يطلق لسانه بما اتفق بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن ويناظر أُسوة مَنْ تقدمه من الأئمة، فله أجر على خطئه، وأجران على إصابته. انتهى.
قال الشوكاني: ومع هذا، فقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل، وامتحن مرة بعد أخرى، وحبس حبسًا بعد حبس، وجرت فتن عديدة. والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصر به عن المقدار الَّذي يستحقه بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأوّل عليه. وهذه قاعدة مطَّردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يستنكره المقصِّرون، ويقع له معهم محنة [بعد محنة]. ثمَّ يكون أمره الأعلى وقوله الأوْلى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين. ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره، وهكذا كان حل هذا الامام، فإنه بعد موته عرف النَّاس مقداره، واتفقت الألسن بالثناء عليه إلَّا من لا يعتد به، وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته، انتهى.
وقد ترجم له جماعة منهم: شهاب [الدين] بن فضل الله العمري في «مسالك الأبصار» وكتب ترجمة حسنة طويلة عريضة كاملة، ومنهم العلَّامة ابن رجب الحنبلي في «طبقاته» وأثنى عليه ثناءً كثيرًا، ومنهم ابن شاكر صاحب «فوات الوفيات»، ومنهم الشَّيخ مرعي وسماها «الكواكب الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة»، ومنهم الحافظ ابن عبد الهادي ترجم له في مجلد مفرد، ومنهم أبو حفص عمر بن عليّ البزار البغدادي كتب كراريس في ترجمته، ومنهم العلَّامة صفي الدِّين أحمد البخاريّ نزيل نابلس وسماها «القول الجلي»، وقرظ عليه العلَّامة مفتي القدس محمد التافلاتي، ومحدّث
стр. 842
الشَّام محمد الكزبري الشافعي، ومنهم العلَّامة نجم الدِّين أبو الفضل أنشد قصيدة حسنة طويلة في مدحه وثنائه (١).
قال ابن رجب ــ رحمه الله تعالى ــ في حقه: شيخ الإسلام وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. عني بالحديث، وسمع «المسند» مرات، والكتب السِّتَّة، و «معُجم الطَّبرانيّ الكبير»، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، وبرع في ذلك وقرأ في العربية، وأقبل على تفسير القرآن الكريم، فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، ونظر في علم الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضًا، وأُمِدَّ بكثرة الكَتْب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبُطْء النسيان، حتَّى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه.
وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدِّين الفزاري، وزين الدِّين بن المرحل، وابن المنجَّى، وجماعة، وذكر درسًا عظيمًا في البسملة ــ وهو مشهور بين الناس ــ وعظمه الجماعة الحاضرون، وأثنوا عليه ثناءً كثيرًا.
قال الذَهبيّ: وكان الفزاري يبالغ في تعظيمه، وذكر على الكرسي يوم جمعة شيئًا من الصفات، فقام بعض المخالفين، وسعوا في منعه من
стр. 843
الجلوس، فلم يمكنهم ذلك، وقال قاضي القضاة شهاب الدِّين الخويي: أنا على اعتقاد الشَّيخ تقي الدين، فعوتب في ذلك، فقال: لأنه ذهنه صحيح، وموادَّه كثيرة، فهو لا يقول إلَّا الصحيح. وقال الشَّيخ شرف الدِّين المقْدِسِيّ: أنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبي وأخي. ذكر ذلك البرزالي في «تاريخه»، ولم يزل في علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره.
وقال الذَّهبيّ: شيخنا وشيخ الإسلام، فريد الزمان علمًا ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرًا إلهيًّا، وكرمًا ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب، ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره. وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها. وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ [ما يحفظه] من الحديث معزوًّا إلى أصوله، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصَّحابة والتابعين، بحيث إنَّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، وأتقن العربية أصولًا وفروعًا، وتعليلًا واختلافًا، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَردَّ عليهم، ونبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأُوذي في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنة المحضة، حتَّى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وَكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، وأحيا به الشَّام، بل الإسلام بعد أن كَاد ينثلم بتثبيت [أولي] الأمر لما أقبل حزب
стр. 844
«التتر» والبغي في خيلائهم، وظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأبَّ النفاق وأبدى صفحته. ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام [وبالطلاق ألف طلقة] (١) أني ما رأيت بعيني مثله، وأنَّه ما رأى مثل نفسه ما حنثت.
وقد قرأت بخط الشَّيخ العلامة شيخنا كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم «ابن تَيْمِيَّة»: كَانَ إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم ــ سواء كَانَ من علوم الشرع أوغيرها ــ إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
قال ابن رجب: قلت: وقد عُرض عليه قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئًا من ذلك.
أثنى عليه ابن سيد الناس ثناءً بالغًا حسنًا، وكتب الذَّهَبيّ في «تاريخه الكبير» ترجمة مطولة له، قال فيها: لا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجب في استحضاره (٢) واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب السِّتَّة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تَيْمِيَّة فليس بحديث».
стр. 845
قال: فلقد كَانَ عجبًا في معرفة علوم الحديث، ولقد كتب «الحموية» في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وله يد طولى في الكلام على المعارف والأحوال. والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه، ومعوجه وقويمه.
