← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

عَظِيم، وأخْمَدَ من أهل الفناءِ كلَّ قديم، ولم يكن منهم أحد إلّا يُجْفِلُ عنه إجفالَ الظَّليم، ويَتَضاءلُ لديه تَضاؤُلَ الغَرِيم. جاء في عصرٍ مأهولٍ بالعلماء، مشحونٍ بنجوم السماء، تَمُوجُ في جانبَيهِ بحورٌ خَضَارِمُ، وتَطِيرُ بين خافِقَيهِ نُسُورٌ قَشَاعِمُ، وتُشْرِقُ في أنديتهِ بُدورُ دُجُنَّةٍ، وصدورُ أسِنَّةٍ، إلّا أن صَبَاحَه طَمَسَ تلك النجوم، وبَحْرَهُ طَمَّ على تِلكَ الغُيُوم، ففَاءَتْ سُمْرَتُه على تلك التِّلاعِ، وأطلَّتْ قَسورتُه على تلك السِّبَاعِ، تُمَّ عُبِّئَتْ له الكتائبُ فحَطَّمَ صفوفَهَا، وخَطَمَ أُنوفَها، وابتلَعَ غَدِيرُهُ المطمئنُّ جَداولَها، واقتلَعَ طَوْدُهُ المُرْجَحِنُّ جَنادِلَها، وأخمدتْ أنفاسَهم رِيحُه، وأكْمَدَتْ شَرَاراتِهم مصابيحُه، نَقَلَ عن أئمة الإجماع فمَنَ سِواهم مذاهبَهم المختلفةَ واستَحْضَرَها، ومَثَّل صُوَرَهم الذاهبةَ وَأحْضَرها، فلو شَعَر أبو حنيفةَ بزَمانِه ومَلَكَ أمرَه لأدْنَى عَصْرَهُ إليه مُقترِبًا، أو مالكٌ لأجْرَى وراءَه أشهبَه ولو كَبَا، أو الشافعيُّ لقالَ: ليتَ هذا كان للأمِّ وَلَدًا ولَيتَني كنت له أخًا أو أبًا، أو الشيبانيُّ ابنُ حنبلٍ لما لامَ عِذَارَه إذا غَدا منه لفَرْطِ العَجبِ أشْيَبَا، لَا بَل داودُ الظاهريُّ وسِنَان الباطنيُّ لظَنَّا تحقيقَه من مُنتَحَلِه، وابنُ حَزْمٍ والشَّهْرِستانيُّ لحَشَرَ كلٌّ منهما ذِكرَه أمَّة في نِحَلِه، والحاكمُ النَّيسابوري والحافظ السِّلَفي لأضافَه هذا إلى استدراكِه وهذا إلى رِحَلِه. تَرِدُ إليه الفتاوى ولا يَردُّها، وتَفِدُ عليه فيُجِيب عليها بأجوبةٍ كأنَّهُ كان قاعدًا لها يُعِدُّهَا. ولقد تَضَافَرتْ عليه عُصَبُ الأعداءِ [فَأُقْحِمُوا] إذْ هَدَرَ فَحْلُه، وأُفْحِمُوا إذْ زَمزَمَ ليجني الشهدُ نَحْلُه، ورُمِيَ بالكبَائرِ، وتُرُبِّصَتْ به الدَّوائِرُ، وسُعِيَ به ليُؤْخَذَ بالجَرائِر، وحَسَدَه مَن لم يَنَل سَعْيَه وكثر فَارتَابَ، ونَمَّ وما زادَ على أنَّه

стр. 807

اغتابَ. وكان قبلَ مَوتِه قَد مُنِعَ الدَّواةَ والقَلَم، وطُبِع على قلبه منها طابعُ الألَمِ، فكان مبدأُ مَرَضِه ومَنْشَأُ عَرَضِه، حت نزل قِفارَ المقابر، وترك فِقَارَ المنابِر، وحَلَّ ساحةَ تُربِه ومَا يُحاذِر، وأخذَ راحةَ قَلبِه من اللائمِ والعاذِر، فماتَ لا بل حَيِي، وعُرِفَ قَدْرُه لأنَّ مِثلَه رُئِي. وكان يومُ دَفْنِه يَومًا مشهودًا ضاقت به بواطن البلدةِ وظواهِرُها، وتُذُكِّرَتْ به أوائِلُ الرَّزايا وأواخِرُها، ولم يكن [أعظم منها] مُنذُ مِئِينَ سِنِينَ جنازة رُفِعَتْ على الرِّقَابِ، ووُطِئَتْ في زحَامِهَا الأعقابُ، وسارَ مرفوعًا على الرُّؤوس، متبوعًا بالنفوس، تَحْدُوهُ العَبَرات، وتَتْبَعُه الزَّفَرات. وكان في مَدَد ما يؤخذ عليه في مقاله ويُنْبَذُ في حُفْرةِ اعتقالِه، لا تَبرُد [له] غُلَّة بالجمع بينه وبين خُصَمائه بالمناظرة، والبحثِ حيث العيونُ ناظرة، بل يَبدُر حاكمٌ فيحكمُ باعتقاله، أو يمنعه من الفتوى, أو بأشياءَ من نوعِ هذه البلوى، لا بعد إقامة بيّنةٍ ولا تقدُّمِ دعوَى، ولا ظهورِ حجّةٍ بالدليل، ولا وضوح محجَّةٍ للتأميل. كضَرائرِ الحسناءِ قُلنَ لِوَجْهِها ... حسَدًا وبُغضًا إنه لَدَميمُ كلُّ هذا لتبريزه في الفَضْل حيثُ قصَّرتِ النُّظَراءُ، وتَجلِّيْهِ كالمصباحِ إذْ أظلمت الآراءُ، وقيامِه في حُجَّةِ التتارِ، واقتحامِه، وسيوفُهم تتدفَّقُ لُجَّةَ البِدار، حتَّى جَلَس إلى السلطان محمود غازان حيث تَجِم الأُسْدُ في آجامِها، وتَسقُط القلوبُ في دواخلِ أجسامِها، وتَجِدُ النارُ فتورًا في ضَرَمِها، والسيوفُ فرقًا فِي قَرَمِها، خوفًا من ذلك السَّبُعِ المغتال، والنمروذِ المختال، والأجل الذي لا

стр. 808

يُدفَع بحيلةِ مُحتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجَهَه ودرأ في نَحْرِه، وطَلَبَ منه الدُّعَا، فرفعَ يديه ودعَا، دُعاءَ مُنصفٍ أكثرُه عليه، وغازانُ يؤمِّنُ على دعائه وهو مُقبلٌ عليه. ثمَّ كان على هذه المواجهة القبيحة، والمشاتمة الصريحة، أعظم في صدرِ غازان والمُغَل من كلّ من طلعَ معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصَّدْر، وأهل الاستحقاقِ لرِفعةِ القَدْر. هذا مع ما له من جهادٍ في الله لم يُفزِعْه فيه طلل الوشيج، ولم يُجزِعْه ارتفاع النشيج، مواقفُ حروبٍ باشرَها، وطوائفُ ضروبٍ عاشرَها، وبَوارِقُ صِفاحٍ كاشَرَها، ومضايقُ رِماحٍ حاشَرَها، وأصناف خُصوم اقتحمَ معها الغمراتِ، وواكلَها مختلفَ الثَّمرات، وقَطَع جِدالَها قوِيُّ لسانِه، وجِلادَها شَبَا سِنانِه، قامَ بها وصابرَها، وبُلِي بأصاغرِها وقاسَى أكابرَها، وأهلِ بِدَعٍ قامَ في دِفاعِها، وجَهدَ في حَطِّ يَفَاعِها، ومخالفةٍ لِمَللٍ بَيَّنَ لها خطأ التأويلِ، وسَقَمَ التَّعليلِ، وأسكَتَ طَنِينَ الذُّباب في خياشيم رؤوسهم بالأضاليل، حتى ناموا في مراقدِ الخضُوع، وقاموا وأرجلُهم تَتساقَطُ للوقوع، بأدِلَّةٍ أقطعَ من السيوف، وأجمعَ من السُّجُوف، وأجلى من فَلَقِ الصَّباح، وأجلبَ من فِلَقِ الرّماحِ. إلّا أنَّ سابقَ المقدور أوقَعَه في خَلَلِ المَسَائل، وخَطَأٍ خَطَل لا يأمَنُ فيه مع الإكثارِ قائِلٌ، وذلك لحطِّه على بعض سلفِ العلماء، وحَلِّه لقواعدَ كثيرةٍ من نواميس القدماء، وقِلَّةِ توقيرِه للكُبَراء، وكثرةِ تكفيره للفُقراء، وتزييفه لغالبِ الآراء، وتقريبه لجهَلَةِ العوامِّ وأهلِ المِراء، وما أفتَى به آخرًا في مسألتَي الزيارةِ والطلاق، وإذاعتِه لهما حتى تكلّم فيهما من لا دينَ له ولا خلاق، فسلّط ذُبالَ الأعداءِ على سَلِيطه، وأطلقَ أيديَ الاعتداءِ في تفريطِه،

