عقيدة الأصفهاني»، مجلد. «شرح أوّل كتاب الغزنوي في أصول الدين»، مجلد. «الردّ على المنطق»، مجلد. «ردّ آخر» لطيف. «الردّ على الفلاسفة»، أربع مجلدات. «قاعدة في القضايا الوهمية»، «قاعدة فيما يتناهى وما لا يتناهى»، «جواب الرسالة الصفدية». «جواب في نقض قول الفلاسفة: إنَّ معجزات الأنبياء ﵈ قوى نفسانية»، مجلد كبير. «إثبات المعاد والردّ على ابن سينا». «شرح رسالة ابن عبدوس في كلام الإمام أحمد في الأصول». «ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا والمعجزات والكرامات»، مجلدان. «قاعدة في الكليات»، مجلد لطيف. «الرسالة القبرصية». «رسالة إلى أهل طبرستان وجيلان في خلق الروح والنور». «الرسالة البعلبكية». «الرسالة الأزهرية». «القادرية». «البغدادية». «أجوبة الشكل والنقط». «إبطال الكلام النفساني» أبطله من نحو ثمانين وجهًا. «جواب مَن حلف بالطلاق الثلاث أنَّ القرآن حرف وصوت». «إثبات الصفات والعلو والاستواء»، مجلدان. «المراكشية». «صفات الكمال والضابط [فيها]». «جواب في الاستواء وإبطال تأويله بالاستيلاء». «جواب مَن قال: لا يمكن الجمع بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه». «أجوبة كون العرش والسموات كريَّة وسبب قصد القلوب جهة العلو».
«جواب كون الشيء في جهة العلو مع أنَّه ليس بجوهر أو عرضٍ معقول أو مستحيل». «جواب هل الاستواء والنزول حقيقة؟ وهل لازم المذهب مذهب» سماه «الإربلية». «مسألة النزول واختلاف وقته باختلاف البلدان والمطالع»، مجلد لطيف. «شرح حديث النزول»، مجلد كبير. «بيان حل إشكال ابن حزم الوارد على الحديث». «قاعدة في قرب الرب من عابديه وداعيه»، مجلد. «الكلام على نقض المرشدة». «المسائل الإسكندرية في الرد على الاتحادية والحلولية». «ما تضمنه فصوص الحكم». «جواب في لقاء الله». «جواب رؤية النساء ربهنّ في
стр. 492
الجنة». «الرسالة المدنية في إثبات الصفات النقلية». «الهلاوونية». «جواب [سؤال] ورَدَ على لسان ملك التَّتار»، مجلد. «قواعد في إثبات [القدر] والرد على القدرية والجبرية»، مجلد. «رد على الروافض في الإمامة على ابن مطهر». «جواب في حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام لعلة أم لغير علة». شرح حديث «فحجَّ آدم موسى». «تنبيه الرَّجل الغافل على تمويه المجادل»، مجلد. «تناهي الشدائد في اختلاف العقائد»، مجلد. «كتاب الإيمان»، مجلد. «شرح حديث جبريل في حديث الإيمان والإسلام»، مجلد. «عصمة الأنبياء ﵈ فيما يبلغونه». «مسألة في العقل والروح». «مسألة في المقربين: هل يسألهم منكر ونكير». «مسألة هل يعذب الجسد مع الروح في القبر». «الرد على أهل الكسروان»، مجلدان. «في فضل أبي بكر وعمر ﵄ على غيرهما». «قاعدة [في] فضل معاوية وفي ابنه يزيد لا يُسَبّ». «في تفضيل صالحي الناس على سائر الأجناس». «مختصر في كفر النصيرية». «في جواز قتال الرافضة»، كراسة. «في بقاء الجنة والنار وفي فنائهما» رد على (١) مولانا قاضي القضاة تقي الدِّين السبكي أعزه الله تعالى.
كتب أصول الفقه
«قاعدة غالبها أقوال الفقهاء»، مجلدان. «قاعدة كل حمد وذم من المقالات والأفعال لا يكون إلّا بالكتاب والسنة». «شمول النصوص للأحكام»، مجلد لطيف. «قاعدة في الإجماع وأنَّه ثلاثة أقسام». «جواب في الإجماع وخبر التواتر». «قاعدة في كيفية الاستدراك على الأحكام بالنص
стр. 493
والإجماع». «في الرد على من قال إنَّ الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين»، ثلاث مصنفات. «قاعدة فيما يُظّن من تعارض النص والإجماع». «مواخذ (١) على ابن حزم في الإجماع». «قاعدة في تقرير القياس». «قاعدة في الاجتهاد والتقليد في الأحكام». «رفع الملام عن الأئمة الأعلام». «قاعدة في الاستحسان». «وصف العموم والإطلاق». «قواعد في أنَّ المخطئ في الاجتهاد لا يأثم». «هل العامي يجب عليه تقليد مذهب معين». «جواب في ترك التقليد». «فيمن يقول مذهبي مذهب النَّبي ﵇ وليس أنا محتاج إلى تقليد الأربعة». «جواب من تفقه في مذهب ووجد حديثًا صحيحًا هل يعمل به أو لا». «جواب تقليد الحنفي الشَّافعيّ في [الجمع] للمطر والوتر». «الفتح على الإمام في الصلاة». «تفضيل قواعد مذهب مالك وأهل المدينة». «تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل واحد منهم». «قاعدة في تفضيل الإمام أحمد». «جواب هل كَانَ النَّبي ﷺ قبل الرسالة نبيًّا». «جواب هل كَانَ النَّبي ﷺ متعبِّدًا بشرع مَنْ قبله». «قواعد أنَّ النّهي يقتضي الفساد».
كتب الفقه
«شرح المحرر في مذهب أحمد»، ولم يبيض. «شرح العمدة لموفق الدين»، أربع مجلدات. «جواب مسائل وردت من أصفهان». «جواب مسائل وردت من الأندلس». «جواب مسائل وردت من الصلت». «مسائل من بغداد». «مسائل وردت من زُرَع». «مسائل وردت من الرحبة». «أربعون مسألة [لقبت] الدرر المضية في فتاوي ابن تَيْمِيَّة». «الماردانية».
стр. 494
«الطرابلسية». «قاعدة في المياه والمائعات وأحكامها». «طهارة بول ما يؤكل لحمه». «قاعدة في حديث القُلتين وعدم رفعه». «قواعد في الاستجمار وتطهير الأرض بالشمس والريح». «جواز الاستجمار مع وجود الماء». «نواقض الوضوء». «قواعد في عدم نقضه بلمس النساء». «التسمية على الوضوء». «خطأ القول بجواز المسح على الخفين». «جواز المسح على الخفين المنخرقين والجوربين واللفائف». «فيمن لا يعطي أجرة الحمام». «تحريم دخول الحمام بلا مئزر». «في الحمام والاغتسال». «ذم الوسواس». «جواز طواف الحائض». «تيسير العبادات لأرباب الضرورات بالتيمم والجمع بين الصلاتين للعذر». «كراهية التلفظ بالنية وتحريم الجهر بها». «الكلم الطيب» في الأذكار. «كراهية تقديم بَسط سجادة المصلي قبل مجيئه». «في الركعتين اللتين تصليان قبل الجمعة»، «في الصلاة بعد أذان الجمعة». «القنوت في الصبح والوتر». «قتل تارك أحد المباني وكفره». «الجمع بين الصلاتين في السفر». «فيما يختلف حكمه بالسفر والحضر». «أهل البدع: هل يصلى خلفهم». «صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض». «الصلوات المبتدعة». «تحريم السماع». «تحريم الشبابة». «تحريم اللعب بالشطرنج». «تحريم الحشيشة القنبية ووجوب الحد عليها وتنجيسها». «النهي عن المشاركة في أعياد النصارى واليهود وإيقاد النيران في الميلاد ونصف شعبان وما يُفعل في عاشوراء من الحبوب». «قاعدة في مقدار الكفارة في اليمين». «في أنَّ المطلقة بثلاثة لا تحل إلّا بنكاح زوج ثان». «بيان الحلال والحرام في الطلاق».
