغ ثلاث مجلّدات، كالرَّد على النصارى وشِبْهه. - ومنها مجلدان، كنكاح المحلّل، وإبطال الحيل (٢)، وشرح العقيدة الأصبهانية. - ومنها مجلّد ودون ذلك. وهذان القِسْمان من مؤلفاته فهي كثيرة جدًّا لا يمكنني استقصاؤها، لكن أذكر بعضها استئناسًا: - كتاب تفسير سورة الإخلاص، مجلد. - كتاب الكلام على قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. - كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول، مجلد. - كتاب الفرق المبين بين الطلاق واليمين. - كتاب الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. - كتاب اقتضاء الصراط المستقيم. - كتاب الكلم الطّيب.

стр. 18

- كتاب إثبات الكمال (١). - كتاب الردّ على تأسيس التقديس (٢). - كتاب نقض أقوال المبتدعين. - كتاب الردّ على النصارى (٣). - كتاب إبطال الحيل ونكاح المحلّل (٤). - كتاب شرح العقيدة الأصبهانية. - كتاب الفتاوى. - كتاب الدرّ الملتقط. - كتاب أحكام الطلاق. - كتاب الرسالة (٥). - كتاب اعتقاد الفرقة الناجية. - كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام. - كتاب تقرير مسائل التوحيد. - كتاب الاستغاثة والتوسّل.

стр. 19

- كتاب المسائل (١) الحموية. - كتاب المسائل الجزرية. - كتاب المسائل المفردة. ولا يليقُ هذا المختصر بأكثر من هذا القَدْر من مؤلفاته، وإلاّ فيمكن تعداد ما ينيفُ على المائتَين، لكن لم نَرَ الإطالة بذكره. وأما فتاويه ونصوصه وأجوبته على المسائل، فهي أكثر من أن أقدر على إحصائها، لكن دُوِّن بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مجلّدًا. وهذا ظاهر مشهور. وجمع أصحابه أكثر من أربعين ألف مسألة. وقلَّ أن وَقَعَتْ واقعةٌ وسُئل عنها، إلّا وأجابَ فيها بديهةً بما بَهَرَ واشتهر. وصار ذلك الجواب كالمصنّف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كُتُب، وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله. أخبرني الشيخ الصالح تاج الدين محمد المعروف بابن الدوري، أنّه حضر مجلس الشيخ ﵁، وقد سأله يهوديٌّ عن مسألة في القَدَر قد نظمها شعرًا في ثمانية أبيات، فلما وقف عليها فكّر لحظة يسيرة وأنشأ يكتب جوابها، وجعل يكتب ونحن نظنّ أنه يكتب نثرًا. فلما فرغ تأمّله من حضر من أصحابه، وإذا هو نظم في بحر أبيات السؤال وقافيتها، تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا (٢). وقد أبرز فيها من العلوم ما لو شُرح بشرح لجاء

стр. 20

شرحه مجلّدين كبيرين. هذا من جملة بواهره. وكم من جواب فتوى لم يُسبق إلى مثله. وأمّا ذكر دروسه؛ فقد كنت في حال إقامتي بدمشق لا أفوّتها. وكان لا يهيئ شيئًا من العلم ليُلقيه ويورده، بل يجلس بعد أن يصلي ركعتين فيحمد الله ويثني عليه، ويصلّي على رسوله ﷺ ، على صفة مستحسنة مستعذبة لم أسمعها من غيره. ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض، ولطائف ودقائق، وفنون ونقول، واستدلالات بآياتٍ وأحاديث، وأقوال العلماء، ونصر (١) بعضها وتبيين صحته، أو تزييف بعضها وإيضاح (٢) حجّته، واستشهادٍ بأشعار العرب، وربّما ذكر ناظمها. وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ، كالغائب عن الحاضرين، مغمضًا عينيه، وذلك كله مع عدم فكره فيه ورَوِيَّته (٣)، من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن، بل فيضٌ إلهيّ، حتى يبهر كل سامع وناظر، فلا يزالُ كذلك إلى أن يصمت. وكنتُ أراه حينئذٍ كأنّه قد صار بحضرة من يشغله عن غيره، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يُرعد القلوب ويحيّر الأبصار والعقول.

