← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بمعنى العبادة، ولكن يتوسّل به ويُتَشفع به إلى الله. فبعض الحاضرين قال: ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدِّين بن جماعة أنَّ هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أنْ يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله. ثمَّ إنَّ الدولة خيروه بين أشياء؛ إمَّا أنْ يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شُرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم، فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثمَّ أرسلوا خلفه من الغد بريدًا آخر، فردوه وحضر عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إنَّ الدولة ما ترضى إلَّا بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له. واستناب شمس الدِّين التونسي المالكي وأذن له أنْ يحكم عليه بالحبس فامتنع وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكي فتحيَّر، فلما رأى الشَّيخُ توقفَهم في حبسه قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتّبِع ما تقتضيه المصلحة. فقال نور الدِّين الزواوي: يكون في موضع يصلح لمثله. فقيل له: الدولة ما ترضى إلَّا بمسمى الحبس، فأُرسل إلى حبس القضاة، وأُجْلِس في المكان الَّذي أُجْلس فيه تقي الدِّين ابن بنت الأعزّ حين سُجن، وأذن له أنْ يكون عنده من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كَانَ قد استحوذ على عقل الجاشنكير الَّذي تسلطن فيما بعد، وغيره من الدولة، والسلطان مقهور معه. واستمر الشَّيخ في الحبس يُستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوي المشكلة الَّتي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس، فيكتب

стр. 527

عليها بما يحيّر العقول من الكتاب والسنة. ثمَّ عُقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشَّيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلًا ونهارًا. (١٤/ ٤٧ - ٤٨). (١٨/ ٧٣ - ٧٦). سنة (٧٠٨) استهلّت ... والشيخ تقي الدِّين قد أُخرج من الحبس (١)، والناس قد عكفوا عليه زيارة وتعلُّمًا وإفتاءً وغير ذلك. (١٤/ ٤٩). (١٨/ ٧٨). سنة (٧٠٩) وفي ليلة سلخ صفر توجه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من القاهرة إلى الإسكندرية صحبة أمير مقدَّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسع الأكناف، فكان الناس يدخلون عليه ويشتغلون في سائر العلوم، ثمَّ كَانَ بعد ذلك يحضر الجمعات ويعمل المواعيد على عادته في الجوامع، وكان دخوله إلى الإسكندرية يوم الأحد، وبعد عشرة أيام وصل خبره إلى دمشق، فحصل للناس عليه تألم وخافوا عليه غائلة الجاشنكير وشيخه نصر المنبجي، فتضاعف له الدعاء، وذلك أنهم لم يمكّنوا أحدًا من أصحابه أنْ يخرج معه إلى الإسكندرية فضاقت له الصدور، وذلك أنَّه تمكّن منه عدوُّه نصر المنبجي. وكان سبب عداوته له أّنَّ الشَّيخ تقي الدِّين كَانَ ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصر المنبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقرب انقضاء أجله، ويتكلم فيها وفي ابن عربي وأتباعه. فأرادوا أنْ يسيّروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفيّ، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيلة

стр. 528

فيستريح منه، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقُربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنوًّا وكرامة له. وجاء كتاب من أخيه يقول فيه: إنَّ الأخ الكريم قد نزل بالثغر المحروس على نية الرباط، فإن أعداء الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامة في حقِّنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدّي إلى هلاك الشَّيخ فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة وانعكست من كل الوجوه، وأصبحوا وأمسوا وما زالوا عند الله وعند عباده العارفين سود الوجوه، يتقطعون حسراتٍ وندمًا على ما فعلوا، وانقلب أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلين عليه مكرمين له، وفي كل وقت ينشر من كتاب الله وسنة رسوله ما تقرّ به أعينُ المؤمنين، وذلك شجًى في حلوق الأعداء، واتفق أنَّه وجد بالإسكندرية إبليس قد باض فيها وفرخ وأضل بها فرق السبعينية والعربية، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شَذَرَ مَذَرَ، وهتك أستارهم وفضحهم، واستتاب جماعة كثيرة منهم، وتوّب رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصهم ــ من أمير وقاض وفقيه، ومفتٍ وشيخ وجماعة المجتهدين، إلَّا من شذَّ من الأغمار الجهال، مع الذلة والصغَار ــ محبة الشَّيخ وتعظيمه وقبول كلامه والرجوع إلى أمره ونهيه، فَعَلَتْ كلمةُ الله بها على أعداء الله ورسوله، ولُعنوا سرًّا وجهرًا وباطنًا وظاهرًا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصة بهم، وصار ذلك عند نصر المنبجي المقيم المقعد، ونزل به من الخوف والذل ما لا يُعَبَّر عنه، وذكر كلامًا كثيرًا. والمقصود أنَّ الشَّيخ تقي الدِّين أقام بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر مقيمًا

стр. 529

ببرج متسع مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء، ويتردّد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء، يقرأون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر. وفي آخر ربيع الأوَّل عزل الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني عن نظر المارستان بسبب انتمائه إلى ابن تَيْمِيَّة بإشارة المنبجي، وباشره شمس الدِّين عبد القادر بن الحظيري. (١٤/ ٥١ - ٥٢). (١٨/ ٨٣ - ٨٥). وفي هذا الشهر [جمادى الآخرة] عزل عنها (أي: مشيخة سعيد السعداء) الشيخ كريم الدِّين الآملي؛ لأنه عزل منها الشهود فثاروا عليه، وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرُسِم بصرفه عنهم، وعُومل بنظر ما كان يعامل به الناس، ومن جملة ذلك: قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية، وافتراؤه عليه الكذب، مع جهله وقلة ورعه، فعجَّل الله له هذا الجزاء على يد أصحابه وأصدقائه جزاءً وفاقًا. (١٨/ ٨٦). قال الشَّيخ علم الدِّين البرزالي: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلَّا طلب الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الإسكندرية معزَّزًا مكرَّمًا مُبجَّلًا، ، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشَّيخ تقي الدِّين على السلطان في يوم ثامن الشهر، وخرج مع الشَّيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقّاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشَّيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وجماعة كثيرة من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال: أنا قد حاللتُ كل من آذاني.

