مختصر ذَيْل طبقات الحنابلة (١)
للشيخ أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي (٨٤٦)
«أحمد بن عبد الحليم .......................... ».
(تنبيه): لم نثبت الترجمةَ هنا؛ لأنها بنصها من «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب، أصل هذا الكتاب، فقد أثبتها المُخْتَصِر كما هي في الأصل لم يُغيِّر فيها شيئًا، وقد ذكر (المؤلِّف) في مقدمة مُخْتَصَرِه هذا أن بعض التراجم يثبتها كما هي = فهذا من ذاك.
* * * *
стр. 632
الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (٨٥٢)
١ - الدرر الكامنة
٢ - تقريظه للرّد الوافر لابن ناصر الدين
стр. 633
صفحة بيضاء
стр. 634
الدُّرر الكَامِنَة في أعْيان المائة الثَّامِنَةَ (١)
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي الحنبلي تقي الدِّين أبو العَبَّاس بن شهاب الدِّين بن مجد الدين.
ولد في عاشر ربيع الأوَّل سنة (٦٦١) وتحوّل به أبوه من حرّان سنة (٦٦٧) فسمع من ابن عبد الدَّائم والقاسم الإربلي والمسلم بن علان وابن أبي عمر والفخر في آخرين، وقرأ بنفسه ونسخ «سنن أبي داود»، وحصّل الأجزاء، ونظر في الرجال والعلل، وتفقَّه وتمهر وتميز وتقدّم، وصنّف ودرّس وأفتى وفاق الأقران، وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوّة الجنان، والتّوسع في المنقول والمعقول، والاطلاع على مذاهب السلف والخلف.
وأول ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة (٦٩٨) قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية. وبحثوا معه ومُنِع من الكلام، ثمَّ حضر مع القاضي إمام الدِّين القزويني؛ فانتصر له، وقال هو وأخوه جلال الدين: من قال عن الشَّيخ تقي الدِّين شيئًا عزرناه.
ثمَّ طلب ثاني مرة في سنة (٧٠٥) إلى مصر فتعصب عليه بيبرس الجاشنكير وانتصر له سلار، ثمَّ آل أمره أنْ حُبس في خزانة البنود مدة، ثمَّ نقل في صفر سنة (٧٠٩) إلى الإسكندرية، ثمَّ أُفرج عنه وأُعيد إلى القاهرة ثمَّ أُعيد إلى الإسكندرية، ثمَّ حضر الناصر من الكرك فأطلقه، ووصل إلى دمشق
стр. 635
في آخر سنة (٧١٢). وكان السَّبب في هذه المحنة: أن مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانه في معتقده لما وقع إليه من أُمور تُنكر في ذلك، فعقد له مجلس في سابع رجب، وسئل عن عقيدته، فأملى منها شيئًا ثمَّ أحضروا العقيدة الَّتي تُعرف بالواسطية فقرئ منها، وبحثوا في مواضع ثمَّ اجتمعوا في ثاني عشره، وقرّروا الصَّفي الهندي يَبْحث معه، ثمَّ أخروه وقدّموا الكمال الزمْلكاني، ثمَّ انفصل الأمر على أنَّه شهد على نفسه أنَّه شافعي المعتقد، فأشاع أتباعه أنَّه انتصر فغضب خصومه ورفعوا واحدًا من أتباع ابن تَيْميَّة إلى الجلال القزويني نائب الحكم بالعادلية فعزَّره وكذا فعل الحنفي باثنين منهم.
ثمَّ في ثاني عشري رجب قرأ المزِّي فصلًا من كتاب «أفعال العباد» للبخاري في الجامع فسمعه بعض الشافعية فغضب، وقالوا: نحن المقصودون بهذا ورفعوه إلى القاضي الشَّافعيّ فأمر بحبسه، فبلغ ابن تَيْمِيَّة فتوجَّه إلى الحبس فأخرجه بيده، فبلغ القاضي فطلع إلى القلعة فوافاه ابن تَيْمِيَّة فتشاجرا بحضرة النّائب، واشتط ابن تَيْمِيَّة على القاضي لكون نائبه جلال الدِّين آذى أصحابه في غيبة النائب، فأمر النائب من ينادي: أن من تكلّم في العقائد فعل كذا به، وقصد بذلك تسكين الفتنة.
ثمَّ عقد لهم في سلخ رجب وجرى فيه بين ابن الزمْلكاني وابن الوكيل مباحثة، فقال ابن الزَّمْلَكاني لابن الوكيل: ما جرى على الشَّافعية قليل حتَّى تكون أنت رئيسهم، فظن القاضي نجم الدِّين بن صصري أنَّه عناه، فعزل نفسه وقام فأعانه الأمراء، وولاه النائب وحكم الحنفي بصحة الولاية، ونفذها المالكي، فرجع إلى منزله وعلم أنَّ الولاية لم تصح، فصمم على العزل فرسم النائب لنوَّابه بالمباشرة إلى أن يرد أمر السلطان.
стр. 636
ثمَّ وصل بريدي في أواخر شعبان بعوده، ثمَّ وصل بريدي في خامس رمضان بطلب القاضي والشَّيخ وأن يرسلوا بصورة ما جرى للشّيخ في سنة (٦٩٨). ثمَّ وصل مملوك النائب وأخبر أنَّ الجاشنكير والقاضي المالكي قد قاما في الإنكار على الشَّيخ، وأن الأمر اشتدّ بمصر على الحنابلة حتَّى صفع بعضهم.
ثمَّ توجّه القاضي والشَّيخ إلى القاهرة ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان، وعقد مجلس في ثالث عشريْهِ بعد صلاة الجمعة، فادُّعِيَ على ابن تَيْمِيَّة عند المالكي فقال: هذا عدوِّي ولم يُجب عن الدَّعوى، فكرّر عليه فأصر فحكم المالكي بحبسه، فأُقيم من المجلس وحبس في برج، ثمَّ بلغ المالكي أنَّ النَّاس يترددون إليه فقال: يجب التَّضييق عليه إن لم يُقتل وإلا فقد ثبت كفره، فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجبِّ، وعاد القاضي الشَّافعيّ إلى ولايته ونُودي بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تَيْمِيَّة حلّ دمه وماله خصوصًا الحنابلة، فنودي بذلك وقرئ المرسوم وقرأها ابن الشِّهاب محمود في الجامع، ثمَّ جمعوا الحنابلة من الصّالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشَّافعيّ، وذكر ولد الشَّيخ جمال الدِّين ابن الظاهري في كتاب كتبه لبعض معارفه بدمشق أن جميع من بمصر من القضاة والشُّيوخ والفقراء والعلماء والخواص يحطّون على ابن تَيْمِيَّة، إلَّا الحنفي فإنه يتعصّب له، وإلّا الشَّافعيّ فإنه ساكت عنه.