стр. 809

ولَقَّمَ نارَهم سَعَفَه، وأرَى أقساطهم سَرَفَه، فلم يَزَلْ إلى أن ماتَ عِرْضُه منهوبًا، وعَرْضُه مَوْهُوبًا، وصَفَاتُه تَتصدَّع، ورُفاتُه لا يتجمَّع، ولعلَّ هذا لخيرٍ أُريدَ به، وأُرِيغَ له لحُسنِ مُنقَلَبه. هذا مع ما جَمعَ من الورع، وما حازَه بحذافيرِ الوجود من الجود، كانت تأتيه القَناطيرُ المقنطرةُ من الذهب والفضة والخيلِ المُسَوَّمةِ والأنعام والحرثِ، فيَهَبُه بأجمعِه، ويَضعُه عند أْهل الحاجةِ في موضعِه، لا يأخذُ منه شيئًا إلا ليهبَه، ولا يَحفظُه إلّا ليُذْهِبَه كُلَّه في سبيل البرّ، وطريق أهلِ التواضع لا أهلِ الكِبْر. لم يَمِلْ به حُبُّ الشهوات، ولا حُبِّبَ إليه من ثلاثِ الدنيا إلا الصلوات. وما زال على هذا إلى أن صرعه أجلُه، وأتاهُ بشيرُ الجنة يستعجله، فانتقل إلى الله والظنُّ به أنَّه لا يُخجِلهُ. ولما قَدمَ غازانُ دمشقَ خرج ابن تيمية ﵁ إليه في جماعة من صلحائهم القدوة الشيخ محمد بن قوام، فلمَّا دخلوا على غازانَ وكان ممّا قاله ابن تيمية للترجمان: قُلْ للقانِ: أنت تزعُم أنك مسلم ومعك قاضٍ وإمامٌ وشيخ ومؤذن على ما بلغَنا، فغَزوتَنا، وأبوكَ وجَدُّك هُولاكو كانا كافرينِ وما عَمِلَا الذي عملتَ، عَاهَدا فَوَفَيا، وأنتَ عاهدتَ فغدرتَ، وقُلتَ فما وفيتَ. وجرتْ له مع غازان وقطلوشاه وبولاي أمورٌ ونُوبٌ، قام فيها كلها لله، ولم يخشَ إلّا اللهَ. أخبرنا قاضي القضاةِ أبو العباس ابن [صصري] أنهم لمَّا حضروا مجلسَ غازان قُدِّمَ لهم طعامٌ فأكلوا منه إلا ابنَ تيمية فقيل له: لِمَ لا تأكُلُ؟ قال: كيف آكلُ من طعامكم وكلُّه ممَّا نَهَبتُم من أغنامِ الناس، وطَبختُموه مما

стр. 810

قطعتم من أشجار الناس. ثمَّ إن غازان طلبَ منه الدعاءَ، فقال: اللهمّ إن كنتَ تَعلمُ أنه إنما يقاتل لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا وجهادًا في سبيلك فان تؤيده وتنصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فان تفعل به وتصنع، يدعو عليه وغازان يؤمن على دعائه ونحن نجمع ثيابنا خوفًا أن يُقتل فيطرطش بدمه. ثم لما خرجنا قلنا له: كدتَ تهلكنا معك ونحن ما نصحبك من هنا، قال: ولا أنا أصحبكم، فانطلقنا عُصبةً، وتأخر في خاصة من معه، تسامعت الخوانين والأمراء، فأتوه من كل فج عميق، وصاروا يتلاحقون به ليتبركوا برؤيته، فأما هو فما وصل إلا في نحو ثلثمائة فارس في ركابه، أما نحن فخرج علينا جماعة، فسلحونا. وكان قاضي القضاة أبو عبد الله الحريري يقول: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن هو؟ ! ثم بعد ذلك تمكن ابن تيمية ﵁ في الشام حتى صار يَحلِق الرؤوس ويضرب الحدود ويأمر بالقطع والقتل. ثم ظهر الشيخ نصر المنبجي واستولى على أرباب الدولة بالقاهرة، وشاع أمره وانتشر، فقيل لابن تيمية ﵁: إن نصرًا اتّحادي، وإنَّه ينصر مذهب ابن عربي وابن سبعين، فكتب إليه نحو ثلاثمائه سطر يُنكر عليه، فتكلم نصر المنبجي مع قضاة مصر في أمره، وقال: هذا مبتدع، وأخاف على الناس شرَّه، فحسَّنَ القضاةُ للأمراء طلبَه إلى القاهرة، وأن يُعقد له مجلس، [فعُقد له مجلس] بدمشق، فلم يرضَ نصر المنبجي وقال لابن مخلوف: قل للأمراء: إن هذا يُخشَى على الدولة منه، كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب فطُلِبَ من الأفرم نائب دمشق، فعُقِد له مجلس ثانٍ وثالث، بسبب العقيدة الحموية، ثم

стр. 811

سكنت القضية إلى أيام الجاشنكير، فأوهمه الشيخ أن ابن تيمية يُخرِجهم من الملك ويُقيم غيرَهم، فطُلِب إلى مصر، فتمانع نائب الشام، وقال: قد عُقِد له مجلسان بحضرتي وحضره القضاة والفقهاء، وما ظهر عليه شيء، فقال الرسول لنائب دمشق: أنا ناصح لك، وقد قيل إنه يجمع الناسَ عليك، وعقد لهم بيعة، فجزع من ذلك، وأرسله إل القاهرة في سنة خمس، وكتب معه كتابًا إلى السلطان، وكُتِب معه محضر فيه خطوط جماعة من القضاة وكبار الصلحاء والعلماء بصورة ما جرى في المجلسين، وأنه لم يثبت فيهما عليه شيء، ولا مُنِع من الإفتاء، فما التفت إلى شيء من ذلك، وسُجِن بالإسكندرية مدةً، ثم عاد إلى دمشق. وحُكِي من شجاعته في مواقف الحرب نوبة شقحب ونوبة كسروان ما لم يُسمع إلا عن صناديد الرجال وأبطالِ القتال وأحلاسِ الحرب، تارةً يباشر القتال، وتارةً يُحرِّض عليه. ولما جاء السلطان إلى شقحب لاقاه إلى قرن الحرَّة، وجعل يشجِّعه ويُثبِّته، فلما رأى السلطان كثرة التتار قال: يا لخالد بن الوليد، فقال له: لا تقل هذا، وقل يا الله، واستغثْ بالله ربَّك، ووحِّدْه وحدَه تُنْصر، وقل: يا مالكَ يوم الدِّين إياك نعبد وإياك نستعين. ثم ما زال يُقبل تارةً على الخليفة وتارةً إلى السلطان يُهدّئُهما ويَربِط جأشهما حتى جاءَ نصرُ الله والفتح. وحُكي أنه قال للسلطان: اثبُتْ فإنك منصور، فقال له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، فكان كما قال. قال الشيخ المقرئ عبد الله بن أحمد بن سعيد: مرضتُ بدمشق مرضًا شديدًا، فجاءني ابن تيمية ﵁، وجلس عند رأسي وأنا مُثقَل بالحمَّى

