فعرفت أن حديث ابن عمرو في الموحدين وقول الحافظ: (لا يدري لمن التفسير) يريد قوله: (يعني من الموحدين) يقال عليه الأصل أنه من كلام ابن عمرو ثم إنه لا بد من حمل كلامه المطلق على هذا التفسير عند ابن تيمية وغيره. ثم هب أنها لم تثبت تلك الزيادة فيه فالحديث المرفوع مقدم عليه وهو حديث أنس
وبعد هذا تعرف أنه لا دليل له في أثر عمرو على أصل المدعى
هذا: وأما أصحاب (الكشاف) (٤٦) فإنه لما كان وعيدي الاعتقاد قائلا: بأنه لا يخرج من النار من دخلها من عصاة الموحدين وأهل الإلحاد سلك في أثر ابن عمرو مسلكا آخر فإنه لما ذكره قال:
(وأقول: [أما كان] (٤٧) لابن عمرو في بغيه بيده ولسانه ومقاتلته بها علي بن أبي طالب ما شغله عن تسيير هذا الحديث) . انتهى
كأنه يشير إلى القدح في أثر ابن عمرو ببغيه على أمير المؤمنين
стр. 72
عليه السلام وقد تعقبه في (الكشف) (٤٨) . فقال: لا يلتفت هذا عن المنصف وإيثاره طريقة قدمام المعزلة من نسبته وضع الحديث إليه تلويحا ونسبة مقاتلته أمير المؤمنين عليا بالنص فإن هذا من جلة الصحابة. انتهى
قلت: أما نسبة الوضع إليه فما (٤٩) يظهر من كلام (الكشاف) (٥٠) نعم البغاة مقبولة روايتهم عند المعتزلة كما عرفت من الأصول
ثم استدل شيخ الإسلام ابن تيمية على مدعاه بما أخرجه ابن مردويه في (تفسيره) من حديث جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ الآية [هود / ١٠٧ - ١٠٨]
стр. 73
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل) (٥١)
وأقول: لا دليل فيه على مدعاه وهو فناء النار وذهابها بل فيه دليل على خلافه لأنه لا ينكر الإخراج من النار ولا يقوله ابن تيمية في حق الكفار. فتعين أنه في عصاة الموحدين وقد سمعت مما نقلناه عن ابن عباس أن الله سمى عصاة الموحدين أشقياء وقد صرح ابن تيمية بهذا هنا فقال بعد سرده للحديث:
(إنما يدل على إخراج بعضهم من النار وهو حق بلا ريب وهو بناء على انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما دامت كذلك
والحديث دل على أمرين: أحدهما أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار فعل فيكون معنى الاستثناء ﴿إلا ما شاء ربك﴾ من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء
стр. 74
نوعين: نوعا يخرجون منها ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين سعدوا فيجتمع لهم السعادة والشقاوة في وقتين) انتهى. (٥٢)
وهو صحيح وفيه إقرار منه على أنه لا دلالة فيه على فناء النار كما ساقه دليلا لذلك. على أنا نقول:
الحديث ليس نصا في الإخراج بل إخبار مقيد بقضية شرطية وهو إن شاء الله أن يخرج أخرج وليس فيه أنه تعالى شاء ذلك بل هو مثل ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة / ١٣]
وسيأتي تحقيق ذلك في الكلام على آية المشيئة إن شاء الله
إذا عرفت هذا كله فهؤلاء الستة من الصحابة الذين زعم أنه نقل عنهم القول بفناء النار أي وبدخول أهلها بعد ذلك ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [التحريم / ٨] . وهم الذين أشار إليهم السيد الإمام محمد بن إبراهيم في (الإيثار) حيث قال (٥٣) :
(وطول في الثاني ابن تيمية فقف (٥٤)
على علمه في كتبه والتراجم
стр. 75
وأسنده عن ستة نص قولهم
أكابر من صحب (٥٥) . النبي الأكارم
وأراد بالثاني حمل الاستثناء في وعيد أهل النار على فنائها وانقطاع عذابها
هذا بيان مراده
ولكنك إذا تحققت ما أسلفناه عرفت أنه لم يتم لابن تيمية ما نسبه إلى الستة المذكورين من القول بفناء النار وانه ليس بنص قولهم كما قال السيد محمد ولعله يريد نص لفظهم وإن لم يدل على مدعى ابن تيمية أو أنه نص عنده فيما ادعاه وإن كان غير صحيح ويرشد إلى أنه أراد ذلك قوله بعد ذلك (٥٦) البيت:
فلا تعتقد إن لم يصح مقالهم وبان ضعيفا ساقطا كفر عالم
ثم قال ابن تيمية مستدلا لفناء النار وانقطاعها أنه قال الله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ إلى قول ﴿كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا﴾ [النبأ / ٢٣ - ٢٨]
وقال: (هذا صريح [في] وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر الأبدي بمدة الأحقاب) (٥٧)
стр. 76
فأفاد مفهوم ﴿الأحقاب﴾ أنه لا خلود فيها إذ الأبدي لا يقدر بزمان. وأما دلالتها على أن المخبر عنهم باللبث (أحقابا) هم الكفار فلقوله فيهم ﴿إنهم كانوا لا يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا﴾
وهذه صفات الكفار
وهذا تقرير مراد شيخ الإسلام
والعجب من استدلاله بصدر الآية وذهوله عما عقب به من قوله ﴿فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ فإن المراد لن نزيدكم بعد لبثكم أحقابا إلا عذابا ضرورة أنهم معذبون حين لبثهم ﴿أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا﴾ فزيادة العذاب بعد الأحقاب بل خص تعالى الزيادة على العذاب وأنه تعالى لا يزيدهم بعد لبث الأحقاب إلا عذابا فانتفى مفهوم العذاب الذي أفاده الجمع الذي جعله ابن تيمية دليلا على فناء النار وعدم أبديتها مع أنه استدلال بمفهوم العدد وهو من أضعف المفاهيم على هذه المسألة المعظمة الذي لا يعتمد عليه محقق وكيف يجعل أقوى من التأييد المصرح به في عدة آيات من آيات وعيد أهل النار (٥٨) فلو عارض مفهوم العدد منطوق التأبيد لكان الحكم للمنطوق اتفاقا