وكان من أعظم القائمين عليه الشَّيخ نصر المنبجي لأنه كَانَ بلغ ابن تَيْمِيَّة أنَّه يتعصب لابن العربي فكتب إليه كتابًا يُعاتبه على ذلك، فما أعجبه لكونه بالغ في الحطِّ على ابن العربي وتكفيره، فصار هو يحطّ على ابن تَيْمِيَّة
стр. 637
ويغري به بيبرس الجاشنكير، وكان بيبرس يفرط في محبة نصر ويعظِّمه، وقام القاضي زين الدِّين ابن مخلوف قاضي المالكية مع الشِّيخ نصر وبالغ في أذية الحنابلة، واتفق أنَّ قاضي الحنابلة شرف الدِّين الحَرَّاني كَانَ قليل البضاعة في العلم، فبادر إلى إجابتهم في المعتقد واستكتبوه خطَّه بذلك، واتفق أنَّ قاضي الحنفية بدمشق، وهو شمس الدِّين ابن الحريري انتصر لابن تَيْمِيَّة، وكتب في حقه محضرًا بالثناء عليه بالعلم والفهم، وكتب فيه بخطه ثلاثة عشر سطرًا من جملتها أنَّه منذ ثلاثمائة سنة ما رأى النَّاس مثله، فبلغ ذلك ابن مخلوف فسعى في عزل ابن الحريري، فعُزِل وقرر عوضه شمس الدِّين الأذرعي، ثمَّ لم يلبث الأذرعي أن عُزِل في السنة المقبلة.
وتعصّب سلار لابن تَيْمِيَّة وأحضر القضاة الثلاثة الشَّافعيّ والمالكي والحنفي وتكلّم معهم في إخراجه فاتفقوا على أنَّهم يشترطون فيه شروطًا، وأن يرجع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه مرَّات فامتنع من الحضور إليهم واستمر، ولم يزل ابن تَيْمِيَّة في الجب إلى أن شفع فيه مهنَّا أمير آل فضل فأخرج في ربيع الأول في الثالث وعشرين منه، وأُحضر إلى القلعة، ووقع البحث مع بعض الفقهاء، فكتب عليه محضر بأنه قال: أنا أشعري، ثمَّ وجد خطه بما نصه: الَّذي أعتقد أّنَّ القرآن معنًى قائم بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وأن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ليس على ظاهره، ولا أعلم كُنْه المراد به، بل لا يعلمه إلَّا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء. وكتبه أحمد بن تَيْمِيَّة (١). ثمَّ أشهدوا عليه أنَّه تاب مما ينافي ذلك مختارًا، وذلك في
стр. 638
خامس عشري ربيع الأول سنة (٧٠٧) وشهد عليه بذلك جمع جمّ من العلماء وغيرهم، وسكن الحال وأُفرج عنه وسكن القاهرة.
ثمَّ اجتمع جمع من الصوفية عند تاج الدِّين ابن عطاء، فطلعوا في العشر الأوسط من شوال إلى القلعة، وشكوا من ابن تَيْمِيَّة أنَّه يتكلم في حق مشايخ الطريق، وأنَّه قال: لا يستغاث بالنبي ﷺ فاقتضى الحال أن أمر بتسييره إلى الشَّام، فتوجه على خيل البريد ... (١) وكل ذلك والقاضي زين الدِّين ابن مخلوف مشتغل بنفسه بالمرض، وقد أشرف على الموت وبلغه سفر ابن تَيْمِيَّة فراسل النائب، فرده من بلبيس وادعي عليه عند ابن جماعة، وشهد عليه شرف الدِّين ابن الصابوني، وقيل إنَّ علاء الدِّين القونوي أيضًا شهد عليه؛ فاعتقل بسجن بحارة الدَّيلم في ثامن عشر شوال إلى سلخ صفر سنة (٧٠٩). فنقل عنه أنَّ جماعة يترددون إليه، وأنَّه يتكلَّم عليهم في نحو ما تقدم فأمر بنقله إلى الإسكندرية، فنقل إليها في سلخ صفر، وكان سفره صحبة أمير مقدم، ولم يمكن أحدًا من جهته من السفر معه، وحبس ببرج شرقي، ثمَّ توجّه إليه بعض أصحابه فلم يمنعوا منه، فتوجّهت طائفة منهم بعد طائفة، وكان موضعه فسيحًا، فصار النَّاس يدخلون إليه ويقرؤون عليه ويبحثون معه. قرأت ذلك في «تاريخ البرزالي».
فلم يزل إلى أن عاد النّاصر إلى السلطنة فشفع فيه عنده، فأمر بإحضاره، فاجتمع به في ثامن عشر شوال سنة تسع، فأكرمه، وجمع القضاة وأصلح بينه وبين القاضي المالكي، فاشترط المالكي أن لا يعود، فقال له السلطان: قد تاب.
стр. 639
وسكن القاهرة وتردد النَّاس إليه إلى أنْ توجه صحبة الناصر إلى الشَّام بنية الغزاة في سنة (٧١٢) وذلك في شوال، فوصل دمشق في مستهل ذي القعدة فكانت مدة غيبته عنها أكثر من سبع سنين، وتلقاه جمع عظيم فرحًا بمقدمه، وكانت والدته إذ ذاك في قيد الحياة.
ثمَّ قاموا عليه في شهر رمضان سنة (٧١٩) بسبب مسألة الطَّلاق، وأُكِّد عليه المنع من الفتيا، ثمَّ عقد له مجلس آخر في رجب سنة عشرين، ثم حبس بالقلعة ثمَّ أُخرج في عاشوراء سنة (٧٢١).
ثمَّ قاموا عليه مرة أُخرى في شعبان سنة (٧٢٦) بسبب مسألة الزيارة، واعتقل بالقلعة، فلم يزل بها إلى أن مات في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة (٧٢٨). قال الصّلاح الصّفدي: كَانَ كثيرًا ما ينشد:
تموتُ النفوسُ بأوْصابِها ... ولم تدرِ عوَّادُها ما بها
وما أنْصَفَتْ مهجةٌ تشتكي ... أذاها إلى غيرِ أحبابها
وكان يُنْشد كثيرًا:
مَنْ لم يُقَدْ ويُدَسَّ في خَيْشومِهِ ... رَهَجُ الخميسِ فلن يقودَ خميسا
وأنشد له على لسان الفقراء:
والله ما فَقْرُنا اختيارُ ... وإنّما فقرُنا اضطرارُ
جماعةٌ كُلُّنا كُسالى ... وأكلُنا ما لهُ عيارُ
تسمعُ منّا إذا اجتمعنا ... حقيقةً كُلُّها فشارُ
وسرد أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار، وأورد فيه من أمداح أهل عصره كابن الزَّمْلكاني قبل أنْ ينحرف عليه، وكأبي حيّان كذلك وغيرهما،
стр. 640
قال: ورثاه محمود بن عليّ الدقوقي ومجير الدِّين ابن الخياط وصفي الدِّين عبد المؤمن البغدادي وجمال الدِّين ابن الأثير وتقي الدِّين محمد بن سليمان الجعبري وعلاء الدِّين بن غانم وشهاب الدِّين ابن فضل الله وزين الدِّين ابن الوردي وجمع جمّ وأورد لنفسه فيه مرثية على قافية الضاد المعجمة.
قال الذَّهَبيّ ما ملخصه: كَانَ يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف واستدل ورجّح وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه.
قال: وما رأيتُ أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة الَّتي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه كأن السُّنة نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وعين مفتوحة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه. وأما أُصول الديانة ومعرفة أقوال المخالفين فكان لا يشق غباره فيه. هذا مع ما كَانَ عليه من الكرم والشجاعة والفراغ عن ملاذِّ النفس ولعلَّ فتاويه في الفنون تبلغ ثلثمائة مجلد بل أكثر، وكان قوَّالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم.