стр. 812

والمرض، فدعا لي، ثم قال: جاءت العافية، فما كان إلا أن قام وفارقني، وإذا بالعافية قد جاءت، وشُفِيتُ لوقتي. وكان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يُحصى، فيُنفقه جميعه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجةٍ له، وكان يعود المرضى، ويُشيّع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألَّف قلوب الناس، ولا ينسب إلى باحثٍ لديه مذهبًا، ولا يحفظ لمتكلم عنده زلَّةً، ولا يشتهي طعامًا، ولا يمتنع من شيء منه، يأكل مما حضر، لا يتكدَّرُ صفوه، ولا يسأمُ عفوُه. وآخر أمره أنه تكلَّم في مسألتي الزيارة والطلاق، فأُخِذ وسُجِن في قلعةِ دمشق في قاعة، فتوفي بها وصُلِّي عليه بالقلعة، ثم حُمِل على أصابع الرجال إلى جامع دمشق ضَحوةَ النهار، وصُلّي عليه، ودُفن بمقبرة الصوفية، وما وصل إلى قبرِه إلا وقت العصر، وخرج الناس من جميع أبواب البلد، وكانوا خلقًا لا يُحصيهم إلا الله تعالى، وحُزِر الرجال بستين ألفًا والنساء خمسة آلاف، وقيل أكثر من ذلك. ورُئِيت له منامات صالحة. ورثاه جماعات من الناس بالشام وبمصر والعراق والحجاز والعرب من آل فضلٍ. هذا ما أورده شهاب الدِّين أحمد بن يحيى بن محمد الكرماني العمري الشافعي المعروف بابن فضل الله الدمشقي في كتابه «مسالك الأبصار في أخبار ملوك الأمصار». ونقلت عن «إتحاف النبلاء المتقين بإحْياء مآثر الفقهاء والمحدثين» للسيد البدر الكامل العلَّامة المعروف بإحياء المعارف إلى يوم القيامة، الفائح عَرْفه بين كل نجد وتهامة، القائم بأعباء الإيمان ثم الاستقامة، المضاهي بالسلف الصالح سيماءً وعلامة، المستمطر ببركاته إذا بخلت

стр. 813

الغمامة، المقدم بفقاهته ونبهاته على أبي يعلى وابن قدامة، سيدنا الآتي ذكره الشريف في الختام حُبًّا وكرامة، طيَّب الله لياليه وأيامه، وأبقاه محروسًا عن الرزايا وحباه ما فيه السلامة. قال الحافظ ابن رجب الدمشقي: مكث الشيخ ـ أي: تقي الدِّين أبو العباس ـ في القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يومًا، ولا يعلم أكثر الناس مرضه، ولم يفجأهم إلا موته. وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنتين عشري ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبراج، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم أعلم به في منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة حتَّى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين التي من شأنها أن تُفْتح أوَّل النهار. وفتح باب القلعة. وكان نائب السلطنة غائبًا عن البلد، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة، فعزاه به وجلس عنده، واجتمع عند الشَّيخ في القلعة خلق كثير من أصحابه، يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن: أنَّه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهيا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].

стр. 814

فشرع حينئذ الشيخان الصالحان: عبد الله بن المحب الصالحي، والزُّرَعيّ الضرير ـ وكان الشَّيخ يحب قراءتهما ـ فابتدءا من سورة الرَّحمن حتَّى ختما القرآن. وخرج الرجال، ودخل النساء من أقارب الشَّيخ، فشاهدوه ثمَّ خرجن، واقتصروا على من يغسله، ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من كبار الصالحين وأهل العلم، كالمزِّي وغيره، ولم يفرغ من غسله حتَّى امتلأت القعلة بالرجال وما حولها إلى الجامع، فصلى عليه بدركات القلعة: الزاهد القدوة محمد بن تمام. وضجَّ الناس حينئذ بالبكاء والثناء، وبالدعاء والترحم. وأخرج الشَّيخ إلى جامع دمشق في الساعة الرابعة أو نحوها. وكان قد امتلأ الجامع وصحنه، والكلاسة، وباب البريد، وباب الساعات إلى اللبادين (١) والفوارة. وكان الجَمْع أعظم من جمع الجمعة، ووضع الشَّيخ في موضع الجنائز، مما يلي المقصورة، والجند يحفظون الجنازة من الزحام، وجلس الناس على غير صفوف، بل مرصوصين، لا يتمكن أحد من الجلوس والسجود إلَّا بكلفة. وكثر الناس كثرة لا توصف. فلما أذن المؤذن للظهر أقيمت الصلاة على السدة، بخلاف العادة، وصلوا الظهر، ثمَّ صلوا على الشَّيخ. وكان الإمام نائب الخطابة علاء الدِّين ابن الخراط لغيبة القزويني بالديار المصرية، ثمَّ ساروا به، والناس في بكاء ودعاء، وتهليل وتأسُّف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين أيضًا. وكان يومًا مشهودًا، لم يعهد بدمشق مثله، ولم يتخلف من

стр. 815

أهل البلد وحواضره إلَّا القليل من الضعفاء والمخدرات، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنازة أهل السنة. فبكى الناس بكاء كثيرًا عند ذلك. وأخرج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرؤوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى. وخرج الناس من أبواب الجامع كلها وهى مزدحمة. ثمَّ من أبواب المدينة كلها، لكن كَانَ المُعْظم من باب الفرج، ومنه خرجت الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل. وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن. ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبد الله بمقابر الصوفية وقت العصر، وحُزِر الرجال بستين ألفًا وأكثر، إلى مائتى ألف، والنساء بخمسة عشر ألفًا، وظهر بذلك قول الإمام أحمد بن حنبل «بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز». وختم له ختمات كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلى زيارة قبره أيامًا كثيرة، ليلًا ونهارًا، ورُئيت له منامات كثيرة صالحة. ورثاه خلق كثير من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة وتأسَّف المسلمون لفقده. ﵁ ورحمه وغفرله. وصُلّي عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتَّى في اليمن والصين. وأخبر المسافرون: أنَّه نودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم جمعة «الصلاة على ترجمان القرآن». وقد أفرد الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي له ترجمة في

стр. 816

مجلَّدة، وكذلك أبو حفص عمر بن علي البزار البغدادي في كراريس. انتهى ما قاله ابن رجب الحافظ مختصرًا. وقال السيد البدر في «الإتحاف»: وكذلك (١) الشيخ مرعي وسماها: «الكواكب الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» وغيره من علماء السنة. وكذلك الإمام الحجة القدوة شمس الدِّين محمد الذهبي، أفرد له ترجمة وسماها «الدرة اليتيمية في السيرة التيمية» قاله ابن الوردي في «تاريخه». وكذلك العلامة صفي الدِّين أحمد البخاري نزيل نابلس سماها «القول الجلي في مناقب ابن تيمية الحنبلي»، وقرظ عليها العلامة مفتي القدس محمد التافلاتي، ومحدث الشام محمد الكزبري الشافعي ــ ﵁ وعنهم وعنا ــ. وقال: ومن مصنفاته في التفسير: قاعدة [في] الاستعاذة. وقاعدة في البسملة [و] الكلام على الجهر بها، وقاعدة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقطعة كبيرة من سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] ثلاث كراريس، وفي قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] كراسين، وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثلاث كراريس، وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] كراسة، آية الكرسي

стр. 817

كراسان، وفي قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ست كراريس، وفي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] عشر كراريس، وغير ذلك من سورة آل عمران، تفسير المائدة مجلد، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] ثلاث كراريس، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] سبع كراريس. سورة يوسف، مجلد كبير. سورة النور، مجلد كبير. سورة [العلق] وأنها أوّل سورة نزلت، مجلد. سورة لم يكن. سورة الكافرون. سورة تبت والمعوّذتين، مجلد. سورة الإخلاص، مجلد. ومن كتب الأصول: الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية، أربع مجلدات. مما أملاه في الجب ردًّا على تأسيس التقديس. شرح أوّل المحصّل، مجلد. شرح بضْعَ عشرةَ مسألة من الأربعين للإمام فخر الدين. تعارض العقل والنقل، أربع مجلدات. جواب ما أورده كمال الدِّين ابن الشريشي، مجلد. الجواب الصحيح، ردًّا على النصارى، أربع مجلدات. منهاج الاستقامة. شرح عقيدة الأصفهاني، مجلد. شرح أوّل كتاب الغَزْنوي في أصول الدين، مجلد. الردّ على المنطق، مجلد. ردّ آخر لطيف. الردّ على الفلاسفة، أربع مجلدات. قاعدة في القضايا الوهمية، قاعدة في قياس ما لا يتناهى، جواب الرسالة الصفدية. جواب في [نقض] قول بعض الفلاسفة: إن معجزات الآنبياء ﵈ قوى نفسانية، مجلد كبير. إثبات المعاد والردّ على ابن سينا. شرح رسالة ابن عبدوس في كلام الإمام أحمد ﵁ في الأصول. ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا والمعجزات والكرامات، مجلدان. قاعدة في الكليات، مجلد لطيف. الرسالة القبرصية. الرسالة إلى أهل طبرستان وجيلان في خلق الروح والنور. الرسالة البعلبكية. الرسالة