стр. 530

قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدِّين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من إكرام الشيخ تقي الدين، وما حصل له من الشكر والمدح من السلطان، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة صدر الدِّين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلًا، وذلك أنَّه كَانَ إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كَانَ حاضرًا هذا المجلس، ذكر لي: أنَّ السلطان لما قدم عليه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة نهض قائمًا للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك هُنيهةً، ثمَّ أخذ بيده فذهب به إلى صُفَّةٍ فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدَّثان، ثمَّ جاء ويد الشَّيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي الوزير، وتحته ابن صصري، ثمَّ صدر الدِّين عليّ الحنفي، وجلس الشَّيخ تقي الدِّين بين يدي السلطان على طرف طراحته، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبه مائة ألف في كل سنة، زيادة على الجالية (١)، فسكت النَّاس وكان فيهم قضاة مصر والشام وكبار العلماء من أهل مصر والشام من جملتهم ابن الزَّمْلَكاني. قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزَّمْلَكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد، فجثا الشَّيخ تقي الدِّين على ركبتيه وتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، وردّ على الوزير ما قاله ردًّا عنيفًا، وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسكته بترفّق وتودد وتوقير. وبالغ الشَّيخ في الكلام وقال

стр. 531

ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه، وبالغ في التشنيع على من يوافق على ذلك. وقال للسلطان: حاشاك أنْ يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ ردَّ مُلكك إليك، وكبت عدوك ونصرك على أعدائك. فذكر أنَّ الجاشنكير هو الَّذي جدد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاشنكير كَانَ من مراسيمك؛ لأنَّه إنَّما كَانَ نائبًا لك. فأعجب السلطان ذلك واستمرَّ بهم على ذلك، وجرت فصول يطول ذكرها. وقد كَانَ السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، وبعلمه ودينه وقيامه بالحق وشجاعته. وسمعتُ الشَّيخ تقي الدِّين يذكر ما كَانَ بينه وبين السلطان من الكلام لمَّا انفردا في ذلك الشباك الَّذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشَّيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخْرَجَ له فتاوي بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أنْ يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كَانَ حَنَقُه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله مبايعة الجاشنكير، ففهم الشَّيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أنْ ينال أحدًا منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلَهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا. فقال الشَّيخ: من آذاني فهو في حِلٍّ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتَّى حَلُم عنهم وصَفَح. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تَيْمِيَّة حرَّضْنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا. ثمَّ إنَّ الشَّيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم

стр. 532

ونشره، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة وبالقول، وجاءته الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حلّ، وبعث الشَّيخ كتابًا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير، ويطلب منهم جملة من كتب العلم الَّتي له، ويستعينوا على ذلك بجمال الدِّين المزي، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب الَّتي أشار إليها، وقال في هذا الكتاب: والحق كل ما له في علو وازدياد وانتصار، والباطل في انخفاض وسفول واضمحلال، وقد أذلّ الله رقاب الخصوم، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة، وما فيه قمع الباطل والبدعة، وقد دخلوا تحت ذلك كله وامتنعنا من قبول ذلك منهم، حتَّى يظهر إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتَّى يصير المشروط معمولًا، والمذكور مفعولًا، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات الَّتي تمحو سيئاتهم، وذكر كلامًا طويلًا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود والنصارى وذلهم، وتركهم على ما هم عليه من الذلة والصغار، والله سبحانه أعلم. (١٤/ ٥١ - ٥٧). (١٨/ ٩٢ - ٩٥). سنة (٧١٠) استهلّت ... والشيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة مقيم بمصر معظمًا مكرّمًا. سنة (٧١١) استهلّت والحكام هم المذكورون في الَّتي قبلها ... وقد انتقل الأفرم إلى نيابة طرابلس بإشارة ابن تَيْمِيَّة على السلطان بذلك. (١٤/ ٦٢ - ٦٣). (١٨/ ١٠٩).

стр. 533

وفي هذا الشهر [جمادى الأولى] قُرّر على أهل دمشق ألف وخمس مئة فارس. ولكل فارس خمس مئة درهم، وضُربت على الأملاك والأوقاف. فتألم الناس من ذلك تألمًا عظيمًا. وسعوا إلى الخطيب جلال الدِّين [القزويني] فسعى إلى القضاة، واجتمع الناس بُكرة يوم الاثنين ثالث عشر الشهر، واختلفوا في الاجتماع، وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثر النبوي والسناجق الخليفتية. ووقفوا في الموكب. فلما رآهم النائب تغيّظ عليهم وشتم القاضي والخطيب. وضرب مجد الدِّين التونسي، ورسم عليهم، ثمَّ أطلقهم بضمان وكفالة فتألم الناس من ذلك كثيرًا. فلم يمهله الله إلّا عشرة أيّام، فجاءه الأمر فجأة فعُزل، وحُبس. ففرح الناس بذلك فرحًا شديدًا. ويُقال إنَّ الشَّيخ تقيّ الدِّين لما بلغه ذلك الخبر عن أهل الشَّام، فأخبر السلطان بذلك فبعث من فَوْره فمسكه شرّ مِسْكَة ... (١٤/ ٦٤). (١٨/ ١١٢). سنة (٧١٢) وفي ثامن شوال دقت البشائر بدمشق بسبب خروج السلطان من مصر لأجل ملاقاة التتر، وخرج الركب في نصف شوال وأميرهم حسام الدِّين لاجين الصغير، الَّذي كَانَ والي البرّ، وقدمت العساكر المنصورة المصرية أرسالًا، وكان قدوم السلطان ودخوله دمشق يوم الثلاثاء ثالث عشري شوال، واحتفل الناس لدخوله، فنزل بالقلعة وقد زين البلد ودقت البشائر، ثمَّ انتقل بعدُ ليلتئذ إلى القصر وصلى الجمعة بالجامع بالمقصورة وخلع على الخطيب، وجلس في دار العدل يوم الاثنين، وقدم وزيره أمين المُلْك يوم الثلاثاء عشري الشهر، وقدم صحبة السلطان الشَّيخ الإمام العالم العلامة

стр. 534

تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد ابن تَيْمِيَّة إلى دمشق يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة وكانت غيبته عنها سبع سنين كوامل، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه وسُرُّوا بقدومه وعافيته ورؤيته، واستبشروا به حتَّى خرج خلق من النساء أيضًا لرؤيته. وقد كَانَ السلطان صحبه معه من مصر فخرج معه بنية الغزاة، فلما تحقق عدم الغزاة وأن التتر قد رجعوا إلى بلادهم فارق الجيش من غزة وزار القدس وأقام به أيامًا، ثمَّ سافر على عجلون وبلاد السواد وزُرَع، ووصل دمشق في أول يوم من ذي القعدة، فدخلها فوجد السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميرًا من خواصه يوم الخميس ثاني ذي القعدة، ثمَّ إنَّ الشَّيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازمًا لإشْغال الناس في سائر العلوم ونشر العلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطولة والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصَّحابة والسلف. (١٤/ ٦٩). (١٨/ ١٢٤ - ١٢٥). سنة (٧١٤) وفي المحرم استحضر السلطان إلى بين يديه: الفقيه نور الدِّين عليًّا البكري، وهمّ بقتله، وشفع فيه الأمراء، فنفاه، ومنعه من الكلام في الفتوى والعلم، وكان قد هرب لما طلب من جهة الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة فهرب واختفى، وشُفع فيه أيضًا ... (١٤/ ٧٢). (١٨/ ١٣٦).

