← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

يعاب به ويشان، وقد جرى علي جلّة من التَّابعين الكبار، من قتل وقيد وحبس وإشهار، وقد حبس الإمام أبو حنيفة ﵁، ومات في الحبس، فهل قال أحدٌ من العلماء: إنَّه حبس حقًّا. وحُبِس الإمام أحمد ﵁، وقُيِّد لما قال قولًا صدقًا. والإمام مالك ﵁ ضُرِب ضربًا مؤلمًا شديدًا بالسياط. والإمام الشَّافعيّ ﵁ حمل من اليمن إلى بغداد بالقيد والاحتياط. وليس ببدع أن يجري على هذا الإمام ما جرى على هؤلاء الأئمة الأعلام. وكان آخر حبسه بقلعة دمشق، وتوفي فيها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسفر صباحها عن عشرين من ذي القعدة، من سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان مرضه سبعةَ عشر يومًا، وصلى عليه بباب القلعة الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ صلوا عليه في الجامع الأموي، ثمَّ دفن في مقابر الصوفية إلى جانب أخيه الشَّيخ شرف الدين. ومولده في عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة بحران، وقدم مع والده إلى دمشق. ووقت الصلاه عليه امتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، وحضرت الأمراء والحجاب وحملوه على رؤوسهم وخرجوا به من باب الفرج، وامتد الخلق إلى مقابر الصوفية، وختموا على قبره ختمات، وبات أصحابه على قبره لياليَ عديدة. ورثاه الإمام زين الدِّين عمر ابن الوردي ﵀ بقصيدة منها قوله:

стр. 667

عثا في عرضه قومٌ سِلاط ... لهم من نَثْر جوهره التقاطُ تقي الدِّين أحمد خير حَبْر ... خُروق المعضلات به تُخاطُ توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدُّنيا انبساطُ ولو حضروه حين قَضَى لألفوا ... مَلائِكةَ النَّعيم به أحاطُوا فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ! ... ويالله ما غطى البَلاطُ! هم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كُسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط وحَبْسُ الدُّر في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسجن اغتباط بآل الهاشمي له اقتداءٌ ... فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباط ولا جاراكم في كسب مالٍ ... ولم يُعهد له بكم اختلاط سيظهر قصدكم يا حابسيه ... ونيتكم إذا نُصب الصراط فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط والإمام زين الدِّين هذا كَانَ علامة متقنًا في العلوم. ومجيدًا في المنثور والمنظوم. وله الأشعار الرائقة، والمقاطيع الفائقة، وكان ماهرًا في العربية درس وأعاد وأفتى، وله مؤلفات مفيدة منها: «نظم الحاوي الصغير». مات بحلب في سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وفيه يقول الإمام العالم العلامة أثير الدِّين أبو حيان: قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْر شِرعَتِنَا ... مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ فأظهرَ الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشَّرَّ إذ طارتْ له الشَّرَرُ

стр. 668

كُنّا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيءُ فها ... أنت الإمامُ الذي قد كان يُنتظر فإذا كَانَ هذا الإمام بهذا الوصف بشهادة هذا العلامة، وبشهادة غيره من العلماء الكبار، فماذا يترتب على من يطلق عليه: الزندقة أو ينبذه بالكفر؟ ولا يصدر هذا إلّاِ عن غبي جاهل، أو مجنون كامل. فالأول: يعزر بغاية التعزير، ويُشَهَّر في المجالس بغاية التشهير، بل يؤبد في الحبس إلى أنْ يحدث التوبة، أو يرجع عن ذلك بأحْسن الأوبة. والثاني: يداوى بالسلاسل والأصفاد، والضرب الشديد بلا أعداد، وهذا كله من فساد أهل هذا الزمان، وتواني ولاة الأمور عن إظهار العدل والإحسان، وقطع دابر المفسدين، واستئصال شأفة المدبرين، حيث يتصدى جاهل يدعي أنَّه عالم، بثلب أعراض علماء المسلمين، ولا سيمَا الَّذين مضوا إلى الحق بالحق، وبه كانوا عادلين. وهذا الإمام مع جلالة قدره في العلوم، نقلت عنه على لسان جم غفير من الناس كرامات ظهرت منه بلا التباس، وأجوبة قاطعة عند السؤال منه عن المعضلات، من غير توقف منه بحالة من الحالات. ومن جملة ما سئل عنه وهو على كرسيه، يعظ الناس والمجلس غاص بأهله، في رجل يقول: ليس إلَّا الله. ويقول: الله في مكان، هل هو كفر أو إيمان؟ فأجاب على الفور: من قال: إنَّ الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، بل هو مخالف للْمِلَل الثلاث، بل الخالق بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو الغني عنها، البائن بنفسه منها. ولقد اتفق الأئمة من الصَّحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائر أئمة الدين، أَنَّ

стр. 669

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] ليس معناه أنَّه مختلط بالمخلوقات وحالٌّ فيها، ولا أنَّه بذاته في كل مكان، بل هو مع كل شيء بعلمه وقدرته ونحو ذلك، فالله مع العبد أينمَا كَانَ، يسمع كلامه، ويرى أفعاله، ويعلم سره ونجواه، رقيب عليهم مهيمن عليهم، بل السماوات والأرض وما بينهمَا كل ذلك مخلوق لله، ليس الله بحالٍّ في شيء منها سبحانه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا أفعاله، بل يوصف الله بمَا وصف به نفسه، وبمَا وصفه به رسوله، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف: إثباتٌ بلا تشبيه، وتنزيهٌ بلا تعطيل. وقد سئل الإمام مالك ﵁ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فهذا الإمام كما رأيتَ عقيدته، وكاشفتَ سريرته، فمن كَانَ على هذه العقيدة كيف ينسب إليه الحلول والاتحاد، أو التجسيم أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد؟ أعاذنا الله وإياكم من الزيغ والضلال والعناد، وهدانا إلى سبيل الخير والرشاد، إنَّه على كلِّ شئٍ قدير، وبالإجابة جدير. حرره مُنمَّقًا فقير رحمة ربه الغني، أبو محمد محمود بن أحمد العيني، عامله الله بلطفه الخفي والجلي. بتاريخ الثَّاني عشر من ربيع الأول، عام (٨٣٥) بالقاهرة المحروسة. * * * *

