وبغير هذا الجمع لا يمكن أن يفهم كلامه في رده على مخالفيه فانظر إلى قوله في (الحادي) (٢ / ١٨٥) :
(وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها فإن في القرآن دليل واحد يدل على ذلك؟ نعم الذي دل عليه القرآن: أن الكفار خالدين في النار إلى الأبد وأنهم غير خارجين منها و … و … و … وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب عليه الفناء. قال:
(وأما كون الكفار لا يخرجون منها و ﴿لا يفتر عنهم﴾ من عذابها ﴿ولا يقضى عليهم فيموتوا﴾ ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجميل في سم الخياط﴾ فلم يختلف في ذلك الصحابة والتابعون ولا أهل السنة
فهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة) (١)
فتأمل نقله اتفاق الصحابة ومن بعدهم على أنهم لا يدخلون الجنة كما في الآية الكريمة فإنه لا يتفق مع ميله إلى أنهم يدخلون الجنة يوما ما إلا يحمل الدخول المنفي على دخول مقرون بخروجهم نم النار والدخول المثبت على دخولهم بعد فناء النار كما ذكرنا وهذا المعنى يكاد يكون صريحا في سياق كلامه على هذه الطريق في كتابه (شفاء العليل) فإنه قال بعد الآيات النافية المتقدمة بما فيها الآية النافية لدخولهم الجنة قال (ص ٢٦٠) :
(وهذه الطريق لا تدل على ما ذكروه وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم فيها فأين فيها ما يدل على عدم فنائها؟)
قلت: فكأنه يريد أن يقول: وأين الدليل أيضا في الآية المذكورة على نفي
стр. 37
دخولهم الجنة بعد فناء النار؟
فيا سبحان الله ما يفعل التأويل بأهله وإلى حضيض سحيق يهوون به فيه وإلا فقل لي بربك: كيف يمكن لابن القيم أن ينكر أبدية النار ببقاء أهلها فيها وعدم دخولهم الجنة مطلقا لولا تشبثه بذاك التأويل البشع وهو المعروف بمحاربته لعلماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة لتأولهم كثيرا من آيات وأحاديث الصفات كاستواء الله على عرشه ونزوله إلى السماء ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من التأويل الذي هو أيسر من تأويله فقد قال به كثير من المتأخرين خلافا للسلف وأما تأويله فلم يقل به أحد منهم لا من السلف ولا من الخلف إلا تقليدا لشيخه ولقد كان من الواجب عليه أن يلتزم بقول إمامه الذي قال ناصحا لكل سلفي:
(إياك أن تتلكم في مسألة ليس لك فيها إمام)
وكان في المحنة يقول:
(كيف أقول ما لم يقل؟) (١)
وإن مما يتنبه له الباحث المتأمل أن يرى موقفين متباينين أشد التباين لابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى فإنه في الوقت الذي مال إلى القول بفناء النار وانتصر وله ابن القيم ذاك الانتصار الغريب المتكلف نرى ابن القيم نفسه قد عقد في (الحادي) ستة أبواب في مسألة أخرى هي أهون من هذه بكثير من حيث موضوعها ومن حيث اختلاف العلماء فيها ألا وهي:
جنة آدم ﵇ التي أهبط منها هل هي جنة الخلد التي وعد بها المتقون
وهذاكثير في كلام الإمام أحمد. انظر ما طبعنا من مسائله وهي: مسائل ابنه عبد الله وتلميذه ابن هانئ النيسابوي والخرقي. - زهير -
стр. 38
أم غيرها؟ على قولين للعلماء أطال النفس فيها جدا (ص ٤٣ - ٨٠) وذكر حجة كل منهما وما له وما عليه وعلى الرغم من أن من القائلين بأنها ليست جنة الخلد أبا حنيفة وأصحابه وابن عيينة كما حكاه ابن القيم ومال إليه هو في آخر الباب الرابع (ص ٦٨ - ٦٩) : على الرغم من ذلك نرى شيخ الإسلام ابن تيمية يرده بكل صراحة وشدة يقول في بعض فتاويه:
(والجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنة والجماعة هي جنة الخلد ومن قال إنها في الأرض بأرض الهند أو بأرض جدة أو غير ذلك فهو من المتفلسفة والملحدين أو من إخوانهم المبتدعين فإن هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة)
فأقول: أليس كان الحق بمثل هذا الرد الأشد من قال بفناء النار أيا كان القائل لأنه لم يقل به أحد حتى ولا المعتزلة ولأن أدلته وهمية لا حقيقة لها كما سيفصل المؤلف القول في ذلك تفصيلا ويبين بطلانها تبيانا بحيث لا يدع شبهة إلا أطاح بها ولا متأثرا بها إلا أعاده إلى الصراط المستقيم يمشي عليه سويا
غير أن هناك شبهة أخرى أوردها ابن القيم ﵀ لم أر المؤلف جزاه الله خيرا تعرض لها فلا بد لي أن أذكرها لأرد عليها بما يبدوا لي راجيا منه تعالى أن يلهمني الصواب ويعصمني من الخطأ. قال في (الحادي) (٢ / ٢٢١) :
(لو جاء الخبر منه سبحانه صريحا بأن عذاب النار لا انتهاء له وأنه أبدي لا انقطاع له لكان ذلك وعيدا منه سبحانه والله تعالى لا يخلف وعده وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم: أن إخلافه كرم وعفو وتجاوز بمدح الرب ﵎ عليه فإنه حق له إن شاء تركه وإن شاء استوفاه والكريم لا يستوفي حقه فيكف بأكرم الأكرمين وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده وقد روى أبو يعلى … . عن أنس
стр. 39
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهـ أن رسول الله ﷺ َ قال: (من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار)
وأقول وبالله المستعان:
أولا: قد جاءت الأخبار كتابا وسنة بأبدية النار وعذابها كما تقدم فلا داعي لإعادة وما تشبث به ابن القيم ﵀ في خلاف ذلك مردود بل باطل كما يأتي شرحه من المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
ثانيا: ما ذكره: أن مذهب أهل السنة كلهم جواز إخلاف الله لوعيده لا أعلمه بهذا الإطلاق وقد بحث شيخ الإسلام الخلاف المعروف ين المرجئة والمعتزلة في الوعد والوعيد في مناسبات شتى فلم يذكر هذا (١) بل صرح بخلافه في بعض المواطن فإنه بعد أن ذكر حديث الشفاعة وغيره في دخول بعض الموحدين النار وخروجهم منها قال: (١٦ / ١٩٦) :