هذا وذكر البغوي أنه قال مقاتل بن حيان: هذه الآية منسوخة
стр. 77
يريد ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ نسختها ﴿فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ [النبأ ٣٠] يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل هذا لفظه
ومراده بالنسخ أن لا حكم لمفهوم العدد وإلا فإنه لا يجري النسخ المصطلح عليه في الأخبار
وقال الحسن: (ليس للأحقاب عدة إلا الخلود) . وذكره عنه البغوي (٥٩)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: (الأحقاب) ما لا انقطاع له كلما مضى حقب جاء بعده حقب
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ قال: ليس فيها أجل كلما مضى حقب دخل في الآخر. وبهذا تعرف رواية ودراية ضعف استدلال شيخ الإسلام على فناء النار وانقطاعها بمفهوم الأحقاب
ثم استدل ابن تيمية على فناء النار وذهابها بقوله تعالى في [سورة الأنعام] ﴿قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك
стр. 78
حكيم عليم﴾ [آية / ١٢٨]
وبقوله تعالى في [سورة هود] ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ [آية / ١٠٧] وقرر كون آية (الأنعام) في المشركين بقوله تعالى في صدرها: ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس﴾ قال: فإن أولياء الجن من الإنس يدخل فيه الكفار قطعا يريد أنه لا يقال الآية في عصاة الموحدين فقط. ثم أبان أن الاستثناء عائد إلى الفريقين: الكفار وعصاة الموحدين والكفار بفناء النار والعصاة بالخروج منها وقرر هذا التقرير في آية الاستثناء في [سورة هود] (٦٠)
وأقول قد اختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أئمة الرواية والدارية في هذا الاستثناء ولنذكر ما وقفنا عليه من ذلك وقد ألم به ابن القيم في هذا الكتاب أعني (حادي الأرواح) وألم به شيخه شيخ الإسلام في كلامه في هذه المسألة وفاتهما بعض ما قيل في الآية قال ابن القيم في (الباب السابع والستين) (٦١) :
(واختلف السلف في هذا الاستثناء فقال معمر عن الضحاك (هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة) فقوله تعالى
стр. 79
﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ إلا مدة مكثهم في النار)
قلت يضعف هذا أن الاستثناء من الخلود يقتضي أن يكون بعد الدخول لا قبله سيما بعد قوله ﴿ففي النار﴾ وقد أشار إلى تضعيف هذا الوجه بما قلناه ابن تيمية في غضون أبحاثه في هذه المسألة قال ابن القيم:
(وقالت فرقة: هو استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله [كما تقول:] والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه)
قلت: هذا الوجه أحد وجهين ذكرهما جار الله في (الكشاف) في آية (الأنعام) فقال:
(أو يكون (يريد الاستثناء) من قوله الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب منه أن ينفس عن خناقه: أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد فيكون قوله (إلا إذا شئت) من أشد الوعيد مع تهكم بالتوعد في خروجه في صورة الاستثناء الذي فيه أطماع انتهى
واختار هذا الوجه صاحب (الإتحاف) (٦٢) (والصفوي) (٦٣)
стр. 80
وهو مروي عن ابن عباس أخرجه البيهقي في (البعث والنشور) (٦٤) فقال قد شاء ربك أن يجعل هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة قلت إلا أنه يختلف صاحب (الكشاف) وصاحب (الإتحاف) في عصاة الموحدين فصاحب (الكشاف) يجعلهم داخلين في الذين شقوا لأن أصله أنهم لا يخرجون من النار وصاحب (الإتحاف) والصفوى يجعلانهم داخلين في الذين سعدوا لقيام الأدلة عندهم بخروجهم من النار
هذا وقد تعقب ابن الخطيب الرازي في (مفتاح الغيب) هذا الوجه فقال:
(وهذا ضعيف لأن قوله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك معناه لأضربنك إلا إن رأيت أن أترك الضرب. وهذا لا يدل على أن هذه الرؤية حصلت أم لا بخلاف قوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ فإن معناه الحكم بخلودهم فيها المدة التي
стр. 81
يشاء ربك فيها فهذا يدل على أن المشيئة قد حصلت جزما فكيف يحسن قياس هذا الكلام وعلى ذلك) انتهى (٦٥)
ولا يخفى أن المشار المفروض واقع على هيأة القطع والجزم كما هو صريح كلام ابن القيم وصاحب (الكشاف) فقول الرازي: وهذا لا يدل على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا خلاف المفروض وقوله: فهذا يدل على أن المشيئة إلخ إن أراد مشيئة الخلود فهو مراد صاحب هذا القول كما يشعر به المثال وينطبق ويتعلق عليه وإن أراد مشيئة عدم الخلود كما هو مقتضى كلامه فمحل النزاع ولا يتم تضعيف كلام الخصم بإيراده كما لا يخفى
ثم قال ابن القيم:
(وقالت طائفة أخرى: العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر منه كان معنى (إلا) في ذلك ومعنى الواو سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة السموات والأرض وهذا قول الفراء. وسيبويه يجعل (إلا) بمعنى (لكن) قالوا: ونظير ذلك أن تقول: لي عليك ألف إلا الألفين اللذين قبلهما أي سوى الألفين. قال ابن جرير: هذا أحد الوجهين إلي لأن الله لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله (عطاء غير مجذوذ) وقالوا نظيره أن تقول أسكنك داري حولا إلا ما شئت. أي سوى ما
стр. 82
شئت أو لكن ما شئت من الزيادة عليه) (٦٦)
وأقول: هذا مبني على أنه أريد بالسموات والأرض سموات الدنيا وأرضها أي مقدار بقاء دار الدنيا فإنه لو أراد سماء الأخرى وأرضها لما تم أن يقال إلا ما شاء الله من الزيادة على مدتهما فإنهما أبديتان لا يتصور عليهما زيادة والظاهر انه أريد من السموات والأرض سموات الآخرة وأرضها لأن آيات التأبيد في الفريقين قاضية بأبدية أرضها وسمواتها إذ لا بد لهم من شيء يقلهما وشيء فوقهما وهو المراد من سموات الآخرة وأرضها ولأن قوله: (ما دامت السموات والأرض) ظاهر في ذلك إذ [أن] أرض الدنيا وسمواتها قد ذهبت ولو أريد لقيل: ما كانت السموات والأرض ثم قال ابن القيم:
وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم خلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ)
وأقول فيه ما سلف في الوجه الأول وهو أن الاستثناء إنما هو بعد دخولهم الجنة. ثم قال ابن القيم:
(وقالت فرقة أخرى: العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلا أن يشاء الله خلاف ذلك إعلام لهم بأنهم مع خلودهم في
стр. 83
مشيئته وهذا كما قال تعالى لنبيه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦] ونظائره يخبر عباده أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) (٦٧)
وأقول: إن كان تقيدا على حقيقة لزم بقاء الخوف في دار النعيم والله يقول: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ [الزخرف: ٦٨] ويقول: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ [الحجر: ٤٦] والإجماع قائم على أن الجنة لا خوف فيها ثم يلزم أن يبقى لأهل النار طمع في الخروج منها وروح بذلك وليس لهم روح ولا فرج وإن أريد الإخبار بأنه لو شاء تعالى عدم خلود الفريقين لكان له في ذلك حكمة. وان المراد من الاستثناء الإعلام للعباد باتساع نطاق حكمه فهذا قد يقال: إنه وجه وجيه
ثم ذكر ابن القيم وجها قاله لابن قتيبة كالوجه الذي نقله عن الفراء ولم ينقله لأنه هو وإنما اختلفت العبارة. ثم قال:
(وقالت طائفة (ما) بمعنى (من) من قبل قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] المعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء والفرق بين هذا القول وأول الأقوال أن الاستثناء على ذلك من المدة. وعلى هذا القول من الأعيان) (٦٨)
стр. 84
وأقول: هذا القول يفتقر إلى تقرير يتضح معه مراد قائله وتقريره: أن الاستثناء من الذين سعدوا قبل الحكم عليهم بقوله (ففي الجنة) فيكون المعنى وأما الذين سعدوا إلا من شاء الله ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض لما تقرر في النحو والأصول: أن إخراج المستثنى من المستثنى منه قبل الحكم عليه بالخبر إلا أنه يلزم على هذا القول أن تكون الأقسام أربعة
قوم سعدوا حكم لهم بالكون في الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وهم الذين استثنى منهم
وقوم سعدوا أيضا لكن لم يبين من الآية حكمهم وهم الذين أفادهم (إلا من شاء الله)
وقوم شقوا محكوم عليهم بالكون في النار خالدين ما دامت السموات والأرض
وقوم شقوا لم يتبين حكمهم كما عرفت
ومعلوم أن الموجود في الواقع ثلاثة أقسام: موحدون وملحدون وعصاة الموحدين. فيكون المراد من الآية على هذا أن قوما دخلوا في السعداء باعتبار أنهم شاركوهم في التوحيد ولكنهم فارقوهم في الكون في الجنة خالدين فيها ودخلوا في الأشقياء باعتبار أنهم قارفوا ما أغضب الله عليهم من المعاصي ولكنهم فارقوا بعدم الكون في النار خالدين
стр. 85
فالقسم الثالث تحته قسمان باعتبار دخولهم تحت (٦٩)
بالسعادة مع الذين سعدوا وبالشقاوة مع الذين شقوا كما عرفت فكانت الأربعة ثلاثة وتكون الآية قد بين فيها حكم الفريقين من الموحدين والملحدين ولم يبين حكم الفريق الثالث منها وقد بينه الله في قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء / ٤٨ و١١٦] فمآل المعنى في الآية: فأما الذين سعدوا سعادة خالصة ففي الجنة خالدين فيها وأما الذين شقوا شقاوة خالصة ففي النار خالدين فيها وأما الذين اخرجوا من الفريقين فباقون تحت مشيئة الله تعالى. وهذا الوجه بعد التقرير لا يخفى حسنه
ثم ذكر أقوالا راجعة إلى ما سلف ثم قال:
(وهذه الأقوال متقاربة قال: ويمكن الجمع بينها بأن يقال: أخبر الله عن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا شاء الله ألا يكونوا فيها وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف القيامة على الصراط وكون بعضهم في النار) (٧٠)