стр. 535

[وفيها] توفيت الشيخة الصالحة ... أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح ... (وَذكَر من فضلها)، وقد كانت تحضر مجلس الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة فاستفادت منه ... وقد سمعتُ الشَّيخ تقي الدِّين يُثني عليها، ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرًا من «المغني» أو أكثره وأنَّه كَانَ يستعدّ لها من كثرة مسائلها، وحُسن سؤالاتها وسرعة فهمها. (١٤/ ٧٤ - ٧٥). (١٨/ ١٤٠ - ١٤١). سنة (٧١٥) [توفي فيها] الحكيم الفاضل البارع بهاء الدِّين عبد السيد ... الطبيب ... أسلم على يدي شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، لما بيَّن له بطلان دينهم وما هم عليه، وما بدّلوه من كتابهم وحرَّفوه من الكلم عن مواضعه ﵀ . (٤/ ٧٧ - ٧٨). (١٨/ ١٤٨). سنة (٧١٦) توفي الشَّيخ الصدر بن الوكيل، وهو العلّامة أبو عبد الله محمد بن الشَّيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدِّين عمر بن مكي بن عبد الصمد المعروف بابن المُرَحِّل وبابن الوكيل، شيخ الشافعية في زمانه ... وكان ينصب العداوة للشيخ ابن تَيْمِيَّة، ويُناظره في كثير من المحافل والمجالس. وكان يعترف للشيخ تقي الدِّين بالعلوم الباهرة ويُثني عليه، ولكنه كَانَ يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، ويُنافح عن طائفته. وقد كَانَ شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة يثني عليه وعلى علومه وفضائله، ويشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة، وكان

стр. 536

يقول: كَانَ مخلّطًا على نفسه، متبعًا مراد الشيطان منه، يميل إلى الشهوة والمحاضرة ... (١٤/ ٨٣). (١٨/ ١٦٠ - ١٦١). [وتوفيت] الشيخة الصالحة ست النعم بنت عبد الرَّحمن بن عليّ ابن عبدوس الحرّانية، والدة الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة. عمرت فوق التسعين سنة. وكانت من الصالحات، ولدت تسع بَنِين. ولم ترزق بنتًا قط. توفيت يوم الأربعاء العشرين من شوال ودُفنت بالصوفية، وحضر جنازتها خلق كثير وجمٌ غفير. رحمها الله. (١٤/ ٨١). (١٨/ ١٥٩). سنة (٧١٧) في صفر شُرع في عمارة الجامع الَّذي أنشأه ملك الأمراء سيف الدِّين تنكز نائب الشَّام ظاهر باب النصر تجاه حكر السمّاق، على نهر بانياس بدمشق. وتردّد القضاة والعلماء في تحرير قبلته، فاستقرّ الحال في أمرها على ما قاله الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في يوم الأحد الخامس والعشرين منه، وشرعوا في بنائه بأمر السلطان ومساعدته لنائبه في ذلك. (١٤/ ٨٣). (١٨/ ١٦٣). وفي التاسع عشر منه [شوال] درّس ابن الزَمْلَكاني بالعذراوية عوضًا عن ابن سلام. وفيه درّس الشيخ شرف الدِّين ابن تَيْمِيَّة بالحنبلية عن إذن أخيه له في ذلك بعد وفاة أخيهما لأمهما بدر الدِّين قاسم بن محمد بن خالد. ثمَّ سافر الشَّيخ شرف الدِّين إلى الحج. وحضر الشَّيخ تقي الدِّين ابن تيمية الدرس بنفسه، وحضر عنده خلق كثير من الأعيان وغيرهم حتَّى عاد أخوه، وبعد عوده أيضًا. (١٤/ ٨٥). (١٨/ ١٦٦).

стр. 537

وفي ذي القعدة يوم الأحد درس بالصمصامية ... الفقيه نور الدِّين على بن عبد النصير المالكي، وحضر عنده القضاة والأعيان وممن حضر عنده الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وكان يعرفه من إسكندرية. (١٤/ ٨٥). (١٨/ ١٦٦). سنة (٧١٨) قال الشَّيخ علم الدين: وفي يوم الخميس منتصف ربيع الأوّل اجتمع قاضي القضاة شمس الدِّين بن مُسَلَّم بالشيخ الامام العلّامة تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وأشار عليه في ترك الإفتاء في مسألة الحَلِف بالطلاق، فقبل الشَّيخ نصيحته، وأجاب إلى ما أشار به، رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتين. ثمَّ ورد البريد في مستهلّ جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشَّيخ تقي الدِّين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق. وانعقد بذلك مجلس. وانفصل الحالُ على ما رسم به السلطان. ونودي به في البلد. وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلَّم الحنبلي جماعة من المفتين الكبار، وقالوا له أنْ ينصح الشَّيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشَّيخ نصيحته، وأنَّه إنَّما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشرّ. (١٤/ ٨٩). (١٨/ ١٧٧). سنة (٧١٩) ولما كَانَ يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رمضان اجتمع القضاة وأعيان الفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة، وقريء عليهم كتاب من السلطان يتضمّن منع الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الفتيا بمسألة الطلاق.

стр. 538

وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك. (١٤/ ٩٦). (١٨/ ١٩٢). سنة (٧٢٠) وفي يوم الخميس ثاني عشري رجب عُقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة بحضرة نائب السلطنة، واجتمع فيه القضاة والمفتون من المذاهب. وحضر الشَّيخ، وعاتبوه على العود إلى الإفتاء بمسألة الطلاق. ثمَّ حُبس الشيخ يومئذٍ بالقلعة. (١٤/ ١٠٠). سنة (٧٢١) وفي يوم عاشوراء خرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من القلعة بمرسوم السلطان وتوجّه إلى داره. وكانت مدّة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا. ﵀ . (١٤/ ١٠١). (١٨/ ٢٠٦). سنة (٧٢٥) وفي [ربيع الأوَّل] مُنع شهاب الدِّين بن مرّي البعلبكِّي من الكلام على الناس بمصر على طريقة الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة وعزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة. (١٤/ ١٢١). (١٨/ ٢٥٤). وفي يوم الأربعاء ثاني عشر شوال درّس الشَّيخ شمس الدِّين ابن الأصبهاني بالرواحية بعد ذهاب ابن الزَّمْلَكاني إلى حلب. وحضر عنده القضاةُ والأعيان. وكان فيهم شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة. وجرى يومئذ بحث في العام إذا خُصّ، وفي الاستثناء بعد النفي، ووقع انتشار وطال الكلام في ذلك المجلس. وتكلّم الشَّيخ تقي الدِّين كلامًا أبهت الحاضرين. (١٤/ ١٢٢). (١٨/ ٢٥٦).