(وفيه رد على من يقول: (يجوز أن لا يدخل الله من أهل التوحيد أحدا النار) كما يقوله طائفة من المرجئة والشيعة … )
فإذا لم يجز هذا الإخلاف في حق الموحدين فكيف يجوز الإخلاف الأكبر الذي هو في حق المشركين؟
ثالثا: (ولم يقل في موضع واحد: لا يخلف وعيده)
فأقول: قد فاته - عفا الله عنا وعنه - قوله تعالى في (ق: ٢٧ - ٢٩) ﴿قال قرينة ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال لا تختصموا لذي وقد قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عقبه (١٤ / ٤٩٨) :
(وهذا يقتضي أنه صادق في وعيده أيضا وأن وعيده لا يبدل وهذا مما
стр. 40
احتج به القائلون بأن فساق الملة لا يخرجون من النار وقد تكلمنا عليهم في غير هذا الموضع لكن هذه الآية يضعف جواب من يقول: أن إخلاف الوعيد جائز فإن قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ بعد قوله: ﴿وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾ دليل على أن وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده)
رابعا: حديث أنس المذكور إسناده ضعيف كما كنت بنيته في (الأحاديث الصحيحة) (٢٤٦٣) وعلى فرض ثبوته فهو بمعنى قوله تعالى: ﴿إن الله لا يفغر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وما في معناها من الأحاديث أي أن الحديث في الموحدين وليس في المشركين فهؤلاء مستثنون من المغفرة بهذه الآية وغيرها
وإلى هذا أشار العلامة المرتضى اليماني بقوله في (إيثار الحق على الخلق) (ص ٣٨٩) : (والحق أن الله لا يخلف الوعيد إلا أن يكون استثنى فيه) . وهذا مما يشعر به قول ابن تيمية نفسه في (مجموع الفتاوى) (٢٤ / ٣٧٥) فإنه قال:
(وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه ﴿لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾
فهذا منه ﵀ كالتفصيل لكلام ابن القيم وهو يقيده ويبين أن الإخلاف للوعيد إنما يكون لمانع من تلك الموانع وليس منها الشرك بداهة فإن الله لا يغفره
فتأمل في هذا يتبين لك خطأ ابن القيم في بعض مما يدعيه ويعزوه لأهل السنة دون قيد أو شرط فيكون ذلك مثار شبهة عنده تحمله على أن يتأول النصوص القاطعة الدلالة فيخرج بذلك عما عليه أهل السنة والجماعة فيقع في الخطأ من حيث لا يدري ولا يشعر
стр. 41
وإن من العجيب حقا أن ينفرد بالاغترار بكلامه في هذه المسألة الخطيرة العلامة السيد محمد رشيد رضا رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى لما تعلم عنه من استقلاله في الفهم وبعده عن الجمود والتقليد فإنه مع ذلك تابعه عليه دون كل من وقفنا على كلامه من المحققين الذين وقفوا عليه ولم يتابعوه أمثال الآلوسي أبا وابنا وغيرهما ممن سبق ذكره فقد نقل السيد رشيد كلام ابن القيم على طوله من (حادي الأرواح) في تفسير سورة (الأنعام) (ج ٨ ص ٦٩ - ٩٩) تحت (فصل في الخلاف في أبدية النار وعذابها) وختمه مفصحا عن إعجابه به بقوله:
(وإنما أوردناه بنصه على طوله لما تضمنه من الحقائق التي نوهنا بها ولأمر آخر أهم وهو أننا نعلم أن أقوى شبهات الناس من جميع الأمم على الدين قول أهل كل دين من الأديان المشهورة أنهم هم الناجون وحدهم وأكثر البشر يعذبون عذابا شديدا دائما لا ينتهي أبدا بل تمر ألوف الألوف المكررة من الأحقاب والقرون ولا يزداد إلا شدة وقوة وامتدادا مع قولهم ولا سيما المسلمين منهم: أن الله تعالى أرحم الراحمين وإن رحمة الأم العطوف الرؤوم بولدها الوحيد ليست إلا جزاءا صغيرا من رحمة الله التي وسعت كل شيء
وهذا البحث جدير بأن يزيل شبهة هؤلاء فيرجع المستعدون منهم إلى دين الله تعالى مذعنين لأمره ونهيه راجين رحمته خائفين عقابه الذي تقتضيه حكمته لأنهم لا يعلمون قدره) (١)
قلت هذا الكلام خيال لا حقيقة له في الواقع لأن الأصل في هذه المسألة وغيرها من المسائل الاعتقادية الغيبية إنما هو الإيمان بما جاءنا عن الرحمن الرحيم العليم الحكيم كما قال في القرآن الكريم: ﴿هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب﴾
(١) وقد أشرنا إلى الصواب في التعليق على (مختصر تفسير المنار) ج٢ / ٥٤١ مع أنه السيد رشيد رضا ﵀ لم يسترسل فيه وهذا يدلك على فوائد مختصر المنار وتعليقات الشيخ محمد كنعان وقد قمت بمراجعته وهو من مطبوعات المكتب الإسلامي
стр. 42
وهو الإيمان بكل ما غاب عن عقلك فمن لم يؤمن بما أخبر به تعالى من خلود الكافرين في النار أبد العابدين لأن عقله لم يقبله فلن يؤمن بعقاب يبلغ مئات السنين أخبر به رب العالمين في مثل آية ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ ولو على افتراض أن له أمد منتهيا (لا يعلمون قدره) إذ أن لبثهم هذه المدة الطويلة التي تزيد على مدة عمرهم الذي قضوه كافرين أضعافا مضاعفة فلو أراد أحد أن يقنعهم بها وأنها عدل من الله فلن يصل إلى نتيجة معهم أبدا اللهم إلا من طريق الإيمان بالله ورسوله
وإذا كان الأمر كذلك فمن العبث بل من الضلال أن يحاول أحد إقناع المشركين في أصل الدين ببعض ما جاء فيه من العقائد من طريق العقل المجرد عن الإيمان فإن هذا مع كونه لا يثمر معهم إلا الخسران فإنه ليس من سبيل المؤمنين بل هو سبيل المتأثرين بالفلسفة وعلم الكلام الذي حملهم إلى تأول آيات وأحاديث الصفات وتفسيرها بما يتناسب مع عقولهم وأهواء أمثالهم من ضعفاء الإيمان وربما فعل ذلك بعضهم لإقناع الآخرين وإن كان هو في قرارة نفسه لا يؤمن بذلك التأويل فهل يمكن أن يكون كلام السيد رشيد رضا من هذا القبيل بغية إرشاد من ضل عن سواء السبيل؟