«جواب مَن حلف لا يفعل شيئًا على المذاهب الأربعة ثمَّ طلق ثلاثًا في الحيض». «الفرق المبين بين الطلاق واليمين». «لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف». «كتاب التَّحقيق في الفرق بين
стр. 495
الأيمان والتطليق». «الطلاق البدعي لا يقع». «مسائل الفرق بين الطلاق البدعي والخلع ونحو ذلك». «مناسك الحج». «في حجة النَّبي ﷺ ». «في العمرة المكية». «في شهر السلاح بتبوك وشرب السويق بالعقبة وأكل التمر بالروضة وما يلبس المحرم وزيارة الخليل ﵇ عقيب الحج». «زيارة القدس مطلقًا». «جبل لبنان كأمثاله من الجبال ليس فيه رجال الغيب (١) ولا أبدال». «جميع أيمان المسلمين مكفَّرة».
الكتب في أنواع شتى
جمع بعضُ الناس فتاويه بالديار المصرية مدّة مقامه بها سبع سنين في علوم شتى، فجاءت ثلاثين مجلدًا. «الكلام على بطلان الفتوة المصطلح [عليها] بين العوام وليس لها أصل متصل بعلي ﵁». «كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية». «[بطلان] ما يقوله أهل بيت الشَّيخ عدي». «النجوم: هل لها تأثير عند القِرَان والمقابلة، وفي الكسوف: هل يقبل قول المنجمين فيه ورؤية الأهلة»، مجلد. «تحريم أقسام المعزمين بالعزائم المعجمة وصرع الصحيح وصفة الخواتيم». «إبطال الكيمياء وتحريمها ولو صحت وراجت».
ومن نظم الشَّيخ تقي الدِّين رحمه الله تعالى على لسان الفقراء المجردين:
والله ما فَقْرُنا اختيارُ ... وإنّما فقرُنا اضطرارُ
جماعةٌ كُلُّنا كُسالى ... وأكلُنا ما لهُ عيارُ
стр. 496
تسمعُ منّا إذا اجتمعنا ... حقيقةً كُلّها فشارُ
وله أجوبةُ سؤالاتٍ كَانَ يُسْألها نظمًا فيجيب عنها نظمًا، وليس هذا موضع إيراد ذلك، رحمه الله تعالى.
* * * *
стр. 497
عيون التواريخ (١)
وفيها [٧٢٨] في ليلة الثاني والعشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد الورع الخاشع القدوة المحقق، شيخ الإسلام تقي الدِّين أحمد بن الشيخ الإمام العالم شهاب الدِّين عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين عبد السلام بن عبد الله ابن تيميَّة الحرَّاني الدمشقي بقلعة دمشق في القاعة التي كان محبوسًا بها، وغسَّلوه وكفَّنوه وأخرجوه من باب القلعة، وصلَّى عليه بباب القلعة الشيخ محمد بن تمام، ثم أتوا به إلى جامع بني أميَّة، وغلقت جميع أسواق دمشق، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، وحضروا (٢) الأمراء والحجاب، وصَلَّوا عليه صلاة الظهر، وحملوه (٣) الناسُ على رؤوسهم، وخرجوا به من باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية، وامتدَّ الناس إلى سوق الخيل إلى مقبرة الصوفية، ودُفِن إلى جانب قبر أخيه الشيخ عبد الله. وانصرف الناسُ متأسفين عليه، وختموا على قبره الختماتِ، وباتوا على قبرِه ليالي كثيرة، ورُئيَتْ له منامات صالحةٌ.
ومولدُه عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحرَّان، وقدِمَ مع والدِه إلى دمشق، واشتغل على والدِه، وسمع الحديث من الشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر وابن العلان وابن أبي اليسر وابن عبد الدائم
стр. 498
وغيرهم، وقرأ بنفسه، وكتبَ الطباق، ونسخَ الأجزاء، ولازمَ السماعَ مدة سنين، واشتغل في العلوم، وحَصَّل في أسرع وقتٍ مالا يُحصِّله غيرُه في سنين كثيرة. وكان عنده ذكاء مُفرط وبديهةٌ حسنةٌ، وله في العلوم اليد الطولى، وصنَّف تصانيف كثيرةً في علومٍ شتَّى ذكرتُها في ترجمته في كتاب «فوات الوفيات». وكان كثير الذكر والصَّوم والصلاة والعبادة، وعاش سبعًا (١) وستين سنةً وثمانيةَ أشهر وعشرة أيامٍ، رحمه الله تعالى.
* * * *
стр. 499
مرْآةُ الجَنَان (١)
للعلّامة أبي محمد عبد الله اليافعي اليماني (٧٦٧)
وفيها (٢) مات بقلعة دمشق الشَّيخ الحافظ الكبير تقي الدِّين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن تَيْميَّة معتقلًا، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر من الدواة والورق. ومولده في عاشر ربيع الأوَّل يوم الاثنين سنة إحدى وستين وست مئة بحرَّان. سمع من جماعة وبرع في حفظ الحديث والأصلين، وكان يتوقَّد ذكاءً. ومصنفاته قيل: أكثر من مئتي مجلد، وله مسائل غريبة أُنكر عليه فيها، وحُبِس بسببها، مباينة لمذهب أهل السنة (٣).
ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النَّبي ﵊ (٤)، وطعنه في مشايخ الصوفية العارفين كحجّة الإسلام أبي حامد الغزالي، والأستاذ الإمام أبي القاسم القُشيري، والشَّيخ ابن العريف، والشَّيخ أبي الحسن الشَّاذلي، وخلائق من أولياء الله الكبار الصفوة الأخيار.
وكذلك ما قد عُرف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة وما نقل عنه فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك مما هو معروف في مذهبه، ولقد رأيت منامًا طويلًا في وقتٍ مبارك يتعلّق بعضه بعقيدته ويدلّ
стр. 500
على خطئه فيها، وقد قدّمت ذكره في سنة ثمان وخمسين وخمس مائة في ترجمة صاحب «البيان» (١)، فمن أراد أنْ يطلع على ذلك فليطالع هناك فهو من المنامات الَّتي تنشرح بها الصدور ويطمئن به قلب من رآه وينفتح لقبول الهدى والنور! !
* * * *
стр. 501
نثْرُ الجُمَانِ في تَرَاجِم الأعْيان (١)
للعلّامة أحمد بن محمد بن عليّ الفَيُّومي (٧٧٠)
وفيها [٧٢٨] في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسْفِر صباحُها عن العشرين من ذي القَعْدة، كانت وفاة الشَّيخ الإمام العالم الورع الزاهد، تقي الدِّين أحمد بن الشَّيخ الإمام شهاب الدِّين [عبد الحليم] (٢) بن الشَّيخ مجد الدِّين أبي البركات عبد السَّلام بن عبد الله بن [أبي] القاسم بن محمد بن تَيْميَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي، في مُعْتَقَلِه بقلعة دمشق، وكان مدّة المرض: سبعة عشر يومًا، ولما مُنِع من الكتابة والتصنيف؛ عكف على تلاوة كتاب الله العزيز، فيُقال: إنَّه قرأ ثمانين ختمة، وقرأ من الحادِية والثَّمانين إلى سورة الرَّحمن، وأكملها أصحابه الَّذين دخلوا عليه حال غسيله، وتكفينه.
وتولّى غسيله مع الغاسل الشَّيخ تاج الدِّين الفارقي، وصُلِّي عليه في عدَّة مواضع، فصُلِّي عليه أوَّلًا بقلعة دمشق، وأمَّ النَّاس في الصَّلاة عليه الشَّيخ محمد بن تمام الصّالحي الحنبلي، ثمَّ حُمِل إلى الجامع الأموي، ووضعت جنازته في أول السَّاعة الخامسة، وامتلأ الجامع بالنّاس، وغلقت أسواق المدينة، وصلّي عليه بعد صلاة الظهر، ثمَّ حُمِل وأُخرج من باب الفرج، وازدحم النَّاس حتَّى تفرقوا في الأبواب، فخرجوا من باب القصر، وباب الفراديس، وباب الجابية، وامتلأ سوق الخيل بالنّاس، وصُلِّي عليه مرَّة ثالثة، وأمَّ النَّاس في الصلاة عليه أخوه الشَّيخ زين الدِّين عبد الرحمن، وحُمل إلى
стр. 502
مقبرة الصوفيَّة فدُفِن بها قريبًا من وقت العصر؛ لازدحام النَّاس عليه.