стр. 21

وكان لا يذكر رسول الله ﷺ قطُّ إلّا ويصلي ويُسلِّم. ولا والله ما رأيت أحدًا أشدّ تعظيمًا لرسول الله ﷺ ، ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه. حتى إذا كان أورد شيئًا من حديثه في مسألة، ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنًا من كان. وقال ﵁: كلُّ قائل إنّما يحتج لقوله لا به، إلا الله ورسوله. وكان إذا فرغ من درسه يفتح عينيه، ويقبل على الناس بوجه طلْقٍ بشيشٍ، وخلق دمث كأنه لقيهم حينئذ. وربّما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال. ولقد كان درسُه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريس. وهذا الذي ذكرته من أحوال درسه أمرٌ مشهور يوافقني عليه كلّ حاضريه، وهم بحمد الله خلق كثير، لم يحصر عددهم: علماء ورؤساء وفضلاء من القرّاء والمحدّثين والفقهاء والأدباء وغيرهم من عوام المسلمين.

стр. 22

الفصل الثالث في ذكر معرفته بأنواع أجناس المذكور والمقول والمنقول، والمتصوَّر والمفهوم والمعقول أمّا معرفته بصحيح المنقول وسقيمه فإنه في ذلك من الجبال التي لا يُرتقى ذروتها، ولا يُنال سنامُها. قلَّ أن ذكر له قولٌ إلا وقد أحاط علمه بمبتكره وذاكره وناقله وآثره، أو راوٍ إلا وقد عرف حاله من جرح وتعديل بإجمالٍ وتفصيل. حكى من يوثق بنقله أنه كان يومًا بمجلس، ومحدّثٌ يقرأ عليه بعض الكتب الحديثية. وكان سريع القراءة. فعارضه الشيخ في اسم رجل من سند الحديث قد ذكره القارئ بسرعة. فذكر الشيخ أنَّ اسمه فلان، بخلاف ما قرأ، فاعتبروه فوجدوه كما قال الشيخ، فانظر إلى هذا الإدراك السريع والتنبيه (١) الدقيق العجيب. ولا يقدر على مثله إلا من اشتدت معرفته، وقوي ضبطه. وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه، من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصّص للعام، والمقيّد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثًا، وبيّن معانيه وما أريد به، يعجب

стр. 23

العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه. ولقد سئل يومًا عن الحديث «لعن الله المحلَّل له ... » (١) فلم يزل يورد فيه وعليه حتى بلغ كلامه فيه مجلّدًا كبيرًا. وقلّ أن كان يُذكر له حديث أو حكم فيشاء أن يتكلّم عليه يومه أجمع إلا فعل. أو يقرأ بحضرته آيةٌ من كتاب الله تعالى ويشرع في تفسيرها إلا وقطع المجلس كلَّه فيها. وأمّا ما خصّه الله تعالى به من معارضة أهل البدع في بدعتهم، وأهل الأهواء في أهوائهم، وما ألفه في ذلك من دحض أقوالهم وتزييف أمثالهم وأشكالهم، وإظهار عوارهم وانتحالهم، وتبديد شملهم، وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضتهم النفسانيّة (٢) للشريعة الحنيفية المحمدية، بما منحه الله تعالى من البصائر الرحمانية والدلائل النقلية والتوضيحات العقلية، حتى انكشف قناع الحق، وبان فيما جمعه في ذلك وألّفه الكذب من الصدق، حتى لو أن أصحابها أحياء ووُفِّقوا (٣) لغير الشقاء؛ لأذعنوا له بالتصديق، ودخلوا في الدين العتيق. ولقد وجب على كلّ من وقف عليها، وفهم ما فيها أن يحمد الله تعالى على حسن توفيقه هذا الإمام لنصر الحقّ بالبراهين الواضحة العظام. حدثني غير واحدٍ من العلماء الفضلاء النبلاء الممعنين بالخوض في