فقد كنت لقيت رجلا فاضلا في بعض أسفاري إلى المغرب منذ بعض سنين يظهر أنه سلفي العقيدة فزرته في داره
ودار البحث في الدعوة السلفية هناك وإذا به يصرح بأنه لا يرى مانعا في سبيل تقريب الناس إليها من تأويل آيات الصفات وأحاديثها لإقناع المخالفين
فقلت له: عجبا كيف يمكن أن يكون هذا؟ إذ كيف تقدم إليهم معنى للنص أنت تؤمن بخلافه أولا ثم كيف تكون قد دعوته إلى مذهبك السلفي وقد قدمت إليه المعني الخلفي؟ أن أخشى ما أخشاه أن يكون هذا من باب قول من قال: (وداوني بالتي كانت هي الداء
стр. 43
وختاما أقول: لقد خرجت من دراستي لهذه الرسالة النافعة للأمير الصنعاني رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى بالعبر الآتية:
الأولى: أنني ازددت إيمانا ويقينا بالقول المأثور عن جمع من الأئمة: (ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا النبي ﷺ َ) (١) . فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية زلت به القدم فقال قولا لم يسبق إليه ولا قام الدليل عليه ومن هنا قالوا: (زلة العالم زلة العالم) فلو أننا كنا مبتلين بتقليده كما ابتلي كل مقلد بتقليد إمامه لزللنا بزلته ولذلك قالوا: (الحق لا يعرف بالرجل اعرف الحق تعرف الرجال)
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
الثانية: بطلان الخرافة التي يطلقها اليوم كثير من الكتاب الإسلاميين المعاصرين وفيهم بعض من يجلون شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الخلاف في الفروع وليس في الأصول
وقد يسارع بعض الجاحدين لعلم شيخ الإسلام وفضله الحاقدين عليه لرده على أهل الأهواء والمبتدعة المبغضين له لإخلاصه في الدعوة لاتباع الكتاب والسنة فيقول: إنما الخلاف في الأصول من ابن تيمية وأمثاله المخالفين للجمهور والمثال أمامك
فأقول: كذبت والله فإن الخلاف المذموم إنما يكون من المصرين عليه بعدما تبين لهم الحق كما في قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾
والشيخ ﵀ لم يعرف يوما بالإصرار على الخطأ مهما كان نوعه بدليل رجوعه عن كثير من آرائه التي كان عليها بعدما تبين له الحق وقد ذكرنا فيما سبق
стр. 44
نماذج منها وأما خلافه في هذه المسألة فهي زلة منه بلا شك يغفرها الله له إن شاء الله تعالى كفاه جهاده في سبيل الله إلى آخر رمق من حياته حتى توفي في سجن دمشق مظلوما بعيدا عن أهله وتلامذته وكتبه ولغير ذلك من الأسباب التي سبق التحدث عنها
والخلاف المذموم حقا: إنما هو من أولئك المقلدين الذين يصرون على التدين بالتقليد والإعراض عن الاهتداء بهدي رسول الله ﷺ َ مباشرة والإخلاص له في اتباعه وحده دون سواه الذي هو من لوازم الشهادة له بأنه رسول الله ﷺ َ وقد أمرنا بطاعته استقلالا لا يشاركه في ذلك أحد من البشر في غير ما آية من آيات الله ﵎ فأي خلاف شر من هذا الذي عليه المقلد هذا الذي يظل ﴿يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشرها بعذاب أليم﴾ [الجاثية / ٨]
فالخلاف حقيقة واقعة - مع الأسف - أصولا وفروعا فلا يجوز تجاهلها أو الرضا بها وإنما يجب على أهل العلم أن يحاولوا في كل قطر ومصر تقليله قدر الاستطاعة ولا سبيل إلى ذلك إلا بشيء واحد وهو تحكيم الكتاب والسنة في كل خلاف كما هو صريح قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾
الثالثة: لقد وجدت في هذه الدراسة مثلا جديدا يضاف إلى الأمثلة العديدة التي كنت ولا أزال أشير إليها في كتابي (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها الشيء في الأمة) نصحا وتحذيرا لأن من آثارها السيئة أنها تصرف كثيرا من العلماء والفقهاء فضلا عن غيرهم عن تبني الحكم الصحيح فيما هم فيه مختلفون من العقائد والأحكام وقد تكون معارضته لنص أو نصوص في الكتاب والسنة الصحيحة فقد وجدت أن الذي فتح لابن تيمية وابن القيم باب التورط في القول بفناء النار إنما هو بعض الآثار المروية عن بعض الصحابة والأحاديث المرفوعة
стр. 45
جلها لا تصح أسانيدها وعمدتها منها وأبرزها أثر عمر ﵁: (لو لبث أهل النار في النار قدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه) وإن حاولا تقوية إسناده بتكلف ظاهر لمخالفة ذلك المقرر في علم مصطلح الحديث وقد بينه المؤلف ﵀ بيانا شافيا لكنه قد تابع ابن القيم في السكوت عن أسانيد سائرها فاشترك معه في إيهام القراء ثبوتها ولا سيما وفي بعضها ما هو موضوع كحديث أنس وحديث أبي أمامة (ص ٨٢) وحديث جابر (ص ٨٤) وحديث أبي أمامة الآخر (ص ١٣٨)
إلى غير ذلك من الروايات الواهية كحديث أبي هريرة (ص ١١٥) وزاد المؤلف عليها أحاديث أخرى لكنها لم تبلغ مرتبة الوضع مع كونها لا علاقة لها مباشرة بالرد كحديث ابن مسعود وغيره (ص ٧٠) وحديث الجهني (ص ١٠٣) وحديث أبي الدرداء (ص ١٣٤) وغيرها مما قد يكون فيها ما هو صحيح ثابت لا يتميز عند القارئ بعضها من بعض لدخولها كلها في دائرة المسكوت عنه
من أجل ذلك رأيت من واجبي أن أبين في التعليق مراتب تلك الأحاديث وأميز صحيحها من سقيمها وضعيفها من موضوعها ليكون القراء الكرام على هدى من أمرها راجيا أن يشاركوني في هذه العبرة وأن تكون حافزا لهم على أن يتذكروا معي حقيقة علمية منهجية هامة طالما أهمل القيام بها جماهير العلماء والكتاب قديما وحديثا ولم يقم بحقها سوى أفراد منهم قليلين جدا ألا وهي:
أنه يجب على كل باحث أو كاتب في موضوع شرعي يقوم على الاستدلال بعض الأحاديث المروية عنه ﷺ َ