وقد ترجم له ابن الزَّمْلَكاني ترجمة عظيمة وأثنى عليه ثناء عظيمًا. ومدحه أبو حيان الأندلسي نظمًا حسنًا. وقال له ابن دقيق العيد عند اجتماعه به وسماعه لكلامه: ما كنت أظن أنَّ الله فيما بقي يخلق مثلك.
قال ابن رجب: ومما وجد في كتاب كتبه العلَّامة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذَّهَبيّ في أمره: أما قول سيدي في الشَّيخ فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الَّذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان، انتهى.
قلت: وأبو الحسن السبكي ــ هو السبكي الكبير ــ كما صرّح بذلك ابن مفلح في طبقاته، وقد قال بعض السفهاء: إنَّ علمه كَانَ زائدًا على عقله ــ يشير بذلك إلى قلة فهمه، كأنَّ القائل بهذا القول لم يقف على ما أثنى به عليه جمع جم من الأئمة الكبار بالذكاء وقوة الدرك وبلوغه في المعقولات مبلغًا عظيمًا والزهد، فأين هذا يقع من ذاك، ولكن من أعمى الله بصر بصيرته فهو يرى الشمس مظلمة، هذا السبكي عدوه، والراد عليه قد أقر له في كتابه هذا بما أقر، ولنعم ما قيل:
стр. 846
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
وكان الحافظ المزي يبالغ في تعظيم الشَّيخ والثناء عليه، حتَّى كَانَ يقول: لم يرُ مثله منذ أربع مئة سنة، وقال ابن رجب: بلغني من طريق صحيح عن ابن الزَّمْلَكاني: أنَّه سئل عن الشَّيخ؟ فقال: «لم نر من خمس مئة سنة أو أربع مئة سنة ــ الشك من الناقل، وغالب ظنه: أنَّه قال: من خمس مئة سنة ــ أحفظ منه». وكذلك المشايخ العارفون كالقدوة محمد بن قوام، ويحكى أنّه كَانَ يقول: ما أسْلَمَت معارفنا إلَّا على يد «ابن تَيْمِيَّة»، والشَّيخ عماد الدِّين الواسطي كَانَ يعظمه جدًّا، وتلمذ له، مع أنَّه كَانَ أسن منه. وكان يقول: قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامه في بعض الأمور مقام الصديقين.
وكتب رسالة إلى خواص أصحاب الشَّيخ ويوصيهم بتعظيمه واحترامه؛ ويعرفهم حقوقه؛ ويذكر فيها: أنَّه طاف أعيان بلاد الإسلام ولم ير فيها مثل الشَّيخ عملًا وعلمًا، وحالًا وخلقًا واتباعًا، وكرمًا وحلمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله عند انتهاك حرماته، وأقسم على ذلك بالله ثلاث مرات، ثمَّ قال: أصدق الناس عقلًا، وأصحهم علمًا وعزمًا، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه؛ وأسخاهم كفًّا، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد ﷺ ، ما رأينا في عصرنا هذا من تُستجلَى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلَّا هذا الرَّحل، بحيث يشهد القلب الصحيح أنَّ هذا هو الاتباع حقيقة.
وطوائف من أئمة الحديث حفاظهم وفقهائهم: كانوا يحبون الشَّيخ ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما هو طريقة أئمة الحديث المتقدمين مثل الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم، وكذلك كثير من الفقهاء وغيرهم كرهوا له التفرد ببعض شذوذ
стр. 847
المسائل الَّتي أنكرها السلف علي من شذ بها.
أقول: وهذا الإنكار منهم عليه إنكار جاهل على عالم، والمرء عدو لما جهل، والذي تفرد به شيخ الإسلام من بعض المسائل قد أثبته جماعة من أهل العلم بالأدلة الصحيحة المحكمة الثابتة، وذبّوا جنابه الرفيع عن تلك الإيرادات، ولهذا قال الذَّهَبيّ: غالب حطه على الفضلاء والمتزهدة حق، وفي بعضه هو مجتهد، ولا يكفر أحدًا إلَّا بعد قيام الحجة عليه، قال: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية؛ واحتج ببراهين ومقدمات، وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها حتَّى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن بحال ولا يحابي، بل يقول الحق المرَّ الَّذي أدَّاه إليه اجتهاده وحدة ذهنه وقوة عقله وفهمه وسعة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع وكمال الفكرة وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله، فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فينجيه الله، فإنه دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل، ثابت الجأش، وله من الشطر الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه، لأَنَّه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه.
وأما شجاعته: فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه الأكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نوبة غازان، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين، وكان «قبجق» يتعجب من إقدامه وجرأته
стр. 848
على المغول، وله حدة قوية تعتريه في البحث، حتَّى كأنه ليث حَرِب، وهو أكبر من أن ينبه على نعوته.
وله نظم قليل وسط. ولم يتزوج، ولا تسرى، ولا له من المعلوم إلَّا شيء قليل. وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منهم غداء ولا عشاء في غالب الوقت، وما رأيت في العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسعي في مصالحهم. وهو فقير لا مال له. وملبوسه كآحاد الفقهاء، ولم يَنْحَنِ لأحد قط، وإنما يسلم ويصافح ويبتسم.
