بمخرجين﴾ (١٠٤) وإن الله حرم الجنة على الكافرين (١٠٥) وأنهم ﴿لن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (١٠٦) و ﴿أن عذابها كان غراما﴾ [الفرقان: ٦٥] . قال: والجواب أن هذا كله مسلم وأنهم لا يخرجون منها وأنه لا يفتر عنهم العذاب ما دامت باقية وليس محل النزاع إنما محل النزاع لا تفنى النار قال: وهذه النصوص تقضي بخلودهم في النار ما دامت باقية) (١٠٧) هذا جوابه
وأقول: قد عرفت أنه لا يتم هذا الجواب ما لم يؤخذ بأدلة ناهضة على فناء النار ولم يقم دليل على ذلك قال:
(الطريق الثالث (من أدلة القائلين بعدم فناء النار) : أن السنة
стр. 107
المستفيضة أخبرت بخروج من في قلبه أدنى ذرة من إيمان دون الكفار فأحاديث الشفاعة كلها صريحة في خروج الموحدين دون الكافرين قال:
الجواب: أن هذا لا شك فيه وهو إنما يدل (١٠٨) على ما قلناه من خروج الموحدين فيها وهي باقية ويبقى المشركون ما دامت باقية)
وأقول: الجواب ما سلف. ثم قال:
(الطريق الرابعة (للقائلين بعدم فناء النار) : أوقفنا الرسول على ذلك وعلمناه من دينه ضرورة كما علمنا دوام الجنة (١٠٩) . وأجاب بأنه لا ريب أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا هو المعلوم من دينه ضرورة وأما كونها أبدية لا تفنى كالجنة. فمن أين في القرآن والسنة دليل واحد على ذلك؟)
وأقول: الدليل يتوجه على من ادعى الفناء ولم يأت شيخ الإسلام بشيء واحد والأصل هو خلود النار وأبديتها كما دل عليه الكتاب والسنة فلا يحتاج مدعي عدم الفناء إلى دليل آخر بعد هذا الأصل. قال:
(والدليل الخامس (من أدلة القائلين بفناء النار) : أن في عقائد
стр. 108
أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا والقول بفنائها من أقوال أهل البدع. قال:
والجواب: أنه لا ريب أن القول بفنائها قول أهل البدع وأما القول بفناء النار وحدها فقد أوجدناكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف تقولون: إنه من قول أهل البدع؟) (١١٠)
وأقول لأنه يصدق عليه رسم البدع ففي (القاموس) : (البدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما أحدث بعد رسول الله ﷺ َ من الأهواء والأعمال) انتهى
والمعلوم أنه لم يقع في ذلك العصر قول بفناء النار ودخول الكفار جنات تجري من تحتها الأنهار ولا أوجدنا شيخ الإسلام مع تبحره في العلوم وسعة اطلاعه على أقوال السلف والخلف على قول واحد من الصحابة بفناء النار ودخول الكفار الجنات. وإن كان كذلك فالقول به بدعة قطعا. قال (١١١) :
(والدليل السادس (للقائلين بعدم فناء النار) : أن العقل يقضى بخلود
стр. 109
الكفار: ثم قرر وجه الاستدلال بما حاصله أنه مبني على أن المعاد وإثابة النفوس المطيعة وعقوبة النفوس العاصية مما يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع (قال) كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره تعالى على من زعم أنه يخلق خلقه عبثا وأنهم إليه لا يرجعون وأنه يتركهم سدى لا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن ذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه ينسبه إلى ما لا يليق ثم قرره تقريرا آخر. وأجاب عنه بقوله:
وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق ثم أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا وأما تفصيلا فلا يعلم إلا بالسمع وقد دل السمع على دوام ثواب المطيعين وأما عقاب العصاة فدل دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهو من معترك النزال فمن كان السمع في جانبه فهو أعلم بالصواب) (١١٢)
قلت: وهو تحقيق حسن إلا أني لا أدري من الذين قالوا أن العقل حكم بخلود العصاة في النار فإن أشد الناس بهم الوعيدية والمعتزلة إلا القليل وأكثرهم قائلون بأن العقل يقضي بحسن العفو
(١) الحادي (٢ / ١٨٨ - ١٨٩)
стр. 110
عن الكفار لولا ورود السمع بان الله لا يغفر أن يشرك به