стр. 24

أقاويل المتكلمين، لإصابة الثواب وتمييز القشر من اللباب: أنّ كلًّا منهم لم يزل حائرًا في تجاذب أقوال الأصوليين ومعقولاتهم، وأنه لم يستقرّ في قلبه منها قولٌ ولم يَبِن له من مضمونها حقّ. بل رآها كلَّها موقعة في الحيرة والتضليل، وجُلّها مذعن بتكافؤ الأدلة والتعليل. وأنه كان خائفًا على نفسه من الوقوع بسببها في التشكيك والتعطيل، حتى منّ الله تعالى عليه بمطالعته مؤلفات هذا الإمام أحمد ابن تيمية شيخ الإسلام، مما أورده من النقليات والعقليات في هذا النظام. فما هو إلا أن وقف عليها وفهمها، فرآها موافقة للعقل السليم وعَلِمَها، حتى انجلى ما كان قد غشيه من أحوال المتكلمين من الظلام، وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشكّ وظفر بالمرام (١). ومن أراد اختبار صحة ما قلته، فليقف بعين الإنصاف، العَرِيّة عن الحسد والانحراف، إن شاء على مختصراته في هذا الشأن، كـ «شرح الأصبهانية» ونحوها، وإن شاء على مطولاته، كـ «تخليص التلبيس من تأسيس التقديس»، و «الموافقة بين العقل والنقل»، و «منهاج الاستقامة والاعتدال»، فإنه والله يظفر بالحق والبيان، ويستمسك بأوضح برهان، ويزن حينئذ ذلك بأصحّ ميزان. ولقد أكثر ــ ﵁ ــ التصنيف في الأصول فضلًا عن غيره من

стр. 25

بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نصّ في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، فإذا قلّد المسلم فيها أحدَ العلماء المقلَّدين جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه. وأمّا الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء، كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة، والقائلين بوحدة الوجود، والدهرية، والقدرية، والنُّصيرية، والجهمية، والحلولية، والمعطلة، والمجسِّمة، والمشبِّهة، والراوندية، والكُلّابية، والسالمية (١)، وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمّة الضلال، وبان لي أنّ كثيرًا منهم إنما قَصَد إبطال الشريعة المقدّسة المحمدية، الظاهرة على كلّ دين، العلية، وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قلّ أن سمعت أو رأيت معرضًا عن الكتاب والسنة، مقبلًا على مقولاتهم، إلا وقد تزندق أو صار على غير يقين في دينه أو اعتقاده. فلما رأيت الأمر على ذلك، بان لي أنه يجب على كلّ من يقدر على دفع شُبَههم وأباطيلهم وقطع حُجّتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، وزيف دلائلهم، ذبًّا عن الملّة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجليّة. ولا والله ما رأيتُ فيهم أحدًا ممّن صنّف في هذا الشأن، وادعى علوّ المقام، إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين، وعمّا جاءت به الرسل الكرام عن

стр. 26

رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سمّوها بزعمهم حُكميات وعقليّات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضًا عن غيرها أصلًا ورأسًا، فغلبت عليه حتى غطَّت على عقله السليم، فتخبّط حتى خَبَط فيها خَبْط عشواء، ولم يفرّق بين الحقّ والباطل، وإلا فالله أعظم لطفًا بعباده من أن لا يجعل لهم عقلًا يقبل الحقّ ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه، لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال. وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانًا يزن به العبد الواردات، فيفرق به بين ما هو من قبيل الحقّ، وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟ هذا باطل قطعًا، يشهد له كل عقل سليم، لكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. قال الشيخ الإمام قدّس الله روحه: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أنّي صرفت جُلّ همّي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة العقلية والنقلية. قلت: وقد أبان بحمد الله تعالى فيما ألّف فيها لكلّ بصيرٍ الحقَّ من الباطل، وأعانه بتوفيقه حتى ردّ عليهم بِدَعهم وآراءهم، وخُدَعهم وأهواءهم، مع الدلائل النقلية بالطريقة العقلية (١)، حتى يجيب عن كل شبهة من شبههم بعدة أجوبة جليّة واضحة، يعقلها كلّ ذي عقل صحيح،