قلت: هذه الإطرفة شيء واحد عائد إلى كونه قبل دخولهم الجنة ولكن يبعده ما مر غير مرة قال فإن الاستثناء من خلود الداخلين وحيث كانوا في عين الجنة لا يفيد ذلك الكون بخالدين
стр. 86
فيها. ثم قال:
(وعلى [كل] تقدير فهذا الأمر من المتشابه وقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ محكم وقوله ﴿أكلها دائم وظلها﴾ ولهذا أكد خلود أهل الجنة في غير موضع من كتابه وأخبر أنهم لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء من قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ تبين لك المراد من الآيتين واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية وكذلك مفارقة الجنة تقدم على خلودهم فيها) انتهى كلامه (٧١)
وأقول: قد أفاد أن الاستثناء من خلود أهل الجنة من المتشابه وأن المحكم أن آية الخلود فيجب برد المتشابه إلى المحكم فالمحكم هو الخلود. وهذا حسن وتخصصه بالاستثناء في أهل الجنة بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ولما علم يقين من أنه لا يخرج من الجنة أحد ممن دخلها وسيأتي لنا أنه يمكن (٧٢) . آخر هذا الوجه في الاستثناء في آية العذاب وأما ابن القيم فإنه فيه (٧٣) ابن تيمية من الاستثناء فيها على
стр. 87
حقيقته وأنه لا خلود في النار لأهلها من الكفار كما عرفته من أدلة دعواه وأما قوله: (إن الاستثناء في الآية كالاستثناء في قوله: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان / ٥٦] فإنها موتة تقدمت على الحياة الأبدية وكذلك مفارقة الجنة تقدم على خلودهم فيها)
فأقول: الفرق بين الآيتين واضح فإن آية الموتة الأولى وقع المستثنى منه فيها من أحوال الدنيا الواقعة فيها المعلوم نقضها ولذا كان أحسن الأقوال في هذه الآية أعني آية ﴿إلا الموتة الأولى﴾ أنه من باب التقييد بالمحال من باب قول شعيب: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ [الأعراف: ٨٩]
إذا الآية سيقت لبيان أن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت أصلا وأنه أمر محال فعلق بالمحال لتمام التبشير بنعمة الحياة الأبدية وآية الخلود المستثنى منه فيها من أحوال الآخرة والكون في الجنة فكيف يقاس ما لم يمض ولم ينقض بما مضى وانقضى على أنه لا يصح لغة تسمية اللبث في الدنيا وفي البرزخ وفي الموقف خلودا حتى يخرج من مدة الخلود
وبعد هذا رأيت فخر الدين الرازي وقد تعقب هذا في مفتاح الغيب فقال بعد نقله لفظه:
(وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار ومن المعلوم أن الخلود
стр. 88
كيفيات من كيفيات الحصول في النار فقبل الحصول في النار يمتنع حصول الخلود وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وإذا لم يحصل المستثنى منه امتنع حصول الاستثناء) . هذا لفظه (٧٤)
فهذه الوجوه التي ذكرها ابن القيم في الاستثناء على آية الخلود مع ما تراه من الأبحاث التي أوردناها في المقام. وقد بقي فيه وجه ذكره جار الله في (الكشاف) في آية (هود) فقال:
(إن الاستثناء هو استثناء من الخلود من نعيم الجنة وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار [وحده بل] (٧٥) يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار وبما أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكثر منها وأجل موقعا وهو رضوان الله كما قال الله: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة [في جنات عدن] ورضوان من الله أكبر﴾ ولهم [ما] يتفضل الله عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو فهو المراد باستثناء) . انتهى
وتعقبه الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب) فقال:
(لو كان كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد
стр. 89
انقضاء مدة السماوات والأرض. والأخبار الصحيحة دالة على أن التنقل من النار وبالعكس يحصل كل يوم مرارا فبطل هذا الوجه) انتهى كلامه (٧٦)
قلت: ولا يخفى ضعف كلامه فإن معنى الآية أن أهل النار في النار خالدين فيها مدة دوام السموات والأرض إلى وقت مشيئة ربك عدم خلودهم فيها فهو إخراج بوقت مشيئة عدم الخلود من القيد بدوام السموات والأرض والإخراج من المقيد إخراج منه ومن قيده بمعنى أن إخراج منه بعد اتصافه بالقيد فالقيد جزء منه ومعناه أن يخرج من النار إليها إلى غيرها مع بقاء السموات والأرض لا بعد انقضاء مدتها
ثم هذا الذي أورده الرازي لازم لما اختاره في الآية كما ستعرفه
هذا وقد اعترض كلام (الكشاف) صاحب (الإتحاف) فقال (٧٧) :
(لا أدري ما حمله على ما لا تقبله العقول في حمل الاستثناءين على الخروج إلى الهموم والغموم في أهل النار وإلى رضوان الله في
стр. 90
أهل الجنة ونحو ذلك مما ذكر والغموم لازم أهل النار ورضوان الله ملازم لأهل الجنة ولأجله دخولها. وكذلك سخط الله لأهل النار وكيف الخروج من الأمور الحسية وهي الجنة والنار إلى المعنوية وهي السخط والرضى وسائر ما ذكرناه مما اشتمل عليه دار العقاب ودار النعيم) . انتهى