стр. 818

الأزهرية. القادرية. البغدادية. أجوبة القرآن والنطق (١). إبطال الكلام النفساني، أبطله من ثمانين وجهًا. جواب مَن حلف بالطلاق الثلاث أن القرآن حرف وصوت. إثبات الصفات والعلو والاستواء، مجلدان. المراكشية. صفات الكمال والضابط [فيها]. جواب في الاستواء وإبطال تأويله بالاستيلاء. جواب مَن قال: لا يمكن الجمع بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه. أجوبة كون العرش والسموات كريَّة وسبب قصد القلوب جهة العلو. جواب كون الشيء في جهة العلو مع كونه ليس بجوهر ولا عرض معقول أو مستحيل. جواب هل الاستواء والنزول حقيقة؟ وهل لازم المذهب مذهب سماه الإربلية. مسألة النزول واختلافه باختلاف وقته وباختلاف البلدان والمطالع، مجلد لطيف. شرح حديث النزول، مجلد كبير. بيان حل إشكال ابن حزم الوارد على الحديث. قاعدة في قرب الرب من عابديه وداعيه، مجلد. الكلام على نقض المرشدة. المسائل الإسكندرانية في الرد على الاتحادية والحلولية. ما تضمنه فصوص الحكم. جواب في لقاء الله. جواب في رؤية النساء ربهنّ في الجنة. الرسالة المدنية في إثبات الصفات النقلية. الهلاوونية. جواب سؤال ورَدَ على لسان ملك التتار، مجلد. قواعد في إثبات [القدر و] الرد على القدرية والجبرية، مجلد. الرد على الرافضة والإمامية على ابن مطهر الحلي الخبيث، أربع مجلدات. جواب في حق إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام لعلة أم لغير علة. شرح حديث «فحَجَّ آدم موسى». تنبيه الرجل الغافل على تمويه المجادل، مجلد. تناسي الشدائد في اختلاف العقائد، مجلد. كتاب الإيمان، مجلد.

стр. 819

شرح حديث جبريل في حديث الإيمان والإسلام، مجلد. عصمة الأنبياء ﵈ فيما يبلغونه. مسألة في العقل والروح. مسألة في المقربين: هل يسألهم منكر ونكير. مسألة هل يعذب الجسد مع الروح في القبر. الرد عى أهل الكسروان، مجلدان. في فضل أبي بكر وعمر ﵄ على غيرهما. قاعدة تفضيل معاوية ﵁. [وقاعدة في] تفضيل صالحي الناس على سائر الأجناس. مختصر في كفر النصيرية. في جواز قتال الرافضة، كراسة. في بقاء الجنة والنار وفي فنائهما [ورد عليه فيها] تقي الدِّين السبكي. ومن كتب أصول الفقه: قاعدة غالبها أقوال الفقهاء، مجلدان. قاعدة كل حمد وذم من الأقوال والأفعال لا يكون إلّا بالكتاب والسنة. شمول النصوص للأحكام، مجلد لطيف. قاعدة في الإجماع وأنه ثلاثة أقسام. جواب في الإجماع والخبر المتواتر. قاعدة في كيفية الاستدراك على الأحكام بالنص والإجماع. في الرد على من قال إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، ثلاث مصنفات. قاعدة فيما يظن من تعارض النص والإجماع. مواخذة على ابن حزم في الإجماع. قاعدة في تقرير القياس. قاعدة في الاجتهاد والتقليد في الأحكام. رفع الملام عن الأئمة الأعلام. قاعدة في الاستحسان. وفي وصف العموم والإلحاق والإطلاق. قاعدة في أن المخطئ في الاجتهاد لا يأثم. هل العامي يجب عليه تقليد مذهب معين. جواب في ترك التقليد. فيمن يقول مذهبي مذهب النبي ﷺ وليس أنا محتاج إلى تقليد الأربعة. جواب من تفقه في مذهب ووجد حديثًا صحيحًا هل يعمل به أو لا. جواب تقليد الحنفيّ الشافعي في [الجمع] للمطر والوتر. الفتح على الإمام في الصلاة. تفضيل قواعد مالك وأهل المدينة. تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل واحد

стр. 820

منهم. قاعدة في تفضيل الإمام أحمد. جواب هل كان النبي ﷺ قبل الرسالة نبيًّا. جواب هل كان النبي ﷺ متعبِّدًا بشرع مَنْ قبله. قواعد أنّ النّهي يقتضي الفساد. ومن كتب الفقه: شرح المحرّر في مذهب أحمد ﵁، ولم يبيض. شرح العمدة لموفق الدين، أربع مجلدات. جواب مسائل وردت من أصفهان. جواب مسائل وردت من الصلت. مسائل من بغداد. مسائل وردت من زرع. مسائل وردت من طرابلس. قاعدة في المياه والمائعات وأحكامها. مسائل وردت من الرحبة. أربعون مسألة [لقبت] الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية. الماردانية. الطرابلسية. قاعدة في حديث القُلتين وعدم رفعه. قواعد في الاستجمار وتطهير الأرض بالشمس والريح. جواز الاستجمار مع وجود الماء. نواقض الوضوء. قواعد في عدم نقضه بلمس النساء. التسمية على الوضوء. خطأ القول بجواز المسح على الخفين. جواز المسح على الخفين المنخرقين والجوربين واللفائف. وفيمن لا يعطي أجرة الحمام. تحريم دخول النساء الحمام بلا مئزر. في الحمام والاغتسال. وذم الوسواس. جواز طواف الحائض. تيسير العبادات لأرباب الضرورات بالتيمم والجمع بين الصلاتين للعذر. كراهية التلفظ بالنية وتحريم الجهر بها. الكلم الطيب في الأذكار. كراهية تقديم بَسط سجادة المصلي قبل مجيئه. في الركعتين اللتين تصليان قبل الجمعة، في الصلاة بعد أذان الجمعة. القنوات في الصبح والوتر [قتل] تارك المباني وكفره. الجمع بين الصلاتين في السفر. [فيما يختلف حكمه بالسفر] والحضر. أهل البدع: هل يصلي خلفهم. صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض. الصلوات المبتدعة. تحريم السماع. تحريم الشبابة.

стр. 821

تحريم اللعب بالشطرنج. تحريم الحشيشة القنبية ووجوب الحد عليها وتنجيسها. النهي عن المشاركة في أعياد النصارى واليهود وإيقاد النيران في الميلاد ونصف شعبان وما يُفعل في عاشوراء من الحبوب. قاعدة في مقدار الكفارة باليمين. وفي أن المطلقة بثلاثة لا تحل إلّا بنكاح زوج ثان. بيان الحلال والحرام في الطلاق. جواب مَن حلف لا يفعل شيئًا على المذاهب الأربعة ثم طلق ثلاثًا في الحيض. الفرق المبين بين الطلاق واليمين. لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف. كتاب التحقيق في الفرق بين الأيمان والتطليق. الطلاق البدعي لا يقع. مسائل الفرق بين الطلاق البدعي والخلع ونحو ذلك. مناسك الحج. في حجة النبي ﷺ . في العمرة المكية. في شهر السلاح بتبوك وشرب السويق بالعقبة وأكل التمر بالروضة وما يلبس المحرم وزيارة الخليل ﵇ عقيب الحج. زيارة البيت المقدس مطلقًا. جبل لبنان كأمثاله من الجبال ليس فيه رجال الغيب ولا أبدال. جميع أيمان المسلمين مكفَّرة. الكتب في أنواع شتى: جمع بعضُ الناس فتاويه بالديار المصرية مدّة مقامه بها سبع سنين في علوم شتى، فجاءت ثلاثين مجلدًا. الكلام على بطلان الفتوة المصطلحة بين العوام، وليس لها أصل متصل بعلي ﵁. كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية. [بطلان] ما يقوله أهل بيت الشيخ عدي. النجوم: هل لها تأثير عند القران والمقابلة، وفي الكسوف: هل يقبل قول المنجمين فيه ورؤية الأهلة، مجلد. تحريم أقسام المعزمين بالعزائم المعجمة وصرع الصحيح وصفة الخواتيم. إبطال الكيميا وتحريمها ولو صحت وراجت. وكتاب السياسة الشرعية. وكتاب التصوف. وكتاب