هذا وقد انتهت المناظرة التي ساقها ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام بين الفريقين. ومن له نباهة وهو من أولي الألباب لا يخفى عليه بعدما قررناه وجه الصواب
ثم ساق شيخ الإسلام من الأدلة على مدعاه فقال مستدلا:
(إن الله خلق عباده على الفطرة وخلقهم حنفاء فلو خلوا وفطرهم لما نشئوا إلا على التوحيد. (قال) : والأشقياء غيروا الفطرة إلى ضدها واستمروا على ذلك التغيير ولم تغن عنهم الآيات والنذر في هذه الدار فأتاح الله لهم آيات أخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا يستخرج الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار فإذا زال موجب العقاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له) (١١٣) . وأراد (بمقتضى الرحمة) الميثاق الذي أخذ عليهم بالإيمان وهم في عالم الذر (١١٤)
وأقول: لا شك أنه يدخل النار من كفار الجن والشياطين أمم لا
стр. 111
يحصون بل ربما يدعى أنهم أكثر من كفار بني آدم وما ذكره شيخ الإسلام من عود أهل النار بعد زوال خبيث الكفر إلى الفطرة والإقرار الذي كان في عالم الذر إن ساعدناه عليه ثم له في من أقر في عالم الذر بالربوبية من بني آدم لا غير ودعواه فناء النار وأن سكانها وأهلها يدخلون الجنة وهو حكم عام لكل من دخل النار والدليل خاص ببعض بني آدم وإنما قلناه: (إن ساعدناه) لأنه قد ثبت في الأحاديث أن الكفار لم تشملهم الفطرة. والإقرار بالربوبية في عالم الذر [لم يكن] إلا كرها فليس لهم حظ من فطرة الله التي فطر الناس عليها كما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ َ:
(يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما في الأرض أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي) (١١٥) والتعقيب بالفاء يشعر بأن الإباء كان عند أخذ الميثاق عليه وهو في ظهر أبيه [أن] لا يشرك في الدنيا ويوضح ذلك ما أخرج ابن عبد البر في (التمهيد) من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية: أن الله مسح صفحة ظهر آدم فأخرج فيها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر ومسح صفحة
стр. 112
ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذر فذلك قوله: ﴿أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] و ﴿أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال﴾ [الواقعة: ٤١] ثم أخذ الميثاق فقال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأعطاها طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية (إلى أن قال: وذلك قوله تعالى: ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها﴾ [آل عمران: ٨٣] وهذا المعنى كثير في الأحاديث ومنه حديث الغلام الذي قتله الخضر أخرج مسلم وأبو داود والترمذي (١١٦) وعبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) وابن مردويه عن [أبي] بن كعب عنه ﷺ َ قال: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا) (١١٧) وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس مثله (١١٨) . نعم أحاديث كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما (١١٩) وتفسير الفطرة بالدين منصوص عليه فلا
стр. 113
بد من الجمع بين الأحاديث بتخصيص أحاديث الفطرة ونحوها وهي أحاديث كثيرة من الجانبين وهي كلها في بني آدم ثم لك أن تجمع بين أحاديث عموم الفطرة وحديث أنس الذي عند أحمد والشيخين الذي أسلفناه بأن نقول: الكل على الفطرة أي فطرة الإقرار بالتوحيد من أقر تقية كرها ومن أقر طوعا حقيقة كذلك فيتم العموم ثم إن المقرين تقية اجتالتهم الشياطين كما في لفظ الحديث (١٢٠) وهودهم الآباء ونصروهم ومجسوهم واقتادوهم وانقادوا لهم وللشياطين لما في طبائعهم الخبيثة من أول وهلة حين أقروا تقية تجتمع الأحاديث والله أعلم
ثم قال شيخ الإسلام:
(فإذا أخذت النار مأخذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فإن العذاب لم يكن سدا وإنما كان لحكمة مطلوبة فإذا
стр. 114
حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يطلب) (١٢١)