ثم جنح إلى حمل الاستثناء في آية (هود) على الوجه الذي حمله عليه صاحب (الكشاف) في آية (الأنعام) وقد سبق ذكره هذا إن لم يحمل كلام صاحب (الكشاف) على ما روي عن ابن مسعود وإن حمل عليه لم يتم إيراد صاحب (الإتحاف) كما أنه لا يرد على صاحب (الكشاف) ما أورده عليه الرازي وكلام (الإتحاف) هذا صحيح إلا قوله: (إن رضوان الله لازم لأهل الجنة ولأجله دخولها) . فإنه قد يقال: أنه أخرج أحمد والشيخان والترمذي والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات) (٧٨) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ َ: (إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا)
стр. 91
وأخرج ابن أبي حاتم عن [أبي] (٧٩) عبد الملك الجهني قال: قال رسول الله ﷺ َ: (رضوان الله على أهل الجنة نعيمهم بما في الجنان) (٨٠)
وهذا دال على أن رضوان الله تعالى هذا متأخر عن دخول أهل الجنة (٨١) . والآية التي ساقها في (الكشاف) دالة على ذلك أيضا فإنه جعل رضوانه تعالى الأكبر قسما للجنات ولعله يقال: إن هذا الرضوان الذي يبشرهم به الرب ويخاطبهم به الموصوف بأنه لا يسخط بعده أبدا. متأخر وهو المراد من الآية والحديثين ومجرد الرضى حاصل لهم من أول الأمر كما يدل له قوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ [الفجر: ٢٧ ٣٠] فإنه دال على الرضى من
стр. 92
أول الأمر قبل دخول الجنة. ويحتمل أنه خاص بصاحب هذه النفس المطمئنة
والحاصل أن هذا الرضى الذي أراده صاحب (الكشاف) واستدل عليه بالآية متأخر وهو المراد من الحديثين ولا ينافيه مجرد الرضى اللازم لأهل الجنة فلا يرد اعتراض صاحب (الإتحاف) عليه وأما قوله: (والهموم والغموم لازمة لأهل النار) فقد أشار إلى جوابه المحقق أبو السعود فقال: (ولك أن تقول إنهم ليسوا مخلدين في العذاب الذي هو عذاب النار بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله وهو العقوبات والآلام الروحانية التي لا يقف عليها في الدنيا المنغمسون في أحكام الطبيعة المقصود إدراكهم ما ألفوا به من الأحوال الجسمانية وليس لهم استعداد لتلقي ما وراء ذلك من الأحوال الروحانية وهذه العقوبات وإن كانت تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسونها وهذا كاف في تحقيق معنى الاستثناء) انتهى كلامه (٨٢)
وهذا وجه حسن محتمل على أنه الذي أراد صاحب (الكشاف) ويندفع به اعتراض صاحب (الإتحاف)
стр. 93
هذا وفي (الكشف على الكشاف) ما لفظه (٨٣)
(هذا في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار إلى برد الزمهري والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليبا أما دعوى الغلبة حتى هجر الأصل فلا ألا ترى إلى قوله: ﴿نارا تلظى﴾ [الليل: ١٤] وقوله: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤ والتحريم: ٦] وكم. وكم
وأما رضوان الله عن أهل الجنة وهم فيها فيأبى (الاستثناء) كيف وقوله: ﴿خالدين فيها﴾ لا يدل بظاهره على أنهم منعمون بها فضلا عن انفرادها بنعيمهم بها. ثم قال: ولعل الوجه - والله أعلم - أن يكون من باب ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] وأشار إليه سلمه الله (يريد الفاضل الطيبي) (٨٤)
وذكر أنه وقف بعد ذلك على نص من قبل الزجاج) انتهى
стр. 94
يريد أنه تقيد بالمحال في الآيتين وعصاة الموحدين داخلون في السعادة فإنهم خالدون في الجنة وإن تأخر دخولهم إياها فإنه من المعلوم أن الداخلين إلى الجنة لا يدخلون دفعة واحدة بل يدخلون أرسالا بل فيها من يسبق إليها بمقدار خمسمائة عام كما ثبت ذلك في فقراء المهاجرين (٨٥) . والذي رجحه الفخر الرازي بعد سرده للأقوال وتعقبه لها أن عصاة الموحدين داخلون في الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم وقوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ يوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة وهذا الكلام قوي في هذا الباب انتهى
стр. 95
وأقول يرد عليه في هذا الوجه (الذين استقوا) إلى ما أورده هو على من قال: أن معنى الاستثناء في آية أهل النار أنهم ينقلون من عذابها إلى الزمهرير فإنه أورد عليه ما أسلفناه من أنه يقتفي أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض. فيقال عليه: هذا عين ما قاله هناك: أنه يلزم أن لا يخرج عصاة من الموحدين عن النار إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض ولا دليل عليه بل الأدلة قائمة على خلافه كما قدمناه في التثنية مما سبق فالحق ما قدمناه لك من أن إيراده غير وارد على من أورده ولا لازم له لبطلانه في نفسه
هذا وكلام الفخر الرازي هذا هو كلام المفسرين من أئمة السنة وذكره سعد الدين في (شرحه على التلخيص) (٨٦) . لأنه جعل الاستثناء في الآيتين معا لإخراج عصاة الموحدين وآن المراد بعدم خلودهم في الجنة فراقهم لها أيام عذابهم وأنهم داخلون في السعداء باعتبار الإيمان وفي الأشقياء بسبب المعاصي ولكن فيه ما