стр. 27

ويشهد لصحتها كلّ عاقل رجيح. فالحمد لله الذي منّ علينا برؤيته وصحبته، فلقد جعله الله حجةً على أهل هذا العصر، المعرض غالب أهله عن قليله وكثيره؛ لاشتغالهم بفاني الدنيا عما يحصَّل به باقي الآخرة. فلا حول ولا قوة إلا بالله، لكن الله ذو القوة المتين ضمن حفظ هذا الدين إلى يوم الدين، وأظهره على كل دين، فالحمد لله رب العالمين.

стр. 28

الفصل الرابع في ذكر تعبّده أمّا تعبّده ــ ﵁ ــ فإنه قلّ أن سُمِع بمثله؛ لأنّه كان قد قطع جُلّ وقته وزمانه فيه، حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى ما يُراد (١) له من أهل ولا من مال. وكان في ليله متفرِّدًا عن الناس كلهم، خاليًا بربه ، ضارعًا، مواظبًا على تلاوة القرآن العظيم، مكرّرًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية. وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر، يأتي بسنّتها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوبَ لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنةً ويسرة، وكان إذا قرأ يمدّ قراءته مدًّا كما صحَّ في قراءة رسول الله ﷺ ، وكان ركوعه وسجوده وانتصابه عنهما من أكمل ما ورد في صلاة الفرض، وكان يُخفُّ جلوسه للتشهد الأول خفَّة شديدة، ويجهر بالتسليمة الأولى حتى يسمع كلُّ من حضر، فإذا فرغ من الصلاة أثنى على الله هو ومن حضر بما ورد من قوله: «اللهم أنت السلام ومنك السلام ... » (٢) الحديث، ثم يُقبل على الجماعة، ثم يأتي بالتهليلات الواردات حينئذ، ثم يسبح الله ويحمده ويكبّره ثلاثًا وثلاثين، ويختم المائة بالتهليل، كما ورد، وكذا

стр. 29

الجماعة، ثم يدعو الله تعالى له ولهم وللمسلمين أجناس ما ورد (١). وكان غالب دعائه: «اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسّر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، إليك راغبين، لك مخبتين، إليك راهبين، لك مطاويع، ربنا تقبّل توباتنا، واغسل حَوباتنا، وثبّت حُجَجَنا، واهد قلوبنا، واسلل سَخيمة صدورنا» (٢).

стр. 30

يفتتحه ويختمه بالصلاة على النبي ﷺ . ثم يشر ع في الذّكر، وكان قد عُرفت عادتُه لا يُكلّمه أحدٌ بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يُسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من الروحانية مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس، ويزول وقتُ النهي عن الصلاة. وكنت مدّة إقامتي بدمشق ملازمه جلَّ النهار وكثيرًا من الليل، وكان يدنيني منه حتى يجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ، فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها، ويقطع ذلك الوقت كله، أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس في تكرير تلاوتها، ففكّرت في ذلك لِمَ قد لزم هذه السورة دون غيرها؟ فبان لي، والله أعلم، أن قصده بذلك أن يجمع بتلاوتها حينئذ بين ما ورد في الأحاديث وما ذكره العلماء، هل يستحب تقديم الأذكار الواردة على تلاوة القرآن أو العكس؟ فرأى ﵁ أنّ في الفاتحة وتكرارها حينئذ جمعًا بين القولين وتحصيلًا للفضيلتين، وهذا من قوة فطنته وثاقب بصيرته. ثم إنه كان يركع، فإذا أراد سماع حديث في مكان آخر سارع إليه من فوره، مع من يصحبه، فقلَّ أن يراه أحدٌ ممن له بصيرة إلا وانكبَّ على يديه فيقبلهما، حتى إنه كان إذا رآه أرباب المعايش يتخَطّون (١) من حوانيتهم للسلام عليه والتبرّك به، وهو مع هذا يُعطي كُلًّا منهم نصيبًا وافرًا من السلام وغيره، وإذا رأى منكرًا في طريقه أزاله، أو سمع بجنازة سارع إلى