стр. 539

سنة (٧٢٦) وفي يوم الثلاثاء حادي عشري ربيع الأوَّل بكرةَ النهار ضُربت عُنق ناصر ابن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيتي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله وصحبته الزنادقة كالنجم ابن خلكان، والشمس محمد الباجربقي وابن المعمار البغدادي، وكل منهم فيه انحلال وزندقة، مشهور بها بين الناس ... قلت: وقد شهدتُ قتله. وكان شيخنا العلامة أبو العبَّاس ابن تَيْمِيَّة حاضرًا يومئذ. وقد أتاه وقرّعه على ما كَانَ يصدر منه قبل قتله، ثمَّ ضُربت عُنُقه وأنا مشاهد ذلك. (١٤/ ١٢٧). (١٨/ ٢٦٦). قال البرزالي: وفي يوم الاثنين بعد العصر السادس من شعبان اعتُقل الشَّيخ الإمام العالم العلّامة تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة بقلعة دمشق. حضر إليه من جهة نائب السلطنة تنكز مشدّ الأوقاف، وابن الخطير أحد الحجّاب بدمشق وأخبراه أنَّ مرسوم السلطان [الملك الناصر] ورد بذلك وأحضرا معهما مركوبًا ليركبه، فأظهر السرور والفرح بذلك، وقال أنا كنتُ منتظرًا لذلك، وهذا فيه خيرٌ كثير ومصلحة كبيرة. وركبوا جميعًا من داره إلى باب القلعة، وأُخليت له قاعة، وأجري إليها الماء، ورُسم له بالإقامة فيها. وأقام معه أخوه زين الدِّين يخدمه بإذن السلطان، ورُسم له بما يقوم بكفايته. قال البرزالي: وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قريء بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنعه من الفتيا. وهذه الواقعة سببُها قتيا وُجدت بخطّه في المنع من السفر، وإعمال المطيّ إلى زيارة قبور الأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ، وقبور الصالحين.

стр. 540

قال: وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشَّافعيّ بحبس جماعة من أصحاب الشَّيخ تقي الدِّين في سجن الحكم. وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له، فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم. وعزّر جماعة منهم على دوابّ، ونودي عليهم، ثمَّ أطلقوا. سوى شمس الدِّين محمد ابن قيّم الجوزية فإنه حُبس بالقلعة. وسكنت القضية. (١٤/ ١٢٧ - ١٢٨). (١٨/ ٢٦٧ - ٢٦٨). وفي يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة درّس بالحنبلية برهان الدِّين إبراهيم بن أحمد بن هلال الزرعي الحنبلي، بدلًا عن شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، وحضر عنده القاضي الشَّافعيّ وجماعة من الفقهاء وشق ذلك على كثير من أصحاب الشَّيخ تقي الدين، وكان ابن الخطير الحاجب قد دخل على الشَّيخ تقي الدِّين قبل هذا اليوم فاجتمع به وسأله عن أشياء بأمر نائب السلطنة. ثمَّ يوم الخميس دخل إليه القاضي جمال الدِّين بن جُمْلة وناصر الدِّين مشد الأوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فَكَتَب ذلك في دَرَجٍ وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلتُ الجوابَ عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تَيْمِيَّة فصح ... إلى أنْ قال: وإنما المَحَزُّ جعله زيارة قبر النَّبي ﷺ ، وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعًا. فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإنَّ جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولَين في شدّ الرحال والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شدِّ رحلٍ إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألةٌ أخرى، والشيخ لم يمنع

стр. 541

الزيارة الخالية عن شدِّ رحلٍ، بل يستحبُّها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذه الوجه في الفتيا، ولا قال: إنَّها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول رسول الله ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا تخفى عليه خافية، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. سنة (٧٢٧) [توفي فيها] الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني ... وله مجلّد كبير في الرد على الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في مسألة الطلاق ... وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشَّام متولِّيًا: أن يؤذي شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، فدعا عليه، فلم يبلغ أمله ومراده، فتوفي ... (١٤/ ١٣٧). (١٨/ ٢٨٦ - ٢٨٨). سنة (٧٢٨) (وفاة شيخ الإسلام أبي العبَّاس تقي الدِّين أحمد ابن تَيْمِيَّة قدس الله روحه). قال الشَّيخ علم الدِّين البرزالي في «تاريخه»: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشَّيخ الإمام العلّامة الفقيه الحافظ القدوة شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد ابن شيخنا الامام العلامة المفتي شهاب الدِّين أبي المحاسن عب الحليم ابن الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن عليّ بن عبد الله ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي، بقلعة

стр. 542

دمشق بالقاعة الَّتي كَانَ محبوسًا بها، وحضر جمعٌ كثير إلى القلعة، وأُذن لهم في الدخول، وجلس جماعة عنده قبل الغسل، وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثمَّ انصرفوا، ثمَّ حضر جماعة من النساء ففعلوا مثل ذلك، ثمَّ انصرفن، واقْتُصِر على من يغسله، فلما فُرِغَ من غسله أُخرج. وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى الجامع، وامتلأ الجامع وصحنُه والكلّاسة وبابُ البريد وبابُ الساعات إلى اللبّادين والفوّارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك، ووُضعت في الجامع، والجند يحفظونها من النَّاس من شدة الزحام، وصُلِّي عليه أوّلًا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ صُلِّي عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النِّعالُ من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم، لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدّم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتَّى تمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلِّها، وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدَّة الزِّحام فيها، لكن كَانَ معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الَّذي أُخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية. وعَظُمَ الأمرُ بسوق الخيل وتضاعف الخلقُ وكثُر الناس، ووُضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة هناك أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن، فلما قُضيت الصلاة حُمل إلى مقبرة الصوفية فدُفن إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبد الله رحمهما الله. وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من