وأقول لم يقم شيخ الإسلام دليلا على أن الحكمة المطلوبة لله في تعذيب الكفار هي زوال النجاسة الكفرية وخبثه الذي لا يزول إلا بعذاب النار وإنما قال ذلك تظننا منه وتحسبا تفرع عن اعتقاده فناء النار وقد أورد على نفسه سؤالا فقال:
(إن قيل: سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان عارضا كمعاصي الموحدين أما ما كان لازما كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب وقد أشار الله تعالى إلى ذلك فقال: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام ٢٨] إخبارا بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقبل (١٢٢) غير الشرك وإنها غير قابلة للإيمان أصلا قال [تعالى] : ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] فأخبر أن ضلالهم عن الهدى دائم لا يزول
стр. 115
مع معاينتهم الحقائق التي أخبرت بها الرسل وقال: ﴿لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٣] فهذا يدلك على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع [عليهم] أثر وهو يدل على أنه لا خير فيهم هنالك أيضا) (١٢٣)
وأجاب بقوله: (لعمر الله إن هذا أقوى ما يتمسك به في هذه المسألة ولكن هل هذا الكفر والخبث والتكذيب أمر ذاتي [لهم] زواله مستحيل أم هو أمر عارض طارئ على الفطرة قابل للزوال؟ وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي قد أخبر الله أنه فطر عباده على الحنفية وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم على الكفر والتكذيب وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده (١٢٤) وإذا كان هذا الحق الذي فطروا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك كان زوال الكفر والشرك بضده أولى وأحرى ولا ريب [أنهم] لو ردوا على تلك الحال لعادوا لما نهوا عنه لكن من أين لكم أن تلك الحال لا تزول ولا تبدل بنشأة أخرى ينشؤهم عليها ﵎ (١٢٥)
стр. 116
أقول: قد دار جواب هذا الإيراد والذي أقر أنه من أقوى ما يتمسك به المخالف على أن الكفار مخلوقون على الفطرة أي فطرة الدين الحنيف وهو التوحيد وقد سمعت من حديث ابن عباس وابن مسعود وغيرهم أنها لم تشملهم الفطرة ولا وقع منهم الإقرار بالوحدانية في عالم الذر إلا تقية
ثم هب أن الفطرة شاملة لبني آدم كما قال تعالى: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٩] والفطرة إنما هي للناس كما في الآية والحديث: (إنهم خلقوا حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (١٢٦) . فإن ساعدناه على أن الناس مفطورون على التوحيد فيما يصنع بالجن والشياطين وهم من جملة من تفنى عنهم النار ويدخلون الجنة؟ أيزعم أنهم مفطورون على التوحيد مخلوقون حنفاء؟ فمن اجتالهم فإنهم هم الذين اجتالوا العباد. فهذا وارد على عمومهم الفطرة مع التسليم والمماشاة. وأما قوله: (فمن أين لكم أنه لا يزول) ؟
قلنا: من إخبار الله في الآيات التي ساقها في صدر السؤال ولعدم الدليل على زوال ما كانوا عليه. وكفى دليلا (١٢٧) على عدم زوال نجاسة الكفر وخبث الشرك ودرن التكذيب بالنار قوله تعالى:
стр. 117
﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ إلا أنه قال شيخ الإسلام:
(إن هذا الإخبار منه تعالى عنهم قبل دخولهم النار فإنه تعالى قال: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب … ﴾ إلى قوله: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ (١٢٨)
أي لو ردوا من شفير جهنم قبل دخولها لعادوا لما نهوا عنه من التكذيب والكفر وذلك لازم لهم لم يزل عنهم خبث الشرك فإنه لا يزول إلا بدخول النار
قلت: قد حكى الله عنهم أنهم يقولون وهم بين أطباقها يصلونها: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وأنه يقول في جوابهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فلم يجبهم تعالى وقد ذاقوا العذاب واعترفوا بالظلم إلا بقوله: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ ولم يقل ابقوا حتى تطهروا من خبث الكفر ولعل شيخ الإسلام يقول لم يكن عند هذا الاعتراف قد طهرت تلك النفوس من خبث الشرك