стр. 822

الاستقامة في مجلدين. وكتاب تلبيس الجهمية في تأسيس كلامهم البدعية. في ست مجلدات. وكتاب المحنة المصرية. في مجلدين. وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. بيان الدليل على بطلان التحليل. الرد على الإخنائي في مسألة الزيارة. طهارة بول ما يؤكل لحمه. الصارم المسلول على منتقص الرسول. كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم. الرد على البكري في مسألة الاستغاثة. التحرير في مسالة حفير. مجلد. في مسألة من القسمة كتبها اعتراضًا على الخويي في حادثة حكم فيها. الفرقان بين الحق والبطلان. هذا ما في «الإتحاف» مع تقديم وتأخير وزيادات قليلة. وذكر ابن فضل الله الدمشقي: وكان أعرف الناس بالتاريخ، وكثير من مصنفاته ما بُيِّضت. وقال الحافظ ابن رجب ﵁: وأما تصانيفه فهي أشهر من أن تُذكر، وأعرف من أن تُنكر. سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار وقد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن لأحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدِّ المعروف منها ولا ذكرها. وقال الصلاح الكتبي: وله أجوبة وسؤالات كان يسأل بها نثرًا فيجيب نظمًا، وليس هذا محل إيراد ذلك، وأشياء لم يصل ذكرها إلينا، ولا أسماؤها علينا. ومن نظمه على لسان الفقراء المجردين: والله ما فقرنا اختيار ... وإنما فقرنا اضطرار

стр. 823

جماعة كلنا كُسالى ... وأكلنا ما له عيار تسمع منا إذا اجتمعنا ... حقيقة كلها فشار ولبعضهم في مرثيته: تقي الدِّين لما مات أضحت ... لك الدنيا تصيح بانتحاب وكنت البحر فوق الأرض تمشي ... فعاد البحر من تحت التراب وقال الفقيه الأديب المؤرخ زين الدِّين عمر بن الوردي في «تاريخه»: قد رثاه جماعة ورثيته أنا بمرثية على حرف الطاء، فشاعت واشتهرت، فطلبها مني الفضلاء والعلماء من البلاد وهي: عثا في عرضه قومٌ سلاطٌ ... لهم من نثر جوهره التقاطُ تقي الدِّين أحمد خيرُ حبرٍ ... خروق المعضلات به تُخاط توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدنيا انبساطُ ولو حضروه حين قضى لألفوا ... ملائكةَ النعيمِ به أحاطوا قضي نحبًا وليس له قرينٌ ... ولا لنظيره لُفَّ القِماط فتًى في علمه أضحى فريدًا ... وحلُّ المشكلات به يُناط وكان إلى التقى يدعو البرايا ... وينهى فِرْقةً فسقوا ولاطوا وكان الجن تَفْرق من سَطَاهُ ... بوعظٍ للقلوب هو السِّياط فيالله ما قد ضمَّ لحدٌ ... وياللهِ ما غطَّى البلاط هم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كُسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط وحَبْسُ الدُّرِّ في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسِّجْن اغتباط

стр. 824

بآل الهامشي له اقتداء ... فقد ذاقوا المَنُون ولم يُواطوا بنو تيميةٍ كانوا فبانوا ... نجوم العلم أدركها انهباط ولكن يا ندامة حابسيه ... فشك الشرك كان به يماط ويا فرح اليهود بما فعلتم ... فإن الضد يعجبه الخباط ألم يك فيكم رجلٌ رشيد ... يرى سَجْن الإمام فيُسْتَشَاط إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباط ولا جاراكم في كسب مالٍ ... ولم يُعهد له بكم اختلاط ففيم سجنتموه وغظتموه ... أما لجزا أذيته اشتراط وسَجْن الشَّيخ لا يرضاه مثلي ... ففيه لِقَدْر مثلكم انحطاط أما والله لولا كتم سري ... وخوف الشر لا نحل الرباط وكنتُ أقولُ ما عندي ولكن ... بأهل العلم ما حَسُن اشتطاط فما أحد إلى الإنصاف يدعو ... وكلّ في هواه له انخراط سيظهر قصدكم يا حابسيه ... وننبئكم إذا نُصِبَ الصِّراط فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا وحلوا واعْقِدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط تمت القصيدة البديعة، الفائقة في تلك الصنيعة. ولا أدري ما حاك مثلها شعراء الإسلام والشريعة! وقد ختمنا ترجمة شيخ الإسلام، على هذه القصيدة البديعة النظام، ومن أراد الاطلاع والكشف التمام على ما قال العلماء الأعلام، في مدائح هذا القدوة الإمام، فليسرِّح الطرف في «إتحاف النبلاء» للسيد البدر الهادي إلى دار السلام، فإنه قضى الوطر عن سرد الأقوال والكلام، ولا يفتي وفي المدينة مالكٌ إمام، فجزى الله

стр. 825

خير الجزاء حيث قطع ببيانه ألْسنة اللئام، الواقعة في حصائد الطعن عليه والملام. هذا والسلام على من سلم المسلمون من لسانه ويده، وفوض الأمر إلى الله الملك العلام، وثلج فؤاده بالذكر الحسن للبررة الكرام. * * * *

стр. 826

التعليقات السنية على الفوائد البهية (١) لعبد الحي اللكنوي (١٣٠٤) هو أبو العباس تقي الدين أحمد بن شهاب الدين عبد الحليم بن مجد الدين عبد السلام بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحرَّاني ثم الدمشقي الحنبلي صاحب منهاج السنة وغيره من التصانيف المبسوطة المفيدة والتآليف النافعة، وُلد سنة ٦٦١ وتحول به أبوه من حران سنة ٦٦٧ فسمع من ابن عبد الدائم والقاسم الأربلي في آخرين وتفقه وتمهر وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف وتوفي محبوسًا في ذي القعدة سنة ٧٢٨ كذا في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للحافظ ابن حجر العسقلاني وفيه كلام طويل في ذكر ما جرى له من المحسن وما وقع به من الفتن وما وصفه به الأئمة الأعلام والمحدثون الكرام فليرجع إليه وقد طالعت من تصانيفه الفتوى الحموية والواسطية وغير ذلك من رسائله ومنهاج السنة وهو أجل تصانيفه رد فيه على منهاج الكرامة للحلي الشيعي لم يصنف في بابه مثله لا قبله ولا بعده. * * * *

стр. 827

العلامة صدِّيق حسن خان القِنَّوْجي (١٣٠٧) - أبْجدُ العُلومِ - التَّاجُ المكلَّل

стр. 828

أبْجَدُ العُلُوم (١) شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العَبَّاس، أحمد بن المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم بن شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني الحنبلي. مولده ــ ﵀ ورحمنا به (٢) ــ بحرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، هاجر والده به وبإخوته إلى الشَّام من جَورْ التتر، وعُني الشَّيخ تقي الدِّين بالحديث، ونسخ جملةً، وتعلّم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، ثمَّ أقبل على الفقه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي، ثمَّ فهمها، وأخذ يتأمَّل كتاب سيبويه حتَّى فهمه، وبرع في النحو، وأقبل على التّفسير إقبالًا كلِّيًّا حتَّى سبق فيه، وأحكم أُصول الفقه، كل هذا وهو ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه وقوة حافظته وإدراكه، ونشأ في تصوُّن تامٍّ، وعفاف وتعبُّد، واقتصاد في الملبس والمأْكل. وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحيّرون منه، وأفتى وله أقل من تسع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف، ومات والده وله إحدى وعشرون سنة، وبعُدَ صيته في العالم فطبَّق ذكره الآفاق وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمَع على كرسي من حفظه

стр. 829

فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكذلك الدرس بتؤدة وصوت جَهْوري فصيح يقول في المجلس أزيد من كراسين، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أَوصال بخط سريع في غاية التعليق والإغلاق. قال الشَّيخ العلَّامة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني عَلَم الشافعية في خطٍّ كَتَبَه في حق ابن تَيْمِيَّة: كَانَ إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم بأن لا يعرفه أحد مثله، وكانت الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء. قال: ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كَانَ من علوم الشرع أو غيرها إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد علي وجهها. انتهى كلامه. وكانت له خبرة تامَّة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الَّذي انفرد به، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى «الكتب السِّتَّة» و «المسند» بحيث يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تَيْمِيَّة فليس بحديث»، ولكن الإحاطة لله غير أنَّه يغترف فيه من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السّواقي. أّمّا التفسير فسلم إليه، وله في استحضار الآيات للاستدلال قوة عجيبة، ولفرط إمامته في التفسير وعظمة اطلاعه بيَّن خطأَّ كثير من أقوال المفسرين، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرّدِّ على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريسِ، وما يبعد أنّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلّدة، وله في غير مسألة مصنَّف مفرد كمسألة التحليل