стр. 31

الصلاة عليها، أو تأسّف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث، فصلى عليه، ثم يعود إلى مسجده، فلا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلّي الظهر مع (١) الجماعة، ثم كذلك بقية يومه. وكان مجلسه عامًّا للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحرّ والعبد، والذكر والأنثى، قد وسع كل من يَرِدُ عليه من الناس، يرى كلٌّ منهم في نفسه أن لم يكرم أحدًا بقدره. ثم يصلي المغرب، ثم يتطوع بما يسَّره الله، ثم أقرأ عليه من مؤلفاته أنا أو غيري، فيفيدنا بالطرائف، ويمدُّنا باللطائف، حتى يصلّي العشاء، ثم بعدها كما كنا وكان من الإقبال على العلوم إلى أن يذهب هَوِيٌّ من الليل طويل، وهو في خلال ذلك كلّه في النهار والليل، لا يزال يذكر الله تعالى ويوحّده ويستغفره. وكان ﵁ كثيرًا ما يرفع طَرْفَه إلى السماء، لا يكاد يفتر عن ذلك، كأنّه يرى شيئًا يثْبِته بنظره، فكان هذا دأبه مدّة إقامتي بحضرته، فسبحان الله ما أقصر ما كانت! يا ليتها كانت طالت. ما مرَّ على عمري إلى الآن زمانٌ كان أحبَّ إليَّ من ذلك الحين، ولا رأيتني في وقت أحسن حالًا منّي حينئذ، وما كان إلا ببركة الشيخ ﵁. وكان في كلّ أسبوع يعود المرضى، خصوصًا الذين بالمارستان. وأخبرني غير واحد ممن لا يُشكُّ في عدالته أن جميع زمن الشيخ ينقضي

стр. 32

على ما رأيته. فأيُّ عبادة واجتهاد أفضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء!

стр. 33

الفصل الخامس في ذكر بعض وَرَعه كان ﵁ في الغاية التي يُنتهى إليها في الوَرَع؛ لأنّ الله تعالى أجراه مدة عمره كلّها عليه، فإنه ما خالط الناس في بيع ولا شراء ولا معاملة ولا تجارة ولا مشاركة ولا زراعة ولا عمارة، ولا كان ناظرًا مباشرًا لمال وقف، ولم يكن يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان ولا أمير ولا تاجر، ولا كان مُدَّخرًا دينارًا ولا درهمًا ولا متاعًا ولا طعامًا، وإنما كانت بضاعته مدّة حياته، وميراثه بعد وفاته ــ ﵁ ــ العلم، اقتداءً بسيّد المرسلين وخاتم النبيين محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، فإنه قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍّ وافر» (١). وكان ينبّه العاقل بحسن الملاطفة ورقيق المخاطبة ليختار لنفسه طريقتهم، ويسلك سبيلهم، وإن كان دونها من الطرائق من اتخاذ المباحات جائز، لكن العاقل يدلّه عقله على طلب الأعلى. فانظر بعين الإنصاف إلى ما وفّق الله له هذا الإمام وأجرى، ممّا أقعد عنه غيره وخذله عن طلبه، لكن لكل شيء سبب، وعلامة عدم التوفيق سلب الأسباب، ومن أعظم الأسباب: تركُ فضول الدنيا [و] التخلّي (٢) عن غير الضروري منها. فلما