وجوابه: أن هذه الدعوى [من] العنت وتقريره أن زوال خبث الشرك والكفر بالنار من عيب تفرع عن دعوى الفناء للنار والأصل بقاؤه ما لم يقم عليه دليل كما عرفت
стр. 118
ثم استدل على ذلك المدعى بأحاديث الشفاعة الثابتة في (الصحيحين) وغيرها وفيها (أن الله يقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط) قال:
فهذا يدل على إخراج قوم لم يكن في قلوبهم خير قط كما يدل له السياق فإن لفظ الحديث هكذا: (أخرجوا من في قلبه مثقال ذرة من خير فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله: شفعت الملائكة وشفعت النبيون وشفعت المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة … ) الحديث (١٢٩) قال:
(فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة)
стр. 119
أقول: الحديث ليس من محل النزاع فإنه في إخراج أقوام من النار وهي باقية وقد قرر شيخ الإسلام فيما سلف أنه لا يخرج منها الكفار وهي باقية وإن كان إنما استدل به عليه بعموم الرحمة
ثم يقال: الحديث دل على أن الملائكة أخرجت من علمت في قلبه مثقال ذرة من خير ولا دليل أنهم يعلمون كل من في قلبه مثقال ذرة من خير فإنهم لا يعلمون من أحوال القلوب إلا ما أعلمهم الله كما قال تعالى: ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١٢] فهم يعلمون أفعالنا لا ما انطوت عليه قلوبنا ولهذا وردت الأحاديث أنهم يصعدون بالعمل يرونه حسنا ويرد فيقول الله أن فاعله أراد به كذا وكذا أي من الرياء ونحوه فأخرج البزار والطبراني في (الأوسط) والدارقطني والأصبهاني في (الترغيب والترهيب) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ َ: (يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة فتنتصب بين يدي الله فيقول: ألقوا هذه واقبلوا هذه. فتقول الملائكة وعزتك ما كتبنا إلا ما عمل. فيقول الله أن هذا كان لغير وجهي وأنا لا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به وجهي) (١٣٠)
стр. 120
وهذا الحديث فيه الإخبار بأن الملائكة قالت: (لم نذر فيها خيرا) أي: أحدا فيه خير والمراد ما علموه بإعلام الله. ويجوز أن يقال لم يعلمهم بكل من في قلبه خير وأنه بقي من أخرجهم بقبضته ويدل له أن لفظ الحديث (أنه أخرج بالقبضة من لم يعملوا خيرا قط) فنفى العمل ولم ينف الاعتقاد وفي حديث الشفاعة تصريح بإخراج قوم لم يعملوا خيرا قط ويفيد مفهومه أن في قلوبهم خيرا. ثم سياق الحديث يدل على أنه أريد بهم أهل التوحيد لأنه تعالى ذكر الشفاعة للملائكة والأنبياء والمؤمنين ومعلوم أن هؤلاء يشفعون بعصاة أهل التوحيد. فإنه لا يقول ابن تيمية ولا غيره أنه يشفع للكفار بقرائن القبض التي قبضها الرب في عصاة الموحدين والأليق بالسياق أنها أيضا فيهم (١٣١) وقد أخرج البيهقي في
стр. 121
الشفاعة (١٣٢) من حديث جابر مرفوعا وفيه: (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فاخرجوا (إلى أن قال) ثم يقول الله تعالى: الآن أخرجوا بعلمي وحلمي فيخرج أضعاف ما أخرجوا وأضعافه) . فقوله تعالى: (بعلمي) يدل على أنه علم قوما في قلوبهم الخير لم تعلمهم الملائكة. وهب أنا ساعدناه وأن تعالى أخرج قوما من الكفار من النار أين هذا من محل النزاع وهو فناء النار وإدخال من كان فيها من الكفار الجنة؟
ثم قال شيخ الإسلام مستدلا أيضا:
(إن العبد إذا اعترف بذنوبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه والحمد والرحمة والكمال المطلق لربه وفي كل وقت يستعطف ربه ويستدعي رحمته وإذا أراد الله أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه لا سيما إذا اقترن بذلك عزم العبد على ترك المعاودة وعلم الله ذلك من داخل قلبه وسويدائه فإنه لا يختلف عن الرحمة فإذا علمت تلك النفوس الخبيثة أن العذاب أولى لها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فقد ذابت تلك الخبائث وتلاشت وتبدلت وبذل وانكسار وثناء على رب العالمين ﵎ لم يكن في حكمته أن يستمر العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها
стр. 122
بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها) (١٣٣)
وأقول: قال الله تعالى مخبرا عن المشركين واعترافهم المذكور: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠ و١١] فهذا نص في اعترافهم الاعتراف الحقيقي فإنه لا يطلق تعالى على ما ليس باعتراف أنه اعتراف ثم قال: ﴿فسحقا لأصحاب السعير﴾ أي: بعدا لهم عن الرحمة والإغاثة والغفران فهذا نص في وجه هذا القول الذي قاله تظننا. وقال تعالى لما قالوا وهم في دركات النار: ﴿أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فاعترفوا بظلمهم وأخبروا عن عزيمتهم أنهم لا يعودون أي إن عدنا إلى ما كنا فيه من الكفر والتكذيب كما يفيده لفظ العود ولم يجب عليهم تعالى إلا بقوله: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]
وأخرج الترمذي (١٣٤) والبيهقي من حديث أبي الدرداء مرفوعا وفيه: (أن أهل النار ينادون خزنة جهنم ثم يدعون مالكا ثم يقولون
стр. 123
ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم فيقولون: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٦ و١٠٧] فيجيب عليهم الرب: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . (فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك أخذوا في الزفير والشهيق والويل)
ثم يقال: وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ في آيتين من سورة (النساء) [٤٨ ١١٦] وهو غير مقيد بزمان ولا حال فيجب الوقوف والتسليم في هذا المقام والاعتراف بالعجز عن إدراك حكمة الحكيم العلام فكيف يقول شيخ الإسلام لم يكن في حكمته أن يستمر بها العذاب؟ وأين للعقول الاطلاع على أسرار حكمته وكيف لها
стр. 124
الوصول إلى معرفة عجائب ملكوته وجبروته
ثم أخذ شيخ الإسلام يستدل بأحاديث (آخر الناس خروجا من النار) وأحاديث (أدنى الناس منزلة في الجنة) وهي أحاديث واضحة في عصاة الموحدين ولا حاجة إلى سردها فهي معروفة في محالها (١٣٥)
ثم قال مستدلا على مدعاه: أنه تعالى يخبر عن العذاب أنه ﴿عذاب يوم عقيم﴾ و ﴿وعذاب يوم عظيم﴾ و ﴿عذاب يوم أليم﴾ [الزخرف: ٦٥] ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد (١٣٦)
وأقول: ورد ﴿عذاب يوم عظيم﴾ في قصة صالح في قوله لقومه: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم﴾ [الشعراء: ١٥٦] والمراد به اليوم الذي أخذهم فيه العذاب بالدنيا وهو العقاب
ومن قول شيخ الإسلام في فصل له في إثبات حكمة أحكم الحاكمين وأن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين يقرون بها لله في خلقه وأمره قال: (لكن قد يعرف أحدهم وقد لا يعرفها ويقرون بما جعله من الأسباب وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده … وأن كل ما وقع من خلفه وأمره فعدل وحكمة سواء عرف العبد ذلك أو لم يعرفه) . انظر (مجموع الفتاوى) (١٧ / ١٩٨ - ٢٠٥)
стр. 125
القريب الذي أوعدهم به في قوله: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب﴾ [هود: ٦٤] (١٣٧) قال تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا﴾ إلى قوله: ﴿ومن خزي يومئذ﴾ [هود: ٦٦] أي: يوم أخذهم العذاب العظيم القريب فهو يوم من أيام الدنيا. وورد ﴿عذاب يوم عظيم﴾ في قصة شعيب: ﴿فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم﴾ [الشعراء: ١٨٩] وورد ﴿عذاب يوم عقيم﴾ في قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه … .﴾ الآية إلى قوله: ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ [الحج: ٥٥] وفسر بيوم بدر كما أخرجه ابن مردويه والضياء في (المختارة) عن ابن عباس وأخرجه أيضا ابن مردويه عن أبي بن كعب. وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة. فهذه كلها من أيام الدنيا وهب أنه ورد ذلك في صفة عذاب الآخرة فإنه قد ثبت بنص القرآن أنهم لابثون فيها أحقابا والحقب - كما ذكره ابن تيمية في هذه المسألة - خمسون ألف سنة قال: أخرجه الطبراني من