стр. 670

تقريظ العلامة صالح بن عمر البلقيني (٨٦٨) «للرد الوافر» لابن ناصر الدين (١) الحمد لله الَّذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد سيد السادات، من أهل الأرضين والسموات، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ويسِّر والطف واختم بخير. وقفت على هذا التَّصنيف الجامع، والمنتقى البديع للسامع، وعملت بشروط الواقفين من استيفاء النظر، فوجدته عقدًا منظمًا بالدرر، يفوق عقود الجُمان، ويزري بقلائد العِقيان، ويضوع مسك الثناء على جامعه مدى الزمان، وقال لسان الحال في حقه: ليس الخبر كالعيان، وكيف لا وهو مشتمل على مناقب عالم زمانه، والفائق على أقرانه، والذابِّ عن شريعة المصطفى باللسان والقلم، والمناضل عن الدِّين الحنيفي وكم أبدى من الحكم، صاحب المصنفات المشهورة، والمؤلفات المأثورة، الناطقة بالرد على أهل البدع والإلحاد، القائلين بالحلول والاتحاد، ومن هذا شأنه كيف لا يلقَّب بشيح الإسلام؟ وينوه بذكره بين العلماء الأعلام؟ ولا عبرة بمن يرميه بمَا ليس فيه، أو ينسبه بمجرد الأهواء لقول غير وجيه، فلم يضره قول الحاسد والباغي، والجاحد والطاغي. وما ضرَّ نور الشَّمسِ إنْ كان ناظرًا ... إليه عيونٌ لم تزَل دَهْرَها عُميا

стр. 671

غير أنَّ الحسد يحمل صاحبه على اتباع هواه، وأن يتكلم فيمن يحسده بمَا يلقاه: لله دَرُّ الحسدِ ما أعدله، بدأ بصاحِبِه فقتله. وما أحق هذا العالم بقول القائل: حَسدُوا الفتى إذ لم ينالوا عِلمَه ... فالقومُ أعداءٌ له وخُصومُ وقال النَّبي ﷺ : «إيَّاكُم والحسد، فإنَّ الحَسَّدَ يأكلُ الحسنات كما تأكل النَّار الحَطَب» أو قال: «العشب» أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف. وكيف يجوز أن يكفر من لقب هذا العالم بشيخ الإسلام، ومذهبنا: أنَّ من كفر أخاه المسلم بغير تأويل فقد كفر، لأنَّه سمى الإسلام كفرًا. ولقد افتخر قاضي القضاة تاج الدِّين السبكي رحمه الله تعالى في ترجمة أبيه الشَّيخ تقي الدِّين السبكي في ثناء الأئمة عليه، بأن الحافظ المزي لم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلَّا لأبيه، وللشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وللشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر. فلولا أنَّ ابن تَيْمِيَّة في غاية العلو في العلم والعمل، ما قرن ابن السبكي أباه معه في هذه المنقبة، ولو كَانَ ابن تَيْمِيَّة مبتدعًا أو زنديقًا ما رضي أنْ يكون أبوه (١) قرينًا له. نعم قد نسب الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة لأشياء أنكرها عليه معاصروه وانتصب للرد عليه الشَّيخ تقي الدِّين السبكي في مسألتي: الزيارة، والطلاق،

стр. 672

وأفرد كلًّا منهما بتصنيف، وليس في ذلك ما يقتضي كفره ولا زندقته أصلًا، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلَّا صاحب هذا القبر ـ يعني النبي ﷺ ـ والسعيد من عُدَّت غلطاته، وانحصرت سقطاته. ثمَّ إنَّ الظن بالشيخ تقي الدِّين أنَّه لم يصدر منه ذلك تهورًا وعدوانًا ــ حاشا لله ـ بل لعله لرأي رآه وأقام عليه برهانًا، ولم نقف إلى الآن بعد التتبع والفحص على شيء من كلامه يقتضي كفره ولا زندقته، إنمَا نقف على رده على أهل البدع والأهواء، وغير ذلك ممَا يظن به براءة الرَّجل وعلو مرتبته في العلم والدين، وتوقير العلماء والكبار وأهل الفضل متعين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وصح أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا» وفي رواية: «حق كبيرنا». وكيف يجوز أنْ يقدم على رمي عالم بفسق أو كفر ولم يكن فيه ذلك؟ وقد صح أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسق أو الكفر إلَّا ارتدت عليه إنْ لم يكن صاحِبُه كذلك». ثمَّ كيف يجوز الإقدام على سب الأموات بغير حق وهم محرم، [و] صح أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تسبُّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا». وكيف يجوز أذى المؤمن بغير حق والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].

стр. 673

وصح أنَّ رسول الله ﷺ قال: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويَدِه، والمهاجِرُ مَنْ هَجَر ما نهى اللهُ عَنْه». فالواجب على من أقدم على رمي هذا العالم بمَا ليس فيه، الرجوع إلى الله والإقلاع عما صدر منه، ليحوز الأجر الجزيل بالقصد الجميل، وإن اطلع على أمر يحتمل التأويل بغير دليل، وإن صح عنده أمر جازم عنه يقضي إنكاره فينكره قاصدًا النصيحة، ولا يهضم مقام الرَّجل مطلقًا مع شهرته بالعلم والفضل والتصانيف والفتاوي الَّتي سارت بها الركبان، والله يحفظنا من الخطأ والخَطَل، ويحمينا من الزيع والزلل، آمين والحمد لله رب العالمين. وكتب في اليوم المبارك الموافق ليوم ولادة النَّبي ﷺ يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأوَّل، سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. قال ذلك وكتبه الفقير إلى عفو ربه صالح بن عمر البلقيني الشَّافعيّ، لطف الله تعالى به. * * * *

стр. 674

العلامة جمال الدِّين يوسف بن تَغْري بَرْدي (٨٧٤) - المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي - الدليل الشافي - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

стр. 675

صفحة بيضاء

стр. 676

المَنْهَل الصَّافي والمُسْتَوْفَى بعد الوافي (١) ابن تَيْمِيَّة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر ابن عليّ بن عبد الله، شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العبَّاس بن أبي المحاسن شهاب الدِّين ابن أبي البركات مجد الدِّين الحَرَّاني الأصل والمولد، الدِّمشقي الدار والوفاة، الحنبلي، المعروف بابن تَيْمِيَّة، الإمام العلامة، الحافظ الحجة، فريد دهره، ووحيد عصره. مولده بحران يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوَّل سنه إحدى وستين وستمائة , وقدم دمشق مع والده سنة تسع وستين، وسمع الحديث من أحمد بن عبد الدَّائم، ومجد الدِّين بن عساكر، وابن أبي اليسر، وأكثر من أصحاب حنبل، وأبي حفص ابن طَبَرْزَد، وغيرهم. وقرأ واشتغل وانتقى، وبرع في علوم الحديث، وانتهت إليه الرئاسة في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁، ودرس وأفتى، وتصدر للإقراء والإفادة عدة سنين، وفسر، وصنف التَّصانيف المفيدة. وكان صحيح الذهن، ذكيًّا، إمامًا متبحِّرًا في علوم الديانة، موصوفًا بالكرم، مقتصدًا في المأكل والملبس، وكان عارفًا بالفقه، واختلافات العلماء، والأصلين، والنحو، إمامًا في التفسير وما يتعلق به، عارفًا باللغة، إِمامًا في المعقول والمنقول، حافظًا للحديث، مميزًا بين صحيحه وسقيمه. أثنى عليه جماعة من أعيان علماء عصره، مثل الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد، والقاضي شهاب الدِّين الخويي، والشيخ شهاب الدِّين بن النحاس.