وأما محنه فكثيرة، وشرحها يطول جدًّا، منها: أنَّه امتحن في سنة ٧٠٥ بالسؤال عن معتقده ــ بأمر السلطان ــ فجمع نائبه القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر من داره «العقيدة الواسطية» فقرأوها في ثلاثة مجالس، وحاققوه وبحثوا معه؛ ووقع الاتفاق بعد ذلك على أنَّ هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعًا ومنهم من قاله كرهًا، وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنَّما قصدنا براءة ساحة الشَّيخ، وتبين لنا أنَّه على عقيدة السلف.
وفي آخر الأمر: دبروا عليه الحيلة في مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك بالتنقص بالأنبياء وذلك كفر، وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء ــ وهم ثمانية عشر نفسًا ــ رأسهم القاضي الإخنائي المالكي، وحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرًا وبها مات ــ رحمه الله تعالى ــ. ووافقه جماعة من علماء بغداد، وكذلك ابنا أبي الوليد ــ شيخ المالكية بدمشق ــ أفتيا: أنَّه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلًا، وأنَّه نقل خلاف العلماء في المسألة، ورجح أحد القولين.
стр. 849
قال الحافظ ابن القيم: سمعت «ابن تَيْمِيَّة» ــ قدس الله روحه، ونور ضريحه ــ يقول في الحبس: «إنَّ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي في قلبي، وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة ــ أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي من الخير ــ أو نحو هذا.
وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها، نظر إليه، وقال: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ﴾ [الحديد: ١٣] انتهي حاصله.
قال ابن رجب: وأما تصانيفه فهي أشهر من أن تذكر وأعرف من أن تنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدِّ المعروف منها، ولا ذكرها، ثمَّ ذكر نبذة من أسماء أعيان مصنفاته الكبار، ثمَّ ذكر طرفًا من مفرداته وغرائبه، منها: أنَّه اختار ارتفاع الحدث بالمياه المعتصره كالورد ونحوه.
واختار جواز المسح على النعلين والقدمين، وكلّ ما يحتاج في نزعه من الرِّجل إلى معالجته باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين.
واختار أنَّ المسح على الخفين لا يتوقت مع الحاجة كالمسافر على
стр. 850
البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقت مع إمكان النزع وتيسره.
واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها، واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخر الصلاة عمدًا حتَّى تضايق وقتها، وكمن خشي فوات الجمعة والعيدين وهو محدث، فأما من استيقظ أو ذكر في آخر وقت الصلاة، فإنه يتطهر بالماء ويصلي لأن الوقت متسع في حقه.
واختار أنَّ المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول إلى الحمام وتكرره فإنها تتيمم وتصلي.
واختار أن لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين ولا لسن الإياس من الحيض، وأن ذلك يرجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أنَّ تارك الصلاة عمدًا لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل، وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة.
قلت: وهذه المسائل غالبها مبرهنة في مواضعها بالأدلة الصحيحة الدالة عليها، وقد ذهب إليها ذاهبون من أهل العلم قديمًا وحديثًا.
ثمَّ ذكر ابن رجب وفاته ﵀ وقال: مرض الشَّيخ في القلعة بضعة وعشرين يومًا، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلَّا موته، وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة، سنة (٧٢٨)، ذكره مؤذن القلعة
стр. 851
على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبرجة، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم أعلم به في منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة حتَّى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين الَّتى من شأنها أن تفتح أول النهار. وفتح باب القلعة، واجتمع خلق كثير من أصحابه، يبكون ويثنون، وأخبر أخوه: أنَّه منذ دخل القلعة ختم ثمانين ختمة، وانتهى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
صلى عليه الزاهد القدوة محمد بن تمام، وأُخْرِجَ إلى جامع دمشق، وكان الجمع أعظم من جمع الجمع، ثمَّ ساروا به، والناس في بكاء وثناء وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة، وكان يومًا مشهودًا، لم يعهد بدمشق مثله، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلَّا الضعفاء والمخدرات، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أهل السنة. فبكى الناس بكاءً كثيرًا عند ذلك. واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرؤوس، يتقدم تارة ويتأخر أخرى، وخرج الناس من أبواب المدينة كلها، ودفن وقت العصر، وحُزِر الرجال بستين ألفًا إلى مائة ألف وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفًا. وظهر بذلك قول الإمام أحمد: «بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز»، وختم له ختمات كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلى زيارة قبره أيامًا كثيرة، ليلًا ونهارًا، رُئيت له منامات كثيرة صالحة، ورثاه خلق من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده، وصلي عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتَّى في اليمن والصين. وأخبر المسافرون: أنَّه نودي بأقصى
стр. 852
الصين للصلاة عليه يوم الجمعة «الصلاة على ترجمان القرآن».
قال ابن رجب: وقد أفرد الحافظ محمد بن عبد الهادي له ترجمة في مجلدة، وكذلك أبو حفص عمر بن علي البغدادي البزار في كراريس. وإنما ذكرناها هنا على وجه الاختصار، وقد حدث الشَّيخ كثيرًا، وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، وخرج له ابن الواني أربعين حديثًا حدث بها، انتهى.