ثمَّ قال: ومن خالطه وعرفه؛ فقد ينسبني إلي التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه، وقد أُوذيت من الفريقين؛ من أصحابه وأضداده، وكان أبيض أسود الرأس واللحية قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنية وكأن عينيه لسانان ناطقان، رَبْعةً من الرِّجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت فصيحًا سريع القراءة تعتريه حِدّة لكن يقهرها بالحلم.
قال: ولم أر مثله في ابتهاله واستغاثته وكثرة توجُّهه، وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مُخالف له في مسائل أصلية وفرعية، فإن كَانَ مع سعة علمه،
стр. 641
وفرط شجاعته، وسيلان ذهنه، وتعظيمه لحرمات الدِّين، بشرًا من البشر تعتريه حدة في البحث، وغضب وشظف للخصم؛ تزرع له عداوة في النفوس وإلّا لو لاطَفَ خصومه لكان كلمة إجماعٍ؛ فإنَّ كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بشفوفه مقرّون بندور خطئه وأنّه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك.
قال: وكان محافظًا على الصلاة والصوم، معظِّمًا للشرائع ظاهرًا وباطنًا لا يؤتى من سوءِ فهم فإنّ له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنَّه بحر زخار، ولا كَانَ متلاعبًا بالدين ولا ينفرد بمسائله بالتشهِّي ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أُسوةَ من تقدمه من الأئمة، فله أجر على خطئه، وأجران على إصابته.
إلى أن قال: تمرَّض أيامًا بالقلعة بمرض جد إلى أنْ مات ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة وصلي عليه بجامع دمشق وصار يضرب بكثرة من حضر جنازته المثل، وأقل ما قيل في عددهم أنَّهم خمسون ألفًا.
قال الشهاب ابن فضل الله: لما قدم ابن تَيْمِيَّة على البريد إلى القاهرة في سنة سبع مئة نزل عند عمي شرف الدين، وحض أهل المملكة على الجهاد فأغلظ القول للسلطان والأمراء، ورتَّبوا له في مقرِّ إقامته في كل يوم دينارًا ومخفقة (١) طعام فلم يقبل شيئًا من ذلك، وأرسل له السلطان بقجة قماش فردّها، قال: ثمَّ حضر عنده شيخنا أبو حيّان فقال: ما رأتْ عيناي مثل هذا
стр. 642
الرجل، ثمَّ مدحه بأبيات ذكر أنَّه نظمها بديهًا وأنشده إيَّاها.
لمَّا أتانا تقيُّ الدِّين لاحَ لنا ... داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاهُ من سِيْمَا الأُلَى صَحِبُوا ... خيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القَمَرُ
حَبْرٌ تَسَرْبَلَ منه دَهرُه حِبرًا ... بَحرٌ تَقَاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْر شِرعَتِنَا ... مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
وأظهرَ الحقَّ إذ آثارُهُ اندرست ... وأخمدَ الشَّرَّ إذ طارتْ له شررُ
كُنّا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيءُ فهَا ... أنتَ الإمامُ الذي قد كان يُنتظر
ثمَّ دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه فأغلظ ابن تَيْمِيَّة القول في سيبويه فنافره أبو حيان وقطعه بسببه، ثمَّ عاد ذامًّا له وصيَّر ذلك ذنبًا لا يغفر، قال (١): وحجَّ ابن المحب سنة (٣٤) فسمع من أبي حيان أناشيد فقرأ عليه هذه الأبيات فقال: قد كشطتها من «ديواني» ولا أذكره بخير، فسأله عن السبب في ذلك فقال: ناظرته في شيءٍ من العربية فذكرت له كلام سيبويه فقال: يفشر سيبويه، قال أبو حيان: وهذا لا يستحق الخطاب، ويُقال إنَّ ابن تَيْمِيَّة قال له: ما كَانَ سيبويه نبي النَّحو، ولا كَانَ معصومًا بل أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعًا ما تفهمها أنت، فكان ذلك سبب مقاطعته إياه وذكره في تفسيره «البحر» بكل سوءٍ، وكذلك في مختصره «النَّهر» (٢).
ورثاه شهاب الدِّين ابن فضل الله بقصيدة رائية مليحة، وترجم له ترجمة هائلة تُنقل من «المسالك» إنْ شاء الله، ورثاه زين الدِّين ابن الوردي بقصيدة
стр. 643
لطيفة طائية، وقال جمال الدِّين السُّرمري في «أماليه»: ومن عجائب ما وقع في الحفظ من أهل زماننا: أنَّ ابن تَيْمِيَّة كَانَ يمر بالكتاب مطالعةً مرّة فينتقش في ذهنه وينقله في مصنَّفاته بلفظه ومعناه، وقال الآقشهري في «رحلته» في حق ابن تَيْمِيَّة: بارع في الفقه والأصلين والفرائض والحساب وفنون أُخر، وما من فنِّ إلا له فيه يدٌ طُولى، وقلمه ولسانه متقاربان.
قال الطوفي: سمعته يقول: من سألني مستفيدًا حقَّقت له، ومن سألني متعنتًا ناقضته فلا يلبث أنْ ينقطع فأُكفى مؤنته.
وذكر تصانيفه وقال في كتابه «إبطال الحيل»: عظيم النفع، وكان يتكلّم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدّة مجالس كأّنَّ هذه العلوم بين عينيه يأخذ منها ما يشاء ويذر، ومن ثمَّ نُسِب أصحابه إلى الغلو فيه واقتضى له ذلك العُجْب بنفسه! حتَّى زُهي على أبناء جنسه! واستشعر أنَّه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم قديمهم وحديثهم، حتَّى انتهى إلى عمر فخطّأه في شيء، فبلغ الشَّيخ إبراهيم الرقي فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر، وقال في حق عليّ: أخطأ في سبعة عشر شيئًا ثمَّ خالف فيها نص الكتاب منها اعتداد المتوفى عنها زوجها أطول الأجلين، وكان لتعصُّبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتَّى إنَّه سبَّ الغزالي، فقام عليه قوم كادوا يقتلونه (١). ولما قدم غازان بجيوش التتر إلى
стр. 644
الشَّام خرج إليه وكلّمه بكلام قوي فهمَّ بقتله (١) ثمَّ نجا واشتهر أمره من يومئذ.
واتفق [أن] الشَّيخ نَصْر المنبجي كَانَ قد تقدم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه، فبلغه أنَّ ابن تَيْمِيَّة يقع في ابن العربي لأنَّه كَانَ يعتقد أنَّه مستقيم، وأن الَّذي ينسب إليه من الاتحاد أو الإلحاد من قصور فهم من ينكر عليه، فأرسل ينكر عليه وكتب إليه كتابًا طويلًا ونسبه وأصحابه إلى الاتحاد الَّذي هو حقيقة الإلحاد، فَعَظُم ذلك عليهم وأعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد مغيرة وقعت منه في مواعيده وفتاويه فذكروا أنَّه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا فنسب إلى التجسيم (٢)، ورده على من توسَّل بالنبي ﷺ أو استغاث فاُشخِصَ من دمشق في رمضان سنة خمس وسبعمائة فجرى عليه ما جرى وحبس مرارًا فأقام على ذلك نحو أربع سنين أو أكثر وهو مع ذلك يشغل ويفتي إلى أن اتفق أنَّ الشَّيخ نصرًا قام على الشَّيخ كريم الدِّين الآملي شيخ خانقاه سعيد السعداء فأخرجه من الخانقاه، وعلى شمس الدِّين الجزري فأخرجه من تدريس الشريفية، فيقال: إنَّ الآملي دخل الخلوة بمصر أربعين يومًا فلم يخرج حتَّى زالت دولة بيبرس وخمل ذكر نصر وأطلق ابن تَيْمِيَّة إلى الشَّام.