ومولده بحرَّان في يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع والده في حال صِغر سنّه، واشتغل عليه وسمع من جماعة من المشايخ، وكان شيخًا حافظًا، ذكي الفطرة، حسن البديهة، وله تصانيف كثيرة منها ما ظهر، ومنها ما لم يظهر. وله مظهر بالعلوم، وشهرة بها يُسْتغنى بها عن بسط القول.
سمعت من لفظ الشَّيخ الإمامة العلامة ركن الدِّين محمد بن القويع قال: «مات ابن تَيْميَّة ولم يترك على ظهر الأرض مثله». وحسبك بهذا القول من هذا الإمام، قالوا (١): وكان علمه أرجح من عقله!
وقد تقدَّم من أخباره ووقائعه ما يُغني عن الإعادة والإطالة، وكانت مدّة اعتقاله من يوم الاثنين سادس شعبان سنة ستٍ وعشرين وسبع مئة، وإلى حين وفاته: سنتين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا ــ رحمه الله تعالى ــ.
ولما توفي أُفرج عن أخيه الشَّيخ زين الدِّين عبد الرَّحمن يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة، وكان قد اعْتُقِل معه، فلما مات صار يخرج في كلِّ يوم من اعتقاله إلى تربة أخيه، ويقيم بها إلى عشية النَّهار فيعود إلى القلعة، ويبيت فيها، وكان النَّائب غائبًا في الصَّيد فلما عاد إلى دمشق أفرج عنه ــ رحمه الله تعالى ونفع به ــ.
* * * *
стр. 503
البداية والنهاية (١)
للعلّامة أبي الفِداء إسماعيل بن كثير الدِّمشقي (٧٧٤)
سنة (٦٦١)
مولد الشيخ تقي الدِّين ابن تيميَّة شيخ الإسلام:
قال الشَّيخ شمس الدِّين الذَّهبيّ: وفي هذه السنة وُلد شيخنا تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد ابن الشَّيخ شهاب الدِّين عبد الحليم بن أبي القاسم ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني، بحرّان. يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل من سنة إحدى وستين وست مئة. (١٣/ ٢٥٥). (١٧/ ٤٥١).
سنة (٦٦٦)
وفيها ولد الشَّيخ شرف الدِّين عبد الله ابن تَيْمِيَّة أخو الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة. (١٣/ ٢٦٨). (١٧/ ٤٨٠).
سنة (٦٦٧)
وفيها خرج أهل حرّان منها وقدموا الشَّام. وكان فيهم شيخنا العلّامة أبو العبَّاس أحمد ابن تَيْمِيَّة صُحْبةَ أبيه، وعمره ست سنين، وأخواه زين الدِّين عبد الرَّحمن وشرف الدِّين عبد الله، وهما أصغر منه. (١٣/ ٢٦٩). (١٧/ ٤٨٣).
стр. 504
سنة (٦٨٢)
وممن توفي فيها: ابن جَعْوان العلامة شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عباس ابن جَعْوان الأنصاري الدمشقي، المحدِّث الفقيه الشافعي البارع في النحو واللغة.
سمعت شيخنا تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المِزِّي يقول كل منهما للآخر: هذا الرَّجل قرأ «مسند الإمام أحمد» ــ وهما يسمعان ــ فلم نَضْبِط عليه لحنةً مُتَّفقًا عليها، وناهيك بهذين ثناءً على هذا، وهما هما! ! (١٣/ ٣٢٠)، (١٧/ ٥٩٠ - ٥٩١).
[وفيها] توفي الشَّيخ الإمام العالم شهاب الدِّين عبد الحليم بن الشَّيخ الإمام العلامة مجد الدِّين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني، والد شيخنا العلامة تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، مفتي الفِرق، الفارق بين الفرق. كَانت له فضيلة حسنة، ولديه فوائد كثيرة، وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلّم عليه عن ظهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكّرية بالقَصَّاعين، وبها كَانَ مَسْكنه. ثمَّ درّس ولده الشَّيخ تقي الدِّين بها بعده، في السنة الآتية كما سيأتي. ودُفن بمقابر الصوفية ﵀. (١٣/ ٣٢٠). (١٧/ ٥٩٢).
سنة (٦٨٣)
في يوم الاثنين، ثاني المحرّم منها، درَّس الشَّيخُ الامام العالم العلامة العَلَم تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني، بدار الحديث السُّكَّرية الَّتي بالقصَّاعين. وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين ابن الزكي الشَّافعيّ، والشيخ تاج الدِّين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدِّين ابن المُرَحِّل، وزين الدِّين بن المنجَّى الحنبلي. وكان
стр. 505
درسًا هائلًا حافلًا، وقد كتبه الشَّيخ تاج الدِّين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حَداثة سنّه وصِغره، فإنه كَانَ عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين.
ثمَّ جلس الشَّيخ تقي الدِّين المذكور أيضًا يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هُيِّئَ له لتفسير القرآن العزيز. فابتدأ من أوله في تفسيره. وكان يجتمع عنده الخلق الكثير، والجمُّ الغفير، ومن كثرة ما كَانَ يورد من العلوم المتنوّعة المحرّرة مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان. واستمرَّ على ذلك مدة سنين متطاولة. (١٣/ ٣٢١). (١٧/ ٥٩٣).
سنة (٦٩٢)
وكان ممن حجَّ في هذه السنة الشيخُ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة ﵀. وكان أميرهم الباسطي، ونالهم في مَعَان ريح شديدة جدًا مات بسببها جماعة، وحملت الريح جمالًا عن أماكنها. وطارت العمائم عن الرؤوس، واشتغل كلّ أحد بنفسه. (١٣/ ٣٥٢). (١٧/ ٦٥٩).
سنة (٦٩٣)
(واقعة عسّاف)
كَانَ هذا الرَّجل من أهل السويداء، قد شهد عليه جماعة أنَّه سبَّ النَّبي ﷺ ، وقد استجار عسّافٌ هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل عليّ، فاجتمع الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، والشيخ زين الدِّين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدِّين أيبك الحموي، نائب السلطنة، فكلّماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليُحْضِره، فخرجا من عنده، ومعهما خلق كثير
стр. 506
من الناس، فرأى الناسُ عسَّافًا حينَ قدم ومعه رجلٌ من العرب فسبُّوه وشتموه، فقال ذلك الرَّجل البدويُّ: هو خير منكم ــ يعني النصراني ــ فرجمهما الناس بالحجارة؛ وأصابت عسَّافًا ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب، فطلب الشيخين: ابن تَيْمِيَّة والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم، وعقد مجلس بسببه، وأثبت بَيْنه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثمَّ استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريبًا من مدينة رسول الله ﷺ قتله ابن أخيه هنالك.
وصنف الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في هذه الواقعة كتابه «الصارم المسلول على ساب الرسول ﷺ ». (١٣/ ٣٥٥). (١٧/ ٦٦٥ - ٦٦٦).
سنة (٦٩٤)
توفي الشَّيخ الامام الخطيب المدرّس المفتي: شرف الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن الشَّيخ كمال الدِّين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقْدِسِيّ الشافعي ولي القضاء نيابة، والتدريس، والخطابة بدمشق ... وأذن في الإفتاء لجماعة من الفضلاء منهم الشَّيخ الامام العلّامة شيخ الإسلام أبو العبَّاس ابن تَيْمِيَّة، وكان يَفْتَخِر بذلك ويَفْرَح به، ويقول: أنا أذِنْتُ لابن تَيْميَّة بالإفتاء. (١٣/ ٣٦١). (١٧/ ٦٧٨).
سنة (٦٩٥)
وفي يوم الأربعاء سابع عشر شعبان درّس الشَّيخ الامام العلّامة شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني بالمدرسة الحنبلية عوضًا عن الشَّيخ زين الدِّين ابن المنجَّى توفي إلى رحمة الله. ونزل ابن تَيْمِيَّة عن حَلْقة
стр. 507
العماد بن المنجَّى لشمس الدِّين ابن الفخر البعلبكي. (١٣/ ٣٦٤). (١٧/ ٦٨٤ - ٦٨٥).
