← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التسعينية تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٦٦١ هـ - ٧٢٨ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [المجلد الأول]

стр. 2

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر، فَلَا يجوز نشر أَي جُزْء من هَذَا الْكتاب، أَو تخزينه أَو تسجيله بأية وَسِيلَة، أَو تَصْوِيره أَو تَرْجَمته دون مُوَافقَة خطية مُسبقة من الناشر. الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ١٤٢٠ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر ابْن تَيْمِية، أَحْمد عبد الْحَلِيم التسعينية / تَحْقِيق مُحَمَّد إِبْرَاهِيم العجلان - الرياض. ٣٧٦ ص، ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٥ - ٣٦ - ٨٣٠ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٣ - ٣٧ - ٣٨٠ - ٩٩٦٠ (ج ١) ١ - العقيدة الإسلامية ٢ - الفلسفة الإسلامية ٣ - الْفرق الإسلامية أ - العجلان، مُحَمَّد إِبْرَاهِيم (مُحَقّق) ب - العنوان ديوي ٢٤٥. . . ٤٢٠٦/ ١٩ رقم الْإِيدَاع: ٤٢٠٦/ ١٩ ردمك: ٥ - ٣٦ - ٨٣٠ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٣ - ٣٧ - ٨٣٠ - ٩٩٦٠ (ج ١) مكتبة المعارف للنشر والتوزيع هَاتِف: ٤١١٤٥٣٥ - ٤١١٣٣٥٠ فاكس: ٤١١٢٩٣٢ - برقيًّا دفتر ص:. ب: ٣٢٨١ الرياض - الرَّمْز البريدي ١١٤٧١ سجل تجاري ٦٣١٣ الرياض

стр. 3

وكذلك تسعينية فيها له ... رد على من قال بالنفساني تسعون وجهًا بينت بطلانه ... أعني كلام النَّفس ذا الوحدان

стр. 4

المقدمة الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، القائل سبحانه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (١)، والقائل جلّ ذكره: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ تسليمًا كثيرًا بعثه الله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين. فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة وبين لها جميع ما تحتاج إليه في أصول دينها وفروعه، حتَّى تركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، وعلي هذا المنهج سار أصحابه الكرام، ومن تلاهم من القرون المفضلة، حتَّى ظهرت البدع، واستبدت ظلماتها وذاق الأئمة -الذين وهبهم الله الإيمان والعمل- في سبيل إخمادها أنواع العذاب (٣). ومن أبرز هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة- الذي قدم المؤلفات الكثيرة في بيان السنة وتوطيد العقيدة وهدم البدع ومما ألفه في هذا الباب (التسعينية) في الرد على الأشاعرة والكلابية القائلين بالكلام النفسي، وغيرهم.

стр. 5

وكانت علاقتي بمؤلفات هذا العالم الجليل عندما كنت في سنوات الدراسة، حيث قرأت العقيدة الواسطية، فالحموية، فالتدمرية، وكنت أعجب من مناقشة هذا العالم لخصومه، ومدى قدرته على استنباط الأدلة العقلية الموافقة للأدلة النقلية، وصبر هذا الإمام عليهم ومجادلتهم مجادلة موضوعية عجيبة، فكنت في شغف للاطلاع الحر على مؤلفات هذا الإمام. وفي مرحلة الدراسات العليا -الماجستير- سجلت موضوعًا باسم "الإيمان- حقيقته وآثاره"، وفي هذه المرحلة يصبح الإنسان مدفوعًا إلى ضرورة القراءة الواسعة، والمراجعات الدقيقة، فاعتمدت في هذا البحث -بالدرجة الأولى- على كتاب "الإيمان" لابن تيمية، وعندئذ زادت علاقتي بمؤلفات هذا الإمام الكبير، واطلعت على قدر لا بأس به من مؤلفاته ﵀ وكان ممَّا وقع في يدي كتابه "التسعينية" فما انتهيت من بحثي السابق إلّا وسارعت وبدون تردد إلى تسجيل هذا الكتاب للحصول -بتحقيقه ودراسته- على درجة الدكتوراه، للأسباب التالية: ١ - ما تقدمت الإشارة إليه من رغبتي الأكيدة في الاطلاع على مؤلفات هذا الإمام وقراءتها قراءة متأنية، وهذا ما تم بفضل الله تعالى -حيث دعاني البحث في هذا الكتاب إلى الاطلاع على بعض كتب الشَّيخ ﵀ مثل: "درء تعارض العقل والنقل"، و "منهاج السنة النبوية"، و"بيان تلبيس الجهمية"، وغيرها كثير، كـ "مجموع الفتاوى"، و "بعض رسائله ﵀" والتي سأفيد منها -إن شاء الله- في تعليقاتي على بعض مسائل الكتاب. ٢ - أن هذا الكتاب من الكتب التي ألفها ﵀ في الأصول للرد على القائلين بالكلام النفسي، وهم: الأشاعرة، والكلابية، ومن سلك سبيلهم، فقد بحث الشَّيخ هذه المسألة بإفاضة وتحليل، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، من غير محاباة ولا مداهنة، فهو بحق يعد من أهم المصادر في العقيدة التي تحتاج إلى خدمة علمية تعين القارئ على قراءته، وفهم مسائله ودقائقه. والكتاب لم يقم أحد بتحقيقه علميًّا -رغم أهميته- لذا رأيت أن تحقيقي