стр. 830

سماه «بيان الدليل علي إبطال التحليل» مجلد وغيرها. وله مصنف في الرد على ابن مطهر الرافضي الحِلِّي في ثلاث مجلدات كبار سماه «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية». وتصنيف في الرد علي «تأْسيس التقديس» للرازي في سبع مجلدات. وكتاب في الرد علي المنطق، وكتاب في «الموافقة بين المعقول والمنقول» في مجلدين، وقد جمع أصحابه من فتاويه ست مجلدات كبار، وله باع طويل في معرفة مذاهب الصَّحابة والتابعين قلَّ أنْ يتكلَّم في مسألة إلَّا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنّف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة. وله مصنّف سماه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية». وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام». وبقي عدّة سنين لا يُفتي بمذهب معيَّن بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأُمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون، وهابوا وجَسَر هو عليها، حتَّى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق المر الَّذي أدى إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال. وجرى بينه وبينهم حملات حربية ووقعات شامية ومصرية. وكَانَ معظِّمًا لحرمات الله، دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل،

стр. 831

ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يُديمها، وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء والجند والأُمراء والتجار والكبراء، وسائر العامة تحبه، وبشجاعته تُضْرب الأمثال وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، ولقد أقامه الله في نوبة غازان والتقى أعباء الأمر بنفسه واجتمع بالملك مرتين، وبخطلو شاه وبولاي، وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغل. قال القاضي المنشئ شهاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن فضل الله في ترجمته: جلس الشَّيخ إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأُسد في آجامها، وتسقط القلوب دواخل أجسامها، وتجد النار فتورًا في ضَرَمها والسيوف فرقًا في قرمها خوفًا من ذلك السبع المغتال والنمروذ المختال، والأجل الَّذي لا يدفع بحيله محتال فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء. فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن علي دعائه. وكتب ابن الزَّمْلَكاني على بعض تصانيف ابن تَيْمِيَّة هذه الأبيات: ماذا يقولٌ الواصفونَ له ... وصِفاته جلَّت عن الحَصْرِ هو حُجّة لله قاهرةٌ ... هُو بيننا أُعجوبة العصر هو آية في الخَلْق ظاهِرَةٌ ... أنوارها أرْبَتْ على الفَجْر قال القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تَيْمِيَّة رأيت رجلًا كل العلوم بين عينيه يأْخذ ما يريد ويدع ما يريد. وحضر عنده شيخ النحاة أبو حيَّان وقال: ما رأت عيناي مثله. وقال فيه على البديهة أبياتًا منها: قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْر شِرعَتِنَا ... مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ

стр. 832

فأظْهَرَ الحقَّ إذْ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشَّرَّ إذ طارتْ له الشَّرَرُ كُنّا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيءُ فهَا ... أنتَ الإمامُ الذي قَد كان يُنتظر قال ابن الوردي في «تاريخه» بعد ذلك كلّه: هوأّكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أني ما رأيت بعيني مثله ولا رأى هو مثل نفسه في العلم، وكان فيه قلَّة مداراة وعدم تؤدة غالبًا، ولم يكن من رجال الدول ولا يسلك معهم تلك النواميس، وأعان أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا يحتمل عقول أبناء زماننا ولا علومهم، كمسألة: التكفير في الحلف بالطلاق، ومسألة: أنَّ الطلاق بالثلاث لا يقع إلَّا واحدة، وأنَّ الطلاق في الحيض لا يقع. وساس نفسه سياسة عجيبة فحبس مراتٍ بمصر ودمشق والإسكندرية، وارتفع وانخفض واستبد برأْيه وعسى أنْ يكون ذلك كفارة له، وكم وقع في صعب بقوة نفسه وخلصه الله، وله نظم وسط، ولم يتزوج ولا تسرَّى ولا كَانَ له من المعلوم إلَّا شيء قليل، وكان أخوه يقوم بمصالحه، وكان لا يطلب منهم غداء ولا عشاء غالبًا، وما كانت الدنيا منه على بال، وكان يقول في كثير من أحوال المشايخ إنها شيطانية أو نفسانية فينظر في متابعة الشَّيخ الكتاب والسنة فإن كَانَ كذلك فحاله صحيح وكشفه رحماني غالبًا وما هو بالمعصوم، وله في ذلك عدة تصانيف تبلغ مجلدات، من أعجب العجب، وكم عوفي من صرع الجني إنسان بمجرد تهديده للجني، وجَرَت له في ذلك فصول ولم يفعل أكثر من أن يتلوَ آيات ويقول: إن لم تنقطع عن هذا المصروع وإلّا عملنا معك حكم الشرع وإلّا عملنا معك ما يرضي الله ورسوله.

стр. 833

وفي آخر الأمر ظفروا له بمسألة السفر لزيارة قبور النبيين، وأنَّ السفر وشد الرحال لذلك منهي عنه لقوله ﷺ : «لا تُشَد الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد». مع اعترافه بأنَّ الزيارة بلا شد رحل قربة، فشنعوا عليه بها، وكتب فيها جماعة بأنه يلزم من منعه شائبة تنقيص للنبوَّة فيكفر بذلك. وأفتى عدّة بأنه مخطئٌ بذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة وكبرت القضية فأُعيد إلى قاعة بالقلعة فبقي بضعة وعشرين شهرًا، وآل الأمر إلى أن مُنِع من الكتابة والمطالعة، وما تركوا عنده كراسًا ولا دواة، وبقي أشهرًا على ذلك، فأقبل على التلاوة والتهجد والعبادة حتَّى أتاه اليقين، فلم يفجأ الناسَ إلَّا نعيُه وما علموا بمرضه فازدحم الخلق عند باب القلعة وبالجامع زحمة صلاة الجمعة وأرجح، وشيَّعه الخلق من أربعة أبواب البلد، وحمل على الرؤوس، وعاش سبعًا وستين سنة وأشهرًا، وكان أسود الرأْس قليل شيب اللحية ربعة جهوري الصوت أبيض أعْيَن. قلت: تنقَّص مرة بعض النّاس من ابن تَيْمِيَّة عند القاضي ابن الزَّمْلَكاني وهو بحلب وأنا حاضر فقال: ومن يكون مثل الشَّيخ تقي الدِّين في زهده وصبره وشجاعته وكرمه وعلومه، والله لولا تعرضه للسلف لزاحمهم بالمناكب. وهذه نبذة من ترجمة الشَّيخ مختصرة أكثرها من «الدرة اليتيمية في السيرة التيمية» للإمام الحافظ شمس الدِّين محمد الذَّهَبيّ ﵀. قال ابن الوردي: وفيها أي سنة (٧٢٨) ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵁ معتقلًا بقلعة دمشق، وغُسل وكُفن وأُخرج وصلَّى عليه أولًا بالقلعة الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ بجامع دمشق بعد الظهر، [وأُخرج] من باب الفرج، واشتدّ الزحام في سوق الخيل،

стр. 834

وتقدّم عليه في الصلاة هناك أخوه، وألقى الناس عليه مناديلهم وعمائمهم للتبرُّك! وتراصّ الناس تحت نعشه، وحُزِرت النساء بخمسة عشر ألفًا، وأما الرجال فقيل: كانوا مائتي ألف. وكَثُر البكاء عليه، وخُتمت له عدة ختم، وتردد الناس إلى زيارة قبره أيامًا، ورئيت له منامات صالحة ورثاه جماعة. قلت: ورثيته أنا بمرثية على حرف الطاء؛ فشاعت واشتهرت، وطلبها مني الفضلاء والعلماء من البلاد وهي: عَثَا في عِرْضه قومٌ سِلاطٌ ... لهم من نَثْر جَوْهره التقاطُ تقي الدِّين أحمد خيرُ حبْرٍ ... خُروق المعضلاتِ به تُخاطُ توفّي وهو محبوسٌ فَريدٌ ... وليس له إلى الدّنيا انبساطُ ولو حَضَروه حينَ قَضَى لألْفَوا ... ملائكةَ النَّعيمِ به أحاطُوا قضى نحبًا وليس له قَرِينٌ ... ولا لِنَظيره لُفَّ القِمَاطُ فتًى في علمه أضْحى فريدًا ... وحلُّ المشكلاتِ بِه يُناطُ وكان إلى التُّقى يَدْعو البرايا ... وينهى فِرْقةً فسقوا ولاطُوا وكان الجنُّ تَفْرق من سَطَاه ... بوعظٍ للقلوبِ هو السِّياطُ فيالله ما قد ضمَّ لحدٌ ... ويالله ما غطَّى البلاطُ! هم حَسَدوه لمّا لَمْ يَنَالوا ... مناقبه فقد مَكَروا وشاطُوا وكانوا عن طرائقِهِ كُسالى ... ولكنْ في أذاه لهم نَشَاطُ وحَبْسُ الدُّرِّ في الأصداف فخرٌ ... وعند الشّيخ بالسّجن اغْتِباطُ بآلِ الهاشميِّ له اقتداءٌ ... فقد ذاقوا المنُونَ ولم يُواطوا بنو تيميَّة كانوا فبانوا ... نجوم العلم أدركها انهباطُ ولكن يا ندامةَ حَابِسيه ... فشكّ الشِّرك كان به يُمَاطُ