стр. 34

وفّق الله هذا الإمام لرفض غير الضروري منها انصبّت عليه العواطف الإلهية، فحصل بها كلَّ فضيلة جليلة، بخلاف غيره من علماء الدنيا، مختاريها وطالبيها والساعين لتحصيلها، فإنهم لمّا اختاروا ملاذّها وزينتها ورياستها= انسدّت عليهم غالبًا طُرُق الرشاد، فوقعوا في شَرَكها يخبطون خبط عشواء، ويحطبونها كحاطب ليل، لا يُبالون ما يأكلون ولا ما يلبسون ولا ما يتأولون (١) إلا ما يُحصّل لهم أغراضَهم الدنيئة، ومقاصدهم الخبيثة الخسيسة، فهم متعاضدون على طلبها، متحاسدون بسببها، أجسامهم ميتة، وقلوبهم من غيرها فارغة، وظواهرهم مزخرفة معمورة، وقلوبهم خربة مأبورة. ولم يكفهم ما هم عليه حتى أصبحوا قالين رافضها، معادين باغضها، ولمّا رأوا هذا الإمام عالم الآخرة، تاركًا ما هم عليه من تحصيل الحطام من المشتبه الحرام، رافضًا الفضل المباح فضلًا عن الحرام، تحقّقوا أنّ أحواله تفضح أحوالهم، وتوضح خفيّ انفعالهم، وأخذتهم الغيرة النفسانية على صفاتهم الشيطانية، المباينة لصفاته الروحانية، فحرصوا على الفتك به أين ما وَجدوا، وأُنْسوا أنهم ثعالب وهو أسد. فحماه الله تعالى منهم بحراسته، وصنع له غير مرّة كما صنع لخاصّته، وحفظه مُدّة حياته وحماه، ونشر له عند وفاته علمًا في الأقطار بما والاه.

стр. 35

الفصل السادس في ذكر بعض زُهده وتجرده وتقاعده عن الدنيا وتبعّده أمّا زهده في الدنيا ومتاعها، فإنّ الله تعالى جعل ذلك له شعارًا من صغره. حدّثني من أثق به عن شيخه الذي علّمه القرآن المجيد قال: قال لي أبوه وهو صبي ــ يعني الشيخ ــ: أحبُّ إليك أن توصيه وتَعِده بأنك إذا لم تنقطع عن القراءة والتلقين أدفع إليك كلّ شهر أربعين درهمًا. قال: ودفع إليّ أربعين درهمًا، وقال: أعطه إيّاها، فإنه صغير وربّما يفرح بها فيزداد حرصه على الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه، وقل له: لك في كلّ شهر مثلها. فامتنع من قبولها وقال: يا سيدي، إنّي عاهدت الله تعالى أن لا آخذ على القرآن أجرًا، ولم يأخذها، فرأيت أن هذا لا يقع من صبي إلّا لما لله فيه من العناية. قلتُ: وصدق شيخه، فإنّ عناية الله هي التي أوصلته إلى ما وصل من كل خير من صغره، ولقد اتفق كلُّ من رآه ــ خصوصًا من أطال ملازمته ــ أنه ما رأى مثله في زهده في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورًا، بحيث قد استقرّ في قلب القريب والبعيد من كلّ من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سُئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية. وما اشتهر له ذلك إلا لمبالغته فيه، مع تصحيح النية، وإلاّ فمَن رأينا