стр. 126
حديث أبي أمامة مرفوعا (١٣٨) . والأحقاب جمع (١٣٩) وأقله ثلاثة يعني (١٤٠) مائة ألف سنة وخمسين ألف سنة
هذا وقد ورد في أهل الجنة ﴿أن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهين﴾ [يس: ٥٥] وهذا تقييد لنعيمهم وكونهم فاكهين والفاكه المتنعم المتلذذ ومعلوم أنهم في شغل فاكهون أبد الآباد وقال تعالى: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ [الزخرف: ٦٨] فإن قيل أراد به مبدء زوال الخوف والحزن
قلنا كذلك ﴿عذاب يوم﴾ أريد به مبدأه وحينئذ فلا دليل بالتقييد مطلق الزمان فمن أيام الآخرة ليس لها قيد به من نعيم ولا عذاب (١٤٠) . بل أريد به مطلق الزمان فإن أيام الآخرة ليس لها مقدار فمتى [أطلق اليوم] أطلقه على مطلق المدة ﴿هذا يوم لا
стр. 127
ينطقون﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿هذا يوم الفصل﴾ [الصافات: ٢١] ﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ﴿اليوم نختم على أفواههم﴾ [يس: ٦٥]
﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧] ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: ٤] فليس المراد من الجميع اليوم المعروف للمقدار المذكور قطعا ومن إطلاقه على مطلق المدة قوله في قصة عاد: ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ [الشعراء: ١٣٥] ثم يبينه في (الحاقة) بقوله: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ إلى قوله: ﴿ثمانية أيام حسوما﴾ [٦ و٧] . فهذا تفسير لليوم العظيم بأيام وليالي. وبهذا يعلم ضرورة أنه إذا أطلق اليوم في تقييد الأمور الأخروية علم يقينا أنه مطلق الزمان ولا تحديد له ولا تعيين ولا نهاية إلا بدليل. وقد كان أعجبني استدلاله بما ذكر من تقييد عذاب الآخرة باليوم في آيات وعدم تقييد نعيم الجنة ولا في آية فلما حققته وجدته لا شيء نفيا وإثباتا
أما إثباتا فإنه ما ثم دليل على مدعاه وأما نفيا فإنك قد سمعت ما سقناه من تقييد نعيم أهل الجنة فاليوم كما قال الله في الجنة ﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾ [ق: ٣٤] انتهى
стр. 128
وقد انتهى (١٤٢) إلى هنا ما اجلب إليه شيخ الإسلام من خيل الأدلة ورجلها وكثيرها وقلها ودقها وجلها وأجرى فيها قلمه ونشر فيها علمه وأتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل واستنفر كل قبيل وجيل وسردها تلميذه ابن قيم الجوزية وقال في آخرها
هذه نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة ولعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب) (١٤٣)
قلت وقد سقنا أدلته النظرية والأثرية ولم نترك منها إلا ما كان مكررا وتكلمنا على تفصيلها وتجميلها بما هدانا الله إليه وله الحمد من غير عصبية مذهبية ولا متابعة أشعرية ولا معتزلية بل [بما أشهدتنا أنوار الأدلة]
واعلم أن هذه المسألة التي أتى بها شيخ الإسلام هي فرع عن مسألة خلق الأشقياء التي حار فيها أرباب النوى وتحير فيها فرسان الأذكياء وترددت حولها أذهان الفطانا وتفرع عنها أقوال اقشعرت منها جلود الأمة الفضلاء
فطائفة أوهم الجهل بذلك إلى الإقدام على نفي حكمة الله في أقواله وهم غلاة الأشعرية وأخطأوا في ذلك ورد عليهم الأئمة الأعلام من أهل مذهبهم وغيرهم من علماء الأنام وآخر من بين ما
стр. 129
في كلامهم من الاختلال وما في نفيهم الحكمة من الداء العضال المحقق العلامة نزيل حرم الله صالح بن مهدي المقبلي في كتابه (العلم الشامخ) ولواحقه (١٤٤) وفي أبحاثه المسددة ونقلت كلامه ورددت عليه في (إيقاظ الفكرة) وطائفة أقدموا على أن الله ليس بقادر على هداية الكافر لأنه خلق على هيئة لا يقبل اللطف معهما وهم غلاة المعتزلة