قلت: وقد اختصرت هذه الترجمة من الترجمة المختصرة الَّتي ذكرها ابن رجب مع زيادة بعض ألفاظ عليها، فإن شئت أن تطلع على جملتها فعليك بالمجلدات الكبار، والتراجم الحوافل الَّتي كتبها الأئمة الكبار مستقلة مفردة، والله يختص برحمته من يشاء، ويدخل من يشاء في رحمته.
قال في «الروضة الغناء»: ولد سنة (٦٦١)، وأفتى ودرس، وصنف التَّصانيف البديعة الكثيرة، وجرت له محن كثيرة إلى أن توفي ودفن بمقبرة الصوفية، انتهى.
وقال المعلم بطرس البستاني، في «دائرة المعارف»: وكان ﵀ سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، وله تصانيف ومؤلفات وقواعد وفتاوى وأجوبة ورسائل وتعاليق كثيرة، انتهى. وذكر منها نبذة، ثمَّ قال: فلما رأى أهل بلاده ما كَانَ له من الشهرة ورفعة الشأن دبَّ في قلوبهم الحسد، وأكب أهل النظر منهم بما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفِظوا عليه في ذلك كلامًا، قد أوسعوا لثلبه ملامًا، وفوَّقُوا لتبديعه سِهامًا، وزعموا أنَّه خالف طريقهم، وفرَّق فريقَهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضَهم
стр. 853
وقاطعوه، ثمَّ نازعه طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدق باطنٍ منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها ــ على ما زعم ــ بوائق، فآضَت إلى الطَّائفة الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضِّغْن عليه من مقاطعيه، فوصلوا إلى الأمراء أمرَه، وأعمل كلّ منهم في كُفْره فِكْرَه، فرتَّبوا محاضر، وألَّبوا الرُّوَيْبِضَة للسَّعي بها بين الأكابر، قال: فَرَدَّ الله كيد كلٍّ في نحره ونجاه، والله غالب على أمره، انتهى حاصله.
* * * *
стр. 854
جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (١)
للشيخ نعمان خير الدِّين بن محمود الآلوسي (١٣١٧)
هو شيخ الإسلام، وحافظ الأنام، المجتهد في الأحكام: تقي الدِّين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي. وفي «تاريخ إربل»: أن جده سئل عن اسم تيميّة، فأجاب: أن جده حج وكانت إمرأته حاملًا، فلما كان بتيماء ــ بلدة قرب تبوك ــ رأى جارية حسنة الوجه قد خرجت من خباء، فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية، فلما رفعوها إليه قال: يا تيميّة يا تيميّة، يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء، فسُميَ بها. انتهى.
وقد ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة. وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة سبع وستين وست مئة.
فأخذ الفقه والأصول عن والده، وسمع عن خلق كثيرين، منهم الشيخ شمس الدين، والشيخ زين الدِّين بن المنجَّى، والمجد بن عساكر.
وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه.
وعُني بالحديث، وسمع الكتب الستة والمسند مرات.
وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من سائر العلوم.
стр. 855
ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة، وتضلع في علم الحديث وحفظه حتى قالوا: إن كل حديث لايعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث.
وأمده الله تعالى بكثرة الكتب، وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم وبطء النسيان، حتى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه.
وألف في أغلب العلوم التأليفات العديدة، وصنف التصانيف المفيدة في التفسير والفقه، والأصول والحديث، والكلام والردود على الفرق الضالة والمبتدعة، وله الفتاوى المفصلة، وحل المسائل المعضلة.
ومن تصنيفاته التي تبلغ ثلاث مئة تصنيف: «تعارض العقل والنقل» أربع مجلدات، «والجواب الصحيح» ــ ردًّا على النصارى ــ أربع مجلدات، و «شرح عقيدة الأصفهاني» مجلد، و «الرد على الفلاسفة» أربع مجلدات، وكتاب «إثبات المعاد» والرد على ابن سينا، وكتاب «ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا والمعجزات والكرامات»، وكتاب «إثبات الصفات» مجلد، وكتاب «العرش»، وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، وكتاب «الرد على الإمامية» ــ ردًّا على ابن المطهر الحِلَّى ــ مجلدين كبيرين، وكتاب «الرد على القدرية»، وكتاب «الرد على الاتحادية والحلولية»، وكتاب «في فضائل أبي بكر وعمر ﵄ على غيرهما»، وكتاب «تفضيل الأئمة الأربعة»، وكتاب «شرح العمدة» في الفقه أربع مجلدات، وكتاب «الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية»، وكتاب «المناسك الكبرى والصغرى»، و «الصارم المسلول على من سب الرسول»، وكتاب في «الطلاق»، وكتاب في «خلق الأفعال»، و «الرسالة
стр. 856
البغدادية»، وكتاب «التحفة العراقية»، وكتاب «إصلاح الراعي والرعية»، وكتاب في «الرد على تأسيس التقديس» للرازي ــ في سبع مجلدات، وكتاب «في الرد على المنطق»، وكتاب «الفرقان»، وكتاب «منهاج السنة النبوية»، وكتاب «الاستقامة» مجلدين، وغير ذلك.