стр. 6

له بعد دراسة لأهم مسائله يعد مشاركة واجبة مني في خدمة تراث السلف الذي يحتاج من طلاب العلم إلى الجهد والتضحية في سبيل إخراجه بصورة سليمة كما أرادها أولئك. ٣ - أنَّه ممَّا ألفه ﵀ في ظل ظروف صعبة -فقد ألفه وهو في السجن بمصر، وطلب منه الرجوع عن بعض معتقده، وكتبوا له ورقة في أهم المسائل التي يريدون منه عدم البوح بها، وهي ما أجاب عنه الشَّيخ في هذا الكتاب، إذ هو ثمرة صبره ﵀ على المحنة، ومفارقة الأهل والوطن، والثبات على العقيدة السلفية المتلقاة من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح. يقول الشَّيخ (١) ﵀ مشيرًا إلى ما ذكرته: "وقد كتبت هنا بعض ما يتعلق بهذه المحنة التي طلبوها مني في هذا اليوم، وبينت بعض ما فيها من تبديل الدين واتباع غير سبيل المؤمنين، لما في ذلك من المنفعة للمسلمين، وذلك من وجوه كثيرة. . . ". ٤ - أن هذا الكتاب يناقش مسألة عظيمة من أهم المسائل وهي: مسألة كلام الله -تعالى- والرد على من طعن فيه، ودحض باطل من يحاول التشكيك في القرآن الكريم الذي هو دستور المسلمين، وبه نجاتهم، إذ الإيمان به أصل الإيمان، لذا يجب على علمائهم المدافعة عنه، وبيان ضلال من قدح فيه. فإخراج هذا الكتاب محققًا مدروسًا فيه منفعة للمسلمين -إن شاء الله- ممن يهمهم الحفَّاظ على معتقدهم، كما أشار الشَّيخ ﵀ في أول هذا الكتاب (١) حيث بين أنَّه ضمنه ما فيه المنفعة للمسلمين. ٥ - أن هذا الكتاب يتحدث عن مسألة كتاب الله تعالى، ويوضح القول الحق الذي يجب على المسلمين اعتقاده، ويرد القول بخلق القرآن، وكثير من النَّاس لا يعلم أن المقصود من ذلك إبطال الصفات والشرائع (٢).