سنة (٦٩٧)
ولما كان يوم الجمعة سابع عشر شوال، عَمِل الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية ميعادًا في الجهاد، وحرَّض فيه، بالغ في أجور المجاهدين، وكان وقتًا مشهودًا وميعادًا جليلًا.
سنة (٦٩٨)
وكان وقع في أواخر دولة لاجين بعد خروج قَبْجَق من البلد محنة للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدِّين الحنفي. فلم يحضر. فنودي في البلد في العقيدة الَّتي كَانَ قد سأله عنها أهل حماة المسماة «بالحموية». فانتصر له الأمير سيف الدِّين جاغان. وأرسل يطلب الَّذين قاموا عليه. فاختفى كثير منهم، وضُرِب جماعة ممن نادى على العقيدة فسكت الباقون.
فلما كَانَ يوم الجمعة عمل الشَّيخ تقي الدِّين الميعاد بالجامع على عادته، وفسّر فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ثمَّ اجتمع بالقاضي إمام الدِّين القَزْويني صبيحة يوم السبت، واجتمع عنده جماعة من الفضلاء، وبحثوا في «الحموية»، وناقشوه في أماكن منها. فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير.
ثمَّ ذهب الشَّيخ تقي الدِّين وقد تَمَهَّدَت الأمور، وسكنت الأحوال. وكان القاضي إمام الدِّين معتقدُه حسنًا ومقصدُه صالحًا. (١٤/ ٤ - ٥). (١٧/ ٧١١ - ٧١٢).
стр. 508
سنة (٦٩٩)
هذا؛ وسلطان التَّتار قد قصد دمشق بعد الوقعة. فاجتمع أعيانُ البلد والشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في مشهد عليّ، واتفقوا على المسير إلى قازان لتلقّيه وأخذ الأمان منه لأهل دمشق.
فتوجّهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر، فاجتمعوا به عند النَّبْك (١). وكلّمه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تيمية كلامًا قويًّا شديدًا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعُها على المسلمين ولله الحمد.
ودخل المسلمون ليلتئذٍ من جهة قازان فنزلوا بالباذَرائية، وغُلِّقَت أبوابُ البلد سوى باب تُوما. وخطب الخطيب بالجامع يوم الجمعة، ولم يذكر سلطانًا في خطبته، وبعد الصلاة ... حضر الفَرْمان بالأمان وطيف به في البلد. وقُرئ يوم السبت ثامن الشهر بمقصورة الخطابة، ونُثر شيء من الذهب والفضّة. (١٤/ ٨). (١٧/ ٧١٩ - ٧٢٠).
وفي يوم الاثنين عاشر الشهر قدم الأمير سيف الدِّين قَبْجَق المنصوري فنزل في الميدان. واقترب جيش التَّتَر، وكثُر العيْث في ظاهر البلد، وقُتل جماعة، وغلت الأسعار بالبلد جدًّا، وضاق الحال عليهم وأرسل قبجق إلى نائب القلعة ليُسَلِّمها إلى التتر. فامتنع أرْجُواش من ذلك أشدّ الامتناع. فجمع له قبجق أعيان البلد فكلَّموه أيضًا، فلم يُجبهم إلى ذلك، وصمّم على ترك تسليمها إليهم وفيها عين تطرف. فإنَّ الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك فاشتدَّ عزمه على ذلك وقال له: لو لم يبق فيها
стр. 509
إلَّا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشَّام فإن الله حفظ لهم هذا الحصن والمَعْقِلَ الذي جعله الله حِرزًا لأهل الشام التي لا تزال دارَ أمانٍ وسنةٍ، حتى ينزل بها عيسى بن مريم ﵇. (١٤/ ٩). (١٧/ ٧٢٠).
ولما نُكب دَيْر الحنابلة في ثاني جُمادى الأولى قتلوا [أي التَّتار] خلقًا من الرجال، وسبوا من النساء كثيرًا، ونال قاضي القضاة تقي الدِّين منهم أذى كثير. ويُقال: إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريبًا من أربعمائة وأسروا نحوًا من أربعة آلافٍ أسير. ونُهِبَت كتبٌ كثيرة من الرباط الناصري والضيائية، وخزانة ابن البزوري. وكانت تُباع وهي مكتوب عليها الوقفية ...
وخرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في جماعة من أصحابه يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر إلى ملك التتر. وعاد بعد يومين، ولم يتّفق اجتماعه به. حجبه عنه الوزيرُ سعد الدين، والرشيدُ مُشِيرُ الدولة المَسْلَماني ابن يهودي ... (١٤/ ٩ - ١٠). (١٧/ ٧٢٢).
وفي ثاني رجب طلب قبجق القضاة والأعيان، فحلَّفهم على المناصحة للدولة المحمودية ــ يعني قازان ــ. فحلفوا له. وفي هذا اليوم خرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة إلى مخيَّم بُولاي فاجتمع به، في فكاك مَنْ كَانَ معه من أُسَارَى المسلمين. فاستنقذ كثيرًا منهم من أيديهم. وأقام عنده ثلاثة أيام ثمَّ عاد. (١٤/ ١١). (١٧/ ٧٢٦).
وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة بجامع دمشق لصاحب مصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون. ففرح الناس بذلك، وكان يُخطب لقازان بدمشق وغيرها من بلاد الشَّام مائة يوم سواء.
стр. 510
وفي بُكرة يوم الجمعة المذكور دار الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة ﵀، وأصحابُه على الخمَّارات والحانات، فكسروا آنية الخمور، وشقوا الظروف وأراقوا الخمور. وعزّروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش. ففرح الناس بذلك. (١٤/ ١٢). (١٧/ ٧٢٧ - ٧٢٨).
وفي يوم الجمعة العشرين من شوال ركب نائب السلطنة جمال الدِّين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجَرَد وكسروان. وخرج الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة ومعه خلق كثير من المتطوّعة والحورانة لقتال أهل تلك الناحية، بسبب فساد دينهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عامَلوا به العَسَاكر لما كسرهم التترُ وهَرَبوا؛ حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم، وأخذوا أسلحتهم وخيولَهم، وقتلوا كثيرًا منهم.
فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة، فاستتابهم وبيّن للكثير منهم الصواب، وحصل بذلك خير كثير، وانتصار كبير على أُولئك المفسدين، والتزموا بردّ ما كانوا أخذوه من أموال الجيش، وقرّر عليهم أموالًا كثيرة يحملونها إلى بيت المال، وأقطِعتْ أراضيهم وضياعُهم، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند، ولا يلتزمون أحكام الملة، ولا يدينون دين الحق، ولا يحرّمون ما حرَّم الله ورسوله. (١٤/ ١٣). (١٧/ ٧٣٠).
سنة (٧٠٠)
في مُسْتهلِّ صفر وردت الأخبار بقصد التتر بلاد الشَّام، وأنهم عازمون على دخول مصر. فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفًا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والكَرَك
стр. 511
والشَّوْبَك والحصون المنيعة. فبلغت المحارة (١) إلى مصر خمسمائة، وبيع الجمل بألف، والحمار بخمسمائة. وبيعت الأمتعة والثياب والغلات بأرخص الأثمان. وجلس الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة في ثاني صفر بمجلسه في الجامع وحرّض الناس على القتال. وشاق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك. ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغّب في إنفاق الأموال في الذّب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأنّ ما يُنفق في أجرة الهَرَب، إذا أُنفِقَ في سبيل الله كَانَ خيرًا. وأوجب جهاد التتر حتمًا في هذه الكرّة. وتابع المجالس في ذلك. ونودي في البلدان: لا يُسافر أحد إلّا بمرسوم وورقة. فتوقف الناسُ عن السير، وسكن جأشهم. (١٤/ ١٥ - ١٦). (١٧/ ٧٣٥ - ٧٣٦).
واستهل جمادى الأولى والناس على خُطةٍ صعبةٍ من الخوف، وتأخُّر السلطانِ واقتراب العدوِّ، وشدةِ الأمرِ والحالِ، وخرج الشَّيخ تقيّ الدِّين بن تَيْمِيَّة رحمه الله تعالى في مستهلّ هذا الشهر ــ وكان يوم السبت ــ إلى نائب الشَّام وعساكره بالمرج. فثبَّتهم، وقوّى جأشهم، وطيّب قلوبهم، ووعدهم النصر والظفر على الأعداء. وتلا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠]، وبات عند العسكر ليلة الأحد، ثمَّ عاد إلى دمشق وقد سأله النائب والأمراء أنْ يركب على البريد إلى مصر يستحثُّ السلطان على المجيء.