قال الذهبي: وما أُبْعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلد، وترجمه في «معجم شيوخه» بترجمة طويلة، منها قوله: شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علمًا ومعرفة وشجاعة، وذكاءً وتنويرًا إلهيًّا وكرمًا ونصحًا وللأمة، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر. سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرَّج ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصل غيره. وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه بطبع سيَّال، وخاطر وقّاد إلى مواضع الإشكال ميَّال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها. وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث، مع شدة استحضاره له وقت الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين. وأتقن العربية أصولًا وفروعًا، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، ورد عليهم ونبه على خطئهم، وحذر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأوذي في ذات الله تعالى من المخالفين، وأخيف في نصرالسنة المحفوظة حتى أعلى الله تعالى مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبتَ أعداءَه، وهدى به رجالًا كثيرة من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا وعلى طاعته، وأحيا به الشام؛ بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم، خصوصًا في كائنة التتار. وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت
стр. 857
بين الركن والمقام: أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه لما حنثت. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير: وفي رجب سنة سبع مئة وأربع راح الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى مسجد النارنج، وأمر أصحابه وتلامذته بقطع صخرة كانت هناك بنهر قلوط تزار وينذر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا، وبهذا وأمثاله أبرزوا له العداوة. وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحُسِدَ وعودي، ومع هذا لا تأخذه في الله لومة لائم. ولم يبال بمن عاداه ولم يصلوا إليه بمكروه. وأكثر ما نالوا منه الحبس، مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين. وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه كما سيأتي. انتهى.
قيل: من جملة أسباب حبسه خوفهم أنه ربما يدعي ويطلب الإمارة، فلقي أعداؤه عليه طريقًا من ذلك، فحسَّنُوا للأمراءِ حبسه؛ لسد تلك المسالك.
وكتب الشيخ كمال الدِّين الزَّمْلَكاني: كان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علم الشرع أو غيره إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
قلت: ورأيت في كتاب (النثر الذائب، في الأفراد والغرائب)، من فنون كتاب «الأشباه والنظائر النحوية» للإمام السيوطي عليه الرحمة ما نصه: جواب سؤال سائل عن حرف «لو» لسيدنا وشيخنا الإمام العالم الأوحد، الحافظ المجتهد الزاهد، العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأمة، علامة
стр. 858
العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، ذي العلوم الرفيعة، والفنون البديعة، محيي السنة، ومن عظمت به لله تعالى علينا المنة، وقامت به على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهديه المحجة: تقي الدِّين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني، أعلى الله تعالى مناره، وشيَّد من الدِّين أركانه.
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلَّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة ... أنواره أرْبت على الفجر
نقلت هذه الترجمة من خط العلامة فريد دهره ووحيد عصره: الشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني بسم الله الرحمن الرحيم. نقلت من خط الحافظ علم الدين البرزالي قال: سيدنا وشيخنا الإمام العلامة، القدوة الحافظ الزاهد العابد الورع إمام الأئمة، خير الأمة مفتي الفرق، علامة الهدى، ترجمان القرآن، حسنة الزمان، عمدة الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، ركن الشريعة ذو الفنون البديعة، ناصر السنة، قامع البدعة: تقي الدِّين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني، أدام الله تعالى بركته، ورفع درجته.
الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان؛ وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، الباهر البرهان. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث إلى الإنس والجان، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا يرضى به الرحمن.
стр. 859
سألتَ وفقك الله تعالى عن معنى حرف «لو» وكيف يتخرَّج قول عمر رضي الله تعالى عنه: «نعم العبد صُهيب، لو لم يَخَفِ اللهَ لم يعصه» على معناها المعروف.
وذكرت أن الناس يضطربون في ذلك، واقتضيت الجواب اقتضاء أوجب أن أكتب في ذلك ما حضرني الساعة، مع بعد عهدي بما بلغني ما قاله الناس في ذلك، وأنه لا يحضرني الساسعة ما أراجعه في ذلك فأقول ... اهـ بحروفه.
ثم ساق الإمام السيوطي آخر الجواب إلى نهايته، وأقرَّ المترجم على ترجمته فإن أردته فارجع إلى «الأشباه والنظائر»، فإن فيه جلاء الأبصار والبصائر (١).
وكتب الحافظ ابن سيد الناس: ألفيته ممن أدرك [من] العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته، برز في كل علم على أبناء جنسه، ولا رأت عينه مثل نفسه.
وقال ابن الوردي في تاريخه ــ وقد عاصره ورآه ــ: وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن
стр. 860
يقال: (كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث)، ولكن الإحاطة لله تعالى. غير أنه يغترف فيه من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي. وأما التفسير فسلم إليه، وكان يكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة نحوًا من أربعة كراريس.
وله التآليف العظيمة في كثير من العلوم، وما يبعد أن تصانيفه تبلغ خمس مئة مجلد. وله الباع الطويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين. قلَّ أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأربعة. وقد خالف الأربعةَ في مسائل معروفة وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة. وبقي سنين يفتي بما قام الدليل عنده.
ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفيَّة. وكان دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل، ثابت الجأش. له أوراد وأذكار يديمها، لا يداهن ولا يحابي، محبوبًا عند العلماء والصلحاء، والأمراء والتجار والكبراء، وصار بينه وبين بعض معاصريه وقعات مصرية وشامية لبعض مسائل أفتى فيها بما قامت عنده الأدلة الشرعية. واجتمع بالسلطان محمود غازان السفاك المغتال، وتكلم معه بكلام خشن ولم يهبه. وطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمِّن على دعائه. انتهى ملخصًا، وأطال في ترجمته.