стр. 7

٦ - أن هذا الكتاب يمثل عقيدة السلف الصالح -رضوان الله عليهم- بما يحويه -إضافة إلى مسألة الكلام- من موضوعات عقدية أبرزها شيخ الإسلام بصورة توافق الكتاب والسنة وأقوال الصّحابة والتابعين لهم بإحسان، كمسألة علو الله، وعلم الله وقدرته، ونزوله، ومجيئه، وضحكه، وغيرها. ٧ - نقل الثقات من أهل العلم عن هذا الكتاب في مقام الاستشهاد كابن القيِّم ﵀ والشيخ عبد العزيز بن حمد آل معمر (١)، وكذلك عالم الشام: جمال الدين القاسمي (٢)، وكذلك محمد السفاريني (٣)، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. ٨ - أن هذا الكتاب يتضمن نقولًا من مصنفات مفقودة، أو لم ييسر خروجها إلى الآن، وذلك مثل كتاب "السنة" لأبي الشَّيخ الأصبهاني، و "السنة" للطبراني، وغيرهما. ٩ - أن الشَّيخ ﵀ أحسن في تناوله لمسائل هذا الكتاب، بالإشارة إلى مجموعة كبيرة من المراجع التي تعين الباحثين في موضوع صفات الله -سبحانه- وهي مراجع أصيلة، منها ما يتعلق بأحاديث النَّبيِّ ﷺ ومنها ما يتعلق بمصنفات لمؤلفين عنوا بهذا الموضوع، وهذا الصنيع من شيخ الإسلام يجعل لكتابه هذا مهمة التوجيه والإرشاد البحثي في موضوع عظيم من موضوعات العقيدة (٤). وقد واجهتني بعض الصعوبات أثناء التحقيق، والتي عادة ما تواجه الباحث، أذكر منها: ١ - كثرة البياض والتي تتفق عليه النسخ، وهو يتراوح ما بين كلمة وبضعة أسطر، وهذا أمر أعاقني كثيرًا، حيث بذلت -بالتعاون مع المشرف- وفقه الله- جهدًا في سبيل إيجاد بعض الكلمات والعبارات التي تتفق وأسلوب الشَّيخ وتكمل المعنى وتناسب السياق، وأذكر منها على سبيل المثال:

стр. 8

البياض في ص: ١١١، وفي ثلاثة أماكن، منها بقدر سطر تقريبًا. ص: ٢٠١ بقدر ثلاث كلمات. ص: ٧٩٢ بقدر عدة أسطر. ٢ - من عادة الشَّيخ ﵀ في مصنفاته أنَّه يقوله: "وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع" وهذه العبارة وردت في هذا الكتاب كثيرًا، ممَّا تطلب مني جهدًا في البحث عن الموضع الذي أحال عليه الشَّيخ ﵀ في مصنفاته الأخرى إلّا ما ندر. ٣ - يذكر الشَّيخ ﵀ كتابًا لمؤلف، وينقل منه باسم مختصر، أو يذكر اسم الكتاب بالمعنى، لاعتماده على الحفظ، ممَّا يعيق سرعة الحصول على الكتاب -إن كان موجودًا- أو التعريف به من الكتب التي تهتم بالتراث، ومن أمثلة ذلك ما ورد في ص: ٣٢٣ وما ورد في ص: ٣٢٥، ص: ٣٣٤، ٤٣٦ إلى غير ذلك. ٤ - النقل من كتب مخطوطة، وقد يبلغ الكتاب مجلدات، وصعوبة العثور على بعض النقول من الكتب المخطوطة لا يخفى على من سلك هذا الطريق، لا فيما إذا كان المخطوط مصورًا، أو لم يخدم بوضع فهارس، ومن أمثلة المخطوطات التي رجعت إليها في التحقيق ونقل منها المؤلف ﵀: - نهاية العقول في دراية الأصول- للفخر الرازي. - السنة "المسند من مسائل أبي عبد الله أحمد بن حنبل رواية أبي بكر الخلال". - ذم الكلام- لأبي إسماعيل الهروي. - إبطال التأويلات لأخبار الصفات- للقاضي أبي يعلى. - الأسنى شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى- لأبي عبد الله القرطبي. ٥ - طول الكتاب وصعوبة مادته العلمية، ولا أبالغ إذا قلت: إنني أمضي الساعات الطويلة لفهم بعض العبارات.

стр. 9

٦ - أن الشَّيخ ﵀ يشير إلى بعض الروايات برموز عامة يصعب تحديدها، وخاصة إذا كانت الرواية ضعيفة أو موضوعة، ممَّا يجعل البحث عنها يتطلب وقتًا وجهدًا، وذلك مثل ما أورده في ص: ٩٦٥ حيث قال: "كحديث الملائكة الأربعة" وإشارته إلى أنَّه حديث موضوع. وعلي الرغم من حجم هذه الصعوبات وتنوعها، فإن ما فيها من متاعب، كانت متاعب ممتعة، لما وجدته من إفادة طلاب العلم بمسائل هذا الكتاب، والذي يرغب الشهد، فليصبر على إبر النحل. وستكون خطتي في هذا البحث على النحو التالي: المقدمة. التمهيد: وسأذكر فيه ما يتعلق بالفرق الضَّالة وخطرها على المعتقد الصَّحيح. القسم الأول: الدراسة. وفيه بابان: الباب الأول: المؤلف، حياته وعصره. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: حياته، وفيه مبحثان: ١ - اسمه ومولده. ٢ - نشأته وصفاته. الفصل الثَّاني: عصره، وفيه مباحث: ١ - الناحية السياسية. ٢ - الناحية الاجتماعية. ٣ - الناحية العلمية. الفصل الثالث: محنته، ووفاته. الباب الثَّاني: كتابه التسعينية ودراسة بعض مسائله. وفيه فصلان: الفصل الأول: تعريف بالكتاب، وفيه مباحث:

стр. 10

١ - سبب تأليف الكتاب وتسميته. ٢ - تاريخ تأليفه. ٣ - توثيق نسبته إلى مؤلفه. ٤ - منهج المؤلف في الكتاب. ٥ - نسخ الكتاب. ٦ - منهجي في تحقيقه. الفصل الثَّاني: دراسة بعض مسائله، وفيه مباحث: ١ - فتنة القول بخلق القرآن. ٢ - مسألة كلام الله. ٣ - إلزامات. القسم الثَّاني: التحقيق. هذا وإني لست أدعي الكمال، فالكمال لله وحده، فالكل معرض للنقص والتقصير، ولكن حسبي بذلك أني بذلت جهدي، فإن أصبت فمن الله وتوفيقه وعونه، وإن أخطأت فمني، ومن الشيطان، وأستغفر الله وأتوب إليه. ولا يفوتني في ختام هذه المقدمة أن أسجل كلمة شكر وعرفان لفضيلة الدكتور: محمد رأفت سعيد، المشرف على هذه الرسالة، على ما قدمه لي من عون، وما أرشدني إليه من ملحوظات، فقد كان -وفقه الله- خير معين ومرشد، ولم يبخل علي بوقت ولا علم ولا جهد في سبيل إنجاز هذا البحث. كما أشكر كلًّا من فضيلة الشَّيخ عبد العزيز عبد الله آل الشَّيخ، وفضيلة الدكتور سالم بن عبد الله الدخيل، على توليهما مناقشة هذه الرسالة، وأعدهما أن ما يقدمانه من ملاحظات وتوجيهات سوف تكون نصب عيني، وسوف أعمل -بمشيئة الله تعالى- على تلافيها. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 11

التمهيد

стр. 12

التمهيد الفرق الضَّالة وخطرها على المعتقد الصَّحيح: الصراع بين الحق والباطل قديم منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا، وسوف يستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فبينهما صراع لا يفتر ولا يلين ولا يتوقف، صراع متنوع متعدد الأشكال، فهناك صراع عقدي، وصراع سياسي، وصراع إعلامي، وصراع اقتصادي. . . إلخ، والله شاء ذلك لحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١). والصراع الحقيقي هو الصراع العقدي، وما سواه صراعات فرعية، لكن أهل الباطل ربما يتسترون وراء عوامل فرعية خداعًا وتمويهًا، حتَّى يصلوا إلى مرادهم، وهو هدم الإسلام وزعزعة كيانه، وذلك بإثارة الشكوك والفتن بين أفراده والنيل من معينه الصافي (الكتاب والسنة) ومحاولة تحريفهما وتأويلهما (٢). ولو تتبعنا التاريخ للفرق المختلفة في باب العقيدة لوجدنا أن الحقد الدفين الذي تكنه عناصر دخيلة على الإسلام وراء ذلك التفرق (٣)، فعندما سيطر حكم الإسلام على أكثر البلاد في آسيا وإفريقيا، وغيرهما، دخل تحت