стр. 96
عرفت من أن الاستثناء إنما هو من المحكوم عليهم بدخول الجنة خالدين فيها وعصاة الموحدين قبل دخولهم لا يصح في حقهم الاستثناء كما عرفته وقد نبه على هذا المحقق الشريف (٨٧) . في (حواشيه على المطول) حيث قال:
(أقول: الخلود إنما هو بعد دخول الجنة فكيف ينقضي بما سبق على الدخول؟) فالصواب أن يقال: الاستثناء الأول محمول على ما تقدم من أن فساق المؤمنين لا يخلدون في النار
وأما الثاني: (فهو) محمول على أن أهل الجنة لهم سوى نعيمها ما هو أجل وأكبر وهو رضوان الله وبقاؤه لا على أن فيهم بعضا يخرج انتهى
ولا يخفى أن كلامه في الاستثناء الثاني هو كلام صاحب (الكشاف) بعينه وأنه يرد عليه ما أورده صاحب (الإتحاف) وقد سبق لنا رده كما عرفت وهكذا يرد عليه ما أورده صاحب (الكشاف) كما سبق قريبا أيضا فالأحسن أن يقال: أن الاستثناء في آية الجنة من باب (٨٨) ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ تقييد بالمحال وأن من دخل الجنة لا يخرج منها أبدا بدليل الاجتماع المعلوم ضرورة من الدين وبدليل قوله تعالى: ﴿عطاء غير
стр. 97
مجذوذ﴾ وفي آية أهل النار محمول على ما ذكر من خروج الموحدين ولا يقال: أن هذا يوجب اختلاف في نظم الكلام حيث عدل بالاستثناء الثاني عما حمل عليه الاستثناء الأول مع أنهما سيقا مساقا واحدا لأنا نقول: قد دفع الشريف هذا الإيراد لأنه ورد ما وينهي إليه بقوله: الأول محمول على الظاهر وقد عدل بالثاني عنه بقرينة واضحة مما ذكرنا فلا إشكال ولا اختلاف
إذا عرفت حقيقة هذه الأقوال التي حققها الاستدلال وأساطين المفسرين وعيون العيون من المحققين عرفت أن آية الاستثناء كما قال صاحب (الكشاف) من المعضلات وقد اختلفت فيه كما رأيت أذهان المحققين الأثبات وقد سبق قول ابن القيم في آية الاستثناء في أهل الجنة أنه على كل تقدير أن الاستثناء فيه من المتشابه وأن المحكم قوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨] و ﴿ظلها دائم﴾ (٨٩) وآيات الخلود التي وردت في الكتاب العزيز (٩٠) فلك أن تقول بغير هذا القول في آية الاستثناء في أهل النار أنه من المتشابه وأن المحكم ﴿خالدين فيها﴾ ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨] (٩١) والآيات المصرحة بخلود
стр. 98
أهل النار في القرآن كثيرة جدا وسيأتي عد بعضها فيرد المتشابه وهي آية الاستثناء إلى المحكم وقد حكم الله بخلود أهل النار في النار وتواترت الأحاديث بإخراج عصاة الموحدين وقد ورد الاستثناء فلا ندري ما أراد الله هل بإخراج (٩٢) العصاة من الموحدين كما قال جماهير أهل السنة وهو المروي عن ابن عباس كما أسلفناه عنه أو هو قريب أو هو عين المراد. أو أراد به أمرا استأثر الله بعلمه فنقول: ﴿آمنا بالله كل من عند ربنا﴾ [آل عمران: ٧٦] وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فإن الله أعلم ثنيته (٩٣) على ما وقعت وأخرج ابن جرير عن (٩٤) ابن زيد قال: قد أخبرنا الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ولم يخبرنا بالذي شاء لأهل النار وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل أنه كان إذا سئل عن الشيء في القرآن قال قد أصاب الله به الذي أراده
هذا وإذا عرفت ما ألقينا عليك عرفت أنه لم يتم ما ادعاه ابن
стр. 99
تيمية في الآية. وأنه أريد بالاستثناء فناء أهل النار فإنه قول في الآية بلا دليل ولا قال به من السلف أحد ولا من الخلف وأنه ليس في يد شيخ الإسلام شيء لا من كتاب ولا من سنة ولا من صحابي كما قررناه فليس في يديه إلا دعوى بغير برهان لا يقول فيها دون دق الشأن (٩٥) ولا يعتمد عليها أهل الإتقان وعرفت أنه ما صفا قول قائل في الاستثناء في آية أهل النار عن كدر الإشكال وأن الأقوال فيه كلها أراء محضة إلا القول بأنه أريد به عصاة الموحدين فإنه قول قويم قد قاله بحر الأئمة وحبرها المدعو له بتعليم التأويل ابن عباس كما أسلفناه ودلت عليه أدلة أثرية وقرائن قرآنية فالقول به قويم ولا يدخل تحت التفسير بالرأي الذي ورد الوعيد على (من قال في القرآن برأيه) (٩٦) . فلا يقال إنه يتعين الوقف عن ذلك الخوض والإيمان بما أراده الله ورد علمه إليه
ثم استدل شيخ الإسلام على سعة رحمة الله تعالى أنها أدركت أقواما ما فعلوا خيرا وساق أحاديث دالة على أن الرحمة أدركت من كان من عصاة الموحدين كما ستعرفه وليس من محل النزاع
فمن الأدلة التي ساقها على مدعاه قصة الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الرياح في البر والبحر خشية أن يعذبه الله قال: (فقد
стр. 100
شك في المعاد فأحياه الله تعالى قال فهذا لم يعمل خيرا قط وأدركته رحمة الله تعالى) (٩٧)
стр. 101
وأقول هذا ليس من محل النزاع فهذا مؤمن بالله عالم بأن الله يعذب من عصاه وقد وقع من خوفه وخشية أمره بتحريقه ففي قلبه خير. وإن لم يعمل خيرا قط. ولذلك الخير أدركته رحمة الله