وقال العلامة الشيخ عماد لدين الواسطي في حقه بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: فوالله، ثم والله لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علمًا وعملًا وحالًا وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا، وقيامًا في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته، أصدق الناس عقدًا، وأصحهم علمًا وعزمًا، وأنفذهم
стр. 861
وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة، وأسخاهم كفًّا وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ما رأينا في عصرنا هذا من تُستجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة اهـ.
ونقل في «الشذرات» عن الشيخ تقي الدِّين ابن دقيق العيد، وقد سئل عن الشيخ ابن تيمية بعد اجتماعه به كيف رأيته؟ قال: رأيت رجلًا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء. فقيل له: فلم لا تتناظران؟ قال: لأنه يحب الكلام وأحب السكوت.
وقال ابن مفلح في «طبقاته»: كتب العلامة تقي الدِّين السبكي إلى الحافظ الذهبي في أمر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية ما نصه: فالمملوك يتحقق قدره وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وأنه بلغ في ذلك كل المبلغ الذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا. وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمعه الله تعالى له من الزهادة والورع، والديانة ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمته المطنبة: إن الفتنة لما ثارت على الشيخ ابن تيمية من جهة بعض كلماته، تعصب له القاضي الحنفي ونصره. وسكت القاضي الشافعي ولم يكن له ولا عليه. وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر بن المنبجي، لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن عربي، فكتب يعاتبه على ذلك. فما أعجبه، لكونه بالغ في الحط
стр. 862
من (١) ابن عربي وتكفيره؛ فصار هو يحط من ابن تيمية؛ ويغري بيبرس الجاشنكير. وكان بيبرس يفرط في محبته ويعظمه. واتفق أن قاضي الحنفية بدمشق وهو شمس الدِّين ابن الحريري انتصر للشيخ ابن تيمية وكتب في حقه محضرًا بالثناء عليه بالعلم والفهم، وكتب به في خطه ثلاثة عشر سطرًا من جملتها: أنه منذ ثلاث مئة سنة ما رأى الناس مثله اهـ.
قلت: وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتابنا هذا ما حرره الشيخ ابن تيمية للشيخ نصر بن المنبجي، وما يتعلق بالقاضي السبكي عليهم الرحمة.
ونقل الإمام العسقلاني أيضًا عن الحافظ الذهبي أنه قال: حضر عند شيخنا أبو حيان المفسر فقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل! ثم مدحه بأبيات ذكر أنه نظمها بديهة، وأنشده إياها وهي:
لما أتانا تقيُّ الدِّين لاح لنا ... داعٍ إلى الله فَرْدٌ ما له وَزَرُ
على محياه من سيما الألى صحبوا ... خير البرية نور دونه القمر
حَبْرٌ تسربل منه دهره حِبَرًا ... بحر تقاذفُ من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شِرعتنا ... مقام سيدِ تَيْم إذ عَصَت مُضَرُ
وأظهر الحق إذ آثاره اندرست ... وأخمد الشر إذ طارت له شرر
يا من يحدث عن علم الكتاب أصخ ... هذا الإمام الذي قد كان ينتظر
يشير بهذا إلى أنه المجدد ــ وقد صرح بذلك أيضًا العماد الواسطي ــ ثم دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه فأغلظ الشيخ ابن تيمية القول في سيبويه، فنافره أبو حيان بسببه، ثم عاد ذامًّا له، وصير ذلك ذنبًا لا يغفر.
стр. 863
ويقال: إن ابن تيمية قال له: ما كان سيبويه نبي النحو ولا معصومًا، بل أخطأ في «الكتاب» في ثمانين موضعًا ما تفهمها أنت. فكان ذلك سبب مقاطعته إياه. وذكره في تفسيره «البحر» بكل سوء، وكذا في مختصره «النهر» اهـ.
وقد ترجمته علماء المذاهب المعاصرون له وغيرهم بتراجم مفصلة، وأثنوا عليه بالثناء الحسن، وذكروا له كرامات عديدة، ومواظبة على الطاعات والعبادات، وتجنُّبًا عن البدع، وشدة اتباع للسنن وطريقة السلف الصالح. وأنه لم يتزوج حتى مات.
وكان أبيض اللون، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمتي أذنيه، عيناه لسانان ناطقان، رَبْعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جَهْوَرِيّ الصوت.