أن يضع تلك الأحاديث بين يديه ويجري عليها تحقيقا دقيقا لمعرفة درجتها صحة وضعفا فما كان منها صحيحا احتفظ به واعتمده
وما كان ضعيفا نظر فإن كان شديد الضعف أهمله مطلقا وتركه وإلا
стр. 46
احتفظ به كشاهد مع التنبيه على ذلك ثم يتجه بعد هذه التصفية إلى البحث الذي هو في صدده فيحرره ويستدل له بما صح من الأحاديث ويتفقه فيها
واعلم يا أخي المسلم أن كل من لم ينهج هذا النهج العلمي الصحيح في بحثه فلن يصل إلى الصواب الذي ينشده إلا رمية من غير رام بل هو على الغالب ينتهي الأمر به إلى انحرافات خطيرة لا ينجيه من الوقوع فيها أنهم كانوا غير قاصدين لها ما دام أنهم لا يسلكوا السبيل التي تحفظهم من ذلك وقد قيل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
ولعله مما لا خفاء به أن من لم ينهج هذا النهج العلمي وأهمله فإنه معرض لأن يؤاخذه ربه لأنه قضى ما لا علم له به وقد قال تعالى في كتابه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾
وقال ﷺ َ في حديث (قاضيان في النار) : ( … ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)
رواه أصحاب السنن وغيره وهو مخرج في (إرواء الغليل) برقم (٢٦١٤)
وهذا بخلاف ما لو تبنى هذا المنهج في بحثه وضم إليه - طبعا - مما لا بد من المعرفة باللغة وأصول الفقه وغيره فهو مأجور ولو أخطأ لقوله ﷺ َ:
(إذا حكم الحاكم ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد)
أخرجه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في (الإرواء) برقم (٢٥٩٨)
وأنا حين أذكر بهذا الواجب أعلم - والأسف يملأ قلبي - أنه لا يستطيع القيامة به إذا القليل جدا من العلماء المستقلين لانصراف الجماهير منهم عن دراسة أصول الحديث وتراجم رواته وتاريخهم الأمر الذي لا بد منه لكل من يريد التمكن
стр. 47
من تمييز الحديث الصحيح من الضعيف بنفسه مع التوسع في تتبع طرق الحديث وشواهده من مختلف المصادر الحديثية المطبوعة منها والمخطوطة مقرونا بالصبر والأناة وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام كما يفعل بعض الناشئة اليوم
غير أن هذا لا يعني إعفاءهم من واجب الاستعانة على التمييز بأهل العلم بذلك والمتخصصين فيه كما يستعين الجاهل بالفقه مثلا بالفقهاء - ولا أقول المتفقهة - فيسألهم عن كل ما نزل به أو ما كان بحاجة إلى معرفته إعمالا لقول ربه: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وتجاوبا مع حديث نبيه: (ألا سألوا حين جهلوا فإنما شفاء العي السؤال)
رواه أبو داود وغيره وهو مخرج في (صحيح أبي داود) (٣٦٤)
وذلك كله يكون إما بسؤالهم مباشرة وجها لوجه إن تيسر وإما بالرجوع إلى كتبهم وهو متيسر والحمد لله وقد كنت ذكرت طائفة من الكتب الحديثية التي تساعد الباحث على القيام بهذا الواجب في مقدمة (سلسلة الأحاديث الضعيفة) فليرجع إليه من شاء
هذا وعلاوة على تخريج أحاديث الرسالة وتمييز صحيحها من ضعيفها فقد قمت بتعليقات أخرى مفيدة إن شاء الله تعالى وترجمت لبعض الأعلام كما خرجت كل الآيات الكريمة الواردة فيها واجتهدت في تصحيح بعض الأخطاء التي وقعت فيها وإملاء الفراغات التي نتجت من تسلط الأرضة على نسختها حتى ذهب منها بعض الألفاظ إما بالرجوع إلى الأصل الذي نقل عنه المصنف وإما بالنظر في السباق والسياق ونبهت على ذلك غالبا بوضع المستدرك بين معكوفتين [] راجيا من الله تعالى أن ييسر لنا الوقوف على نسخة أخرى نستعين بها على تدارك ذلك على الوجه الأكمل في طبعة أخرى إن شاء الله تعالى
فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها
стр. 48
واحفظها من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين
والله تعالى أسأل أن يتقبل مني عملي هذا وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يكشف عني ما أهمني ويرفع عن المسلمين جميعا ما هم فيه من البلاء وتسلط الأعداء إنه سميع مجيب
وسبحانك الله وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك
بيروت ٢١ ذي الحجة سنة ١٤٠١ هـ
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 49
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ليس سواه واجب الوجود الذي وعد الذين سعدوا بدوام النعيم في جنات الخلود وتوعد الذي شقوا بالأبدية في النار ذات الوقود وأخبر أنه مبدلهم جلودا ليذوقوا العذاب كلما نضجت منهم الجلود وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تدافع عن قائلها إذا كانت الأعضاء هي الشهود وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صاحب المقام المحمود في يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود صلى الله عليه وعلى آله الركع السجود
وبعد فإن السائل أدام الله له التوفيق وسلك لنا وبه مناهج ذوي التحقيق طلب كشف الأستار عن وجه مسألة فناء النار ودخول المشركين من أهلها مداخل الأبرار. وهذه المسالة من غرائب المسائل ومما خلت عنها أسفار المقالات الحوافل وأشار إليها السيد الإمام محمد بن إبراهيم ﵀ في (الإيثار) (١) وقال:
стр. 50
(وقد أفردت في هذه المسألة مصنفات حافلة منها لابن تيمية (٢) ومنها لتلميذه شمس الدين ومنها للذهبي (٣) ومنها لي) هذا لفظه
ولم أقف على غير ما في (حادي الأرواح) ولعل الله سبحانه يعين بالوقوف على مؤلف الذهبي والسيد محمد بمنه وفضله
وحيث استكشف السائل عن حقيقتها وما عليها من الدلائل تعين [علينا] (٤) أن نكشف عن وجوه أدلتها النقاب ونبرز المطوي تحت لثامها بعيون أذهان أولي الألباب ونستوفي فيها المقال وإن خرجنا عن الإيجاز إلى الإطناب والإسهاب لأنه عز وجود ما ألف فيها فيحال عليه ولا أعرف فيها منازعا لمدعيها فأرشد إليه