стр. 677

قال القاضي كمال الدِّين ابن الزَّمْلكاني: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. ثمَّ جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث، وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وحبب للناس القيام عليه، وحُبِسَ مرَّات بالقاهرة والإسكندرية ودمشق، وعقد له مجالس بالقاهرة ودمشق، مع أنَّه حصل له في [بعضها] تعظيم من الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأطلق وتوجه إلى دمشق فأقام بها إلى أن ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة بأن يجعل في قلعة دمشق في قاعة حسنة، فأقام فيها مدة مشغولًا بالتصنيف، ثمَّ بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواة ولا قلمًا ولا ورقة. ومما وقع له قبل حبسه أنَّه بحث مع بعض الفقهاء، فكتب عليه محضر بأنه قال: أنا أشعري، ثمَّ أُخِذ خطه بما نصه: أنا أعتقد أنَّ القرآن معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وأن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ليس على ظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلمه إلَّا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء، وكتبه أحمد بن تَيْمِيَّة، ثمَّ أشهدوا عليه جماعة أنَّه تاب مما ينافي ذلك مختارًا، وشهد عليه بذلك جمع من العلماء وغيرهم (١). انتهى. قلت: وعلم الشَّيخ تقي الدِّين وفضله معروف لا يحتاج إلى التطويل في ذكره. وقد أثنى عليه جماعة من أكابر العلماء، من ذلك ما كتبه القاضي كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني على كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» تأليف

стр. 678

ابن تَيْمِيَّة ما لفظه: تأليف الشَّيخ الإمام العالم العلامة، الأوحد، الحافظ المجتهد الزاهد العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأمة علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعبن، محي السنة، ومن عَظُمَت به لله علينا المنة، وقامت به على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهديه المحجَّة، تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، ثمَّ قال: ماذا يقول الواصفونَ له ... وصِفاته جلَّت عن الحصرِ هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبةُ الدهر هو آيةٌ للخلق ظاهرةٌ ... أنوارُها أربتْ على الفَجْر انتهي باختصار [منه] (١)، ولما كتب له ذلك كَانَ عمره إذ ذاك نحو الثلاثين سنة. ولم يزل الشَّيخ تقي الدِّين المذكور مُحْتَفَظًا به في قلعة دمشق إلى أن توفي بها في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة ثمان وعشرين وسبعمائة، ودفن من الغد بمقابر الصوفية، وحضر جنازته خلق كثير. قال الحافظ أبو عبد الله الذَّهبيّ: شيعه نحو خمسين ألفًا، وحمل على الرؤوس، انتهى. ومصنفاته تزيد على مائتي مصنف، استوعبها الشَّيخ صلاح الدِّين خليل بن أيبك في تاريخه «الوافي بالوفيات»، رحمه الله تعالى. * * * *

стр. 679

الدَّليلُ الشّافِي من المَنْهل الصَّافي (١) لأبي المحاسن بن تَغْري بَرْدي (٨٧٤) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر ابن علي، الحافظ الحجة تقيّ الدِّين أبو العبَّاس ابن تَيْمِيَّة، الحَرَّاني الدِّمشقي الحنبلي، ولد بحرَّان في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة، ومات في قَلْعة دمشق مُعْتَقَلًا بها ـ في ليلة الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، ودُفِنَ من الغد. * * * *

стр. 680

النُّجُومُ الزَّاهِرة فِي مُلُوكِ مِصْرَ والقَاهِرَةِ (١) للعلّامة جمال الدِّين أبي المحاسن يوسف بن تَغْري بَرْدي (٨٧٤) فيها (أي سنة ثمان وعشرين وسبعمئة) توفي: شيخ الإسلام، تقي الدِّين، أبو العَبَّاس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تَيْمِيَّة، الحَرَّاني الدِّمشقي، الحنبلي بدمشق، في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة في سِجنه بقلعة دمشق. ومولده في يوم الاثنين عاشر ربيع الأوّل سنة إحدى وستين وستمائة، وكان سُجِن بقلعة دِمشق لأُمور حكيناها في غير هذا المكان. وكان إمام عصره بلا مدافعة في الفقه، والحديث، والأصول، والنحو، واللُّغة، وغير ذلك. وله عدّة مصنفات مفيدة يضيق هذا المحلّ عن ذكر شيءٍ منها. أثنى عليه جماعة من العلماء، مثل الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد، والقاضي شهاب الدِّين الخويي، والقاضي شهاب الدِّين ابن النحّاس. وقال القاضي كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني المقدَّم ذكره: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. ثمَّ جرت له محنٌ في مسألة الطلاق الثلاث، وشدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وحُبِّبَ للناس القيام عليه، وحُبس مرات بالقاهرة والإسكندرية ودمشق.

стр. 681

وعُقِد له مجالس بالقاهرة , ودمشق، مع أنَّه حصل له في بعضها تعظيم من الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأُطلق، وتوجّه إلى دمشق وأقام بها، إلى أنْ ورد مرسوم شريف في سنة وعشرين وسبعمئة، ؛ بأن يُجعل في قلعة دمشق في قاعة، فجُعل في قاعة حسنة، وأقام بها مشغولًا بالتصنيف والكتابة. تمَّ بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواة، ولا قلمًا، ولا ورقة. ثمَّ ساق ابن الزَّمْلَكاني كلامًا طويلًا الأليق الإضراب عنه. * * * *

стр. 682

الشُّهُب العَليَّة في الردِّ على مَنْ كَفَّر ابن تيميّة نظم القاضي عمر بن موسى بن الحسن الحمصي الشافعي (٧٧٧ - ٨٦١)