وقد رد عليهم الأئمة من أهل التحقيق وأبانوا أنه قول بالقبول غير حقيق وأن فيه من الشناعة والبشاعة ما لا يليق وأما ابن تيمية ومن تابعه فأثبتوا الحكمة وعموم قدرة الله على كل شيء وقال: بما سمعت من فناء النار وأنه تعالى خلق الأشقياء ليتفضل عليهم بعفوه ورحمته ولقد أصاب بإثبات الأمرين الذين نفاهما غيره ولكنه غير وجه الحكم وحكم بفناء النار ولم ينهض له دليل على ذلك كما عرفته
وقد أشار السيد العلامة الكبير محمد بن إبراهيم الوزير إلى هذه الثلاثة الأقوال وإلى ما تفرع عليها من الدعاوى في إثبات الإجادة في الإرادة حيث قال:
стр. 130
ولما أتى ذكر الخلود بناره على جوده في ذكره والجوازم
تعاظم شأن الخلد في النار كل من تفكر في أسماء رب العوالم (١٤٥)
يشير إلى ما قاله ابن تيمية من:
(أن صفاته تعالى من الرضا والرحمة صفتان ذاتيتان) (١٤٦) . فلا منتهى لرضاه وأن سخطه وعذابه ليسا من صفات ذاته التي يستحيل انعكافه عنها كعلمه وحياته والعفو أحب إليه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والرضى أحب إليه من الغضب والفضل أحب إليه من العدل ثم إن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره وكرمه ولذلك يضيف ما ذكر إلى نفسه وأما العذاب والعقاب فإنهما من مخلوقاته ولذلك لا يسمى بالمعذب والمعاقب بل يفرق بينهما فيجعل هذا من أوصافه وهذا من مفعولاته من الآية الواحدة كقوله تعالى: ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ [الحجر: ٤٩ و٥٠] وقال: ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ [الأعراف: ١٦٧] ومثلها في آخر (الأنعام) فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا له في أسمائه وصفاته [وأما الشر وهو العذاب فلا يدخل في أسمائه
стр. 131
وصفاته] وإن دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفني بخلاف الخير فإنه سبحانه دائم المعروف ولا ينقطع معروفه أبدا على الدوام وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لم يزل معاقبا على الدوام غضبان على الدوام فتأمل هذا تأمل فقيه في أسماء الله فإنه يتضح لك باب من أبواب معرفته ومحبته (١٤٧)
ثم أشار السيد محمد إلى ما تفرع من معارضته ما يفيده صفات جوده وفضله وما صرح به من خلود الكفار فأشار إلى الوعيد بقوله:
فمن قائل بالخلد من أجل كثرة ال
وعيد به في المنزلات القواصم
وذلك لأنهم حكموا بعموم الخلود لمن دخل النار من عصاة الموحدين والكفار
والمسألة مبسوطة في علم الكلام وما لها وعليها مما أثاره المحققون الأعلام. وأشار إلى من قال بالتخصيص لآيات الخلود بقوله:
ومن قائل أن الخصوص (١٤٨) مقدم وساعده أسماء أحكم حاكم
стр. 132
فإنه أشار إلى من قال: أن الأحاديث الواردة في سعة رحمة الله وصفاته تعالى من أنه أرحم الراحمين وورود آية الاستثناء تخصص آيات الوعيد: وأراد بهذا البيت ما تشتمل عليه مقالة ابن تيمية إذ هي عائدة إلى القول بتخصيص آيات الوعيد بالخلود. ويبعد فناء النار (١٤٩) كما دل عليه قوله:
وثالثها المنصور يرجى لمسلم ومن عاند الإسلام ليس بسالم
فإنه أراد أن ثالث الأقوال في المسألة التفصيل وهو أن التخصيص من الوعيد يرجى للمسلم ومن عاند الإسلام وهم الكفار فلا يشمله التخصيص من الوعيد وإن قصرت عبارته عن هذا الحكم لعدم مساعدة النظم فهو مراده فجعل الأقوال ثلاثة بقاء الوعيد على عمومه من غير تخصيص عصاة الموحدين والكفار
تخصيص الموحدين لا غير. وهذا هو الذي سبق عن ابن عباس في تفسير آية (هود) ثم قال مشيرا إلى منشأ مقالة كل من القائلين وأن الحاصل له المحافظة على قاعدة تعود إلى تعظيم الله جل وعلا قوله:
فمن قاصد تعظيمه (١٥٠) لو رعى له من الجبروت الحق عز التعاظم
стр. 133
فهذه إشارة إلى الوعيدية وأنهم قصدوا بالقول بالتخليد في النار لكل من دخلها تنزيه الله عن خلف الوعد الذي أفاده قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ [ق: ٢٩] ونحوه وأشار إلى منشأ ما ذهب إليه غلاة نفاة الحكمة بقوله:
ومن قاصد تعظيمه لو رعى له … محامد ممدوح بأحكم حاكم
انتهى والله سبحانه أعلم
وصلى الله على خير خلقه محمد
وآله وصحبه وسلم