وقد ذكر نبذة من اختياراته العلامة ابن رجب المتوفى سنة سبع مئة وخمس وتسعين في «طبقاته». وفصَّل أيضًا سيرته وأحواله والثناء عليه. وقد توفي سنة سبع مئة وثمان وعشرين، سَحَر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة الحرام في السجن، فأخرج إلى جامع دمشق فصلوا عليه، فكان يومًا مشهودًا، لم يعهد بدمشق مثله. وبكى الناس بكاءً شديدًا، وتبركوا بماء غسله، واشتد الزحام على نعشه، ودفن بمقابر الصوفية بعد أن صلوا عليه مرارًا. وحُزِرَ من حضر جنازته بمائتي ألف، ومن النساء بخمسة عشر ألفًا. وختمت له ختمات كثيرة. ورثي بقصائد بليغة. منها بخمسة عشر ألفًا. وختمت له ختمات كثيرة. ورثي بقصائد بليغة. منها قصيدة الشيخ عمر بن الوردي وهي:
عَثَا في عرضه قوم سِلاطُ ... لهم من نثر جوهره التقاطُ
стр. 864
تقي الدِّين أحمد خير حَبْر ... خُروق المعضلات به تُخاطُ
توفي وهو محبوس فريد ... وليس له إلى الدنيا انبساطُ
ولو حضروه حين قَضى لألْفَوْا ... ملائكة النعيم به أحاطوا
قضى نحبًا وليس له قرين ... ولا لنظيره لُفَّ القماطُ
فتًى في علمه أضحى فريدًا ... وحل المشكلات به يُناطُ
وكان إلى التقى يدعو البرايا ... وينهى فرقةً فسقُوا ولاطوا
وكان الجن تفرَق من سطاه ... بوعظ للقلوب هو السياطُ
فيا لله ما قد ضمَّ لَحْد ... ويا لله ما غطَّى البلاطُ
هُم حسدوه لما لم ينالوا ... مناقبهُ فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاطُ
وحبس الدُّر في الأصداف فخر ... وعند الشيخ في السجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداء ... فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا
بنو تيميَّةٍ كانوا فبانوا ... نجوم العلم أدركها انهباط
ولكن يا ندامة حابسيه ... فشك الشرك كان به يماط
ويا فرح اليهود بما فعلتم ... فإن الضد يعجبه الخُباط
ألم يك فيكمو رجل رشيد ... يرى سَجن الإمام فيستشاط
إمام لا ولاية كان يرجو ... ولا وَقْفٌ عليه ولا رِباطُ
ولا جاراكمو في كسب مال ... ولم يُعهد له بكم اختلاط
ففيم سجنتموه وغظتموه ... أما لِجَزَا أذيَّته اشتراط
وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي ... ففيه لقدر مثلكم انحطاط
أما والله لولا كَتْم سرِّي ... وخوف الشر لا نحل الرباط
وكنت أقول ما عندي ولكن ... بأهل العلم ما حسن اشتطاط
стр. 865
فما أحد إلى الإنصاف يدعو ... وكل في هواه له انخراط
سيظهر قصدكم يا حابسيه ... وننبئكم إذا نصب الصراط
فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تعاطوا
وحُلُّوا واعقِدوا من غير رد ... عليكم وانطوى ذاك البساط
مطلب
فيمن ابتلي وأوذي من العلماء
قلت: وما زال الناس ولا سيما الكبراء والعلماء يُبتلون في الله تعالى ويصبرون. وقد كانت الأنبياء ﵈ يقتلون، وأهل الخير في الأمم السالفة يقتلون ويحرقون، وينشر أحدهم بالمنشار وهو ثابت على دينه. ولولا كراهية التطويل لذكرت من ذلك ما يطول.
وقد سُمَّ أبو بكر وقُتل عمر وعثمان وعليّ، وسُمَّ الحسن، وقُتل الحسين وابن الزبير، وصُلب خُبيب بن عدي، وقتل الحجاجُ عبدَالرحمن بن أبي ليلى وسعيدَ بن جبير وغيرهما. وقُتل زيد بن علي.
وأما من ضُرب من كبار العلماء فكثيرون، منهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى ــ ضربه الحجاج أربع مئة سوط ثم قتله.
وسعيد بن المسيب ــ ضربه عبد الملك بن مروان مئة سوط، وصبَّ عليه جرة ماء في يوم شاتٍ، وأُلبس جبة صوف.
وخُبيب بن عبد الله بن الزبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مئة سوط، وذلك أنه حدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين رجلًا اتخذوا عباد الله خَوَلًا، ومال الله دُوَلًا. فكان
стр. 866
عمر إذا قيل له: أبشر. قال: كيف بخبيب على الطريق! ؟
وأبو عمرو بن العلاء، ضربه بنو أمية خمس مئة سوط.
والإمام موسى الكاظم ــ سجنه هارون حتى مات.
والإمام أبو حنيفة ــ توفي في السجن بعد أن ضُرب. وقيل: أوجِر سمًّا.
والإمام مالك بن أنس، ضربه المنصور (١) أيضًا سبعين سوطًا في يمين المكره، وكان مالك يقول: لا يلزمه اليمين.
والإمام أحمد، امتحن وسجن وضرب في أيام بني العباس.
وللشيخ ابن تيمية في هؤلاء الأئمة أسوة. لو أردنا استقصاء ما ذكره معاصروه من الثناء عليه، وبيان سيرته ومفصل أحواله لأفضى بنا إلى الطول، والقلم ــ لا مَلِلْتَ ــ مَلُول، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد.