فساق وراء السلطان. وكان السلطان قد وصل إلى الساحل، فلم يدركه إلا وقد رجع إلى القاهرة وتفارط الحال. ولكنه استحثهم على تجهيز
стр. 512
العساكر إلى الشَّام إنْ كَانَ لهم به حاجة. وقال لهم فيما قال: «إنْ كنتم أعرضتم عن الشَّام وحمايته، أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن».
ولم يزل بهم حتَّى جُرِّدَت العساكر إلى الشَّام.
ثمَّ قال لهم: «لو قُدِّر أنكم لستم حُكّام الشَّام ولا ملوكه، واستنصركم أهله وَجَبَ عليكم النصر. فكيف وأنتم حُكّامه وسلاطينُه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم؟ ».
وقوَّى جأشهم، وضمن لهم النصر هذه الكرّة. فخرجوا إلى الشَّام، فلما تواصلت العساكر إلى الشَّام فرح الناس فرحًا شديدًا، بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم ... (١٤/ ١٦). (١٧/ ٧٣٧ - ٧٣٨).
ورجع الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الديار المصرية في السابع والعشرين من جُمادى الأولى على البريد، وقد أقام بقلعة مصر ثمانية أيّام واجتمع بالسلطان والوزير وأعيان الدولة وحثَّهم وحرَّضهم فأجابوه. (١٤/ ١٧). (١٧/ ٧٣٩).
سنة (٧٠١)
وفي هذا الشهر [شوال] عُقد مجلس لليهود الخيابرة، وأُلزموا بأداء الجزية أسوةَ أمثالهم من اليهود. فأحضروا كتابًا معهم يزعمون أنَّه من رسول الله ﷺ بوضع الجزية عنهم. فلما وقف عليه الفقهاء تبيّنوا أنَّه مكذوب مفتعل؛ لما فيه من الألفاظ الركيكة، والتواريخ المخبَّطة، واللحن الفاحش. وحاققهم عليه شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، وبيّن لهم خطأهم وكذبهم. وأنّه مزوّر مكذوب. فأنابوا
стр. 513
إلى أداء الجزية، وخافوا من أن تستعاد عليهم السنين الماضية.
قلتُ: وقد وقفت أنا ــ أي المؤلف ــ على هذا الكتاب، فرأيتُ فيه شهادة سعد بن معاذ عام خبير. وقد توفي سعد قبل ذلك بنحو من ثلاث سنين، وشهادة معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد ذلك بنحو من سنتين. وفيه: وكتب علي بن أبو طالب! !
وهذا لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين عليّ. (١٤/ ٢٠). (١٨/ ٩).
وفي هذا الشهر [شوال] ثار جماعة من الحَسَدة على الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وشَكَوا منه أنَّه يُقيم الحدود، ويعزِّر، ويحلق رؤوس الصبيان، وتكلّم هو أيضًا فيمن يشكو منه ذلك، وبيّن خطأهم. ثمَّ سكنت الأمور. (١٤/ ٢٠). (١٨/ ١٠).
سنة (٧٠٢)
وفي جُمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة كتاب مزوّر، فيه أنَّ الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة، والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري، وجماعة من الأمراء والخواص الَّذين بباب السلطنة يُناصحون التتر ويكاتبونهم، ويريدون تولية قَبْجَق على الشَّام، وأن الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني يعلمهم بأحوال الأمير جمال الدِّين آقوش الأفرم، وكذلك كمال الدِّين بن العطّار. فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أنَّ هذا مفتعل. ففحص عن واضعه فإذا هو فقير، كَانَ مجاورًا بالبيت الَّذي كَانَ إلى جانب محراب الصَّحابة، يُقال له اليَعْفُوري، وآخر معه يُقال له أحمد الفناري (١). وكانا معروفيْن بالشرّ
стр. 514
والفضول. ووُجد معهما مسوَّدة هذا الكتاب. فتحقّق نائب السلطنة ذلك، فعُزّرا تعزيرًا عنيفًا. ثمَّ وُسِّطا (١) بعد ذلك في مستهل جمادى الآخرة، وقُطعت يد الكاتب الَّذي كتب لهما هذا الكتاب وهو التاج المناديلي. (١٤/ ٢٣). (١٨/ ١٨).
وفي ثامن عشر [شعبان] قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين ...
ثمَّ قدمت بعدهم طائفة أُخرى ... فقويت القلوب واطمأنّ كثير من الناس. ولكن الناس في جَفْل عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي، وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص، ثمَّ خافوا أنْ يدهمهم التتر فجاؤوا فنزلوا المَرْج ... وجلس القضاة بالجامع وحلّفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال.
وتوجّه الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القُطَيْفة، وأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدوّ فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم. وكان الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرّة منصورون على التتار. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إنْ شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأوّل في ذلك أشياء في كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ﴾ [الحج: ٦٠]. (١٤/ ٢٤ - ٢٥). (١٨/ ٢٢ - ٢٣).
وقد تكلّم الناسُ في كيفيّة قتال هؤلاء التتر من أيّ قبيل هو؟ فإنهم
стр. 515
يُظهرون الإسلام، وليسوا بُغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقتٍ ثمَّ خالفوه. فقال الشَّيخ تقيّ الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الَّذين خرجوا على عليّ ومعاوية. ورأوا أنهم أحقّ بالأمر منهما. وهؤلاء يزعمون أنهم أحقّ بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبّسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مُضاعفَّة. فتفطَّنَ العلماءُ والناسُ لذلك. وكان يقولُ للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجَّع الناسُ في قتال التَّتار، وقويت قلوبهم ونيَّاتهم ولله الحمد. (١٤/ ٢٥). (١٨/ ٢٣ - ٢٤).
ولما كَانَ يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشامية فخَيَّمتْ على الجُسُورة من ناحية الكُسْوَة، ومعهم القضاة ...
فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكسوة ...
وخرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمشقة كبيرة، وصُحْبته جماعة ليشهد القتال بنفسه ومَنْ معه. فظنوا أنَّه إنَّما خرج هاربًا، فحصل له لوم من بعض الناس وقالوا: أنت مَنَعْتنا من الجفل وها أنت هارب من البلد. فلم يرد عليهم. (١٤/ ٢٥). (١٨/ ٢٤).
وفي يوم الاثنين رابع الشهر [رمضان] رجع الناسُ من الكسوة إلى دمشق، فبشّروا الناس بالنصر.
وفيه دخل الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة البلدَ ومعه أصحابه من الجهاد ففرح الناسُ به، ودعوا له، وهنّأوه بما يسّرَ الله على يديه من الخير. وذلك أنّه
стр. 516
ندبه العسكر الشامي أنْ يسير إلى السلطان يستحثُّه على السير إلى دمشق، فسار إليه، فحثّه على المجيء إلى دمشق بعد أنْ كاد يرجع إلى مصر. جاء هو وإياه جميعًا. فسأله السلطان أنْ يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرَّجل تحت راية قومه. ونحن من جيش الشَّام لا نقف إلّا معهم. وحرّض السلطان على القتال، وبشّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله الَّذي لا إله إلّا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرّة. فيقول له الأمراء: قل إنْ شاء الله. فيقول: إنْ شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وأفتى الناسَ بالفِطْرِ مدةَ قتالهم، وأفطر هو أيضًا وكان يدور على الأطلاب (١) والأمراء فيأكل من شيء معه في يده، ليعلمهم أَنَّ إفطارهم ليتقووا على القتال أفضلُ، فيأكل الناس. وكان يتأوَّل في الشاميين قوله ﷺ : «إنكم ملاقوا العدوّ غدًا، والفطر أقوى لكم» (٢). فعزم عليهم في الفطر عام الفتح. كما في حديث أبي سعيد الخدري. (١٤/ ٢٧). (١٨/ ٢٧ - ٢٨).