стр. 683

صفحة بيضاء

стр. 684

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الله المستعان الحمد لله. رُفِع إليَّ بدمشق حين نزلتُ اليونسيّة (١) متوجِّهًا إلى طرابلس هذا السؤال المنظوم: ما قول أهل علوم الشرع والحَسَبِ ... فيمن يُكفّر شيخَ العلم والأدبِ تقيّ دين إله العرش شُهْرتُه ... بابنٍ لتيميةٍ حرّانيَ النّسبِ مع علمه ما حوى من حِفْظ سنّتنا ... وذبّ عنها أُهيلَ الزَّيغ والرِّيَبِ وزهده وتصانيفٍ مُحرّرةٍ ... وذو الكرامات والهِمّات والقُرَبِ وهل يُكفَّر من أفتى بِرِدّتِه ... ويستتاب وماذا قيل في الكتبِ وهل يُباح مقالٌ في تَنَقّصِه ... مقلّد الغير في ردٍّ لمعتصبِ وقال من قال عنه من أئمتنا ... بشيخ الاسلام كفّره بلا رِيَبِ فأفت يا عالمًا في ذا المُصاب بما ... علمتَ وابسط بنظمٍ واضحٍ أجب قال: فكتبتُ بعض الجواب وعاجلني السفر، وأهملتُ ذلك إلى أن ورد عليّ بطرابلس خَبَر الواقعة (٢)، واستفتاء علماء مصر، فوقفتُ على

стр. 685

بعضها، فأحببت أن أجعل لي معهم قَدَمًا، وإن كنت أقلّهم عِلمًا وقَلَمًا، فقلت: * الحمد لله هادينا بلا نَصَب ... إلى الصواب بخير العُجْم والعَرَب عليه صلى مع التسليم خالقُنا ... ناهيك عن شرفٍ في أعظم الكتبِ خُذ الجوابَ مع الإيجاز منتظمًا ... كالدّر من بحرك الوافي لِذِي طلبِ كُسِي جواهرَ مَنْ والَى أئمتنا ... ونورُه يُخْمِد الأعداءَ بالرَّهَب دليلُه قول خير الخلق شافِعنا ... ثم القياس وإجماعٌ من الصّحَب يَضُوعُ مِسْكُ ثناه من تكرّره ... للسمع كالطيب في نثرٍ من الكتب له الضياء ووقعٌ للقلوب له ... شأنٌ من الله في فتح عن الحُجُب وسرّه جاء مثل السيف منتضلًا ... كم ماردٍ قد رمى كالسمع بالشّهب يُسلِّمَنْ لمقالي كلُّ ذي عمل ... في العلم والدين والإنصاف والقُرَبِ وينصرَنَّ لحِزْب الله ثم لمن ... قد أيّد الدِّين بالتقوى مع الطلب * نعم نُكفّر من أفتى بردّته ... بغير تأويل إذ يفضي إلى العَطَب وصَحّ من سُنّةِ المختار سيِّدِنا ... معنى حديث البخاري ثم ذي الكتب (١) لا يرميَنْ رجلٌ منكم لصاحبه ... بالكفر يَكْفُر وإن لَمْ ردّةً تجب وفي القُرانِ دليل لا نُكفّر من ... على الذنوب سوى شركٍ وسبِّ نبيْ وأجمعوا بجوازٍ في شهادة من ... يكون ذا بدعة لا مُحْلِلَ الكذب ثم القياس جليّ أن نكفّر من ... أخرج من ديننا شخصًا بلا سبب

стр. 686

لمثل هذا الذي يُضرب به مثلٌ ... وطار شهرتُه في الأُفق بالسُّحُبِ * و «شيخَ الاسلام» قد سمّاه أعلمُنا ... في عصره وتلا جمعٌ من العَقِب والزملكانيْ وصدر الدين (١) مُذْ بَرزا ... وناظرا خاطَبا للشيخ بالأدب ويشهدان له بالحفظ في سننٍ ... ولم يكن كفّرا يومًا من الحُقُب وكان في عصره في الشام يومئذٍ ... سبعون مجتهدًا من كل مُنتخب لم يُرْوَ أن الذي ردوا عليه لهم ... قولٌ بتكفيره أو نسبة الكذب بل عاذِرٌ باطلاعٍ في مداركه ... وقائلٍ لعثارٍ كالجواد رُبي من نحن للخوض في عِرْضٍ لأعْلمنا ... وما لنا بزقاقٍ ضيّق الخبب وإن يقل: حجتي إنكارُ منكره ... فقل: له سابقٌ في قول ذي النُّجُب؟ وإن تكن زلّة أو غلطة وقعت ... مع اجتهادٍ فعفو الله مُنسحبُ حاشاه سبحانه من أن يُعذّب من ... حامى عن الدِّين في ردٍّ على الصُّلُب دين النصارى ودينٍ لليهود وما ... قد اطْرَوه من التثليث باسم الاب أهل الحُلول والأهوا ثم مُتَّحدٍ ... والرافضي ولتجسيمٍ وذي كَلَبِ (٢) * وانظر عقيدتَه وافهم عبارته ... في كُتْبه فتجده غاية العجب في كل فنّ يدٌ طولى وسيرتُه ... في الزهد مثل النواوي كامل الرّتب

стр. 687

له الردود على الأهوا وذي بدع ... في كُتْبه العاليات (١) القَدْر والخطب من قال عنه بتجسيم بمعتقد ... فكاذِبٌ باء في نارٍ بمنقلَبِ بل اعتقاديَ فيه أنّه رجلٌ ... كالأولياءِ ومَن عاداه في حَرَب إن لم يك العلما أهل الولاية مَنْ ... يكن وليًّا سوى بالوهب والجذَبِ علمٌ بلا عملٍ يهوي بصاحبه ... إلى جهنم مَعْ حمّالة الحَطَب كم عالمٍ زلّ بالأقدام في رجلٍ ... يخوض في عرضه بالذمّ والكذب ويمدحنَّ لمذمومٍ ببدعته ... مع ذمّ شيخِ علوم الشرع والأدب ما كلمة قالها إلا اقشعرّ لها ... جلدٌ وذابَ لها قلبٌ لمُنْتَحِب * نبكي على زمنٍ صِرْنا لرؤية من ... يفتي بكفر وهُوْ في الجهل مُنْحَجبُ يجازفُ القولَ في أهل العلوم وهُم ... سُمٌّ لحومهم قد جُرّبوا فَتُبِ من أجمعوا أنه البحر الإمام لنا ... مجدّدُ الدِّين في عصرٍ لمضطرب وأنه حافظ الإسلام عالمه ... سارت فتاويه في الآفاق والشُّعَب له الكرامات كالأعلام شائعة ... تُروى وتُقرا ومحياةٌ لمقترب (٢) له التصانيف دلّت في تفرّده ... بالحفظ والفهم والإتقان والكتب له المحافل والسلطان يسمعه ... وقطعُ خصمٍ بأعلى قطع منتصب وكم رأوه يصلي الفجر في الأموي ... مَعْ سجنه، وكذا في أزهر النُّجُب (٣)