стр. 13

حكمه أمم كثيرة، رغبة ورهبة، وكان لها أديان مختلفة، من يهودية، ومجوسية، ونصرانية، ووثنية، وغير ذلك، وقد كان لكثير من هذه الأمم سلطان كبير، مثل المجوس والرومان، فسلبهم المسلمون ذلك، وكان عند هؤلاء من الكبر والاستعلاء ما يجعلهم يأنفون من كونهم تحت سلطان المسلمين، لا سيما وقد كانوا يرون العرب من أحقر الأمم وأقلها شأنًا، كما أن اليهود واجهوا الإسلام ورسوله من أول أمره بالعداء وحاولوا القضاء عليه بأنواع من المكائد والمؤامرات، ولما يئس هؤلاء جميعًا من قدرتهم في مجابهة الإسلام بالقوة وجهًا لوجه انصرف جهدهم وكيدهم إلى الدسائس والمؤامرات والاغتيالات لرجاله العظام. ودخل في الإسلام -ظاهرًا- من هؤلاء من قصده إفساده وتمزيق وحدة أهله، ولا بد أن يكون ذلك عن دراسة، وإعمال فكر وتخطيط وربما يكون هناك جماعات متعاونة، من المجوس واليهود، والنصارى والهنود وغيرهم، وقد تكون لكل طائفة مؤسسات تعمل لإفساد عقائد المسلمين، لتيقنهم أنَّه لا يمكن هزيمة المسلمين إلَّا بإفساد عقيدتهم، فبدأت آثار المؤامرات تظهر شيئًا فشيئًا، فقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأيدٍ مجوسية (١)، وربما بمؤامرة مجوسية يهودية. ثم قتل الخليفة عثمان بعده بأيدٍ مشبوهة (٢)، من غوغاء، يدفعهم بعض دهاة اليهود والمجوس (٣). ثم ظهر القول بنفي القدر، وأول من ابتدع القول به بالعراق، رجل من أهل البصرة يقال له: سيسويه، من أبناء المجوس، وتلقاه عنه معبد الجهني (٤).

стр. 14

ثم ظهرت بدعة الخوارج في عهد علي بن أبي طالب ﵁ سنة ٣٧ هـ، حيث اعترضوا على قبول التحكيم، واستمروا في ضلالهم وعنادهم إلى أن انتهى الأمر إلى الحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر في الدُّنيا وإباحة دمه وماله، والخلود في النَّار بالآخرة. ولا أستبعد أن يكون وراء هذه البدعة أيد خفية تسترت بالإسلام ظاهرًا. ثم ظهرت بدعة التشيع، وكان وراء هذه البدعة رجل يهودي اسمه عبد الله بن سبأ (١)، ادعى الإسلام، وغلا في علي ﵁ فقال بنبوته، ثم غلا، فقال بألوهيته، ودعا إلى ذلك قومًا من غواة الكوفة (٢). والشيعة فرق متعددة مختلفة فيما بينها يجمعها القول بإمامة علي وخلافته نصًّا ووصية، وهي من مخلفات ابن سبأ (٣). وقد استغل أعداء الإسلام مذهب التشيع للكيد له ومحاولة الوصول إلى أهدافهم عن طريقه، لكن الله حفظه، وأتم نوره. يقول ابن حزم مقررًا هذه الحقيقة: ". . . فلما امتحنوا -يعني الفرس- بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، ففي كل ذلك يظهر الله الحق. . . " إلى أن قال: ". . . فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ

стр. 15

واستشناع ظلم علي (١) ﵁ ثم سلكوا مسالك شتى حتَّى أخرجوهم عن الإسلام. . . " (٢). ثم ظهرت المرجئة كرد فعل للخوارج والشيعة، وأرجؤوا الحكم على مرتكب الكبيرة إلى يوم القيامة، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة (٣). ثم ظهرت الجهمية المعطلة لصفات الرَّبِّ -سبحانه- وأصل هذه المقالة -كما يقول الشَّيخ ﵀: "مأخوذة عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنَّه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى (استوى) بمعنى (استولى) ونحو ذلك- هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه". وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبيان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النَّبيَّ ﷺ . وكان الجعد بن درهم هذا -فيما قيل- من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة. . . " إلى أن قال: ". . . فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة" (٤). أما المعتزلة فقد ثبتت القول بالقدر -الذي قال به وكما تقدم- رجل من أبناء المجوس -وتعددت فرقها فيه، وكفر بعضهم البعض الآخر. وقد تأثر شيوخ المعتزلة- كأبي الهذيل العلاف، والنظام، وغيرهما -بما عرب من