في ترجمة ابن دقيق العيد قال: وقد اجتمع به الشَّيخُ تقيُّ الدِّين بن تَيْمِيَّة، فقال له تقي الدِّين ابن دقيق العيد لما رأى تلك العلوم منه: ما أظن بقي يُخلق مثلك. (١٤/ ٢٩). (٢٨/ ٣٠) في نسخة (م).
وعين نائب السلطنة الشامية البرّانية ودار الحديث للشيخ كمال الدِّين بن الشريشي، وذلك بإشارة الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة. (١٤/ ٣٠). (٢٨/ ٣٣).
стр. 517
سنة (٧٠٤)
في رجب منها أُحضر إلى الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة شيخٌ كَانَ يلبس دلقًا كبيرًا متسعًا جدًّا يسمّى المجاهد إبراهيم القطّان. فأمر الشَّيخ بتقطيع ذلك الدلق، فتناهبه الناسُ من كلّ جانب، وقطعوه حتَّى لم يدعوا منه شيئًا. وأمر بِحَلْق رأسه، وكان ذا شعر، وقَلْم أظفاره وكانوا طوالًا جدًّا. وحفَّ شاربه المُسْبل على فمه المخالف للسنّة. واستتابه من كلام الفُحْش، وأكْلِ ما لا يجوز أكله من المحرّمات ومما يغيّر العقل من الحشيشة، وغيرها.
وبعده استحضر الشَّيخ محمد الخبّاز البلاسي، فاستتابه أيضًا عن أكل المحرمّات، ومخالطة أهل الذمّة. وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلّم في تعبير المنامات ولا في غيرها بما لا علم له به.
وفي هذا الشهر بعينه راح الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة إلى مسجد النَّارَنْج وأمر أصحابه ومعهم حجّارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قَلُوط تُزار ويُنذر لها. فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها. فأزاح عن المسلمين شبهة كَانَ شرّها عظيمًا وبهذا وأمثاله حسدوه، وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحُسِد على ذلك وعُودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالى، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه: الحبس: مع أنه لم ينقطع في بحثٍ، لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه ــ كما سيأتي ــ وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم. (١٤/ ٣٦). (١٨/ ٤٥ - ٤٧).
وفي مستهلّ ذي الحجة ركب الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجُرْد والكَسْروانيين، ومعه نقيب الأشراف زين الدِّين
стр. 518
بن عدنان، فاستتابوا خلقًا منهم، وألزموهم بشرائع الإسلام، ورجع مؤيّدًا منصورًا. (١٤/ ٣٧). (١٨/ ٤٩).
سنة (٧٠٥)
في ثانية [المحرم] خرج نائب السلطنة بمن بقي معه من الجيوش الشامية. وقد كَانَ تقدّم بين يديْه طائفة منهم مع ابن تَيْمِيَّة في ثاني المحرم. فساروا إلى بلاد الجُرْد والرَّفَض والتَّيامِنَة. فخرج نائب السلطنة الأفرم بنفسه بعد خروج الشَّيخ لغزوهم، فنصرهم الله عليهم، وأبادوا خَلْقًا كثيرًا منهم ومن فرقتهم الضالّة، ووطئوا أراضي كثيرة من مَنِيع بلادهم. وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في صحبته الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة والجيش. وقد حصل بسبب شهود الشَّيخ هذه الغزوة خيرٌ كثير. وأبان الشَّيخ علمًا وشجاعة في هذه الغزوة، وقد امتلأت قلوب أعدائه حسدًا له وغمًّا. (١٤/ ٣٨). (١٨/ ٥٠).
ما جرى للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَة
مع الأحمدية وكيف عقدت له المجالس الثلاثة
وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الأحمدية إلى نائب السلطنة بالقصر الأبلق وحضر الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الأمراء أنْ يكف الشَّيخ تقي الدِّين إنكاره عليهم، وأن يُسَلِّم لهم حالهم، فقال لهم الشَّيخ: هذا ما يمكن. ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة، قولًا وفعلًا، ومن خرج عنهما وجب الإنكار عليه على كل أحدٍ. فأرادوا أنْ يفعلوا شيئًا من أحوالهم الشيطانية الَّتي يتعاطونها في سماعاتهم، فقال الشَّيخ: تلك أحوال شيطانية باطلة، وأكثر أحوالكم من باب الحيل والبهتان، ومن أراد منكم أن يدخل
стр. 519
النار فليدخل أولًا إلى الحمام وليغسل جسده غسلًا جيدًا ويدلكه بالخل والأُشنان ثمَّ يدخل بعد ذلك إلى النار إنْ كَانَ صادقًا.
ولو فرض أنَّ أحدًا من أهل البدع دخل النار بعد أنْ يغتسل فإنًّ ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة المحمدية إذا كَانَ صاحبها على السنة، فما الظن بخلاف ذلك! فابتدر شيخ المُنَيبع الشَّيخ صالح وقال: نحن أحوالنا إنَّما تنفق عند التتر ليست تنفق عند الشرع. فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد، ثمَّ اتفق الحال على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج على الكتاب والسنة ضربت عنقه. وصنف الشَّيخ جزءًا في طريقة الأحمدية، وبين فيه فساد أحوالهم ومسالكهم وتخيلاتهم، وما في طريقتهم من مقبول ومردود بالكتاب والسنة، وأظهر الله السنة على يديه وأخمد بدعتهم ولله الحمد والمنة.
أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة
وفي يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة عند نائب السلطنة بالقصر، وقرئت عقيدة الشَّيخ تقي الدِّين «الواسطية»، وحصل بحث في أماكن منها، وأخرت مواضع إلى المجلس الثَّاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور وحضر الشَّيخ صفي الدِّين الهندي، وتكلم مع الشَّيخ تقي الدِّين كلامًا كثيرًا، ولكن ساقيته لاطمت بحرًا! ! ثمَّ اصطلحوا على أن يكون الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني هو الَّذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك، وشكر الناسُ من فضائل الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني وجودة ذهنه وحسن
стр. 520
بحثه حيث قاوم ابن تَيْمِيَّة في البحث، وتكلم معه، ثمَّ انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشَّيخ إلى منزله معظَّمًا مكرَّمًا.
وبلغني أنَّ العامة حملوا له الشمع من باب النصر إلى القصّاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء، وكان الحاملَ على هذه الاجتماعات كتابٌ ورد من السلطان في ذلك، كَانَ الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشَّيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه وذلك أنَّ الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة كَانَ يتكلم في المنبجي وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي، وكان للشيخ تقي الدِّين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له ومحبتهم له وكثرة أتباعه وقيامه في الحق، وعلمه وعمله.
ثمَّ وقع بدمشق خبط كثير وتشويش بسبب غيبة نائب السلطنة في الصيد، وطلب القاضي جماعةً من أصحاب الشَّيخ وعزّر بعضهم.
ثمَّ اتفق أنَّ الشَّيخ جمال الدِّين المزي الحافظ قرأ فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاريّ بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه إلى القاضي الشَّافعيّ ابن صصري، وكان عدو الشَّيخ فسجنَ المزيَّ، فبلغ ذلك الشَّيخ تقي الدِّين فتألم لذلك وذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، وراح إلى القصر فوجد القاضي هناك، فتقاولا بسبب الشَّيخ جمال الدِّين المزي، فحلف ابن صصري ولا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزَلَ نفسه. فأمر النائب بإعادته تطييبًا لقلب القاضي، فحبسه عنده في القوصية أيامًا ثمَّ أطلقه. ولما قدم نائب السلطنة ذكر له الشَّيخ تقي الدِّين ما جرى في حقه وحق أصحابه في
стр. 521
غيبته، فتألم النائب لذلك، ونادى في البلد: أن لا يتكلم أحد في العقائد، ومن تكلم في ذلك حلّ ماله ودمه ونُهبت داره وحانوته، فسكنت الأمور.
وقد رأيت فصلًا من كلام الشَّيخ تقي الدِّين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات.