وليعتذر السائل (٥) عن تأخر الجواب فإنه لم يكن استخفافا
стр. 51
بالسائل ولا تحقيرا للمسائل بل لما يتواثب على القلوب من الاشتغال. ولم يزل التسويف حتى تقضت أيام وليال فنقول:
اعلم أن هذه المسألة أشار إليها الإمام الرازي في مفاتيح (الغيب) (٦) ولم يتكلم عليها بدليل نفي ولا إثبات ولا نسبها إلى قائل معين ولكنه استوفى المقال فيها العلامة ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح إلى ديار الأفراح) (٧) نقلا عن شيخه العلامة شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية فإنه حامل لوائها ومشيد بنائها وحاشد خيل الأدلة منها ورجلها ودقها وجلها وكثيرها وقليلها (٨) وأقر كلامه تلميذه ابن القيم وقال في آخرها: (إنها مسألة أكبر من الدنيا وما فيها بأضعاف مضاعفة) هذا كلامه في آخر المسألة في (حادي الأرواح) وإن كان في (الهدي النبوي) أشار إشارة محتملة لخلاف ذلك حيث قال:
(ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهر النار
стр. 52
خبثه بل لو أخرج منها عاد [خبيثا] وكما كان كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه وقد حرم الله عليه الجنة) انتهى كلامه (٩)
قلت وحيث كانت بهذه المثابة التي ذكرها من أنها أكبر من الدنيا فلا غنى لنا عن نقل أدلتها التي ارتضاها ابن تيمية وتعقب كل دليل بما يفتح الله به من إقراره أو بيان اختلاله فنقول:
قال ابن القيم بعد نقله لأقوال الناس والمعروفة في كتب المقالات:
(السابع: قول من يقول بل يفنيها (أي النار) خالقها ﵎ فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها)
يريد ويدخل الله من كان فيها من الكفار الجنة كما ستعرفه من الأدلة التي ذكرنا - ثم قال:
[قال] شيخ الإسلام (يريد به شيخه أبا العباس ابن تيمية) : وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي
هريرة وأبي سعيد وغيرهم)
стр. 53
ثم ساق بسنده إلى الحسن البصري أنه قال: قال عمر: (لو لبث أهل النار كقدر رمل عالج لكان لهم [على ذلك] يوم يخرجون فيه) . وفي رواية (عدد (١٠) رمل عالج) (١١) قال ابن تيمية: (والحسن وإن لم يسمع من عمر فلو لم يصح عنده عن عمر لم يجزم به) . انتهى كلامه (١٢)
وأقول فيه شيئان:
الأول: من حيث الرواية فإنه منقطع لنص شيخ الإسلام بأنه لم يسمعه الحسن من عمر واعتذاره بأنه لو لم يصح للحسن عن عمر لما جزم به يلزم أن يجري في كل مقطوع يجزم به راويه (١٣) ولا يقول هذا أئمة الحديث كما عرفت في قواعد أصول الحديث بل الانقطاع عندهم علة والجزم معه تدليس وهو علة أخرى ولا يقوم بمثل ذلك الاستدلال في مسألة فرعية كيف في مسألة قيل أنها أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة وهذا البخاري أمير المؤمنين في
стр. 54
علم الحديث وأشدهم تحريا في الصحيح لم يقل النقادون بأن تعاليقه المجزومة التي أودعها في كتابه الذي سماه (الصحيح) صحيحة بل فيها الضعيف كما نص عليه ابن حجر في مقدمة (الفتح)
والحسن البصري معروف عند أئمة هذا الشأن بأنه لا يؤخذ بمراسيله. قال الدارقطني في (السنن) وقد روى عاصم الأحول عن ابن سيرين (١٤) وكان عالما بأبي العالية وبالحسن. قال: (لا تأخذوا بمراسيل الحسن ولا أبي العالية فإنهما لا يباليان عمن أخذا عنه) . انتهى (١٥)
قلت ثم قال ابن تيمية ولو كان كلام عمر هذا غير صحيح
стр. 55
لما تداولته الأئمة ولوجب إنكارهم له لمخالفته الإجماع والكتاب والسنة) (١٦)
قلت: يقال: كلام عمر كغيره من الأقوال الدالة على خروج الموحدين من النار وهو قول عليه جماهير الأئمة منهم ابن تيمية وستعرف أنه لا يصح أثر عمر إلا على تقدير أنه أراد به. الموحدين وأنه يتعين حمله على ذلك عند شيخ الإسلام نفسه وعند غيره
والثاني من حيث الدراية فإنه لو ثبت صحته عن عمر لم يدل على المدعى فإن أصل المدعى هو: فناء النار وأن لها مدة تنتهي إليها. وليس في أثر عمر هذا إلا أنه يخرج أهل النار من النار والخروج لا يكون إلا وهي باقية فإنك لو قلت: لو لبث زيد في الدار كذا وكذا ثم خرج (١٧) منها لم يدل هذا على فناء الدار لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما. فإن قيل: بل هو يدل على فنائها التزاما لأنه تعالى إنما خلقها ليعذب بها من عصاه فبعد خروجهم لم يبق لها حاجة فالحكمة تقتضي فناءها
قلت هذا دور فإنه لا يثبت أن الحكمة يقتضي فناءها إلا إذا
стр. 56
لم يبق فيها أحد ولا يخرج أحد من أهلها إلا بعد فنائها كما تسمع تصريح ابن تيمية بذلك حيث قال:
(وأما [كون] الكفار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يقضي عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة) . هذا لفظه (١٨)
وإذا عرفت مراده عرفت أن أثر عمر لا يدل على مدعاه بشيء من الدلالات الثابتة فإنه قال: (إنهم يخرجون منها) وهذا واضح في الخروج منها وهي باقية فلا بد من حمل أثره على معنى صحيح إذ لا يصح حمله على خروج الكفار عند أحد لا ابن تيمية كما عرفت ولا غيره فإنه لا يقول أحد بخروج الكفار من النار فإن صح أثر عمر حمل على أنه أراد خروج الموحدين الذين استحقوا
стр. 57
دخول النار بذنوبهم كما دلت عليه الأدلة المعروفة الصحيحة الصريحة التي لا مرية في صحتها
إلا أن ابن تيمية منع من حمل كلام عمر على ذلك وقال:
(إنما أراد عمر بأهل النار الذين هم أهلها (وهم الكفار) : وأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها ولا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه) (١٩)