стр. 16

كتب الفلاسفة، وأظهروا موافقتهم لهم (١). ثم ظهرت الأشعرية، وهي خليط من مذاهب عدة فرق كالمعتزلة، والكلابية والجهمية (٢). وأبو الحسن الأشعري -الذي تنتسب إليه هذه الطائفة- أخذ عن الجبائي الاعتزال، ولازمه دهرًا طويلًا، ثم سلك طريق ابن كلاب إلى الصفات، والقدر، وغير ذلك. وسلك طريقه جماعة من العلماء، مثل: الباقلاني، وابن فورك، والإسفراييني، والشيرازي، والغزالي، والشهرستاني، والرازي، وغيرهم وملؤوا الدُّنيا بتصانيفهم، يحتجون، ويدعون أن طريقتهم هي طريقة أهل السنة والجماعة، فانتشر هذا المذهب في البلاد الإسلامية، وجاءت دولة بني أيوب، وكانوا على هذا المذهب، ثم مواليهم الأتراك، وأخذه ابن التومرت إلى المغرب، ونشره هناك، فصار هذا المذهب هو المعروف في الأمصار، بحيث نسي ما عداه من المذاهب أو جهل، حتَّى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلّا أن يكون مذهب الحنابلة (٣). ومن هذا العرض المختصر لهذه الفرق يتضح لنا مدى تأثير القوى الخفية -التي تدفعها أيد يهودية ومجوسية- عليها، وأن أعداء الإسلام لن يألوا جهدًا ولا يهنأ لهم عيش، ولا يقر لهم قرار حتَّى ينفذوا مخططاتهم -عمليًّا- التي أمضوا الوقت الطَّويل في دراستها، ولهم أساليبهم المختلفة في التنفيذ، وطرقهم الخفية في الغزو، وقد اتخذوا معتقد المسلم هدفًا أسمى يرمون إليه، فإذا استطاعوا صرفه، أو على الأقل الإخلال به وإن ما وراءه من أمور فرعية. وقد أدرك علماء المسلمين خطر هذا التفرق وما يخفيه وراءه من التستر بالإسلام والتسمي به، وأن المقصد أسمى والغاية نبيلة، وإذا حقق الأمر وجد

стр. 17

التعطيل الصرف للباري -سبحانه- وسلبه صفات الجلال والعظمة، فصنفوا المصنفات الكثيرة التي تدحض الباطل وأهله، وتبين الحق وتحث على اتباعه. فصنف حماد بن سلمة (ت: ١٦٧ هـ) كتابه في الصفات (١)، وكان ﵀ شديدًا على المبتدعة. وصنف عبد الله بن محمد الجعفي (ت: ٢٢٩ هـ) كتابه في الصفات والرد على الجهمية (٢). وصنف الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) كتابه الرد على الجهمية والزنادقة (٣). وصنف عثمان بن سعيد الدَّارميّ (ت: ٢٨٠ هـ) كتاب الرد على الجهمية (٤). وصنف أبو بكر الخلال (ت: ٣١١ هـ) كتاب السنة (٥). وصنف أبو الشَّيخ الأصبهاني (ت: ٣٦٩ هـ) كتاب السنة (٦). وصنف أبو عبد الله بن مندة (ت: ٣٩٥ هـ) كتاب الرد على الجهمية (٧). وصنف أبو القاسم اللالكائي (ت: ٤١٨ هـ) كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٨). وصنف أبو عمر الطلمنكي (ت: ٤٢٩ هـ) كتاب السنة (٩)، وصنف

стр. 18

القاضي أبو يعلى (ت: ٤٥٨ هـ) كتبًا في الرد على الأشعرية والكرامية والباطنية (١). هذا قليل من كثير ألفه علماء الإسلام ضد أهل البدع والأهواء في تلك الحقبة من الزمن. وقد تتابع التأليف والتصدي من أئمة الإسلام، وكان من بينهم تقي الدين أبو العباس بن تيمية، فقد تصدى ﵀ للانتصار لمذهب السلف ورد على الأشاعرة، والرافضة، والصوفية، وغيرهم ممن ضل الطريق المستقيم، فألف الكتب الكثيرة، وأجاب على الأسئلة العديدة التي ترده من بلاد شتى. ومما ألفه في الرد على الأشاعرة -خصوصًا- وعلى طوائف أهل الأهواء -عمومًا- هذا الكتاب الذي بين أيدينا، إذ بيّن ﵀ ضلال هذه الطائفة في مسألة عظيمة، وهي: مسألة كلام الله تعالى، وناقش قولهم: إنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة. وبين الشَّيخ ﵀ أن هذا القول ممَّا اختص به الأشعري وابن كلاب، وما سواه فمسبوقان إليه، قد تكلم فيه من سبقهما (٢). وأستطيع القول من خلال معايشتي لهذا الكتاب إنه الكتاب الوحيد (٣) من كتب الشَّيخ الذي تفرد بمناقشة الأشاعرة (٤) في هذه المسألة مناقشة موضوعية