ثمَّ عُقِد المجلس الثالث في سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة. وفي هذا اليوم عزَل ابنُ صصري نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من بعض الحاضرين في المجلس المذكور، وهو الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني، ثمَّ جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان فيه إعادة ابن صصري إلى القضاء، وذلك بإشارة المنبجي، وفي الكتاب: إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس، وأنَّه على مذهب السلف، وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه. ثمَّ جاء كتاب آخر في خامس رمضان يوم الاثنين وفيه الكشف عمَّا كَانَ وقع للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في أيام جاغان، والقاضي إمام الدِّين القزويني، وأن يحمل هو والقاضي ابن صصري إلى مصر. فتوجها على البريد نحو الديار المصرية، وخرج مع الشَّيخ خلق من أصحابه وبكوا وخافوا عليه من أعدائه، وأشار عليه نائب السلطنة الأفرم بترك الذهاب إلى مصر، وقال له: أنا أكاتب السلطان في ذلك وأصلح القضايا. فامتنع الشَّيخ من ذلك وذكر له أنَّ في توجهه لمصر مصلحة كبيرة، ومصالح كثيرة. فلما توجّه لمصر ازدحم الناس لوداعه ورؤيته، حتَّى انتشروا من باب داره إلى قرب الجسورة، فيما بين دمشق والكسوة، وهم ما بين باكٍ وحزين ومتفرّج ومتنزّه ومُزاحم مُتغالٍ فيه.
стр. 522
فلما كَانَ يوم السبت دخل الشَّيخ تقي الدِّين غزة، فعمل بجامعها مجلسًا عظيمًا، ثمَّ رحلا معًا إلى القاهرة والقلوبُ معه وبه متعلّقة. فدخلا مصر يوم الاثنين الثَّاني والعشرين من رمضان، وقيل إنّهما دخلاها يوم الخميس.
فلما كَانَ يوم الجمعة بعد الصلاة عُقد للشيخ تقي الدِّين مجلس بالقلعة اجتمع فيه القُضاة وأكابر الدولة. وأراد أن يتكلّم على عادته، فلم يُمكّن من البحث والكلام. وانتُدب له الشمس ابن عدلان خصمًا احتسابًا، وادّعى عليه عند ابن مخلوف المالكي أنَّه يقول: إنّ الله فوق العرش حقيقةً، وأنّ الله يتكلم بحرف وصوت. فسأله القاضي جوابه. فأخذ الشَّيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجبْ، ما جئنا بك لتخطب. فقال: ومَن الحاكم فيَّ؟ فقيل له: القاضي المالكي. فقال له الشَّيخ: كيف تحكم فيَّ وأنت خصمي؟ فغضب غضبًا شديدًا، وانزعج، وأقيم مرسَّمًا عليه، وحُبس في بُرْج أيامًا، ثمَّ نُقل منه ليلة العيد إلى الحبس المعروف بالجب، هو وأخواه شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرَّحمن.
وأما ابن صصري فإنّه جُدّد له توقيع بالقضاء بإشارة المنبجي شيخ الجاشنكير حاكم مصر. وعاد إلى دمشق يوم الجمعة سادس ذي القعدة والقلوبُ له ماقتة، والنفوس منه نافرة. وقرئ تقليده بالجامع. وبعده قُرئ كتابٌ فيه الحطُّ على الشَّيخ تقيّ الدِّين ومخالفته في العقيدة، وأن ينادي بذلك في البلاد الشامية، وألزم أهل مذهبه بمخالفته. وكذلك وقع بمصر، قام عليه جاشنكير، وشيخه نصر المنبجي، وساعدهم جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء، وجرت فتنٌ كثيرة منتشرة، نعوذ بالله من الفتن!
стр. 523
وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة كثيرة، وذلك أن قاضيهم كان قليل العلم مُزْجَى البضاعة، وهو شرف الدِّين الحراني، فلذلك نال أصحابهم ما نالهم، وصارت حالهم حالهم. (١٤/ ٣٨ - ٤٠). (١٨/ ٥١ - ٥٧).
سنة (٧٠٦)
استهلت ... والشيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة مسجون بالجبّ من قلعة الجبل. (١٤/ ٤٢). (١٨/ ٦٢).
وفي يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة ... ووصل مع البريدي أيضًا كتاب فيه طلب الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكَاني إلى القاهرة. فتوهّم من ذلك، وخاف أصحابه عليه، بسبب انتسابه إلى الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة. فتلطّف يه نائب السلطنة، ودارى عنه حتَّى أُعْفِي من الحضور إلى مصر ولله الحمد. (١٤/ ٤٣). (١٨/ ٦٣).
وفي ليلة عيد الفطر أحضر الأمير سيف الدِّين سلار نائب مصر، القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء. فالقضاةُ: الشَّافعيّ والمالكي والحنفي، والفقهاء الباجي والجَزَري والنِّمْرَاوي. وتكلّموا في إخراج الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الحبس. فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطًا في ذلك، منها أنَّه يلتزم بالرجوع عن بعض العقيدة، وأرسلوا اليه ليحضر ليتكلّموا معه في ذلك، فامتنع من الحضور وصمّم. وتكرّرت الرسل إليه ست مرّات، فصمّم على عدم الحضور، ولم يلتفت إليهم، ولم يَعِدْهم شيئًا، فطال عليهم المجلس. فتفرّقوا وانصرفوا غير مأجورين! ! (١٤/ ٤٤). (١٨/ ٦٥).
وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أُخْبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشَّيخ تقي الدِّين من الحبس الَّذي يُقال له: الجبّ. فأرسل في
стр. 524
طلبه، فجيء به، فقُريء على الناس. فجعل يشكر الشَّيخ ويُثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزُهده. وقال: ما رأيتُ مثله. وإذا هو كتاب مشتمل على ما هو عليه في السجن من التوجّه إلى الله، وأنَّه لم يقبل من أحد شيئًا لا من النفقات السلطانية ولا من الكسوة ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنّس بشيء من ذلك.
وفي هذا الشهر، يوم الخميس السابع والعشرين منه، طُلِبَ أخَوَا الشَّيخ تقي الدين: شرف الدِّين وزيْن الدِّين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلّار. وحضر نائبَ السَّلْطنةِ ابنُ مخلوف المالكيُّ. وجرى بينهم كلام كثير. فظهر شرف الدِّين بالحجّة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة. وخطَّأه في مواضع ادّعى فيها دعاوى باطلة. وكان الكلام في مسألة العرش ومسألة الكلام، وفي مسألة النزول.
وفي يوم الجمعة أُحْضِر شرف الدِّين أخو الشيخ تقي الدِّين وحده في مجلس نائب السلطنة سلّار، وحضر ابنُ عدلان، وتكلم معه الشيخ شرف الدِّين وناظره وبحث معه، وظهر عليه أيضًا. (١٤/ ٤٥). (١٨/ ٦٧).
سنة (٧٠٧)
استهلت ... والشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة معتقل بالجب من قلعة الجبل بمصر. (١٤/ ٤٦). (١٨/ ٧٢).
وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة بالشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في دار الأوحدي من قلعة الجبل، وطال بينهما الكلام ثمَّ تفرقا قبل الصلاة، والشيخ تقي الدِّين مصمم على عدم الخروج من السجن.
стр. 525
فلما كَانَ يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأوَّل جاء الأمير حسام الدِّين مهنّا بن عيسى ملك العرب إلى السجن بنفسه، وأقسم على الشَّيخ تقي الدِّين ليخرجنّ إليه، فلما خرج أقسم عليه ليأتينّ معه إلى دار سلار، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلّار وجرت بينهم بحوث كثيرة، ثمَّ فرقت بينهم الصلاة، ثمَّ اجتمعوا إلى المغرب وبات الشَّيخ تقي الدِّين عند سلّار، ثمَّ اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميع النهار، ولم يحضر أحد من القضاة بل اجتمع من الفقهاء خلق كثير، أكثر من كل يوم، منهم الفقيه نجم الدِّين ابن الرفعة وعلاء الدِّين الباجي وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وعز الدِّين النِّمراوي، وشمس الدِّين بن عدلان، وجماعة من الفقهاء، وطلبوا القضاة فاعتذروا بأعذار، بعضهم بالمرض، وبعضهم بغيره، لمعرفتهم بما ابن تَيْمِيَّة منطوٍ عليه من العلوم والأدلة، وأن أحدًا من الحاضرين لا يطيقه، فقبل عذرهم نائب السلطنة ولم يكلفهم الحضور بعد أنْ رسم السلطان بحضورهم وانْفَصَل المجلس على خير، وبات الشَّيخ عند نائب السلطنة. وجاء الأمير حسام الدِّين مهنّا يريد أنْ يستصحب الشَّيخ تقي الدِّين معه إلى الشام، فأشار سلار بإقامة الشَّيخ بمصر عنده ليرى الناس فضله وعلمه، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه. وكتب الشَّيخ كتابًا إلى الشَّام يتضمن ما وقع له من الأمور.