стр. 688

وإن أردت دليل الحسّ فهو إذن ... موجودُ يُشهد مثلَ الشمس لم تَغِب مؤلفات عظامٌ ثم شهرته ... وجعله مَثل الباهي بذي نَسَب جنازة شُهِدَت ما مثلها شهدوا ... بعد القرون التي بالخير في التُّرَب وابنٌ لقيّم تليمذٌ ورُفقته ... وصَحْبُه كلهم فاقوا على الصَّحَب فمثل هذا يكن بالكفر متصفًا ... بقول من يدّعي علمًا ولم يُجِب أما لنا غيرةٌ في الحقِّ تأخذنا ... بقَصْم من يجتري بالفُجْر والثَّلَبِ ويا شَماتةَ أعداءٍ به امَّشَعوا ... رفعًا وبُشراهمُ في خفض مُنْتَصِب يا ضحك إبليس منّا إذ نكفّره ... من غير ما رِدَّةٍ كلا ولا رِيَب مُنى العِدا كُفْر من أطْفى أدِلَّتهم ... بنوره ودوام اللهو واللعب فلا جزى الله خيرًا من يُعينهمُ ... بالقول والكتب في حِلْمٍ وفي غضب ما حققوا العلمَ ما شموا روائحه ... إذ كفروا عالم الإسلام بالعَصَب تعصَّبوا بمقال في تنقّبهم (١) ... ولُثِّموا إثمَه في الرأس والذنب قد زانه لهمُ شيطانُ إنسهمُ ... مُحَسّنًا وانْثَنى من بعد ما غُلِبُوا فقال: إني بَرِيْ قولًا بردّته ... بل كنتُ في دمه مَعْكم كمُغْتَصَب فيا أئمة دين الله هل أحدٌ ... يرضيه قولٌ بكفر العالم الدَّرِب تَحَتّم الفَحْص والدَّعوى على رجلٍ ... أفتى بكفرٍ بأنْ يُلْجى إلى السبب فإن أقام دليلًا قاطعًا عجبًا ... فذاك أو ذا احتمال فيه فاستتب أولَمْ فكَفّرْه واحْكُم إذ تنقّصَه ... تعزيرَه بسياطٍ أو بذي الأدب وإن تخفّفْ بسجنٍ فاضْرِبَنّ له ... طويل وقتٍ إلى شعبان أو رجبِ

стр. 689

لرَدْع أمثاله والمُقْدمين على ... مقالِه تَبَعًا تقليدَ مُصطحب فما يضرّ بنا غير التساهل في ... أمرٍ كهذا وقولُ العاذِلِ النّدب إن تنصروا الله ينصرْكم ويخذلهم ... وإن عفوتم فلا لومٌ لمُعْتَقب ما يسلمُ الشرفُ الأعلى لملتنا ... حتى يُراق دمٌ أو ضربُ مرتكب وامنع شهادته أيضًا روايته ... فإن مضى عامُه في الخير فاتَّهِبِ وإن يُصمّم على تكفيره ويَقُل ... بكُفْر من قال: «شيخَ الدين» فاطَّلبِ بمجلسٍ حَفِلٍ وافسد لصورته ... وكرّر الضرب بالتكرار أو يَتُبِ ما خاب نقلٌ لنجل الناصري وبل ... أصاب في القول كالإبريز بالذهب ونجل ناصرِ دينِ الله حافظِنا (١) ... أجاد في جَمْع من سمَّاه في الكتب بشيخ الإسلام فانظر في مؤلفه ... صدقًا وعدلًا فما ينكِرْه غير غبي أو حاسدٍ عَميت عنه بصيرته ... فخاض في هُوَّةٍ تُفضي إلى العَطب الله أكبر هل تُنكِرْ فضائلَ مَن (٢) ... سارت فضائله كالشمس لم تغب يا ليتني كنت في يوم لأزْمَتِهِ (٣) ... حتى يرى النصر حقًّا بعض ما يجب وقد كفاه بهم أعلام شِرْعتنا ... في مصر إذ شاهدوا التصنيف باللقب

стр. 690

فصالح الوقت نجل الحبر أَعْلمُنا ... ورِفْقُةُ بقضاء الحق لم يَشب وذا جوابُ عُبيدٍ قاصرٍ عمرَ الـ ... حمصِي انْتمَى لبني مخزومَ بالنسب هُوْ نقطة من بحار العلم خادمهم ... أحبّ نظمًا له في سِلْك ذي النَّشَب (١) فالمرء مع مَن أحبَّ الله يجمعهم ... يوم المعاد وناجٍ يشفعَنْ كنبي ويرحم الله مشغولًا بِعَورَته ... وعيبِ نفسٍ عن الإسلام والكسب (٢) وما لنا ولمن قد مات من قدم ... وتمّ دينٌ بدون النقص والعَتَب وما لنا وأصول الدِّين قد كَمُلت ... وفي الفروع كِفايات لذي أرَبِ بشهرةٍ وافتخارٍ أو مناظرةٍ ... أو قصد نفعٍ ولا تكفير خير أب * وإن تجد خللًا فيما أجبتُ به ... أصلحه واستر عِثارِي سترة الهَرِب من عابَ عِيب ومن خطّاه أخطأ في ... مقاله بجزافٍ لم يقع لغبي من أين يعلمُ كفرًا في الكمون لمن ... يأتي بمستقبل من قال ذا كصبي (٣) وإن يكن عنده حرفٌ بحجَّته ... من قال كل لها (٤) يدري ليجتنبِ والحقّ ما قلتُ من ضربٍ وتوبته ... إن لم وإلا فَهُوْ في مشركي العرب وإن تكن هذه الدنيا قد انصرمت ... وهذه مبدأ الآيات والنُّوَبِ وإنها فتن من بعدها فتنٌ ... والجهلُ في صَعَدٍ والعلم في صَبَبِ

стр. 691

فباطنُ الأرض خيرٌ من ظواهرها ... وما لذي أربٍ في العيش من أرَبِ وحسبنا الله والغُفران يجمعنا ... فاسمح تسامح وصابِر ثمَّ واحتسب والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. تمت بحمد الله تعالى في أوائل جمادى الأولى، سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. ونُظِمت في ليلة ونصف يوم ميسرة، والحمد لله. ثم كتب المؤلف بخطه إجازة لناسخها العلامة الخَيْضِري نصها: «الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد، فقد قرأ عليّ الولد الأغرّ الشيخ الفاضل شمس الدِّين عين الطلبة المعتبرين محمد بن الشيخ الصالح شمس الدِّين محمد بن ... (١) بن عبد الله الخَيْضِري، نفع الله به وأعانه، ووفقه وصانه= جميعَ هذه القصيدة المسماة بـ «الشهب العلية في الردّ على من كفّر ابن تيمية» من نظم كاتبه، قراءةً صحيحة معربة، وقرأ عليَّ أيضًا بعض أحاديث نبوية وسمع، ووجدته ممن يحافظ على حفظ السنة النبوية، ومحبّة أهل السنة، ودلّني ذلك على خيره ودينه وأنه سيصير ... (٢) إلى رتب أهل طاعته ويقينه. وأذنت أن يرويها عنّي وجميع ما يجوز لي وعني روايته بشرطه المعتبر. والله يوفقه وإيّانا لطاعاته ومرضاته، ويكتبنا في ديوان الناجين، آمين آمين آمين.