وافترق النَّاس فيه شيعًا فمنهم من نسبه إلى التّجسيم لما ذكر في «العقيدة الحموية» و «الواسطية» وغيرهما من ذلك كقوله: إنَّ اليد والقدم والسّاق
стр. 645
والوجه صفات حقيقية لله، وأنَّه مستوٍ على العرش بذاته، فقيل له: يلزم من ذلك التحيز والانقسام فقال: أنا لا أسلّم أنَّ التحيز والانقسام من خواصِّ الأجسام، فألزم بأنه يقول بتحيز في ذات الله، ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله: إنَّ النَّبي ﷺ لا يُستغاث به، وأن في ذلك تنقيصًا ومنعًا من تعظيم النَّبي ﷺ ، وكان أشد النَّاس عليه في ذلك النور البكري فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض الحاضرين: يُعزَّر، فقال البكري: لا معني لهذا القول فإنه إن كَانَ تنقيصًا يُقتل وإن لم يكن تنقيصًا لا يعزَّر، ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في عليّ ما تقدّم، ولقوله: إنَّه كان مخذولًا حيثما توجَّه وإنه حاول الخلافة مرارًا فلم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله: إنَّه كَانَ يحب الرياسة، وأن عثمان كَانَ يحب المال، ولقوله: أبو بكر أسلم شيخًا [لا] يدري ما يقول، وعليّ أسلم صبيًّا والصبي لا يصح إسلامه على قول، وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل ومات ما نسبها من الثناء على (١) ... وقصة أبي العاص بن الربيع وما يؤخذ من مفهومها فإنه شنع في ذلك فألزموه بالنفاق لقوله ﷺ : «ولا يبغضك إلَّا منافق»، ونسبه قوم إلى أنَّه يسعى في الإمامة الكبرى فإنَّه كَانَ يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه فكان ذلك مؤكدًا لطول سَجنه، وله وقائع شهيرة وكان إذا حوقق وألزم يقول: لم أُرد هذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالًا بعيدًا (٢).
стр. 646
قال: وكان من أذكياء العالم وله في ذلك أُمور عظيمة، منها: أنَّ محمد بن أبي بكر السّكاكيني عمل أبياتًا على لسان ذمِّي في إنكار القدر وأولها:
أيا علماء الدِّين ذمِّي دينكم ... تحير دُلُّوه بأعظم حُجَّة
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي
فوقف عليه ابن تَيْمِيَّة فثنى إحدى رجليه على الأخرى وأجاب في مجلسه قبل أن يقوم بمائة وتسعة عشر بيتًا أولها:
سُؤالك يا هذا سؤال معاند ... مخاصم ربِّ العرش باري البرية
وكان يقول: أنا فاقرت في الأقفاص (١).
وقال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الفتح اليعمري في ترجمة ابن تَيْمِيَّة: حداني ــ يعني المزي ــ على رؤية الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدِّين فألفيته ممن أدرك من العلوم حظَّا وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكَرَ في الحديث فهو صاحب علمِه وذُو روايته، أو حاضَر بالمِلَل والنِّحَل لم يُرَ أوْسَعُ مِن نحْلتِه في ذلك ولا أرفعُ من درايته، برز في كلِّ فنّ على أبناء جنسه، ولم تَرَ عين من رآه مثلَه ولا رأتْ عينُهُ مثل نَفْسِه، كَانَ يتكلّم في التفسير فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويَرِدُون من بحره العذب النمير، يرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أن دبّ إليه من أهل بلده داء الحسد، وأكب أهل النَّظر منهم على ما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفِظُوا عنه في ذلك
стр. 647
كلامًا، أوسعوه بسببه ملامًا، وفوَّقُوا لتبديعه سِهامًا، وزعموا أنَّه خالف طريقهم، وفرَّق فريقَهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضَهم وقاطعوه، ثمَّ نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدقِّ باطن منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر [لها]ــ على ما زعم ــ بوائق، فآضَتْ إلى الطَّائفة الأُولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضِّغْن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمر أمرَه، وأعمل كلّ منهم في كُفْره فِكْرَه، فرتَّبوا محاضر، وألَّبوا الرُّوَيْبِضَة للسَّعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله إلى حَضْرة المملكة بالدِّيار المِصْرية فَنُقِلَ، وأُودع السِّجْن ساعةَ حُضُوره واعْتُقِل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قَوْمًا من عُمَّار الزَّوايا وسكَّان المدارس، ما بين مُجَامل في المُنَازعة، ومخاتِلٍ بالمخادعَة، ومُجاهر بالتَّكْفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه رَيْبَ المَنُون، وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ.
وليس المجاهِر بكفره بأسوأ حالًا من المجامل، وقد دبَّتْ إليه عقارب مكره، فَرَدَّ الله كيد كلٍّ في نحره، ونجاه على يد من اصْطَفَاه، والله غالب على أمره.
ثمَّ لم يَخْلُ بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة [إلّا] إلى محنة، إلى أنْ فُوِّض أمره إلى بعض القُضَاة فتقلَّد ما تقلَّد من اعتقاله، ولم يزلْ بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله ترجع الأُمور، وهو مطَّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصُّدور.
وكان يومه مشهودًا، ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كلِّ فَجٍّ عميق، يتقربون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسكون بسريره حتَّى كسروا تلك الأعواد.
стр. 648
قال الذَّهَبيّ مترجمًا له في بعض الإجازات: قرأ القُرْآن والفِقْه، وناظر واستدلَّ وهو دون البلوغ، وبَرَعَ في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وهو دون العشرين، وصنَّف التَّصانيف، وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه، وتصانيفُه نحو أربعة آلاف كُرَّاسة وأكثر.
وقال في موضع آخر: وأمَّا نقله للفقه ومذاهب الصَّحابة والتابعين فضلًا عن المذاهب الأربعة فليس له فيه نظير.
وفي موضع آخر: وله باع طويل في معرفة أقوال السلف، وقلَّ أنْ تذكر مسألة إلَّا ويذكر فيها مذاهب الأئمة، وقد خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل صنّف فيها واحتجّ لها بالكتاب والسنة، ولما كَانَ معتقلًا بالإسكندرية التمس منه صاحب سَبْتة أنْ يجيز له بعض مروياته؛ فكتب له جملة من ذلك في عشرة أوراق بأسانيده من حفظه بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر من يكون، وأقام عدة سنين لا يفتي بمذهب معيَّن.
وقال في موضع آخر: [كان] بصيرًا بطريقة السَّلف، واحتج له بأدلة وأُمور لم يُسبق إليها وأطلق عبارات أحجم عنها غيره حتَّى قام عليه خلق من العلماء بالمصرين فبدّعوه وناظروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق إذا أداه إليه اجتهاده وحدة ذهنه وسعة دائرته، فجرى بينهم حملات حربية ووقعات شآمية ومصرية، ورموه عن قوس واحدة ثمَّ نجّاة الله تعالى. وكَانَ دائم الابتهال كثير الاستغاثة قوي التوكل رابط الجأش، له أوراد وأذكار يُدْمنها بكيفية وجمعية.