واستدل أيضا على مدعاه بما أخرجه أحمد في (مسنده) من حديث الأسود بن سريع مرفوعا ( [يأتي] أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة أما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل عليهم ليدخلوا النار قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما) (٩٨)
стр. 102
وأقول ليس الحديث أيضا في محل النزاع إذ هو في فناء النار ودخول أهلها الجنة وهؤلاء الثلاثة الأولون ليسوا بمشركين فإنهم كانوا في دار الدنيا غير مكلفين فلم يتحقق منهم أنهم كانوا مشركين وليسوا ممن دخل النار ثم فنيت وهم فيها: والرابع الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله بنص قوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤] والحديث لم يذكره شيخ الإسلام بتمامه وهو حديث مشكل ولا حاجة لنا إلى الكلام عليه بعد بيان أنه ليس من محل النزاع
ثم استدل شيخ الإسلام بحديث رواه ابن المبارك من حديث أبي
قلت: لم يتبين لي وجه الإشكال إلا أن يكون بدا له التعارض بين الآية ﴿. . إلا خلا فيها نذير﴾ وبين قوله الذي مات في الفترة: (ما أتاني من نذير) . فإن كان هذاهو المشكل فلا إشكال عندي لأنه ليس من الضروري أن تبلغ النذارة كل فرد من أفراد كل أمة بل يمكن أن يكون في كل أمة من لم تبلغهم الدعوة. حتى في هذه الأمة المحمدية فمن الذي يستطيع أن يقول بأن سكان القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد بلغتهم دعوة النبي ﷺ َ لا سيما قبل عصرنا هذا الذي تيسرت فيه طرق التبليغ كالراديو وغيره. ولكن أين المبلغون للدعوة إليهم وإلى أمثالهم على وجه الأرض وبلغاتهم؟ بل أين المبلغون للدعوة الحق التي نزلت على قلب محمد ﷺ َ للمسلمين أنفسهم حين انحرف الكثيرون منهم عنها بل وحاربوها هذا أولا
وثانيا: فإن قول المؤلف: أن الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله. . لا يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن من أمة﴾ لأن المعنى: (ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها) كما قال الشوكاني في (فتح القدير) . وأما أنها تدل على أن من مات فيها نذير من الأنبياء ينذرها) كما قال الشوكاني في (فتح شيء لا تدل عليه الآية لا من قريب ولا من بعيد بل لا بد له من دليل خاص. فكيف والثابت خلافه وهو قوله ﷺ َ: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) . رواه الشيخان وهو مخرج في (الإرواء) (٢٨٥)
стр. 103
هريرة مرفوعا: أن رجلين (٩٩) دخلا النار واشتد صياحهما فقال الرب ﷻ أخرجوهما فقال لأي شيء اشتد صياحكما فقالا: فعلنا ذلك لترحمنا. فقال: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما في النار. فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها عليه بردا وسلاما ويقوم الآخر فلا يلقي فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك] كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجو أنك لا تعيدني فيها بعد أن أخرجتني منها. فيقول: لك رجاؤك فيدخلان جميعا الجنة برحمة الله)
وأقول: هذا كما تراه في إخراج العصاة من الموحدين فإنه لا يقول ابن تيمية أن يخرج الكفار من النار كما يقول غيره
стр. 104
ثم ساق حديثا ثالثا مثل هذا الحديث ليس من محل النزاع
ثم تعرض لأدلة القائلين بعدم فناء النار (١٠٠) فقال: (لهم ست طرق أحدها الإجماع على عدم فنائها) قال: (والإجماع غير معلوم إنما يظنه في هذه المسألة من لم يعرف النزاع فيها وقد عرفت النزاع قديما وحديثا قال: (ولو كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم أنه قال النار لا تفنى لم يجد إلى ذلك سبيلا) ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك
وأقول: قد عرفت أنه نقل عن ستة من الصحابة عبارات لا تدل على مدعاه وهو فناء النار بنوع من الدلالات كما أوضحناه ولا يصح نسبته لتلك الدعوى إلى واحد من أولئك الستة فلم يوجد لأحد مما وجدنا عن واحد من الصحابة أنه يقول بفناء النار كما أنه لا يوجد قائل من الصحابة أنه يقول بعدم فناء النار فإن هذه المسألة وهي فناء النار لا تعرف في عصر الصحابة ولا دارت بينهم فليس نفي ولا إثبات بل الذي عرفوه فيها هو ما في الكتاب والسنة من خلود أهل النار أبدا وأن أهلها ليسوا منها بمخرجين وعرفوا ما ثبت من خروج عصاة الموحدين
стр. 105
إذا عرفت هذا عرفت أن دعوى فناء النار أو عدم فنائها قول للصحابة دعوى باطلة إذ هذه الدعوى لا توجد في عصرهم حتى يجمعوا عليها نفيا أو إثباتا نعم القول الذي دل عليه القرآن من خلود النار أهلها فيها أبدا يتضمن القول عنهم بما تضمنه القرآن ودل عليه الأصل فيما أخبر الله به عن الدارين الأخروين البقاء فلا يحتاج مدعي عدم الفناء إلى الدليل على ذلك الأصل ثم قال:
(الثاني (أي من الستة الأدلة للقائلين بعدم الفناء) أن القرآن دل على ذلك دلالة قاطعة فإنه تعالى أخبر أنه ﴿عذاب مقيم﴾ [المائدة: ٣٧] وأنه ﴿لا يفتر عنهم﴾ [الزخرف: ٧٥] وأنه لا يزيدهم إلا عذابا (١٠١) وأنهم ﴿خالدين فيها أبدا﴾ (١٠٢) وأنهم ﴿وما هم بخارجين (١٠٣) من النار﴾ [البقرة: ١٦٧] ﴿وما هم منها