فأقول: ولا يخفى ضعف هذا الرد لأن كونهم قد علموا ذلك لا يمنع أن يؤدوه لمن لا يعلمه ويخبروا أنه اعتقادهم وقد علم في فن البيان: أن الإخبار يكون بفائدة الحكم أو لازمها فعلم السامعين بالحكم لا يمنع عن التكلم به وإلقائه إليهم وأما كون عصاة الموحدين لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه فمسلم ولم يقل عمر أنهم يلبثون قدر رمل عالج بل أتى بقضية شرطية فقال: (لو لبث) أي: أنه لو طال لبثهم ذلك القدر لخرجوا ولا دليل في كلامه أنهم يلبثون ذلك القدر فعرفت أيضا (٢٠) غير مانع عن حمل أثر عمر على عصاة الموحدين مع أنه لا يصح حمله على الكفار لأنهم يلبثون أكثر من عدد رمل عالج فقد أخرج الطبراني في (الكبير) من
стр. 58
حديث ابن مسعود مرفوعا:
(موضوع) (لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا … ) الحديث (٢١)
ومما سمعت تعين حمل أثر عمر على عصاة الموحدين عند شيخ الإسلام وعند جميع علماء الأنام
وإذا عرفت هذا طال تعجبك من نسبة ابن تيمية القول بفناء النار إلى عمر واستدلاله لذلك بهذا الأثر المنقطع رواية الذي هو بمراحل عن الدلالة من حيث الدراية
تنبيه: وأما مدة لبث عصاة الموحدين فإنها مختلفة فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في (السنة) من حديث علي يرفعه (إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين. (وفيه) : أن منهم من يمكث شهرا ثم يخرج منها ومنهم من يمكث سنة ثم يخرج منها وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى) (٢٢)
ومثله [ما] أخرج الحكيم في (نوادر الأصول) ولفظه (وأطولهم فيها مكثا مثل الدنيا منذ خلقت إلى أن فنيت وذلك
стр. 59
سبعة آلاف سنة) (٢٣)
ثم قال شيخ الإسلام مستدلا على فناء النار بما رواه على ابن أبي طلحة في (تفسيره) عن ابن عباس أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا) (٢٤)
وأقول: لا يخفى على ناظر أنه لا دلالة في هذا الأثر ولا رائحة دلالة على المدعى من فناء النار بل غاية ما يفيده الإخبار عن أنه لا يجزم للمؤمن أنه من أهل الجنة ولا العاص من عصاة المؤمنين أنه من أهل النار. وهذا المعنى ثابت في الأحاديث النبوية الصحيحة
стр. 60
فقد أخرج الترمذي (٢٥) من حديث أنس أنه توفي رجل فقال رجل آخر ورسول الله ﷺ َ وآله وسلم يسمع: أبشر بالجنة. فقال رسول الله ﷺ َ: (وما يدريك لعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه) . بل ورد في الطفل الذي لا تكليف عليه نحو ذلك (٢٦)
وقد صرح ابن القيم في آخر كتابه (حادي الأرواح) في الباب السبعون فيما زعم أنه عقيدة أهل السنة وعقيدة الصحابة وأهل العلم وأصحاب الأثر بأنه لا يشهد لأحد من أهل القبلة أنه من أهل النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث وأن لا يشهد لأحد أنه في الجنة بصالح عمله إلا أن يكون ذلك في حديث. انتهى (٢٧)
стр. 61
فهذا هو الذي أراده ابن عباس ولو لم يحمل كلام ابن عباس على هذا لكان مقتضاه بأنه لا يحكم بأن أهل الشرك يدخلون النار ولا بأن أهل التوحيد يدخلون الجنة إذ الإنزال هو الدخول وهذا رد لصريح القرآن وإثبات لقول لم يقله أحد من أهل الإيمان لا شيخ الإسلام و [لا] سائر علماء الأنام
ثم [إن] حكمنا بأن الفجار في النار والأبرار في جنات تجري من تحتها الأنهار ليس حكما منا بل الله تعالى هو الذي حكم بذلك وأخبرنا به. فالعجب كله في الاستدلال على فناء النار بهذا الأثر الذي لا يقول أنه يدل على ذلك أحد من النظار وظهور عدم دلالته عليه كالشمس في رابعة النهار وتبين أن مراده لا يحكم على معين أنه من أهل الجنة ولا أنه من أهل النار وكأنه يريد غير من حكم الله ورسوله عليه بأحد الدارين كإخباره ﷺ َ أن العشرة من الصحابة من أهل الجنة وكإخبار الله أنا أبا لهب ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾ ولو فرض دلالته على مدعاه فإنه معارض لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هاتان من المخبآت (٢٨) قول الله تعالى: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ (٢٩) وقوله
стр. 62
تعالى: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾ [المائدة ١٠٩] فأما قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ فهم قوم من أهل الكبائر من أهل القبلة يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم ثم يأذن بالشفاعة فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم بالنار) انتهى
فهذه الرواية كما تراها صراحة وكثرة تخريج (٣٠) دالة على أنه كغيره من الجماهير القائلين بخروج الموحدين من النار ولا قول له بفناء النار فإنه وجه الاستثناء إلى الموحدين في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾
وابن تيمية يقول إنه عائد إلى فناء النار أيضا كما ستسمعه عند
стр. 63
التكلم على الآية. وظاهر نقل ابن تيمية لأثر ابن عباس أنه قائل بفناء النار
قال شيخ الإسلام: (وأما أثر ابن مسعود فإنه ذكر عنه البغوي أنه قال: (ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد) ثم قال وعن أبي هريرة مثله) (٣١)
وأقول هذان الأثران بهما متمسك ابن تيمية في جعل القول بفناء النار قولا لابن مسعود وأبي هريرة كما سيرويهما في صدر الاستدلال وهذان الأثران ذكرهما البغوي في تفسير (سورة هود) في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ثم قال البغوي عقب ذكرهما ما لفظه:
(ومعناه عند أهل السنة - أن ثبت - أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا) هذا لفظه (٣٢)
стр. 64
فشكك في الرواية أولا ثم أبان أنها إن ثبتت فهي عند أهل السنة في عصاة من الموحدين. ثم نقول بعد ثبوت هذين الأثرين عن هذين الصحابيين لا دلالة فيهما على فناء النار الذي هو محل النزاع بوجه من الوجوه فإن قوله: (ليس فيها أحد) دال على بقائها فإنك إذا قلت ليس في الدار أحد فإنه دال على بقاء الدار لا على فنائها ثم عرفت قول البغوي أن أهل السنة حملوه على خروج الموحدين من النار. وهذا الحمل متعين عند ابن تيمية بخصوصه وعند جميع من عداه. أما عنده فإنه لا يقول بخروج الكفار من النار بل يقول بعد فنائها وذهابها لا يتصور فيها بقاء الكفار وهذان الأثران حاكمان بخروج من فيها وليس إلا عصاة الموحدين أما عند غيره من أهل السنة فالأمر واضح في أن الأثرين ليسا إلا في خروج الموحدين. ولفظ أثر ابن مسعود وإن كان عاما فإنه نكرة في سياق النفي إلا أنه معلوم تخصيصه بالأدلة الدالة على أن الكفار ليسوا منها بمخرجين (٣٣) . عند ابن تيمية وغيره كما عرفت
стр. 65
وبهذا تعرف أنه لا يصح نسبة القول بفناء النار وذهابها إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما نسب هذا القول الذي نقل عنهما [إلى عمر] (٣٤) . بل هو الدليل (٣٥) على بقاء النار بعد خروج من يخرج منها من أهل التوحيد. فكيف يقول شيخ الإسلام في صدر المسألة. (إن القول بفناء النار نقل عن ابن مسعود وأبي هريرة) وإنما مستنده في نسبة ذلك إليهما هذان الأثران اللذان هما بمراحل عن الدلالة على فناء النار وذهابها بعد صحتهما
فعرفت بطلان نسبة هذا القول إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما عرفت بطلان نسبته إلى عمر
وأما قول شيخ الإسلام في صدر المسألة أن أبا سعيد الخدري نقل عنه القول بفناء النار فإنه استدل (٣٦) لذلك بأنه قال أبو نضرة عن أبى سعيد أو قال جابر أو بعض أصحاب النبي ﷺ َ (أتت هذه الآية على القرآن كله ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]
стр. 66
وأقول:
أولا: هذا الأثر نسبه الحافظ السيوطي في (الدر المنثور) إلى تخريج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في (الأسماء والصفات) ولفظه عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد أو رجل من أصحاب النبي ﷺ َ: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن: ﴿خالدين فيها﴾ تأتي عليه. انتهى (٣٧)
وقد نقل ابن تيمية هذه الرواية أيضا ونسبها إلى تخريج ابن جرير أيضا ولا يخفى
أولا انه شك أبو نضرة في قائل هذا القول وردده بين ثلاثة: معلومين ومجهول وهذا الشك وإن كان انتقالا من ثقة إلى ثقة على رأي من يقول كل الصحابة عدول غير ضائر في الرواية إلا أنه لا يصح معه الجزم بنسبة القول بفناء النار إلى أبي
стр. 67
سعيد حيث أن مستند القول به هو هذا الأثر لأن هذا أثر لم يتم الجزم به في رواية أنه لأبي سعيد فكيف يجزم بنسبة هذا المدلول أعني القول بفناء النار وذهابها إلى أبي سعيد كما فعله شيخ الإسلام ولم يثبت عنه الدليل؟
وثانيا: وهو على تقدير ثبوته عنه فإنه لا دلالة فيه على مدعاه وهو فناء النار ولا رائحة دلالة بل غاية ما فيه أن كل وعيد في القرآن ذكر فيه الخلود لأهل النار فإن آية الاستثناء حاكمة عليه وهي عبارة مجملة لا تدل على المدعى بنوع من الدلالات الثلاث (٣٨) . بل يحتمل أنه أراد أنها فسرت بآيات الخلود التي وردت في القرآن في خلود أهل النار كما أخرجه البيهقي في (البعث والنشور) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٧] . قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة انتهى
فنقول: من قال من الصحابة هذه الآية أتت على القرآن كله حيث كان في القرآن: ﴿خالدين فيها﴾ تفسير [٥ في رواية] ابن عباس هذه ثم هب أن معناه ما قاله ابن تيمية وأن آية ﴿إلا ما شاء ربك﴾ قيدت كل آية فيها ﴿خالدين فيها﴾ إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد فغاية (٣٩) ذلك أن تصير كل آية خلود مثل آية
стр. 68
(هود) وآية (هود) لا تدل على مدعاه كما ستعرفه قريبا من تحقيق آية المشيئة وما قيل فيها من الأقوال الصحيحة والسقيمة والمطرحة والقويمة
وإذا عرفت هذا فيا لله العجب كيف ينسب شيخ الإسلام إلى أبي سعيد القول بفناء النار بلفظ لم يتحقق صدوره عنه ولو تحقق صدوره عنه لم يدل على مدعاه فما هذا إلا مجازفة ولا يليق ممن دون ابن تيمية تحقيقا وورعا في نسبة الأقوال وتحرير الاستدلال
هذا وبعد تحقيقك لما أسلفناه وإحاطتك علما بما سقناه تعلم أن هؤلاء الأربعة من الصحابة الذين هم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الذين عين شيخ الإسلام أسماءهم من الصحابة في صدر المسألة وذكر أنه نقل عنهم القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها [هم] بريئون من هذا القول ومن نسبته فناء النار إليهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب واستدل لهم بما ادعاه منسوبا إليهم بما لا مساس له بالدعوى كما عرفت. وحينئذ يعلم انه ليس معه في دعواه فناء النار أحد من الصحابة الذين عينهم وإن كانت عنده أدلة يصح نسبة هذا القول إليهم غير ما ذكره من الآيات فهذا وقتها فإنه قد بذل كل وسعه في هذه المسألة. فقال شيخ الإسلام بعد سرده للأربعة المذكورين من الصحابة:
(والقول بفناء النار نقل عن غير هؤلاء الأربعة من الصحابة) ويريد (بغيرهم) عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه نقل ابن تيمية
стр. 69