стр. 692

قال ذلك وكتبه في رجب سنة ثمانٍ وثلاثين وثمانمائة: الفقير المعروف بالتقصير عمر بن موسى بن الحسن المخزومي الحمصي الشافعي خادم الشرع الشريف». * * * *

стр. 693

المقْصَدُ الأرشَدُ في ذِكْرِ أصحَاب الإمام أحْمَدَ (١) للعلّامة: برهان الدِّين إبراهيم بن مفلح (٨٨٤) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن أبي القاسم (٢) الخضر بن محمد بن تيميِّة الحَرَّانيّ، ثمَّ الدِّمشقِيّ، الإمام الفقيه المُجتهد الحافظ المُفسِّرُ الزَّاهِدُ، أبو العبَّاس تَقِيُّ الدّين، شيخُ الإسلام، وعلمُ الأعلام. ولِدَ يومَ الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستِّين وستمائة بحرَّان. قدمَ به والده وبإخوته إلى دمشق عند استيلاء التَّتَر على البلاد. وسمع من ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليسر، والمجد بن عساكر، والقاسم الإربلي، والشَّيخ شمس الدِّين بن أبي عُمر، وخلقٍ كثير، سمعَ «المُسند» مرَّات، والكتب السِّتَّة، و «مُعْجَم الطَّبراني» وما لا يُحْصَى. وكتَبَ بخطِّه جملةً من الأجزاء، وأقبل على العُلوم في صِغَره، وأخذ الفِقْه والأُصول عن والده، وعن الشِّيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، والشَّيخ زين الدِّين ابن المنُجَّى، وبرعَ في ذلك وناظَر وقرأ العَرَبِيَّة على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» فتأمَّله وفهمه، وأقبل على تَفْسِيْر القُرآن العَظيم، فبرز فيه وأحكم الفَرائض والحِسَاب، والجَبر والمُقابلة وغير ذلك من العُلوم، ونظر في علم الكلام والفَلْسَفَة وبرز في ذلك على أهله، وردَّ علَى رُؤسائهم وأكابرهم، وتأهَّل للفَتْوَى والتَّدريس وله دون العشرين سنة، وأمدّه الله تعالى بكثرة الكُتب، وسرعة الحِفْظ، وقوَّة الإدراك والفهْم، وكان بَطِيءَ النِّسيان حتَّى ذَكَرَ جماعةٌ أنَّه لم يكن يحفظ شيئًا فينساهُ.

стр. 694

وتوفي والده الشَّيخ شهاب الدِّين وكان عمره إذ ذاك إحدى وعشرين سنة، فقام بوظائفه ودرس بدار الحديث السُّكَّرية في أول سنة ثلاث وثمانين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزَّكيّ (١)، والشَّيخ تاج الدّين (٢) الفَزَارِيُّ، والشَّيخُ شهاب الدِّين ابن المُرَحِّلِ، والشِّيخُ زين الدِّين ابن المُنَجَّى وذكر درسًا عظيمًا في البَسْمَلَة، وعظمه الجماعة الحاضرون فأثنوا عليه ثناءً كثيرًا. قال الذَّهَبيُّ: وكان الشَّيخ تاج الدِّين الفَزَارِيُّ يبالغُ في تعظيمه بحيثُ إنَّه علق بخطِّه دَرْسَهُ بالسُّكرية. ثمَّ جلس مكان والده بالجامع يفسّر القرآن الكريم وشرع من أوله، وكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسّر في سورة نوح عدة سنين، وفي وقتٍ ذَكَر يومَ جُمعة شيئًا من الصفات فقام بعضُ المخالفين وسعوا في منعه فلم يمكنهم ذلك. وقال قاضي القُضَاة شِهابُ الدِّين الخُوَيِّي: أنا على اعِتقادِ الشَّيخ تَقِيّ الدّين، فعُوتبَ في ذلك، فقال: لأن ذهنه صحيحٌ وموادّه كثيرة، فهو لا يقولُ إلَّا الصَّحيح. وكان أعجوبةَ زمانِهِ في الحفظ وقد حُكي أنَّ بعضَ مشايِخ حَلَب قدم دمشق لينظر إلى حفظ الشَّيخ فسأل عنه فقيل الآن يحضر، فلما حضر ذكر له أحاديث فحفظها من ساعَته، ثمَّ أملى عليه عدة أسانيد انتخبها ثمَّ قال: اقرأ هذا فنظر فيه كما فعل أول مرة، فقام الشَّيخ الحلبى وهو يقول: إن عاشَ هذا الفَتى ليكونَنّ له شأنٌ عظيمٌ فإنَّ هذا لم يُرَ مثلُه، وقالَ الشَّيخُ شرفُ الدين: أنا أرجو بركته ودعاءه؛ وهو صاحبي وأخي. ذكر ذلك البِرزَالِيُّ في «تاريخه».