стр. 106
بمخرجين﴾ (١٠٤) وإن الله حرم الجنة على الكافرين (١٠٥) وأنهم ﴿لن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (١٠٦) و ﴿أن عذابها كان غراما﴾ [الفرقان: ٦٥] . قال: والجواب أن هذا كله مسلم وأنهم لا يخرجون منها وأنه لا يفتر عنهم العذاب ما دامت باقية وليس محل النزاع إنما محل النزاع لا تفنى النار قال: وهذه النصوص تقضي بخلودهم في النار ما دامت باقية) (١٠٧) هذا جوابه
وأقول: قد عرفت أنه لا يتم هذا الجواب ما لم يؤخذ بأدلة ناهضة على فناء النار ولم يقم دليل على ذلك قال:
(الطريق الثالث (من أدلة القائلين بعدم فناء النار) : أن السنة
стр. 107
المستفيضة أخبرت بخروج من في قلبه أدنى ذرة من إيمان دون الكفار فأحاديث الشفاعة كلها صريحة في خروج الموحدين دون الكافرين قال:
الجواب: أن هذا لا شك فيه وهو إنما يدل (١٠٨) على ما قلناه من خروج الموحدين فيها وهي باقية ويبقى المشركون ما دامت باقية)
وأقول: الجواب ما سلف. ثم قال:
(الطريق الرابعة (للقائلين بعدم فناء النار) : أوقفنا الرسول على ذلك وعلمناه من دينه ضرورة كما علمنا دوام الجنة (١٠٩) . وأجاب بأنه لا ريب أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا هو المعلوم من دينه ضرورة وأما كونها أبدية لا تفنى كالجنة. فمن أين في القرآن والسنة دليل واحد على ذلك؟)
وأقول: الدليل يتوجه على من ادعى الفناء ولم يأت شيخ الإسلام بشيء واحد والأصل هو خلود النار وأبديتها كما دل عليه الكتاب والسنة فلا يحتاج مدعي عدم الفناء إلى دليل آخر بعد هذا الأصل. قال:
(والدليل الخامس (من أدلة القائلين بفناء النار) : أن في عقائد
стр. 108
أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا والقول بفنائها من أقوال أهل البدع. قال:
والجواب: أنه لا ريب أن القول بفنائها قول أهل البدع وأما القول بفناء النار وحدها فقد أوجدناكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف تقولون: إنه من قول أهل البدع؟) (١١٠)
وأقول لأنه يصدق عليه رسم البدع ففي (القاموس) : (البدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما أحدث بعد رسول الله ﷺ َ من الأهواء والأعمال) انتهى
والمعلوم أنه لم يقع في ذلك العصر قول بفناء النار ودخول الكفار جنات تجري من تحتها الأنهار ولا أوجدنا شيخ الإسلام مع تبحره في العلوم وسعة اطلاعه على أقوال السلف والخلف على قول واحد من الصحابة بفناء النار ودخول الكفار الجنات. وإن كان كذلك فالقول به بدعة قطعا. قال (١١١) :
(والدليل السادس (للقائلين بعدم فناء النار) : أن العقل يقضى بخلود
стр. 109
الكفار: ثم قرر وجه الاستدلال بما حاصله أنه مبني على أن المعاد وإثابة النفوس المطيعة وعقوبة النفوس العاصية مما يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع (قال) كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره تعالى على من زعم أنه يخلق خلقه عبثا وأنهم إليه لا يرجعون وأنه يتركهم سدى لا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن ذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه ينسبه إلى ما لا يليق ثم قرره تقريرا آخر. وأجاب عنه بقوله:
وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق ثم أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا وأما تفصيلا فلا يعلم إلا بالسمع وقد دل السمع على دوام ثواب المطيعين وأما عقاب العصاة فدل دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهو من معترك النزال فمن كان السمع في جانبه فهو أعلم بالصواب) (١١٢)
قلت: وهو تحقيق حسن إلا أني لا أدري من الذين قالوا أن العقل حكم بخلود العصاة في النار فإن أشد الناس بهم الوعيدية والمعتزلة إلا القليل وأكثرهم قائلون بأن العقل يقضي بحسن العفو
(١) الحادي (٢ / ١٨٨ - ١٨٩)
стр. 110
عن الكفار لولا ورود السمع بان الله لا يغفر أن يشرك به
هذا وقد انتهت المناظرة التي ساقها ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام بين الفريقين. ومن له نباهة وهو من أولي الألباب لا يخفى عليه بعدما قررناه وجه الصواب
ثم ساق شيخ الإسلام من الأدلة على مدعاه فقال مستدلا:
(إن الله خلق عباده على الفطرة وخلقهم حنفاء فلو خلوا وفطرهم لما نشئوا إلا على التوحيد. (قال) : والأشقياء غيروا الفطرة إلى ضدها واستمروا على ذلك التغيير ولم تغن عنهم الآيات والنذر في هذه الدار فأتاح الله لهم آيات أخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا يستخرج الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار فإذا زال موجب العقاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له) (١١٣) . وأراد (بمقتضى الرحمة) الميثاق الذي أخذ عليهم بالإيمان وهم في عالم الذر (١١٤)
وأقول: لا شك أنه يدخل النار من كفار الجن والشياطين أمم لا