стр. 543

أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلّف عن الحضور إلّا مَنْ هو عاجز عن الحضور، مع الترحم والدعاء له، وأنَّه لو قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حُزِرْنَ بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كُنّ على الأسطحة وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه فيما قيل. وأما الرجال فحُزروا بستين ألفًا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف. وشرب جماعةٌ الماء الَّذي فَضُل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الَّذي غُسل به، ودُفع في الخيط الَّذي كَانَ فيه الزئبق الَّذي كَانَ في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهمًا، وقيل: إنَّ الطاقية الَّتي كانت على رأسه دُفع فيها خمس مئة درهم. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير، وتضرّع، وخُتمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد، وتردّد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا يبتون عنه ويصبحون! ! ورُئيَتْ له منامات صالحة كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة. وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل بحران سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن عبد، والشيخ شمس الدِّين الحنبلي، والشيخ شمس الدِّين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدِّين ابن الصيرفي، ومجد الدِّين بن عساكر، والشَّيخ جمال الدِّين البغدادي، والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وابن أبي بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، والفخر عليّ، وابن شيبان، والشرف ابن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير سمع منهم الحديث وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث، وكتب الطِباق والأثبات، ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وقل أنْ سمع شيئًا

стр. 544

إلَّا حفظه، ثمَّ اشتغل بالعلوم، وكان ذكيًا كثير المحفوظ، فصار إمامًا في التفسير وما يتعلق به، عارفًا بالفقه، وكان عالمًا باختلاف العلماء، عالمًا في الأصول والفروع والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قُطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلَّا ظنّ أنَّ ذلك الفن فنه، ورآه عارفًا به متقنًا له، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظًا له متنًا وإسنادًا، مميّزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله، متضلِّعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع، كمل منها جملة، وبيّضت وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يُكملها، وجملة كملها ولم تُبيّض إلى الآن. وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخوييّ، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي قضاة مصر ابن الحريري، وابن الزَّمْلَكاني وغيره. ووجدت بخط ابن الزَّمْلَكاني أنَّه قال: اجتمعتْ فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها، وأنَّ له اليد الطولى في حسن التَّصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاتهُ جَلَّتْ عن الحَصْرِ هو حجةٌ للهِ قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبةُ الدهرِ هو آيةٌ في الخلق ظاهرةٌ ... أنوارُها أرْبَتْ على الفجر وهذا الثناء عليه، وكان عمره يومئذ نحو الثلاثين سنة. وكان بيني وبينه مودة وصحبة من الصغر، وسماع الحديث والطلب من نحو خمسين سنة. وله فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات، وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع، وهذا

стр. 545

الكتاب. ولما مات كنت غائبًا عن دمشق بطريق الحجاز الشريف، ثمَّ بلغنا خبر موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يومًا لما وصلنا إلى تبوك، وحصل التأسف لفقده رحمه الله تعالى. هذا لفظه في هذا الموضع من «تاريخه». ثمَّ ذكر الشَّيخ علم الدِّين في «تاريخه» بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الامام أحمد ببغداد وشهرتها، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرَّحمن الصوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع الشَّيخ أبي الحسن الدارقطني، فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا وقال: سمعتُ أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البِدَع بيننا وبينكم الجنائز. قال: ولا شكّ أنَّ جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدِّين ﵀ توفي ببلده دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعًا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة الَّتي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أنَّ الرَّجل مات بالقلعة محبوسًا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل الأديان، فضلًا عن أهل الإسلام، وهذه كانت جنازته. قال: وقد اتفق موتُه في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذنُ القلعة على المنارة بها، وتكلّم به الحراسُ على الأبرجة، فما أصبح الناس إلّا وقد تسامعوا بهذا الخَطْب العظيم والأمر الجسيم، فبادر الناسُ على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيءُ منه، حتَّى من

стр. 546

الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين الَّتي من شأنها أنْ تفتح أوائل النهار على العادة، وكان نائب السلطنة سيف الدِّين تنكز قد ذهب يتصيّد في بعض الأمكنة، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدِّين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه، وجلس عنده، وفُتح باب القلعة وباب القاعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، فاجتمع عند الشَّيخ في قاعته خلق من أخصّاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا حوله يبكون ويثنون. على مِثْل ليلى يقتلُ المرء نفسَه وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزّي ﵀، وكشفتُ عن وجْه الشَّيخِ ونظرتُ إليه وقبّلتُه، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة، وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن أنَّه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمةً وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهيا فيها إلى آخر اقتربت الساعة ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيّران عبد الله بن المحب، وعبد الله الزرعي الضرير ــ وكان الشَّيخ ﵀ يحب قراءتهما ــ فابتدآ من أول سورة الرَّحمن حتَّى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى. ثمَّ شرعوا في غسل الشَّيخ، وخرجتُ إلى مسجدٍ هُناك، ولم يمكث عنده إلّا مَنْ ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزّي وجماعة من كبار الصالحين الأخيار، أهل العلم والإيمان، فما فُرغ منه حتَّى امتلأت القلعة

стр. 547

وضج الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحّم، ثمَّ ساروا به إلى الجامع، فسلكوا طريق العمادية على العادلية الكبيرة، ثمَّ عطفوا إلى باب الناطفانيين وذلك أنَّ سويقة باب البريد كانت قد هُدمت لتُصلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يحصي عدّتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح: هكذا تكون جنائز أئمة السُنّة! فتباكى الناسُ وضَجّوا عند سماع هذا الصارخ. ووُضع الشيخُ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصًّا لا يتمكّنُ أحدٌ من الجسود إلَّا بكُلفة، جُوّا الجامع وبرّا الأزقة والأسواق، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان، ونوى خلقٌ الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لأكل ولا لشرب، وكثُر الناسُ كثرةً لا تُحَدُّ ولا توصف. فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السُدّة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلّى عليه إمامًا، وهو الشَّيخ علاء الدِّين بن الخرّاط، ثمَّ خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل، ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل في مخافتةٍ كل واحد بنفسه، وفي ثناء وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين وَيَقُلْنَ: هذا العالم. وبالجملة كَانَ يومًا مشهودًا لم يُعهد مثله بدمشق إلَّا أنْ يكون في زمن بني أُميَّة حين كَانَ الناس كثيرين. وكانت دار الخلافة. ثمَّ دُفن عند أخيه قريبًا من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن أحدًا حصر مَنْ حضر الجنازة،