стр. 695

ثمَّ شرع في الجَمع والتَّصنيف من العشرين، ولم يزَل في عُلُوٍ وازْدياد في العِلم والقَدرِ إلى آخر عُمُرِه. قالَ الحافِظُ المِزَّي: ما رأيْتُ مثلَه، ولا رأى هو مثل نَفْسِهِ. وذكرَهُ الذَّهبيُّ في «مُعْجَم شُيُوخِهِ»، ووصفه بأنَّه شيخُ الإسلام، وفريدُ عَصْرِه علمًا ومعرفةً وشجاعةً وذكاءً ونصحًا للأمَّة [و] أمْرًا بالمعروفِ ونَهْيًا عن المُنكر إلى غير ذلك من الصِّفاتِ الحَمِيْدة، والأخلاق المَرْضِيَّة. وقال الشَّيخُ كمالُ الدِّين ابن الزَّملكاني: كَانَ ابن تَيْمِيِّة إذا سُئِلَ عن فنٍّ من العِلْم ظَنَّ الرائِي والسَّامع أنَّه لا يَعرِفُ غيرَ ذلك الفَنّ، وحكمَ أنَّ أحدًا لا يعرفه مثلَهُ، وكان الفقهاءُ من سائِر الطَّوائِفِ إذا جالسُوه استفادوا منه في مذاهبهم أشياء، ولا يُعْرَفُ أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تَكَلَّم معه في علمٍ من العلومِ سواءً كَانَ من علومِ الشَّرع أو غَيرها إلَّا فاق فيه أهله واجتمعت فيه شُروط الاجتهاد على وجهها. قالَ الشَّيخُ زينُ الدِّين ابن رَجَبِ: وقد عُرض عليه قضاء الحنابلة قبل التِّسعين ومشيَخَة الشُّيوخ فلم يَقْبَل شيئًا من ذلك. وقد كتبَ ابن الزّملكاني بخطِّه على كتاب «إبطال الحِيَل» ترجمةَ الكِتَاب، واسم الشَّيخ وترجم له تَرجمة عظيمة وأثنى عليه شيئًا كثيرًا وكتب تحته بخطِّهِ: ماذَا يَقُوْل الوَاصِفُونَ لَهُ ... وصِفَاتُهُ جَلَّتْ عن الحَصْرِ هو حُجَّةٌ للهِ قاهِرَةٌ ... هو بَيْنَنَا أُعْجُوْبَةُ الدَّهْر هو آيةٌ للخَلْقِ ظَاهِرَةٌ ... أنْوارُها أرْبَتْ على الفَجْر وحَكَى الذَّهَبيُّ، عن الشَّيخ تقي الدِّين ابن دَقيق العِيْد، أنَّه قالَ له عند اجتماعه به وسماعه لكلامِهِ: ما كنتُ أظُنُّ أنَّ الله تعالى بقِي يخلق مثلك. وقد كَتَب العَلّامة قاضي القُضاة تقي الدِّين السُّبكيُّ إلى الحافظ الذَّهبيّ في أمر

стр. 696

الشّيخ تقِيّ الدين: فالمملوك يتحقق أن قدره وزخارة بحره وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده بلغ من ذلك كلَّ المبلغ الذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكثر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله تعالى [له] من الزّهادة والوَرع والدِّيانة ونُصرة الحقّ والقِيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سَنَنِ السَّلَف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزَّمان، بل [من] أزمان. وللشَّيخ أثير الدِّين أبي حيَّان الأنْدَلسي النَّحوي لما دَخلَ الشَّيخ إلى مصر واجتمع به قال أبياتًا لم يَقُلْ خيرًا منها ولا أفحل: لمَّا رأيْنَا تَقِيَّ الدِّين لاحَ لَنَا ... داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ على مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْمَا الأُولَى صَحِبُوا ... خيرَ البَرِيَّةِ نُوْرٌ دُوْنَهُ القَمَرُ حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبَرًا ... بَحرٌ تَقَاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ قامَ ابنُ تَيْمِيَّةٍ في نَصْرِ شِرعَتِنَا ... مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ فأظهرَ الحقَّ إذا آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخْمدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ يا مَنْ يُحَدِّثُ عن عِلْمِ الكتابِ أصِخْ ... هذا الإمامُ الذي قَدْ كان يُنتظر وأمَّا مناظرتُهُ للخصوم وإفحامُهم وقطعُهُم لديه فهو ظاهرٌ، وكتبه التي صنَّفَها فهى أشهر من أن تذكر وتعرف فإنها سارت مسيرَ الشَّمس في الأقطار وامتلأت بها البلاد والأمصار، وقد جاوزت حد الكثرة فلا يمكن أحدًا حَصْرُها، ولا يتسع هذا المكان لعدها. وله اختيارات غريبة جمعها بعضهم في مجلَّدٍ لطيف. ووقع له أمور وأحوال قام عليه فيها المعاندُ والحاسدُ إلى أن وصلَ الحال به أن وُضِعَ في قلعة دمشق في مقام أبي الدَّرْدَاء ﵁ سنة ستٍّ وعشرين في شَعبان إلى ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين، ثمَّ مرض أيَّامًا

стр. 697

ولم يَعْلَم أكثرُ النَّاس مَرضه. وتوفي سحر ليلة الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسَبْعِمائة. وذكره مؤذن القَلْعَة على منارة الجامع، وتكلّم به الحَرَسُ واجتمَع النَّاسُ، ولم تفتح الأسواق المعتادة بالفتح أول النهار، واجتمع عنده خلق يبكون ويثنون خيرًا، وأخبرهم أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن أنهما ختما في القَلْعة ثمانين ختمةً، والحادية والثَّمانين انتهيا فيها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وابتدأ عنده جماعة في القراءة من سورة الرَّحمن إلى ختمه. ولم يُفرغ من غَسله حتَّى امتلأ أكثر القلعة بالرجال فصَلَّى عليه بدَركاتِها الشَّيخُ الزَّاهدُ محمد بن تَمَّامٍ، وضجَّ الناسُ، ثمَّ خرجوا به إلي جامع دمشق، وكثر الجَمْع حتَّى يقال: إنَّه فاق جميع الجُمَع، ثمَّ وضع عند موضع الجنائز حتَّى صلِّيَتِ الظهرُ، ثمَّ صلى عليه نائب الخطيب علاء الدِّين الخَراَّط لغيبة القَزْوِيْني، ثمَّ خرجوا به من باب الفرج، وكثر الزِّحام وخرج الناس من غالب أبواب البلد، ثمَّ صلَّى عليه أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن بسوق الخَيْل، ودفن وقت صلاة العصر بالصُّوفية إلى جانب أخيه شرف الدين. وحُزِرَ الرِّجال بستين ألفًا وأكثر، والنِّساء بخمسةَ عشرَ ألفًا، وظهرَ بذلك قَولُ الإمام (١): بينَنا وبينَهم الجنائز. وختم له ختمات كثيرة، وتردد النَّاسُ إلى قَبره، ورُئِيَتْ له منامات (٢) حسنة، وتأسف النَّاسُ لفقده ﵁. * * * *

стр. 698

دستورُ الأعلام بمعارف الإسلام (١) لمحمد بن عمر ابن عَزَم التميمي التونسي المكي (٨٩١) ابن تيمية (٧٢٨) الحرَّاني الحنبلي، شيخ الإسلام وصاحب التصانيف الكثيرة، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام. * * * *