وكتب الذَّهَبيّ إلى السبكي يُعاتبه بسبب كلام وقع منه في حقِّ ابن تَيْمِيَّة فأجابه ومن جملة الجواب: وأما قول سيدي في الشَّيخ تقي الدِّين فالمملوك
стр. 649
يتحقق كبير قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم النقلية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كلٍّ من ذلك المبلغ الَّذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السَّلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان.
وقرأت بخط الحافظ صلاح الدِّين العلائي في ثبت شيخ شيوخنا الحافظ بهاء الدِّين عبد الله بن محمد بن خليل ما نصه: وسمع بهاء الدِّين المذكور على الشيخين: شيخنا وسيدنا وإمامنا فيما بيننا وبين الله تعالى شيخ التَّحقيق السالك بمن اتبعه أحسن طريق ذي الفضائل المتكاثرة والحجج القاهرة الَّتي أقرت الأُمم كافة أنَّ هممها عن حصرها قاصرة ومتعنا الله بعلومه الفاخرة ونفعنا به في الدنيا والآخرة وهو الشَّيخ الإمام العالم الرباني والحبر البحر القطب النوراني إمام الأئمة بركة الأمة علامة العلماء وارث الأنبياء آخر المجتهدين أوحد علماء الدِّين شيخ الإسلام حجّة الأعلام قدوة الأنام برهان المتكلمين قامع المبتدعين سيف المناظرين بحر العلوم كنز المستفيدين ترجمان القرآن أعجوبة الزمان فريد العصر والأوان: تقي الدِّين إمام المسلمين حجّة الله على العالمين اللاحق بالصَّالحين والمشبه بالماضين مفتي الفرق ناصر الحق علامة الهدى عمدة الحفاظ فارس المعاني والألفاظ ركن الشريعة ذو الفنون البديعة أبو العَبَّاس ابن تَيْمِيَّة.
وقرأْت بخطِّ الشَّيخ برهان الدِّين محدِّث حلب قال: اجتمعت بالشيخ شهاب الدِّين الأذرعي سنة (٧٧٩) لما أردت الرحلة إلى دمشق فكتب لي
стр. 650
كتبًا إلى الياسوفي والحسباني وابن الجابي وابن مكتوم وجماعة الشافعية إذ ذاك فحصل لي منهم تعظيم، وذكر لي في ذلك المجلس الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة وأثنى عليه، وذكر شيئًا من كراماته، وذكر أنَّه حضر جنازته، وأن النَّاس خرجوا من الجامع من كلِّ باب، وخرجت من باب البريد فوقعت سرموزتي فلم أستطع أن أستعيدها وصرت أمشي على صدور النَّاس، ثمَّ لما فرغنا ورجعت لقيت السرموزة ذلك من بركة الشَّيخ ﵀.
* * * *
стр. 651
تقريظه على الرد الوافر (١)
الحمد لله، وسلام على عباده الَّذين اصطفى.
وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الَّذي هو للمقاصد الَّتي جُمع لأجلها جامع. فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنّفه. وتضلعه من العلوم النافعة بمَا عظمه بين العلماء وشرفه.
وشهرة إمامة الشَّيخ تقي الدِّين أشهر من الشمس. وتلقيبه بشيخ الإسلام في عصره باقٍ إلى الآن على الألسنة الزكية ويستمر غدًا كما كَانَ بالأمس. ولا ينكر ذلك إلًّا من جهل مقداره. أو تجنب الإنصاف. فمَا أغْلطَ من تعاطى ذلك وأكثر عثاره. فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور أنفسنا وحصائد ألسنتنا بمَنِّهِ وفضله.
ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا الرَّجل إلَّا ما نبّه عليه الحافظ الشهير علم الدِّين البرزالي في تاريخه: أنَّه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشَّيخ تقي الدِّين. وأشار إلى أنَّ جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدًّا شهدها مئات ألوف. ولكن لو كَانَ بدمشق من الخلائق نظير من كَانَ ببغداد أو أضعاف ذلك لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته. وأيضًا فجميع من كَانَ ببغداد إلّا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد. وكان أمير بغداد وخليفة الوقت إذ ذاك في غاية المحبة له والتعظيم.
стр. 652
بخلاف ابن تَيْمِيَّة فكان أمير البلد حين مات غائبًا. وكان أكثر من بالبلد من الفقهاء قد تعصبوا عليه حتَّى مات محبوسًا بالقلعة. ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم عليه والتأسف عليه إلَّا ثلاثة أنفس. تأخروا خشية على أنفسهم من العامة.
ومع حضور هذا الجمع العظيم فلم يكن لذلك باعث إلَّا اعتقاد إمامته وبركته، لا بجمع سلطان ولا غيره، وقد صحّ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «أنتم شهداء الله في الأرض».
ولقد قام على الشَّيخ تقي الدِّين جماعة من العلماء مرارًا بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعقدت له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة وبدمشق، ولا يحفظ عن أحد منهم أنَّه أفتى بزندقته ولا حكم بسفك دمه، مع شدة المتعصبين عليه حينئذ من أهل الدولة، حتَّى حبس بالقاهرة ثمَّ بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم معترف بسعة علمه وكثرة ورعه وزهده، ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نُصرةِ الإسلام والدعاء إلى الله تعالى في السر والعلانية.
فكيف لا ينكر على من أطلق: أنَّه كافر؟ بل من أطلق على من سماه شيخَ الإسلام: الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك. فإنه شيخ في الإسلام بلا ريب. والمسائل الَّتي أنكرت عليه ما كَانَ يقولها بالتشهي. ولا يصر على القول بها بعد قيام الدليل عليه عنادًا، وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبري منه، ومع ذلك فهو بشرٌ يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه وهو الأكثر يستفاد منه ويترحم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يُقلد فيه، بل هو معذور، لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد
стр. 653
اجتمعت فيه. حتَّى كَانَ أشد المتعصبين عليه، والقائمين في إيصال الشر إليه، وهو الشَّيخ كمال الدِّين الزملكاني يشهد له بذلك. وكذلك الشَّيخ صدر الدِّين ابن الوكيل الَّذي لم يثبت لمناظرته غيره.
ومن أعجب العجب، أنَّ هذا الرَّجل كَانَ أعظم النَّاس قيامًا على أهل البدع من الروافض، والحلولية، والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذا سمعوا بكفره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفره من أهل العلم (١)! !
فالواجب على من تلبَّس بالعلم، وكان له عقل أن يتأمل كلام الرَّجل من تصانيفه المشتهرة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما يُنكر، فيُحذِّر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيمَا أصاب من ذلك، كدأب غيره من العلماء الأنجاب.
ولو لم يكن للشيخ تقي الدِّين من المناقب إلَّا تلميذه الشهير الشَّيخ شمس الدِّين ابن قيم الجوزية، صاحب التَّصانيف النافعة السائرة، الَّتي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته.
فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم، والتميز في المنطوق والمفهوم، أئمة عصره من الشافعية وغيرهم! فضلًا عن الحنابلة.
فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء: الكفر، أو على من سماه شيخ الإسلام، لا يُلتفت إليه، ولا يعول في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذلك، إلى أن يراجع الحق، ويذعن للصواب.