стр. 36

من العلماء قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها، أو رضي بمثل حالته التي كان عليها؟ لم يُسمع أنه رغب في زوجةٍ حسناء ولا سرية حوراء، ولا دار قوراء، ولا جَوَارٍ، ولا بساتين ولا عَقار، ولا شدّ على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب ولا نَعَم، ولا ثياب ناعمة فاخرة ولا حَشَم، ولا زاحم في طلب الرياسات، ولا راءى ساعيًا في تحصيل المباحات، مع أنّ الملوك والأمراء والتجّار والكبار كانوا طَوعَ أمرِه، خاضعين لقوله وفعله، وادّين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لإجلاله، أو أن يؤهل كلًا منهم (١) في بذل ماله. فأين حاله هذه من أحوال بعض المنتسبين إلى العلم وليسوا من أهله، ممّن قد أغراه الشيطان بالوقيعة فيه بقوله وفعله؟ أتُرى ما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم وصفاته، وسِماتهم وسماته، وتحاسدهم في طلب الدنيا وفراغه عنها، وتحاشدهم في الاستكثار منها، ومبالغته في الهرب منها، وخدمتهم الأمراء واختلافهم إلى أبوابهم، وذلّ الأمراء بين يديه، وعدم اكتراثه بكبرائهم وأترابهم ومداجاتهم وتعبداتهم، وصدعه إيّاهم بالحق، وقوّة جأشه في محاورتهم؟ بلى والله! ولكن قتَلَتْهم الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، وغطّى على أحلامهم حبّ الدنيا السارقة، سارقة العقل لا سارقة البدن، حتى أصبحوا قاطعين من بايَنَهم (٢) في طلبها، واصلين مَن واصلهم في جلبها.

стр. 37

الفصل السابع في إيثاره مع فقره، وتواضعه كان ﵁ مع شدّة تركه للدنيا ورفضه لها وفقره فيها وتقلّله منها= مؤثِرًا بما عساه يجده منها، قليلًا كان أو كثيرًا، جليلًا أو حقيرًا، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدّق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به. فقد كان يتصدّق حتى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه ممّا يحتاج إليه فيَصِل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه، وربّما خبأهما في كمّه ويمضي ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى الفقير مستخفيًا، يحرص أن لا يراه أحد، وكان إذا ورد عليه فقير، وآثر المقام عنده يؤثره عند الأكل بالأكثر من قوته الذي جُعِل برسمه. حدّثني الشيخ الصالح العارف زين الدين علي الواسطيّ ما معناه: أنّه أقام بحضرة الشيخ مدة طويلة. قال: فكان قوتنا في غالبها أنه كان في بكرة النهار يأتيني ومعه قدر نصف رطل خبزًا بالعراقي، فيكسره بيده لُقمًا ونأكُل منه أنا وهو جميعًا، ثم يرفع يده قَبْلي، ولا يفرغ باقي القُرْص من بين يديّ حتى أشبع، بحيثُ أنّي لا أحتاجُ إلى الطعام إلى الليل. وكنتُ أرى ذلك من بركة الشيخ. ثم يَبْقى إلى بعد العشاء الآخرة حتى يفرغ من جميع عوائده التي يفيدُ الناسَ بها في كلّ يوم من أصناف القُرَب. فيؤتى بعشائنا، فيأكل هو معي لُقَيْمات، ثم يؤثرني بالباقي. وكنتُ أسأله أن يزيدَ على أكْلِه فلا يفعل، حتى إنّي كنتُ في نفسي أتوجّعُ له من قلّة أكله.