стр. 835

ويا فرح اليهودِ بما فَعَلْتم ... فإن الضدّ يُعْجبه الخباطُ ألم يكُ فيكم رجلٌ رشيدٌ ... يرى سَجْنَ الإمام فَيُستشاطُ إمامٌ لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباطُ ولا جاراكم في كَسْب مالٍ ... ولم يُعْهد له بكم اختلاطُ ففيم سَجَنْتموه وغظتموه ... أمَا لجزا أذيَّته اشتراطُ وسَجْن الشيخ لا يرضاه مثلي ... ففيه لِقَدْر مثلكم انحطاطُ أمَا والله لولا كَتْم سرِّي ... وخوف الشّرِّ لانحلَّ الرِّباطُ وكنتُ أقول ما عندي ولكنْ ... بأهل العلم ما حَسُنَ اشتطاطُ فما أحد إلى الإنْصَافِ يَدْعو ... وكلٌ في هواه له انخراطُ سيظهر قَصْدُكم يا حابسيه ... ونيَّتُكم إذا نُصِبَ الصِّراطُ فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطُوا ما أردتم أن تُعاطُوا وحلّوا واعقدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانْطَوى ذاك البِسَاطُ وكنتُ اجتمعتُ به بدمشق سنة (٧١٥) بمسجده بالقصاعين، وبحثت بين يديه في فقه وتفسير ونحو، فأعجبه كلامي وقبَّل وجهي وإني لأرجو بركة ذلك، وحكى لي عن واقعته المشهورة في جبل كسروان، وسَهِرت عنده ليلة، فرأيت من فتوَّته ومروءَته ومحبَّته لأهل العلم ولا سيما الغرباء منهم أمرًا كثيرًا، وصلَّيت خلفه التراويح في رمضان فرأيت على قراءته خشوعًا، ورأيت على صلاته رِقَّةَ حاشيةٍ تأْخذ بمجامع القلوب. انتهى كلام الإمام زين الدِّين عمر بن الوردي المتوفى بحلب سنة (٧٤٩) رحمه الله تعالى بعبارته. وقد ذكرت لابن تَيْمِيَّة ﵀ ترجمة حافلة بالفارسية في كتابي «إتحاف النبلاء المتقين».

стр. 836

وله قًدِّس سره تراجم كثيرة حسنة اعتنى بجمعها جمع جم من العلماء الفضلاء. منها كتاب «القول الجلي» في ترجمة شيخ الإسلام تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة الحنبلي للسيد صفى الدِّين أحمد الحنفي البخاريّ نزيل نابُلُس ﵀، وهو جزء لطيف، وعليه تقريظ للشيخ العلَّامة محمد التافلاني مفتي الحنفية بالقدس الشريف، وتقريظ للشيخ عبد الرَّحمن الشَّافعي الدِّمشقي الشهير بالكزبري. ومنها كتاب «الكواكب الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة» للشيخ الإمام العلَّامة مرعي. ومنها كتاب «الرّد الوافر على من زعم أَنَّ من سمى ابن تَيْمِيَّة شيخ الإسلام كافر» للشيخ الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن شمس الدِّين أبي بكر بن ناصر الدِّين الشَّافعيّ الدِّمشقي، وعليه تقريظ للحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب «فتح الباري»، وتقريظ لقاضي القضاة صالح بن عمر البلقيني ﵀، وتقريظ للشيخ الإمام عبد الرَّحمن التفهني الحنفي، وتقريظ للشيخ العلَّامة شمس الدِّين محمد بن أحمد البساطي المالكي، وتقريظ للقاضي الفهامة نور الدِّين محمود بن أحمد العيني الحنفي وهذا أطول التقاريظ وهي الَّتي كتبوها في سنة (٨٣٥)، وأيضًا عليه تقريظ للإمام العلَّامة قاضي قضاة الحنابلة بالديار المصرية أبي العّبَّاس أحمد بن نصر الله بن أحمد البغدادي ثمَّ المصري كتبه في سنة (٨٣٦) بصالحية دمشق بدار الحديث الأشرفية، وتقريظ لمحدّث حلب الحافظ الإمام أبي الوفا إبراهيم بن محمد النعيم رضوان بن محمد بن يوسف العقبي المصري

стр. 837

الشافعي، ثمَّ قرظ عليه غيرهم من سائر البلدان كالقاضي سراج الدِّين الحمصي الشَّافعيّ وخلق كثير. وكان قد نبغ شخص في المائة التاسعة يُسمّى علاء الدِّين محمد البخاريّ بدمشق تعصب على الشَّيخ وأفتى بكفره وكفر من سمّاه شيخ الإسلام، فردّ عليه في هذا الكتاب وعدّد من سمّاه شيخ الإسلام من أئمة جميع المذاهب منهم خصومه كالسبكي وغيره، وبعد إتمامه أرسله إلى مصر فقرظ عليه من تقدم ذكرهم. وممن مدح شيخ الإِسلام بقصائد حسنة طويلة الشَّيخ العلَّامة إسحاق ابن أبي بكر التركي المصري الفقيه المحدث نجم الدِّين أبو الفضل أولها: يُعنِّفني في بُغيتي رُتبة العُلى ... جهولٌ أراه راكبًا غيرَ مَرْكبي إلى آخرها وهي نفيسة جدًّا. وهذه التقاريظ المشار إليها كلها بمنزلة (تراجم مفيدة) وهي تُفصح عن علوِّ مكان شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵀ في العلوم والمعلومات. وقد أقرّ بفضله وبلوغه رتبة الاجتهاد من لا يحصى كثرة، منهم الحافظ الذَّهَبيّ، والسيوطي، والسخاوي، والمزي، والحافظ ابن كثير، وابن دقيق العيد، والحافظ فتح الدِّين اليعمري المعروف بابن سيِّد النَّاس، والحافظ عَلَم الدِّين البرزالي وغير هؤلاء، وقد ترجم له الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة»، والعلّامة شهاب الدِّين بن فضل الله العمري في «مسالك الأبصار»، والإمام العلَّامة ابن رجب الحنبلي في «طبقاته»، والعلامة ابن شاكر في «تاريخه»، والإمام العالم الحافظ شمس الدِّين ابن عبد الهادي في «تذكرة

стр. 838

الحافظ» ترجمة حافلة جدًّا، وذكر الشَّيخ الفاضل صلاح الدِّين الكتبي في «فوات الوفيات» من تصانيفه كتبًا جمة لا يسع لها هذا الموضع. وأثنى عليه شيخنا (١) العلَّامة القاضي محمد بن عليّ الشَّوكاني في آخر «شرح الصدور في تحريم رفع القبور» وشهد أيضًا بفضله وعلمه وسعة اطلاعه وكمال ورعه مخالفوه. منهم الشَّيخ كمال الدِّين الزّمْلكاني، والشَّيخ صدر الدِّين بن الوكيل، والشَّيخ أبو الحسن تقي الدِّين السبكي الرّاد عليه في مسئلة الزيارة. وقد ردّ هذا الرّد صاحب كتاب «الصارم المنكي على نحر ابن السبكي». وأجمعُ له إن شاء الله تعالى ترجمة حافلة مستقلة في كتاب مفرز (٢) لذلك، فلنقتصر على هذا المقدار ههنا. * * * *

стр. 839

التَّاج المُكلّل من جَوَاهِر مآثر الطِّراز الآخر والأوَّل (١) شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني الدِّمشقي الحنبلي، تقي الدِّين أبو العّبَّاس. قال الشوكاني في كتاب «شرح الصدور في تحريم رفع القبور»: هو الإمام المحيط بمذاهب سلف هذه الأمة وخلفها، انتهى. وقال ابن فضل الله العمري في «مسالك الأبصار»: هو العلَّامة الحافظ المجتهد الحجة المفسر شيخ الإسلام نادرة العصر علم الزهاد. وقال ابن رجب: هو الإمام الفقيه المجتهد المحدّث المفسر الأصولي. وقال الحافظ شمس الدِّين بن عبد الهادي في «تذكرة الحفاظ»: هو شيخنا الإمام الرباني، إمام الأئمة ومفتي الأمة بحر العلوم سيد الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريد العصر قريع الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام، علامة الزمان، ترجمان القرآن، علم الزهاد أوحد العباد، قامع المبتدعين علامة المجتهدين. وقال في «البدر الطالع»: شيخ الإسلام، إمام الأئمة المجتهد المطلق، ولد سنة (٦٦١). قال ابن حجر في «الدرر»: نظر في الرجال والعلل، وتفقه، وتمهر وتقدم