فصل
في تبرئة الشيخ مما نسب إليه، وثناء المحققين المتأخرين عليه
(منهم): الفهَّامة ذو العلوم اللدنية، صوفي الفقهاء، وفقيه الصوفية: الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني المدني الشافعي، المتوفى سنة ألف ومئة وواحدة؛ فقد قال في كتابه «إفاضة العلام في تحقيق مسألة الكلام» ما لفظه:
стр. 867
وفيما نقلناه من نصوصه ــ يعني ابن تيمية ــ وقررناه على وجه موافق للكتاب والسنة وعقيدة السلف؛ كفاية لبيان حاله في اعتقاده، وبراءة ساحته من القول بالتجسيم، والقول بالجهة على الوجه المحذور عند كل لبيب منصف.
ثم قال: ثم إن ابن القيم وإن كان على عقيدة شيخه كما عند المشنعين عليهما، فتبرئة شيخه عما نسب إليه تبرئة له أيضًا، وتصحيح اعتقاده وتطبيقه على الكتاب والسنة وعقيدة السلف، تصحيح لاعتقاده وتطبيق.
ولكنا ننقل من كلامه ما يؤكد ذلك إلى آخر ما قال، مما أطنب فيه وأطاب بما يزيل الإشكال.
(ومنهم) أمير المؤمنين في الحديث، علامة العراق الشيخ علي أفندي السويدي البغدادي الشافعي؛ فإنه قد كتب على عبارة السبكي في التشنيع على الشيخ ابن تيمية ما نصه:
هذه الدعوى من السبكي تحتاج إلى بيِّنة، مع أن نصوص المتقدمين وأحوالهم تخالفه؛ وعلى تقدير الجواز فكيف يقال بحقه: إنه عدل عن الصراط المستقيم؛ فكيف يعدل عن الصراط المستقيم من يقصر التوجه على الرب المتعال؟ فلا وجه لرد السبكي عليه بمثل هذا الكلام. مع اقتفاء ابن تيمية طريق خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام. انتهى ملخصًا.
وقد نقله عنه ولده العلامة الشيخ محمد الأمين في شرح كتابه «العقد الثمين» وأقرّه.
(ومنهم) شيخنا ومولانا الوالد عليه الرحمة والرضوان، فإنه قال في رسالته الاعتقادية ما نصه: ولقد اطلعت على رسالة للشيخ ابن تيمية، وهي معتبرة عند
стр. 868
الحنابلة، وطالعتها كلها فلم أر فيها شيئًا مما يُنبز ويرمى به في العقائد، سوى ما ذكرنا من تشديده في رد التأويل، وتمسكه بالظواهر؛ مع التفويض والمبالغة في التنزيه، مبالغة يُقطع معها بأنه لا يعتقد تجسيمًا ولا تشبيهًا؛ بل يصرح بذلك تصريحًا لا خفاء فيه. والعجب ممن يترك صريح لفظه بنفي التشبيه والتجسيم، ويأخذ بلازم قوله الذي لا يقول به، ولا يسلم لزومه. وعلى كل حال فهو كما قال كثير من المشايخ في الشيخ محيي الدين. اهـ.
وقال أيضًا في رحلته «نزهة الألباب» عندما سأله في القسطنطينية المحمية شيخ الإسلام عن أمر المتشابه ما نصه: ثم انجر الكلام إلى ابن تيمية فقال: إنه قائل بالجسمية؛ فقلت: حاشاه! ومذهبه في المجسم أنه مطلقًا غير مسلم. فقال: إنه يقول العرش قديم نوعًا؛ فقلت: لم نجد لنسبته إليه من غير الدواني نقلًا يليق أن يمنح سمعًا. فقال: له مخالفة للأئمة الأربعة في بعض المسائل الفقهية؛ فقلت: شبهته في تلك المخالفة بحسب الظاهر قوية، وله في بعض ذلك سلف، كما يعرفه من تتبع المذاهب ووقف، وقد مدحه غير واحد من العلماء الأعلام. وقد سمعت من شيخي أنه رأى كتابًا في ترجمة من لقبه بشيخ الإسلام. فقال: قد ذمه العلامة السبكي؛ فقلت: كم من جليل غدا مِن ذمّ عصْرِيّه يبكي! فآهٍ من أكثر المعاصرين. فهم بأيدي ظلمهم لحبات القلوب عاصرين. اهـ.
ثم ذكر ما قاله العلماء في المتشابه، فإن أردته فارجع إليه.
(ومنهم) عالم بلد الله الحرام، والمشاعر العظام، الملا علي الهروي القاري؛ فإنه أثنى عليه، وبرأه مما نسب إليه في «شرحه الشمائل» وغيره من تأليفاته.
стр. 869
(ومنهم) أبو عبد الله محمد بن جمال الدِّين يوسف الشافعي اليافعي اليمني.
(ومنهم) شيخنا السيد العلامة أبو الطيب الحسيني البخاري القنوجي، فسح الله تعالى في مدته؛ فإنه ترجم له ترجمة حافلة في كتابه "إتحاف النبلاء المتقين" و"أبجد العلوم" وأثنى عليه ثناءً كريمًا، وذكر كلام أهل الفتيا من أصحاب المذاهب الأربعة في الثناء عليه؛ منهم: العيني الحنفي، وأطال فيه إلى أوراق.
(ومنهم) كثيرون يطول الكتاب بذكرهم؛ فمن أراد أن يستوعب طيب نشرهم، فليرجع إلى كتب التواريخ والطبقات، فإن فيها المطالب المفصلات.
* * * *