стр. 548

وتقريب ذلك أنَّه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره، ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصِّغار والمخدّرات، وما علمتُ أحدًا من أهل العلم إلَّا النفر اليسير تخلّف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاث أنفس: وهم ابن جملة، والصدر، والقحفازي، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث أنهم علموا متى خرجوا قُتلوا وأهلكهم الناس، وتردد شيخنا الإمام العلامة برهان الدِّين الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة، وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدِّين الفزاري يأتي راكبًا على حماره وعليه الجلالة والوقار ﵀. وعُملت له ختمات كثيرة، ورُئيَتْ له مناماتٌ باهرة صالحة عجيبة، ورُثي بأشعار كثيرة وقصائد مطوّلة جدًا. وقد أفردتْ له تراجمُ كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم، وسنحصر من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة وصفاته الكبار والصغار، الَّتي احتوت على غالب العلوم ومفرداته في الاختيارات الَّتي نَصَرَها بالكتاب والسنة وأفتى بها. وبالجملة؛ كَانَ ﵀ من كبار العلماء وممن يخطيء ويُصيب، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لُجّي، وخطأه أيضًا مغفور له كما في «صحيح البخاريّ»: «إذا اجتهد الحَاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» فهو مأجور. وقال الإمام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلّا صاحبَ هذا القبر. وسنفرد له ترجمة على حدة إن شاء الله تعالى. (١٤/ ١٤١ - ١٤٥). * * * *

стр. 549

نزهة العيون في تاريخ طوائف القرون (١) للملك الأفضل عباس بن علي بن داود بن رسول (٧٧٨) أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيميَّة. عالم العصر، شيخ الإسلام، بقية المجتهدين، تقي الدِّين الحراني ثم الدمشقي الحنبلي الحافظ المفسِّر، صاحب التصانيف. ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة. سمع من جماعةٍ كثيرة، وبرع في الفقه والخلاف وضبط المذاهب، وكان عارفًا بالعربية والتفسير والأصول والشرع، يتوقد ذكاءً، قوَّالًا بالحق، ناهيًا عن المنكر، مجاهدًا في ذات الله بنفسه ويده ولسانه. حُبِسَ مدة ثم أُخْرِج، ثم حُبِس ثم أُخْرِج، فأفتى بعد ذلك وصنف، ثم قدم دمشق فاعتُقِل بالقلعة، وقاسى شِدَّة. وكان موصوفًا بالقناعة والتعفُّف والسخاء والجود والذكاء والعقل والشجاعة والإقدام والجهاد والزهد، قليل الراحة والتنعُّم، لم يُر في حياته إلا كاتبًا أو ذاكرًا أو متوجهًا أو ناشرًا للعلم أو مُتكلِّمًا بفائدة، قليل النوم، مُكِبًّا على العلم مُذْ نَشَأ، قليل الأكل، لم يتزوج قط ولا تسرَّى، ولم يكمل أحدٌ من العالم كما كَمُل:

стр. 550

هيهاتَ لا يأْتي الزَّمانُ بمثلِه ... إنَّ الزَّمانَ بِمِثْلِه لَعَدِيْمُ توفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، وهو في ثمانٍ وستين (١) سنة، وذلك في القلعة، ثم أُخرج فشهده خَلْق لا يُحْصَون، وشيعه من أربعة أبواب دمشق؛ بابِ الفرج ومنه أُخْرِج، وبابِ الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، وكان في هذه الأبواب الازدحام الكُلِّي الذي لا يوصَف ولا يَعْلَم قدرَهم إلا الله، وكان النساء على السقوف وفي الطرق مثل دخول الرَّكْب، وحُمِل على الرؤوس، وصلى الناسُ عليه في الجامع كصلاة الجمعة سواء، ودُفن بمقابر الصوفية إلى جانب أخيه، حُزِر الجمع تسعين ألفًا وقيل: مئتي ألف، وكثر البكاء والضجيج والتأسُف عليه والحُزْن، وامتنع جماعةٌ كثيرة من الصلاة عليه تديُّنًا وإنما الأعمال بالنيات (٢)، ورُثي بقصائد حسنة، ورُئي له منامات جيِّدة ــ ﵀ ونفع به ــ. * * * *

стр. 551

صفحة بيضاء

стр. 552

العلامة الحسن بن عمر بن الحسن بن حبيب (٧٧٩) - تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه - دُرَّة الأسلاك في دولة الأتراك

стр. 553

صفحة بيضاء

стр. 554

تَذْكِرَةُ النَّبِيْهِ في أيام المنصورِ وبَنِيْهِ (١) وفي ذي القَعْدة منها؛ توفّي شيخ الإسلام تقيّ الدِّين أبو العبّاس أحمد بن الشيخ شهاب الدين، أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدين، أبي البركات عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرَّاني الحنبلي، عن سبع وستين سنة، بقلعة دمشق المحروسة معتقلًا، وشيَّع جنازته خلق كثير أقلّ ما حُزِروا بستين ألفًا، كان تغمّده الله برحمته سحابًا يسحب ذيله على الطالب والوافد، وعُبابًا لا تكدره دِلاء الصّادر والوارد، وبحرًا زاخرًا في النَّقليات، وحبرًا متلفِّعًا بحبرات العقليات، وإمامًا في معرفة الكتاب والسُّنة، وهُمامًا لا يميل إلى حلاوة من المنة، ذا ورعٍ زائد، وزهد فَرْعه في روض الرِّضى مائد، وسخاء وشجاعة، وعزة وقناعة، وتصانيف مشهورة، وفتاوٍ أعلامها منشورة، ومعارف موادّها وافية، وإعراض عن الدنيا بالجملة الكافية، لا يكترِث بنضرتها وبهجة نضارها، ولا يلتفت إلى المنقوش من درهمها ودينارها، يصدع بالحقِّ، ويتكلَّم فيما جلَّ ودقَّ. ويأْمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويثابر على إقامة الحقِّ والحدِّ، إن شكر وإن لم يُشكر، اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، وبلغ من اجتناء ثمر أفنان الفنون غاية المراد. وكان من العلوم بحيث يُقضى ... لَه في كُلِّ علمٍ بالجميع