стр. 654
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قاله وكتبه أحمد بن عليّ بن محمد بن حجر الشافعي، عفا الله عنه، وذلك في يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأوَّل عام خمسة وثلاثين وثمان مئة حامدًا لله، ومصلّيًا على رسوله محمد وآله ومسلمًا.
* * * *
стр. 655
صفحة بيضاء
стр. 656
العلامة بدر الدِّين محمود العيني (٨٥٥)
١ - عِقْد الجمان
٢ - تقريظه للرّد الوافر لابن ناصر الدين
стр. 657
صفحة بيضاء
стр. 658
عِقْدُ الجُمَان (١)
ابن تَيْمِيِّة
هو الشَّيخ الإمام العالم العلَّامة تقي الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تَيْمِيِّة الحَرَّاني الحنبلي.
كَانَ إمامًا فاضلًا بارعًا ذا فنون كثيرة، ولاسيما علم الحديث والتفسير والفقه والأصولين، وكان سيفًا صارمًا على المبتدعين، وكانت له مواعيد (٢) حسنة، وأوقات طيبة، وكان على مكانة عظيمة من الورع، وخشونة العيش، والقناعة، والكفّ عن حطام الدنيا، وله تصانيف مشهورة في علوم شتَّى.
وكان كثير الذِّكر والصوم والصّلاة والعبادة، وكان أمَّارًا للمعروف نهَّاءً عن المنكر، وكان ذا همّة وشجاعة وإقدام، وجرى له حكايات كثيرة فيما يتعلّق بمسائل الطلاق ونحوه، وقد ذكرنا بعضها في أثناء السِّنين الماضية، فآل حاله إلى أنْ اعتُقِل بقلعة دمشق، وتوفي فيها في الثُّلث الأخير من ليلة الاثنين المسْفِر صباحها عن عشرين من ذي القعدة من سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، وكان مرضه مدَّة سبعة عشر يومًا، وصلًّى عليه بباب القلعة الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ صلّوا عليه في الجامع، ثمَّ دفن في مقابر الصوفية إلى جانب أخيه الشَّيخ شرف الدين.
стр. 659
ومولده في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحرّان، وقدم مع والده إلى دمشق، ثمَّ أخذ العلوم من مشايخ كثيرةٍ، قال ابن كثير: ويوم مات غلق جميع أسواق دمشق، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، وحضر الأمراء والحجاب وحملوه على رؤوسهم، وخرجوا به من باب الفرج، وامتدّ إلى مقابر الصُّوفية، وختموا على قبره ختمات، وبات أصحابه على قبره لياليَ.
وكتب قاضي القضاة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني على بعض مصنفاته:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاتُه جَلَّتْ عن الحَصْرِ
هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبَةُ العَصْرِ
هو آيةٌ للخَلْقِ ظاهرةٌ ... أنوارُها أربتْ على الفَجْر
وفيه يقول العلَّامة أثير الدِّين أبو حيَّان من أبيات:
قامَ ابنُ تَيْمِيِّة في نَصْر شِرعَتِنَا ... مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرَ الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشَّرَّ إذ طارتْ له الشَّرَرُ
كُنّا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيءُ فهَا ... أنتَ الإمامُ الذي قد كان يُنتظر
ورثاه الإمام زين الدِّين عمر ابن الوردي بقصيدةٍ منها:
عثا في عِرضه قومٌ سِلاط ... لهم من نَثْر جوهره التقاطُ
تقي الدِّين أحمد خير حَبْر ... خُروق المعضلات به تُخاطُ
توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدُّنيا انبساطُ
ولو حضروه حين قَضَى لألفوا ... مَلائِكةَ النَّعيم به أحاطُوا
فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ ... ويالله ما غطّى البَلَاطُ
стр. 660
هم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط
وحبس الدر في الأصداف فخر ... وعند اليخ بالسجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداءٌ ... فقد ذاقوا المنون ولم تواطوا
إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباط
ولا جاراكم في كسب مالٍ ... ولم يُعهد له بكم اختلاط
سيظهر قصدكم يا حابسيه ... ونيتكم إذا نُصب الصراط
فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا
وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط
* * * *
стр. 661
تقريظه للرّد الوافر لابن ناصر الدِّين (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن أضوَع زهر تفتق عنه أكمام ألسن الأنام. وأبدعَ ذكرٍ يعبق منه طيب الأفهام، حمد من أجرى ماء التبيان في عود اللسان. لحمل ثمار المعاني والبيان، وكشف ضبابة الأوهام بشموس الحقائق، وأبان ما في القلوب بأقمار الدقائق، وأشرع أسنة الخواطر والأفكار، بأيدي أنوار البصائر والأبصار، إلى ثغر العلوم والأخبار، وأقلع عنا بنسائم ألطافه عجاجة الظنون والشكوك، ووقع لنا مناشير الصدق في السلوك، وأراحنا في ركوب أعناق الكلام، من العثرات والملام، وأزاحنا عن مقالات لا يُقال فيها العِثار، ومحالات يستحيل فيها الإعذار، اللهم صلِّ على صاحب الوحي والرسالة، المخلوق من طينة الفصاحة والبسالة، الَّذي أصعدته ذرى الملكوت وأعطيته الكتاب، وقرنت بطاعته ومعصيته الثواب والعقاب، محمد المصطفى المستأثر بالشفاعة يوم الحساب، وعلى آله الَّذين استأسدوا في رياض نبوته، وأصحابه الَّذين تقلدوا بسيوف النصرة في دعوته، وعلى علماء الأمة الَّذين استظهروا على صدمات الدهر وصولته بنزع ألسنتهم من تفويق سهام الطعن إلى أغراض العصبية، وإقلاع أسنة خوضهم في أعراض الأنفس الأبية، فلذلك صاروا أنجمًا للاهتداء، وبدورًا للاقتداء، فأجدر بهم أن يفوه لهم بمشايخ الإسلام، وأنصار شرائع خير الأنام.
стр. 662
وبعد؛ فإنَّ مؤلف كتاب «الرد الوافر» قد جد في هذا التَّصنيف البديع الزاهر وجلا بمنطقه السحار، الرد على من تفوه بالإكفار، علماء الإسلام، والأئمة الأساطين الأعلام، الَّذين تبوؤوا الدار في رياض النعيم، واستنشقوا رياح الرحمة من رب كريم، فمن طعن في واحد منهم، أو نقل غير صحيح قيل عنهم، فكأنمَا نفخ في الرماد، أو اجتنى من خرط القتاد، وكيف يحل لمن يتسمى بالإسلام، أو يتسِمُ بسِمةٍ من علم أو فهم أو إفهام، أن يكفر من قلبه عن ذلك سليم بهيج، واعتقاده لا يكاد إلى ذلك يهيج، ومن لم يورِ زَنْد طبعه في القريض، لم يزل يجد العذب مرًّا كالمريض، والعائب لجهله شيئًا يبدي صفحة معاداته، ويتخبط خبط العشواء في محاوراته، وليس هو إلَّا كالجُعل باشتمام الورد يموت حتف أنفه، وكالخفاش يتأذى ببهور سناء الضوء لسوء بصره وضعفه، وليس سجية نقادة، ولا رَويَّة وقَّادة، وما هم إلَّا صلقع بلقع سلقع، والمكفر منهم صلمعة بن قلمعة، وهيان بن بيان، وهي بن بيّ، وضل بن ضل، وضلال بن التلال.