стр. 38

وكان هذا دأبُنا (١) في غالب مدّة إقامتي عنده، وما رأيتُ نفسي أغنى منها في تلك المدة، ولا رأيتُني أجمع (٢) همًّا مني فيها. وحكى غيرُ واحد ما اشتهر عنه من كثرة الإيثار، وتفقّد المحتاجين والغُرَباء، ورقيقي الحال من الفُقهاء والقُرّاء، واجتهاده في مصالحهم وصِلاتهم، ومساعدته لهم. بل لكلّ أحدٍ من العامّةِ والخاصّة ممن يمكنه فعل الخير معه، وإسداء المعروف إليه بقوله وفِعْله، ووجهه وجاهه. وأمّا تواضعه؛ فما رأيتُ ولا سمعتُ بأحدٍ من أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح والفقير. وكان يُدْني الفقيرَ الصالح ويُكرمُه ويؤنسه ويُباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله من الأغنياء، حتى إنّه ربما خدمه بنفسه؛ وأعانه بحَمْل حاجته، جَبْرًا لقَلْبه، وتقرُّبًا بذلك إلى ربّه. وكان لا يسأمُ ممّن يَسْتَفْتِيه أو يسأله، بل يُقبل عليه ببشارة وجْه ولين عريكة، ويقفُ معه حتى يكون هو الذي يُفارقه، كبيرًا كان أو صغيرًا، رجلًا أو امرأةً، حُرًّا أو عبْدًا، عالمًا أو عامِيًّا، حاضرًا أو باديًا، ولا يجبهه ولا يُحرِجهُ ولا يُنفِّرُه بكلام يوحشُه، بل يُجيبُه ويُفهِّمُهُ ويُعَرِّفُه الخطأَ من الصواب، بلطف وانبساط. وكان يلزم التواضع في حضوره مع الناس ومغيبه عنهم، في قيامه وقعوده ومَشْيه، ومجلسه ومجلس غيره.

стр. 39

ولقد بالغ معي حال إقامتي بحضرته في التواضع والإكرام، حتى إنه لا يذكرني باسمي، بل يُلَقِّبني بأحسن الألقاب، ويُظهِرُ لي خصوصًا بين أصحابي من الإكرام والتبجيل والإدناء منه، بحيث لا يتركني أجلس إلّا إلى جانبه، قصيرًا كان مجلسُه أو طويلًا، خاصًّا أو عامًّا. ولازمني في حال قراءتي «صحيح البخاري». وكان قَصْدي قراءته على راويه منفردًا، لاستصغاري نفسي عن القراءة هُناك بمحضر من الناس، ولقصدي تعجيل فراغي منه انتهازًا للفُرْصة، وخَوْفًا من فوات ذلك الشيخ الراوي، لكونه تفرّد بروايته سماعًا على أصحاب أبي الوقت السِّجْزي. فلما سمع الشيخ بذلك ألزمني قراءته بمجْمَع كثير من الناس رجالًا ونساءً وصبيانًا. وقال: ما ينبغي إلّا على صِفةٍ يكون نفعُها متعديًا إلى المسلمين. فتجرّد لي بحيث حصل لي مُرادي وفوقه من تحصيل قراءتي له في عشرين مجلسًا متوالية، لم يتخللها سوى الجمعة. ولازمني فيها، وحضر القراءة كلّها يضبطها بنسخة كانت بيده هي أصلُ ابن ناصر الحافظ يُعارض بها نسخة القراءة، وكانت أصلَ الشيخ المُسْمع (١). وَأظهر لي من حسن الأخلاق والمبالغة في التواضع، بحيث إنه كان إذا خرجنا من منزله بقصد القراءة يحمل هو بنفسه النسخة ولا يَدَعُ أحدًا منّا يحملها عنه. وكنتُ أعتذرُ إليه من ذلك خَوْفًا من سوء الأدب، فيقول: لو حملْتُه على رأسي لكان ينبغي. ألا أحمل ما فيه كلامُ رسول الله ﷺ ؟

стр. 40

وكان يجلس تحت الكرسي ويَدَعُ صَدْر المجالس، حتى إنّي لأستحي من مجلسه هناك، وأعجب من شدّة تواضعه، ومبالغته في إكرامي بما لا أستحق وتقديمي عليه في المجلس. ولولا قراءتي حديث رسول الله ﷺ ، وعِظَم حُرْمتها لما كان ينبغي لي ذلك. وكان هذا حاله في التواضع والتنازل والإكرام لكلّ مَنْ يَرِدُ عليه، أو يصحبه، أو يلقاه. حتى إنّ كلّ مَنْ لقيه يحكي عنه من المبالغة في التواضع نحوًا مما حكيتُه وأكثر من ذلك. فسبحان مَنْ وفّقه وأعطاه، وأجراه على خلال الخير وأمضاه.
следующие страницы →