стр. 840

وصنف، ودرس وأفتى، وفاق الأقران، وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوّة الجنان، والتّوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف، انتهى. وأقول أنا: لا أعلم بعد ابن حزم مثله، وما أظن سمح الزمان ما بين عصري الرجلين بمن يشابههما أو يقاربهما. قال الذَّهَبيّ ما ملخصه: كَانَ يُقْضَى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف واستدل ورجّح، وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه، وما رأيت أسرع انتزاعًا للآيات ــ الدالة على المسألة الَّتى يوردها ــ منه، ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه. كانت السنة نصب عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه، قال: ولعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاث مائة مجلد بل أكثر، وكان قوالًا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان أبيض، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت فصيحًا، سريع القراءة تعتريه حدّة؛ لكن يقهرها بالحلم. قال: ولم أرَ مثله في ابتهاله واستعانته بالله وكثره توجهه إليه، وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية، فإنه كَانَ بشرًا من البشر تعتريه حدة في البحث؛ وغضب وصدمة للخصوم، تزرع له عداوة في النفوس، ولولا ذلك لكان كلمة إجماع، فإنَّ كبارهم خاضعون لعلمه، معترفون بأنه بحر لا ساحل له، وكنز ليس له نظير، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلَّا رسول الله ﷺ . قال الذهبي: ولا كَانَ متلاعبًا بالدين ولا يتفرد بمسائل بالتشهِّي، ولا

стр. 841

يطلق لسانه بما اتفق بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن ويناظر أُسوة مَنْ تقدمه من الأئمة، فله أجر على خطئه، وأجران على إصابته. انتهى. قال الشوكاني: ومع هذا، فقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل، وامتحن مرة بعد أخرى، وحبس حبسًا بعد حبس، وجرت فتن عديدة. والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصر به عن المقدار الَّذي يستحقه بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأوّل عليه. وهذه قاعدة مطَّردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يستنكره المقصِّرون، ويقع له معهم محنة [بعد محنة]. ثمَّ يكون أمره الأعلى وقوله الأوْلى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين. ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره، وهكذا كان حل هذا الامام، فإنه بعد موته عرف النَّاس مقداره، واتفقت الألسن بالثناء عليه إلَّا من لا يعتد به، وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته، انتهى. وقد ترجم له جماعة منهم: شهاب [الدين] بن فضل الله العمري في «مسالك الأبصار» وكتب ترجمة حسنة طويلة عريضة كاملة، ومنهم العلَّامة ابن رجب الحنبلي في «طبقاته» وأثنى عليه ثناءً كثيرًا، ومنهم ابن شاكر صاحب «فوات الوفيات»، ومنهم الشَّيخ مرعي وسماها «الكواكب الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة»، ومنهم الحافظ ابن عبد الهادي ترجم له في مجلد مفرد، ومنهم أبو حفص عمر بن عليّ البزار البغدادي كتب كراريس في ترجمته، ومنهم العلَّامة صفي الدِّين أحمد البخاريّ نزيل نابلس وسماها «القول الجلي»، وقرظ عليه العلَّامة مفتي القدس محمد التافلاتي، ومحدّث

стр. 842

الشَّام محمد الكزبري الشافعي، ومنهم العلَّامة نجم الدِّين أبو الفضل أنشد قصيدة حسنة طويلة في مدحه وثنائه (١). قال ابن رجب ــ رحمه الله تعالى ــ في حقه: شيخ الإسلام وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. عني بالحديث، وسمع «المسند» مرات، والكتب السِّتَّة، و «معُجم الطَّبرانيّ الكبير»، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، وبرع في ذلك وقرأ في العربية، وأقبل على تفسير القرآن الكريم، فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، ونظر في علم الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضًا، وأُمِدَّ بكثرة الكَتْب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبُطْء النسيان، حتَّى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه. وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدِّين الفزاري، وزين الدِّين بن المرحل، وابن المنجَّى، وجماعة، وذكر درسًا عظيمًا في البسملة ــ وهو مشهور بين الناس ــ وعظمه الجماعة الحاضرون، وأثنوا عليه ثناءً كثيرًا. قال الذَهبيّ: وكان الفزاري يبالغ في تعظيمه، وذكر على الكرسي يوم جمعة شيئًا من الصفات، فقام بعض المخالفين، وسعوا في منعه من

стр. 843

الجلوس، فلم يمكنهم ذلك، وقال قاضي القضاة شهاب الدِّين الخويي: أنا على اعتقاد الشَّيخ تقي الدين، فعوتب في ذلك، فقال: لأنه ذهنه صحيح، وموادَّه كثيرة، فهو لا يقول إلَّا الصحيح. وقال الشَّيخ شرف الدِّين المقْدِسِيّ: أنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبي وأخي. ذكر ذلك البرزالي في «تاريخه»، ولم يزل في علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره. وقال الذَّهبيّ: شيخنا وشيخ الإسلام، فريد الزمان علمًا ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرًا إلهيًّا، وكرمًا ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب، ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره. وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها. وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ [ما يحفظه] من الحديث معزوًّا إلى أصوله، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصَّحابة والتابعين، بحيث إنَّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، وأتقن العربية أصولًا وفروعًا، وتعليلًا واختلافًا، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَردَّ عليهم، ونبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأُوذي في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنة المحضة، حتَّى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وَكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، وأحيا به الشَّام، بل الإسلام بعد أن كَاد ينثلم بتثبيت [أولي] الأمر لما أقبل حزب

стр. 844

«التتر» والبغي في خيلائهم، وظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأبَّ النفاق وأبدى صفحته. ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام [وبالطلاق ألف طلقة] (١) أني ما رأيت بعيني مثله، وأنَّه ما رأى مثل نفسه ما حنثت. وقد قرأت بخط الشَّيخ العلامة شيخنا كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم «ابن تَيْمِيَّة»: كَانَ إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم ــ سواء كَانَ من علوم الشرع أوغيرها ــ إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. قال ابن رجب: قلت: وقد عُرض عليه قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئًا من ذلك. أثنى عليه ابن سيد الناس ثناءً بالغًا حسنًا، وكتب الذَّهَبيّ في «تاريخه الكبير» ترجمة مطولة له، قال فيها: لا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجب في استحضاره (٢) واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب السِّتَّة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تَيْمِيَّة فليس بحديث».

стр. 845

قال: فلقد كَانَ عجبًا في معرفة علوم الحديث، ولقد كتب «الحموية» في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وله يد طولى في الكلام على المعارف والأحوال. والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه، ومعوجه وقويمه. وقد ترجم له ابن الزَّمْلَكاني ترجمة عظيمة وأثنى عليه ثناء عظيمًا. ومدحه أبو حيان الأندلسي نظمًا حسنًا. وقال له ابن دقيق العيد عند اجتماعه به وسماعه لكلامه: ما كنت أظن أنَّ الله فيما بقي يخلق مثلك. قال ابن رجب: ومما وجد في كتاب كتبه العلَّامة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذَّهَبيّ في أمره: أما قول سيدي في الشَّيخ فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الَّذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان، انتهى. قلت: وأبو الحسن السبكي ــ هو السبكي الكبير ــ كما صرّح بذلك ابن مفلح في طبقاته، وقد قال بعض السفهاء: إنَّ علمه كَانَ زائدًا على عقله ــ يشير بذلك إلى قلة فهمه، كأنَّ القائل بهذا القول لم يقف على ما أثنى به عليه جمع جم من الأئمة الكبار بالذكاء وقوة الدرك وبلوغه في المعقولات مبلغًا عظيمًا والزهد، فأين هذا يقع من ذاك، ولكن من أعمى الله بصر بصيرته فهو يرى الشمس مظلمة، هذا السبكي عدوه، والراد عليه قد أقر له في كتابه هذا بما أقر، ولنعم ما قيل:
следующие страницы →