ومن الشائع المستفيض أنَّ الشَّيخ الإمام العالم العلامة تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من شُمّ عرانين الأفاضل، ومن جم براهين الأماثل، الَّذي كَانَ له من الأدب مآدب تغذي الأرواح، ومن نخب الكلام له سلافة تهز الأعطاف المراح، ومن يانع ثمار أفكار ذوي البراعة طبعه المفلق في الصناعة، الخالية عن وصمة الفجاجة والبشاعة، وهو الكاشف عن وجوه مخدرات المعاني نقابها، والمفترع عرائس المباني بكشف جلبابها، وهو الذاب عن الدِّين طعنَ الزنادقةِ والملحدين، والناقد للمرويات عن النبي سيد المرسلين، وللمأثورات من الصَّحابة والتابعين.
стр. 663
فمن قال: هو كافر! ! فهو كافر حقيق! ! ومن نسبه إلى الزندقة! ! فهو زنديق! !
وكيف ذاك وقد سارت تصانيفه في الآفاق، وليس فيها شيء ممَّا يدل على الزيغ والشقاق، ولم يكن بحثه فيما صدر عنه في مسألة الزيارة والطلاق: إلَّا عن اجتهاد سائغ بالاتفاق، والمجتهد في الحالتين مأجور مثاب، وليس فيه شيء مما يلام أو يعاب. ولكن حملهم على ذلك حسدهم الظاهر، وكيدهم الباهر، وكفى للحاسد ذمًّا آخر سورة الفلق في احتراقاته بالفلق، ومن طعن في واحد ممن قضى نحبه منهم، أو نقل غير ما صدر عنهم، فكأنمَا أتى بالمحال، واستحق به سوء النكال.
وهو الإمام الفاضل البارع التقي النقي الوارع الفارس في علمي الحديث والتفسير، والفقه والأصولين بالتقرير والتحرير، والسيف الصارم على المبتدعين، والحبر القائم بأمور الدين، والأمّار بالمعروف والنّهاء عن المنكر. ذو همة وشجاعة وإقدام فيمَا يَرْدَع ويزجر، كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة، خشن العيش والقناعة، من دون طلب الزيادة، وكانت له المواعيد الحسنة السنية، والأوقات الطيبة البهية، مع كفه عن حطام الدنيا الدنية، وله المصنفات المشهورة المقبولة، والفتاوي القاطعة غير المعلولة. وقد كتب على بعض مصنفاته قاضي القضاة كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني ﵀ تعالي:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاتُه جَلَّتْ عن الحَصْرِ
هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبَةُ الدَّهر
وقد عرفتَ ترجمة ابن الزَّمْلَكاني.
стр. 664
وهو: الإمام أبو المعالي كمال الدِّين محمد ابن الإمام علاء الدِّين أبي الحسن علي بن كمال الدِّين أبي محمد عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري، الشهير بابن الزَّمْلَكاني الشافعي، أخذ النحو عن بدر الدِّين بن مالك، والفقه عن الشَّيخ تاج الدِّين عبد الرَّحمن، والأصول عن قاضي القضاة بهاء الدِّين ابن الزكي.
وكان كثير الفضل سريع الإدراك يتوقد ذكاء وفطنة، وأجمع الناس على فضله، وانتهت إليه رئاسة المذهب في عصره، وتولى قضاء حلب وأقام بها إلى حين طلب إلى مصر.
ومات بمدينة بلبيس يوم الأربعاء السادس عشر من رمضان، من سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وحمل من بلبيس إلى القرافة، ودفن بالقرب من قبر قاضي القضاة إمام الدِّين القزويني، بجوار قبة الإمام الشَّافعيّ ـ بظاهر القاهرة ـ رحمهم الله تعالى، وكان قد طُلب ليتولى قضاء دمشق ومن شعره:
سواكم بقلبي لا يحِلُّ ولا يحلو ... كما أنه من حُبّكم قط لا يخلو
حللتم عُرى صَبري وحلَّلتم دمي ... وحرَّمتُمُ وصلي فلذّ لِيَ القتل
إلى غير ذلك من الأبيات.
ولما قدم إلى حلب حاكمًا، نزل بمشهد الفردوس ظاهرها، فقال الأديب شمس الدِّين محمد بن يوسف الدِّمشقي:
يا حاكم الحكام يا مَنْ به ... قد شرفت رتبته الفاخره
ومن سقى الشهباء مُذ حلها ... بحار علم وندًى زاخره
نزلت بالفردوس فابشر به ... دارك في الدنيا وفي الآخره
стр. 665
وكتب إليه الشَّيخ جلال الدِّين القلانسي أبياتًا كذلك، وكذلك الشَّيخ جمال الدِّين ابن نُباتة المصري، ثمًّ رثاه بقصيدة يطول ذكر ذلك هاههنا.
أفلا تكفي شهادة هذا الحبر لهذا الإمام، حيث أطلق علية: حجة الله في الإسلام، ودعواه أنَّ صفاته الحميدة لا يمكن حصرها، ويعجز الواصفون عن عدها وزبرها.
فإذا كَانَ كذلك كيف لا يجوز إطلاق: شيخ الإسلام عليه؟ أو التوجه بذكره إليه؟ وكيف يسوغ إنكار المعاند الماكر الحاسد؟ وليت شعري ما متمسك هذا المكابر، المجازف الجاهل المجاهر، وقد عُلم أنَّ لفظة الشَّيخ لها معنيان؛ لغوي، واصطلاحي.
فمعناه اللغوي: الشَّيخ من استبان فيه الكبر.
ومعناه الاصطلاحي: الشَّيخ من يصلح أن يتلمذ له.
وكلا المعنين موجود في الإمام المذكور، ولا ريب أنَّه كَانَ شيخًا لجماعة من علماء الإسلام، ولتلامذة من فقهاء الأنام، فإذا كَانَ كذلك كيفَ لا يطلق عليه: شيخ الإسلام؟ لأن من كَانَ شيخ المسلمين يكون شيخًا للإسلام، وقد صرح بإطلاق ذلك عليه قضاة القضاة الأعلام، والعلماء الأفاضل أركان الإسلام، وهم الَّذين ذكرهم مؤلف كتاب «الرد الوافر» في رسالته الَّتي أبدع فيها بالوجه الظاهر، وقد استغنينا بذكره عن إعادته، فالواقف عليه يتأمله، والناظر فيه يتقبله.
وأما مَاجَرَيَات هذا الإمام فكثيرة في مجالس عديدة، فلم يظهر في ذلك لمعانديه فيمَا ادُّعِيَ به عليه برهان، غير تنكيدات رسخت في القلوب من ثمرات الشنآن، وقصارى ذلك أنَّه حبس بالظلم والعدوان، وليس في ذلك ما
стр. 666
يعاب به ويشان، وقد جرى علي جلّة من التَّابعين الكبار، من قتل وقيد وحبس وإشهار، وقد حبس الإمام أبو حنيفة ﵁، ومات في الحبس، فهل قال أحدٌ من العلماء: إنَّه حبس حقًّا.
وحُبِس الإمام أحمد ﵁، وقُيِّد لما قال قولًا صدقًا.
والإمام مالك ﵁ ضُرِب ضربًا مؤلمًا شديدًا بالسياط.