стр. 699

غربال الزمان في وفيات الأعيان (١) للعلامة يحيى بن أبي بكر العامري الحَرَضي اليماني (٨٩٣) وفيها (٧٢٨) مات بقلعة دمشق محبوسًا الحافظ تقي الدين، عرف بابن تيمية، وهو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر من الدواة والورق، ولد بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وبرع في الحديث والأصلين، وكان يتوقد ذكاءً، وصنف أكثر من مائتي مجلد، وله غرائب حبس بسببها مخالفة لمذهب أهل السنة، منها: نهيه عن زياره قبر رسول الله ﷺ ، وإنكاره على مشايخ الصوفية العارفين بالله كالغزالي والقشيري وابن العريف والشاذلي وغيرهم ممن حقق في العلمين، وكذلك فتياه في الطلاق، وعقيدته في الجهة وغير ذلك. قال اليافعي: وقد رأيت منامًا في حقه يدل على خطئه في عقيدته. قال الفقيه حسين: إنما أنكر على المعينين مسائل معينة مع اعترافه بفضلهم. قال: واعتقاده في الجهة إنما يعني به ما فوق العالم وهو الله سبحانه، كذا رأيته في كلامه. قال: وفي ترجمة اليافعي له ضعف، وترجم الذهبي له ما هو لائق به وبجلالته وإمامته وعلومه التي انفرد بها. * * * *

стр. 700

طبقات الحفاظ (١) للعلامة جلال الدِّين السيوطي (٩١١) ابن تَيْمِيَّة الشَّيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد المفسر البارع، شيخ الإسلام، عَلَم الزُّهاد، نادرة العصر، تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم بن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدِّين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحرَّاني، أحد الأعلام. ولد في ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة، وسمع ابن أبي اليسر وابن عبد الدَّائم وعدةً، وعُنِي بالحديث، وخرَّجَ وانتقى، وبَرَعَ في الرجال وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلمِ الكلام وغيرذلك. وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزّهاد الأفراد. ألَّف ثلاثمائة مجلدة، وامتُحن وأوذِيَ مرارًا. مات في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. * * * *

стр. 701

صِدْقُ الأخْبار (١) للمؤرِّخ حمزة بن أحمد الغَرْبي المعروف بابن سباط (٢) (٩٢٦) وفي هذه السنة (٣) ثاني عشرين ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد الورع الخاشع القدوة العارف تقي الدين، أحمد ابن الشيخ الإمام العالم شهاب الدِّين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله ابن تَيْمِيَّة الحراني الدمشقي بقلعة دمشق في القاعة التي كان محبوسًا بها، وغسّلوه وكفنوه وأخرجوه من القلعة، وصلى عليه بباب القلعة الشيخ محمد بن تمام، أتوا به إلى الجامع، وغُلِّق جميع الأسواق بدمشق، وامتلأ الجامعُ أكثر من يوم الجمعة، وحضروا (٤) الأمراء والحُجَّاب، وصلوا عليه صلاة الظهر، وحملوه (٥) الناس على رؤوسهم وأخرجوه من القلعة إلى باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس، ومن باب النصر، ومن باب الجابية، وامتدَّ العالم إلى سوق الخيل إلى مقبرة الصوفية، ودفن إلى جانب قبر أخيه الشيخ شرف الدين، وانصرف الناس متأسِّفين عليه، وختموا على قبره الختمات.

стр. 702

وكان مولده بحران عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، سمع الحديث، واشتغل في العلوم، وحَصَّل في أسرع وقت ما لا يحصله غيره في سنين (١) كثيرة، وعلوم شتى (٢)، وكان كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة. * * * *

стр. 703

الدّارس في تاريخ المَدَارِس (١) للعلامة عبد القادر بن محمد النعيمي (ت ٩٢٧ هـ) في يوم الاثنين ثاني المحرم منها (٢): درَّس الشَّيخ الإمام العالم العلامة تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني بدار الحديث السكرية الَّتي بالقصاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين يوسف بن الزكي الشَّافعيّ، والشيخ تاج الدِّين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدِّين بن المرحِّل، والشيخ زين الدِّين المنجَّى الحنبلي، وكان درسًا [هائلًا] حافلًا ــ يعني في البسملة كما ذكره ابن مفلح في «طبقاته» ــ وقد ذكره (٣) الشَّيخ تاج الدِّين الفزاري بخطه لكثرة فوائده وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كَانَ إذ ذاك عمره عشرين سنة وسنتين، ثمَّ جلس الشَّيخ تقي الدِّين المذكور أيضًا ــ يعني مكان والده بالجامع كما ذكره ابن كثير ــ يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير، من كثرة ما كَانَ يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة.

стр. 704

زاد ابن مفلح في «طبقاته» وأنَّه كَانَ يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يُفسِّر في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام عدة سنين. وأطال في ترجمته كثيرًا، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. ولد يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة بحرّان، وقدم مع أهله سنة سبع وستين وستمائة إلى دمشق فسمع بها من ابن عبد الدَّائم والمجد بن عساكر وابن أبي الخير والقاسم الإربلي والمسلم بن علان وإبراهيم بن الدرجي وابن أبي اليسر وخلق كثير، وأقبل على العلوم في صغره، فأخذ الفقه والأصول عن والده والشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر والشيخ شمس الدِّين بن المنجَّى، وبرع في ذلك، وقرأ في العربية أيامًا على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» وتأمَّله ففهمه، وأقبل على تفسير القرآن العزيز فبرز فيه، وأحكم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم، ونظر في علم الكلام وبرز في ذلك على أهله، وردّ على رؤسائهم. وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة، وأمدَّه الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الفهم وبطء النسيان، وعُنِي بالحديث أتمَّ عناية ونسخ الأجزاء، ودارعلى الشيوخ وخرَّج وانتقى وبرع في الرجال وعلل الحديث. وكان كثير المحاسن، فارغًا عن شهوات المأكل والملبس والجماع. لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه، عرض عليه قضاء [القضاة] قبل التسعين (١)

стр. 705

ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئًا من ذلك، وامتُحِنَ وأوذي مرات وحبس بقلعة مصر والقاهرة وبالإسكندرية وبقلعة دمشق مرتين، وصنف التَّصانيف الحسنة الَّتي هي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، وحدث بدمشق ومصر والثغر، وسمع منه خلق من الحفاط والأئمة من الحديث ومن تصانيفه، وخرَّج له ابن الواني أربعين حديثًا حدث بها، وقد أفرد له الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادي ترجمة في مجلَّدةٍ وكذلك أبو حفص البزار البغدادي في كراريس. ومات بدمشق قي القلعة معتقلًا سحر ليلة الاثنين عشرين ذي الحجة أو ذي القَعْدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ثمَّ جُهِّز وأُخْرِجَ إلى جامع البلد وكان الجمع أعظم من جمع الجُمع، حُزِرَ الرجال بستين ألفًا وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفًا. صلى عليه أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن بسوق الخيل بعد خروج جنازته من باب الفرج، ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب أخية الشرف وهو عبد الله ورُئِيَتْ له منامات حسنة. * * * *
следующие страницы →