عنه القول بفناء النار مستدلا على أصل مدعاه أنه قال: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيه أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا) (٤٠)
وأقول هذا الأثر لا دلالة فيه على مدعى ابن تيمية لأنه لا يقول: أن جهنم تخلو عن الكفار ما دامت باقية إنما يقول إذا فنيت وذهبت لم يبق فيها كافر. وهذا الأثر ينادي بخلودها وهي باقية على حالها والقول بأنه سماها جهنم باعتبار ما كانت عليه رجوع إلى المجاز في مسألة هي أكثر من الدنيا بأضعاف مضاعفة. فكلام ابن عمرو هذا محمول على ما حمل عليه كلام عمر بن الخطاب وغيره من الآثار في أن مراده خروج الموحدين وقد قال عبيد الله (٤١) بن معاذ في أثر ابن عمرو وأبي هريرة كان أصحابنا يقولون يعني من الموحدين
قلت: ويدل له ما قال الحافظ ابن حجر في (تخريج أحاديث الكشاف) أن أثر ابن عمرو أخرجه البزار. ثم ساقه بسنده إلى ابن عمرو ولفظه في آخره (يعني من الموحدين) قال الحافظ: (كذا فيه
стр. 70
ورجاله (٤٢) ثقات والتفسير لا أدري لمن هو) (٤٣) ثم قال:
(ويؤيده ما رواه ابن عدي عن أنس مرفوعا: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها وما فيها من أمة محمد أحد) (٤٤) . وفي الباب عن أبي أمامة رفعه: (يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد تخفق فيه أبوابها. يعني من الموحدين) انتهى. (٤٥)
стр. 71
فعرفت أن حديث ابن عمرو في الموحدين وقول الحافظ: (لا يدري لمن التفسير) يريد قوله: (يعني من الموحدين) يقال عليه الأصل أنه من كلام ابن عمرو ثم إنه لا بد من حمل كلامه المطلق على هذا التفسير عند ابن تيمية وغيره. ثم هب أنها لم تثبت تلك الزيادة فيه فالحديث المرفوع مقدم عليه وهو حديث أنس
وبعد هذا تعرف أنه لا دليل له في أثر عمرو على أصل المدعى
هذا: وأما أصحاب (الكشاف) (٤٦) فإنه لما كان وعيدي الاعتقاد قائلا: بأنه لا يخرج من النار من دخلها من عصاة الموحدين وأهل الإلحاد سلك في أثر ابن عمرو مسلكا آخر فإنه لما ذكره قال:
(وأقول: [أما كان] (٤٧) لابن عمرو في بغيه بيده ولسانه ومقاتلته بها علي بن أبي طالب ما شغله عن تسيير هذا الحديث) . انتهى
كأنه يشير إلى القدح في أثر ابن عمرو ببغيه على أمير المؤمنين
стр. 72
عليه السلام وقد تعقبه في (الكشف) (٤٨) . فقال: لا يلتفت هذا عن المنصف وإيثاره طريقة قدمام المعزلة من نسبته وضع الحديث إليه تلويحا ونسبة مقاتلته أمير المؤمنين عليا بالنص فإن هذا من جلة الصحابة. انتهى
قلت: أما نسبة الوضع إليه فما (٤٩) يظهر من كلام (الكشاف) (٥٠) نعم البغاة مقبولة روايتهم عند المعتزلة كما عرفت من الأصول
ثم استدل شيخ الإسلام ابن تيمية على مدعاه بما أخرجه ابن مردويه في (تفسيره) من حديث جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ الآية [هود / ١٠٧ - ١٠٨]
стр. 73
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل) (٥١)
وأقول: لا دليل فيه على مدعاه وهو فناء النار وذهابها بل فيه دليل على خلافه لأنه لا ينكر الإخراج من النار ولا يقوله ابن تيمية في حق الكفار. فتعين أنه في عصاة الموحدين وقد سمعت مما نقلناه عن ابن عباس أن الله سمى عصاة الموحدين أشقياء وقد صرح ابن تيمية بهذا هنا فقال بعد سرده للحديث:
(إنما يدل على إخراج بعضهم من النار وهو حق بلا ريب وهو بناء على انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما دامت كذلك
والحديث دل على أمرين: أحدهما أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار فعل فيكون معنى الاستثناء ﴿إلا ما شاء ربك﴾ من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء
стр. 74
نوعين: نوعا يخرجون منها ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين سعدوا فيجتمع لهم السعادة والشقاوة في وقتين) انتهى. (٥٢)
وهو صحيح وفيه إقرار منه على أنه لا دلالة فيه على فناء النار كما ساقه دليلا لذلك. على أنا نقول:
الحديث ليس نصا في الإخراج بل إخبار مقيد بقضية شرطية وهو إن شاء الله أن يخرج أخرج وليس فيه أنه تعالى شاء ذلك بل هو مثل ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة / ١٣]
وسيأتي تحقيق ذلك في الكلام على آية المشيئة إن شاء الله
إذا عرفت هذا كله فهؤلاء الستة من الصحابة الذين زعم أنه نقل عنهم القول بفناء النار أي وبدخول أهلها بعد ذلك ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [التحريم / ٨] . وهم الذين أشار إليهم السيد الإمام محمد بن إبراهيم في (الإيثار) حيث قال (٥٣) :
(وطول في الثاني ابن تيمية فقف (٥٤)
على علمه في كتبه والتراجم
стр. 75
وأسنده عن ستة نص قولهم
أكابر من صحب (٥٥) . النبي الأكارم
وأراد بالثاني حمل الاستثناء في وعيد أهل النار على فنائها وانقطاع عذابها
هذا بيان مراده
ولكنك إذا تحققت ما أسلفناه عرفت أنه لم يتم لابن تيمية ما نسبه إلى الستة المذكورين من القول بفناء النار وانه ليس بنص قولهم كما قال السيد محمد ولعله يريد نص لفظهم وإن لم يدل على مدعى ابن تيمية أو أنه نص عنده فيما ادعاه وإن كان غير صحيح ويرشد إلى أنه أراد ذلك قوله بعد ذلك (٥٦) البيت:
فلا تعتقد إن لم يصح مقالهم وبان ضعيفا ساقطا كفر عالم
ثم قال ابن تيمية مستدلا لفناء النار وانقطاعها أنه قال الله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ إلى قول ﴿كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا﴾ [النبأ / ٢٣ - ٢٨]
وقال: (هذا صريح [في] وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر الأبدي بمدة الأحقاب) (٥٧)