قال البرزالي: وفي شوال منها شكا الصوفيةُ بالقاهرة على الشَّيخ تقي الدِّين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشَّافعيّ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء لم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: لا يستغاث إلَّا بالله، ولا يستغاث بالنبي ﷺ استغاثة
стр. 526
بمعنى العبادة، ولكن يتوسّل به ويُتَشفع به إلى الله. فبعض الحاضرين قال: ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدِّين بن جماعة أنَّ هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أنْ يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله.
ثمَّ إنَّ الدولة خيروه بين أشياء؛ إمَّا أنْ يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شُرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم، فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثمَّ أرسلوا خلفه من الغد بريدًا آخر، فردوه وحضر عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إنَّ الدولة ما ترضى إلَّا بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له. واستناب شمس الدِّين التونسي المالكي وأذن له أنْ يحكم عليه بالحبس فامتنع وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكي فتحيَّر، فلما رأى الشَّيخُ توقفَهم في حبسه قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتّبِع ما تقتضيه المصلحة. فقال نور الدِّين الزواوي: يكون في موضع يصلح لمثله. فقيل له: الدولة ما ترضى إلَّا بمسمى الحبس، فأُرسل إلى حبس القضاة، وأُجْلِس في المكان الَّذي أُجْلس فيه تقي الدِّين ابن بنت الأعزّ حين سُجن، وأذن له أنْ يكون عنده من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كَانَ قد استحوذ على عقل الجاشنكير الَّذي تسلطن فيما بعد، وغيره من الدولة، والسلطان مقهور معه.
واستمر الشَّيخ في الحبس يُستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوي المشكلة الَّتي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس، فيكتب
стр. 527
عليها بما يحيّر العقول من الكتاب والسنة. ثمَّ عُقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشَّيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلًا ونهارًا. (١٤/ ٤٧ - ٤٨). (١٨/ ٧٣ - ٧٦).
سنة (٧٠٨)
استهلّت ... والشيخ تقي الدِّين قد أُخرج من الحبس (١)، والناس قد عكفوا عليه زيارة وتعلُّمًا وإفتاءً وغير ذلك. (١٤/ ٤٩). (١٨/ ٧٨).
سنة (٧٠٩)
وفي ليلة سلخ صفر توجه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من القاهرة إلى الإسكندرية صحبة أمير مقدَّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسع الأكناف، فكان الناس يدخلون عليه ويشتغلون في سائر العلوم، ثمَّ كَانَ بعد ذلك يحضر الجمعات ويعمل المواعيد على عادته في الجوامع، وكان دخوله إلى الإسكندرية يوم الأحد، وبعد عشرة أيام وصل خبره إلى دمشق، فحصل للناس عليه تألم وخافوا عليه غائلة الجاشنكير وشيخه نصر المنبجي، فتضاعف له الدعاء، وذلك أنهم لم يمكّنوا أحدًا من أصحابه أنْ يخرج معه إلى الإسكندرية فضاقت له الصدور، وذلك أنَّه تمكّن منه عدوُّه نصر المنبجي. وكان سبب عداوته له أّنَّ الشَّيخ تقي الدِّين كَانَ ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصر المنبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقرب انقضاء أجله، ويتكلم فيها وفي ابن عربي وأتباعه. فأرادوا أنْ يسيّروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفيّ، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيلة
стр. 528
فيستريح منه، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقُربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنوًّا وكرامة له.
وجاء كتاب من أخيه يقول فيه: إنَّ الأخ الكريم قد نزل بالثغر المحروس على نية الرباط، فإن أعداء الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامة في حقِّنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدّي إلى هلاك الشَّيخ فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة وانعكست من كل الوجوه، وأصبحوا وأمسوا وما زالوا عند الله وعند عباده العارفين سود الوجوه، يتقطعون حسراتٍ وندمًا على ما فعلوا، وانقلب أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلين عليه مكرمين له، وفي كل وقت ينشر من كتاب الله وسنة رسوله ما تقرّ به أعينُ المؤمنين، وذلك شجًى في حلوق الأعداء، واتفق أنَّه وجد بالإسكندرية إبليس قد باض فيها وفرخ وأضل بها فرق السبعينية والعربية، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شَذَرَ مَذَرَ، وهتك أستارهم وفضحهم، واستتاب جماعة كثيرة منهم، وتوّب رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصهم ــ من أمير وقاض وفقيه، ومفتٍ وشيخ وجماعة المجتهدين، إلَّا من شذَّ من الأغمار الجهال، مع الذلة والصغَار ــ محبة الشَّيخ وتعظيمه وقبول كلامه والرجوع إلى أمره ونهيه، فَعَلَتْ كلمةُ الله بها على أعداء الله ورسوله، ولُعنوا سرًّا وجهرًا وباطنًا وظاهرًا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصة بهم، وصار ذلك عند نصر المنبجي المقيم المقعد، ونزل به من الخوف والذل ما لا يُعَبَّر عنه، وذكر كلامًا كثيرًا.
والمقصود أنَّ الشَّيخ تقي الدِّين أقام بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر مقيمًا
стр. 529
ببرج متسع مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء، ويتردّد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء، يقرأون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر.
وفي آخر ربيع الأوَّل عزل الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني عن نظر المارستان بسبب انتمائه إلى ابن تَيْمِيَّة بإشارة المنبجي، وباشره شمس الدِّين عبد القادر بن الحظيري. (١٤/ ٥١ - ٥٢). (١٨/ ٨٣ - ٨٥).
وفي هذا الشهر [جمادى الآخرة] عزل عنها (أي: مشيخة سعيد السعداء) الشيخ كريم الدِّين الآملي؛ لأنه عزل منها الشهود فثاروا عليه، وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرُسِم بصرفه عنهم، وعُومل بنظر ما كان يعامل به الناس، ومن جملة ذلك: قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية، وافتراؤه عليه الكذب، مع جهله وقلة ورعه، فعجَّل الله له هذا الجزاء على يد أصحابه وأصدقائه جزاءً وفاقًا. (١٨/ ٨٦).
قال الشَّيخ علم الدِّين البرزالي: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلَّا طلب الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الإسكندرية معزَّزًا مكرَّمًا مُبجَّلًا، ، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشَّيخ تقي الدِّين على السلطان في يوم ثامن الشهر، وخرج مع الشَّيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقّاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشَّيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وجماعة كثيرة من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال: أنا قد حاللتُ كل من آذاني.
стр. 530
قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدِّين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من إكرام الشيخ تقي الدين، وما حصل له من الشكر والمدح من السلطان، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة صدر الدِّين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلًا، وذلك أنَّه كَانَ إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كَانَ حاضرًا هذا المجلس، ذكر لي: أنَّ السلطان لما قدم عليه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة نهض قائمًا للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك هُنيهةً، ثمَّ أخذ بيده فذهب به إلى صُفَّةٍ فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدَّثان، ثمَّ جاء ويد الشَّيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي الوزير، وتحته ابن صصري، ثمَّ صدر الدِّين عليّ الحنفي، وجلس الشَّيخ تقي الدِّين بين يدي السلطان على طرف طراحته، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبه مائة ألف في كل سنة، زيادة على الجالية (١)، فسكت النَّاس وكان فيهم قضاة مصر والشام وكبار العلماء من أهل مصر والشام من جملتهم ابن الزَّمْلَكاني. قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزَّمْلَكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد، فجثا الشَّيخ تقي الدِّين على ركبتيه وتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، وردّ على الوزير ما قاله ردًّا عنيفًا، وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسكته بترفّق وتودد وتوقير. وبالغ الشَّيخ في الكلام وقال