стр. 555

ورثاه جماعة، وقال الشَّيخ زين الدِّين عمر بن الوردي: عَثَا في عرضه قوم سِلاط ... لهم من نَثْر جوهره التقاطُ تقيُّ الدِّين أحمدُ خيرُ حبرٍ ... خُروق المعضلات به تخاطُ توفّي وهو محبوسٌ فريد ... وليس له إلى الدنيا انبساطُ ولو حضروه حين قضى لألفَوا ... ملائكةَ النِّعيم به أحاطوا فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ ... ويالله ما غطى البلاط هم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كُسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط وحبس الدر في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسجن اغتباط بآل الهاشمي له اقتداء ... فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقفٌ عليه ولا رِباط ولا جاراكم في كَسْب مال ... ولم يُعهد له بكم اختلاط سيظهر قصدكم يا حابسيه ... ونيتكم إذا نُصب الصراط فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط من نظم الشَّيخ تقي الدِّين بن تيميَّة أبياتًا قالها في قوله ﷺ : «ثلاثٌ مُنْجيات وثلاثٌ مُهْلِكَات» الحديث: عليك بخوف الله في السرِّ والجهر ... وبالقصد للإنفاق في العسر واليسر وبالعدلِ إن تغضب وإن تكُ راضيًا ... فهن ثلاثٌ منجيات من الشرِّ وإياك والشُّح المطاع ولا تكن ... بمتَّبع الأهوا فترجع بالخسر وعَدِّ عن الإعجاب بالنفس إنه ... ختام الثَّلاث المُهْلكات لدى الحشر

стр. 556

وكتب الإمام العلَّامة كمال الدِّين محمد بن الزَّمْلَكاني على بعض مصنَّفاته: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاتُه جلَّت عن الحصرِ هو حجةٌ لله قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبة العصرِ هو آية في الخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر وقال فيه الإمام أبو حيَّان أبياتًا منها: قام ابن تيميَّة في نصر شِرعتنا ... مقام سيِّد تَيْمٍ إذ عَصَتْ مُضَر فأظهر الحقَّ إذ آثاره دَرَسَت ... وأخمد الشرَّ إذ طارت له الشَّرر كنا نُحدَّث عن حبرٍ يجيء لنا ... أنت الإمام الذي قد كان يُنتظر وقال الشَّيخ سعد الدِّين سعد الله بن عبد الأحد بن بُخَيْخٍ الحرَّاني فيه من أبيات: سناكَ تقيُّ الدِّين أبهى وأنورُ ... وأشرقُ منْ شمسِ النهارِ وأشهرُ ومجدكَ أسمى أنْ يُقاسَ بمثلهِ ... وأعظمُ مما في النفوسِ وأكبرُ وعرف ثناك المندلي له شذا ... ألذ من المسكِ الذكي وأعطرُ وعلمكَ أقسامَ العلومِ بأسرهَا ... أدلته توهي الخصومَ وتبهرُ وصبركَ في ذاتِ الإلهِ على الأذى ... أنالك ما ترجو وَمَا تتخيَّرُ وأمركَ بالمعروفِ طهَّر وقتنا ... فلمْ يبدُ في أيَّامك الغرِّ منكرُ فياليتَ علمي والمناقبُ جمَّةٌ ... لأي سجاياك الجميلةِ نشكرُ وماذا عسى يثني عليكَ مبالغٌ ... بمدحٍ وهل يُهْدى إلى البحر جوهرُ فَدُم واثقًا بالله معتصمًا به ... وعاضدك الشّرعُ الشريفُ المطهَّرُ سليمًا من الآفات في ظِلِّ نِعمةٍ ... من الله صافي وردها لا يكدَّرُ

стр. 557

درَّة الأسْلاكِ في دَوْلَةِ الأتْراكِ (١) وفيها توفّي شيخ الإسلام، تقيّ الدين، أبو العبّاس، أحمد بن الشيخ شهاب الدِّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرَّاني الحنبلي. سحاب يسحب ذيله على الطَّالب والوافد، وعُباب لا تكدره دِلاء الصّادر والوارد، وبحر زاخر في النقليات، وحبر ماهر في حفظ عقائل العقليّات، وإمام في معرفة الكتاب والسّنّة، وهمام لا يميل إلى حلاوة من المنّة. كان ذا ورع زائد، وزهد فرعه في روضة الرِّضى مائد، وسخاءٍ وشجاعة، وعزلةٍ وقناعة، وتصانيف مشهورة، وفتاوٍ أعلامها منشورة، ومعارف وموادها وافية، وإعراض عن الدّنيا بالجملة الكافية، لا يكترث بنضرتها وبهجة نضارها، ولا يلتفت إلى المنقوش من درهمها ودينارها. يصدع بالحق، ويتكلم فيما جلّ ودقّ، ويأْمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويثابر على إقامة الحدود إن شُكر وإن لم يشكر. اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، وبلغ من اجتناء ثمر أفنان الفنون غاية المراد. وكان من العلوم بحيث يُقضى ... لَه في كُلِّ علمٍ بالجميع

стр. 558

من نظمه في قول ﷺ : «ثلاثٌ مُنْجيات وثلاثٌ مُهْلِكَات» الحديث: عليك بخوف الله في السرِّ والجهر ... وبالقصد للإنفاق في العسر واليسر وبالعدلِ إن تغضب وإن تك راضيًا ... فهن ثلاث منجيات من الشرِّ وإياك والشُّح المطاع ولا تكن ... بمتَّبع الأهوا فترجع بالخسر وعدِّ عن الإعجاب بالنفس إنه ... ختام الثَّلاث المهلكات لدى الحشر كتب قاضي القضاة، كمال الدِّين أبو المعالي محمد بن الزَّمْلَكاني على بعض مصنَّفاته: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلَّت عن الحصر هو حجةٌ لله قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبة العصر هو آية للخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر وفيه يقول العلَّامة أثير الدِّين أبو حيَّان الأندلسي من أبيات: قام ابن تيميَّة في نصر شِرعْتنا ... مقام سيد تيم إذ عَصَتْ مضرُ فأظهر الحقَّ إذ آثاره دَرَسَت ... وأخمد الشرَّ إذ طارت له الشَّررُ كنا نُحدَّث عن حبرٍ يجيء لنا ... أنت الإمام الذي قد كان يُنتظر وفيه يقول الشَّيخ سعد الدِّين سعد الله بن عبد الأحد بن بخيخ من أبيات: سناكَ تقيُّ الدِّين أبهى وأنورُ ... وأشرقُ منْ شمسِ النهارِ وأشهرُ ومجدكَ أسمى أنْ يُقاسَ بمثلهِ ... وأعظمُ مما في النفوسِ وأكبرُ وعَرْف ثناك المندلي له شذا ... ألذّ من المسكِ الذَّكي وأعطرُ وعلمكَ أقسامَ العلومِ بأسرهَا ... أدلته توهي الخصومَ وتبهرُ