والإمام الشَّافعيّ ﵁ حمل من اليمن إلى بغداد بالقيد والاحتياط.
وليس ببدع أن يجري على هذا الإمام ما جرى على هؤلاء الأئمة الأعلام.
وكان آخر حبسه بقلعة دمشق، وتوفي فيها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسفر صباحها عن عشرين من ذي القعدة، من سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان مرضه سبعةَ عشر يومًا، وصلى عليه بباب القلعة الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ صلوا عليه في الجامع الأموي، ثمَّ دفن في مقابر الصوفية إلى جانب أخيه الشَّيخ شرف الدين.
ومولده في عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة بحران، وقدم مع والده إلى دمشق.
ووقت الصلاه عليه امتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، وحضرت الأمراء والحجاب وحملوه على رؤوسهم وخرجوا به من باب الفرج، وامتد الخلق إلى مقابر الصوفية، وختموا على قبره ختمات، وبات أصحابه على قبره لياليَ عديدة. ورثاه الإمام زين الدِّين عمر ابن الوردي ﵀ بقصيدة منها قوله:
стр. 667
عثا في عرضه قومٌ سِلاط ... لهم من نَثْر جوهره التقاطُ
تقي الدِّين أحمد خير حَبْر ... خُروق المعضلات به تُخاطُ
توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدُّنيا انبساطُ
ولو حضروه حين قَضَى لألفوا ... مَلائِكةَ النَّعيم به أحاطُوا
فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ! ... ويالله ما غطى البَلاطُ!
هم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كُسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط
وحَبْسُ الدُّر في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداءٌ ... فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا
إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباط
ولا جاراكم في كسب مالٍ ... ولم يُعهد له بكم اختلاط
سيظهر قصدكم يا حابسيه ... ونيتكم إذا نُصب الصراط
فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا
وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط
والإمام زين الدِّين هذا كَانَ علامة متقنًا في العلوم. ومجيدًا في المنثور والمنظوم. وله الأشعار الرائقة، والمقاطيع الفائقة، وكان ماهرًا في العربية درس وأعاد وأفتى، وله مؤلفات مفيدة منها: «نظم الحاوي الصغير».
مات بحلب في سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
وفيه يقول الإمام العالم العلامة أثير الدِّين أبو حيان:
قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْر شِرعَتِنَا ... مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرَ الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشَّرَّ إذ طارتْ له الشَّرَرُ
стр. 668
كُنّا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيءُ فها ... أنت الإمامُ الذي قد كان يُنتظر
فإذا كَانَ هذا الإمام بهذا الوصف بشهادة هذا العلامة، وبشهادة غيره من العلماء الكبار، فماذا يترتب على من يطلق عليه: الزندقة أو ينبذه بالكفر؟ ولا يصدر هذا إلّاِ عن غبي جاهل، أو مجنون كامل.
فالأول: يعزر بغاية التعزير، ويُشَهَّر في المجالس بغاية التشهير، بل يؤبد في الحبس إلى أنْ يحدث التوبة، أو يرجع عن ذلك بأحْسن الأوبة.
والثاني: يداوى بالسلاسل والأصفاد، والضرب الشديد بلا أعداد، وهذا كله من فساد أهل هذا الزمان، وتواني ولاة الأمور عن إظهار العدل والإحسان، وقطع دابر المفسدين، واستئصال شأفة المدبرين، حيث يتصدى جاهل يدعي أنَّه عالم، بثلب أعراض علماء المسلمين، ولا سيمَا الَّذين مضوا إلى الحق بالحق، وبه كانوا عادلين.
وهذا الإمام مع جلالة قدره في العلوم، نقلت عنه على لسان جم غفير من الناس كرامات ظهرت منه بلا التباس، وأجوبة قاطعة عند السؤال منه عن المعضلات، من غير توقف منه بحالة من الحالات.
ومن جملة ما سئل عنه وهو على كرسيه، يعظ الناس والمجلس غاص بأهله، في رجل يقول: ليس إلَّا الله. ويقول: الله في مكان، هل هو كفر أو إيمان؟
فأجاب على الفور: من قال: إنَّ الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، بل هو مخالف للْمِلَل الثلاث، بل الخالق بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو الغني عنها، البائن بنفسه منها. ولقد اتفق الأئمة من الصَّحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائر أئمة الدين، أَنَّ
стр. 669
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] ليس معناه أنَّه مختلط بالمخلوقات وحالٌّ فيها، ولا أنَّه بذاته في كل مكان، بل هو مع كل شيء بعلمه وقدرته ونحو ذلك، فالله مع العبد أينمَا كَانَ، يسمع كلامه، ويرى أفعاله، ويعلم سره ونجواه، رقيب عليهم مهيمن عليهم، بل السماوات والأرض وما بينهمَا كل ذلك مخلوق لله، ليس الله بحالٍّ في شيء منها سبحانه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا أفعاله، بل يوصف الله بمَا وصف به نفسه، وبمَا وصفه به رسوله، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف: إثباتٌ بلا تشبيه، وتنزيهٌ بلا تعطيل. وقد سئل الإمام مالك ﵁ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
فهذا الإمام كما رأيتَ عقيدته، وكاشفتَ سريرته، فمن كَانَ على هذه العقيدة كيف ينسب إليه الحلول والاتحاد، أو التجسيم أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد؟
أعاذنا الله وإياكم من الزيغ والضلال والعناد، وهدانا إلى سبيل الخير والرشاد، إنَّه على كلِّ شئٍ قدير، وبالإجابة جدير.
حرره مُنمَّقًا فقير رحمة ربه الغني، أبو محمد محمود بن أحمد العيني، عامله الله بلطفه الخفي والجلي. بتاريخ الثَّاني عشر من ربيع الأول، عام (٨٣٥) بالقاهرة المحروسة.
* * * *
стр. 670
تقريظ العلامة صالح بن عمر البلقيني (٨٦٨)
«للرد الوافر» لابن ناصر الدين (١)
الحمد لله الَّذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد سيد السادات، من أهل الأرضين والسموات، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ويسِّر والطف واختم بخير.
وقفت على هذا التَّصنيف الجامع، والمنتقى البديع للسامع، وعملت بشروط الواقفين من استيفاء النظر، فوجدته عقدًا منظمًا بالدرر، يفوق عقود الجُمان، ويزري بقلائد العِقيان، ويضوع مسك الثناء على جامعه مدى الزمان، وقال لسان الحال في حقه: ليس الخبر كالعيان، وكيف لا وهو مشتمل على مناقب عالم زمانه، والفائق على أقرانه، والذابِّ عن شريعة المصطفى باللسان والقلم، والمناضل عن الدِّين الحنيفي وكم أبدى من الحكم، صاحب المصنفات المشهورة، والمؤلفات المأثورة، الناطقة بالرد على أهل البدع والإلحاد، القائلين بالحلول والاتحاد، ومن هذا شأنه كيف لا يلقَّب بشيح الإسلام؟ وينوه بذكره بين العلماء الأعلام؟ ولا عبرة بمن يرميه بمَا ليس فيه، أو ينسبه بمجرد الأهواء لقول غير وجيه، فلم يضره قول الحاسد والباغي، والجاحد والطاغي.
وما ضرَّ نور الشَّمسِ إنْ كان ناظرًا ... إليه عيونٌ لم تزَل دَهْرَها عُميا