стр. 559

وصبركَ في ذاتِ الإلهِ على الأذى ... أنالك ما ترجو وَمَا تتخيَّرُ وأمركَ بالمعروفِ طهَّر وقتنا ... فلمْ يبدُ في أيَّامك الغرِّ منكرُ فياليتَ علمي والمناقبُ جمَّةٌ ... لأي سجاياك الجميلةِ نشكرُ وماذا عسى يثني عليكَ مبالغٌ ... بمدحٍ وهل يُهْدى إلى البحر جوهرُ فَدُم واثقًا بالله معتصمًا به ... وعاضدك الشّرع الشريفُ المطهرُ سليمًا من الآفات في ظِلِّ نِعمةٍ ... من الله صافي عيشها لا يكدَّرُ ورثاه الإمام زين الدِّين أبو حفص عمر بن الوردي بقصيدة، منها: عَثَا في عرضه قوم سِلاطٌ ... لهم من نَثْر جوهره التقاطُ تقي الدِّين أحمد خيرُ حَبْر ... خُروق المعضلات به تخاطُ توفّي وهو محبوس فريد ... وليس له إلى الدنيا انبساطُ ولو حضروه حين قَضَى لألفوا ... ملائكةَ النَّعيم به أحاطوا فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ ... ويالله ما غطَّى البلاطُ هم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاطُ وحَبْس الدُّور في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسجن اغتباطُ بآل الهاشمي له اقتداء ... فقد ذاقوا المَنون ولم يواطوا إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباطُ ولا جاراكم في كَسْب مالٍ ... ولم يُعهد له بكم اختلاطُ سيظهر قصدُكم يا حابسيه ... ونيتكم إذا نُصب الصّراطُ فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساطُ

стр. 560

وكانت وفاته بقلعة دمشق مُعْتقَلًا، عن سبع وستين سنة، وشيّع جنازته خلق كثير، أقل ما حُزِروا بستين ألفًا. وهو من مشايخ والدي في الحديث، تغمَّده الله برحمته. * * * *

стр. 561

تُحْفَةُ النُّظَّار في غَرَائبِ الأمْصارِ وعَجائبِ الأسْفارِ المعروف بـ «رِحْلَة ابن بَطُّوْطة» (١) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الطَّنْجِي المعروف بابن بطوطة (٧٧٩) وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة: تقي الدِّين ابن تيميَّة، كبير الشأن، يتكلم في الفنون، إلا أن في عقله شيئًا! وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم، ويعِظُهم على المنبر، وتكلم مرةً بأمرٍ أنكره الفقهاء، ورفعوه إلى الملك الناصر؛ فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدِّين الزواوي المالكي (٢)، وقال: إن هذا الرجل قال: كذا، وعدَّد ما أُنكِر على ابن تيمية، وأحضر العقود بذلك، ووضعها بين يدي قاضي القضاة، وقال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلا الله، فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله، فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعوامًا، وصنف في السجن كتابًا في تفسير القرآن سماه «بالبحر المحيط» في نحو أربعين مجلدًا. ثم إن أُمَّه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه، فأمر بإطلاقه، إلى أن

стр. 562

وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرتُه يوم الجمعة وهو يَعِظ الناسَ على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا (١)، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به، فقامت العامةُ إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال، ضربًا كثيرًا حتى سقطت عمامتُه، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسَها، واحتملوه إلى دار عز الدِّين بن مُسَلَّم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعزره بعد ذلك، فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره، ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدِّين تِنْكيز ــ وكان من خيار الأمراء وصلحائهم ــ فكتب إلى الملك الناصر بذلك وكتب عقدًا شرعيًّا على ابن تيمية بأمور منكرة منها: أن المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة، ومنها: أن المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف زاده الله طيبًا لا يقصر الصلاة، وسوى ذلك مما يشبهه، وبعث العقد إلى الملك الناصر؛ فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة، فسُجِنَ بها حتى مات في السجن. * * * *

стр. 563

سؤال وجواب في شيخ الإسلام ابن تيمية (١) للشيخ شهاب الدِّين أحمد ابن الأذرعي الشافعي (ت ٧٨٣) سؤال ورد من حلب الشهباء في شيخ الإسلام تقي الدِّين أحمد ابن تيمية ﵁، وهو: ما تقول السادة العلماء أئمة الدِّين ﵃ أجمعين في شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تيمية رحمه الله تعالى، هل هو من أهل العلم والدين الذين يُقتدى بهم أم لا؟ فإذا قلتم: إنه من أهل العلم والدين، هل يجوز لمغرور أن يأخذ الأشياء تقليدًا ويقدح في علمه وديانته؟ وهل يحرم عليه الطعن في مثل هذا الإمام من غير فهمٍ لكلامه؟ وهل يُثاب الإمام على زَجْر هذا المغرور أم لا؟ أفتونا مأجورين رضي الله عنكم أجمعين. فأجاب الشيخ الإمام العالم العلامة فريد العصر ووحيد الدهر مفتي المسلمين مظهر آثار المرسلين شيخ الدنيا والدين: شهاب الدِّين أحمد ابن الأذرعي الشافعي بحلب المحروسة رحمه الله تعالى فقال بعد الحمد لله: الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية رحمه الله تعالى أحد أئمة الإسلام الأعلام، كان رحمه الله تعالى بحرًا من البحور في العلم، وجبلًا شامخًا لا يختلف فيه اثنان من أهل العصر، ومن قال خلاف ذلك فهو جاهل أو معاند مقلدٌ لمثله،

стр. 564

وإن خالف الناسَ في بعضِ مسائلَ فأمره إلى الله تعالى. والوقيعة في أهل العلم ــ ولا سيّما أكابرهم ــ من كبائر الذنوب. وقد روى الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه «الجامع في آداب الراوي والسامع» (١) بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «من آذى فقيهًا واحدًا فقد آذى رسول الله ﷺ ، ومن آذى رسول الله ﷺ فقد آذى الله تعالى». وقد قال بعض العلماء الماضين (٢): «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هَتْك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيه (٣) بالثَّلْب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم». ويُثاب وليُّ أمور المسلمين ــ أيده الله تعالى ــ على زَجْر هذا المعتدي الظالم لنفسه ولغيره. وكأنَّ المسكين المفتون لم يبلغه قول سيدنا رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفْضَوا إلى ما قدّموا» (٤). وغير ذلك مما جاء من التحذير من الوقيعة في أعراض آحاد الناس فكيف في أكابر العلماء؟ وكأنه لم يبلغه قول بعضهم للرَّبيع بن خُثَيم: ما نراك تَعِيب أحدًا! (٥) فقال:

стр. 565

لستُ عن نفسي براضٍ فأتفرّغ من عيبها إلى عيب غيرها (١). وقد قال بعض الأئمة: لي في عيوب نفسي شُغْل عن عيوب الناس. والله أعلم. * * * *
следующие страницы →