стр. 19

هادئة، كانت نتيجتها -للمحايد- الاعتراف بانتصار الشَّيخ ﵀ على خصومه ببيان الحق في هذه المسألة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال السلف الصالح -رضوان الله عليهم. * * *

стр. 20

الباب الأول المؤلف حياته وعصره

стр. 21

الفصل الأول حياته اسمه ومولده: هو شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد العليم (١) بن عبد السلام (٢) بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية (٣) الحراني (٤) الدّمشقيُّ (٥). ولد ﵀ بحران يوم الإثنين العاشر (٦) من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة من الهجرة النبوية. نشأته وذكر بعض صفاته: بقي ﵀ بحران إلى أن بلغ سبع سنين، ثم انتقل والده به

стр. 22

وبإخوته إلى الشام -عند ظهور التتار- فقدموا دمشق، ونشأ بها نشأة صالحة، وأنبته الله نباتًا حسنًا، وكانت ملامح النجابة ظاهرة عليه في صغره، وختم القرآن الكريم صغيرًا، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية، حتَّى برع في ذلك، مع ملازمته لمجالس الذكر وسماع الأحاديث والآثار، فسمع دواوين الإسلام الكبار، كصحيح البُخاريّ ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه والدارقطني، ومسند الإمام أحمد مرات عدة، وأول كتاب حفظه في الحديث "الجمع بين الصحيحين" للإمام الحميدي (١). يقول ابن عبد الهادي -بعد ذكره لعناية الشَّيخ ﵀ بالحديث والفقه والعربية: "وأنه تأمل كتاب سيبويه حتَّى فهم النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا حتَّى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك. "وهذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه" (٢). ونقل ابن عبد الهادي عن الحافظ أبي عبد الله الذهبي أنَّه قال: "نشأ -يعني الشَّيخ تقي الدين ﵀ في تصون تام، وعفاف وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال، ومات والده -وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم- فدرس بعده بوظائفه، وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكذا كان الدرس بتؤدة وصوت جهوري فصيح" (٣). ولم يزل في ازدياد من العلوم والاشتغال بها، وبث العلم ونشره،

стр. 23

والاجتهاد في سبل الخير، حتَّى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم والتواضع والحلم والجلالة والمهابة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع الصدق والعفة وحسن القصد، ومراقبة الله والخوف منه. وقد عقد أبو حفص البزار فصولًا في مآثره الحميدة وصفاته النبيلة. فممَّا قاله في تعبده: ". . . قطع جل وقته وزمانه فيه، حتَّى إنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى، وما يراد له لا من أهل ولا مال، وكان في ليله منفردًا عن النَّاس كلهم، خاليًا بربه ضارعًا مواظبًا على تلاوة القرآن العظيم، مكررًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية. . . " (١). ومما قاله في ورعه: ". . . كان ﵁ في الغاية التي ينتهى إليها في الورع، لأنَّ الله تعالى أجراه مدة عمره كلها عليه، فإنَّه ما خالط النَّاس في بيع ولا شراء ولا معاملة ولا تجارة ولا مشاركة ولا زراعة ولا عمارة. . . ولا كان مدخرًا دينارًا ولا درهمًا ولا متاعًا ولا طعامًا، وإنَّما كانت بضاعته مدة حياته، وميراثه بعد وفاته ﵁ العلم، اقتداء بسيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. . . " (٢). ومما قاله في زهده: ". . . لقد اتفق كل من رآه، خصوصًا من أطال ملازمته أنَّه ما رأى مثله في الزهد في الدُّنيا، حتَّى لقد صار ذلك مشهورًا بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من

стр. 24

أهل بلد بعيد: من كان أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدُّنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية. . . " (١). ومما قاله في إيثاره، مع فقره: ". . . كان ﵁ مع شدة تركه للدنيا ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثرًا بما عساه يجده منها قليلًا كان أو كثيرًا. . . لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به، فقد كان يتصدق، حتَّى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه، ممَّا يحتاج إليه، فيصل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين، فيؤثر بذلك على نفسه. . . " (٢). وقال في تواضعه: "ما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للصغير والكبير. . . والغني والفقير، وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله من الأغنياء، حتَّى إنه ربما خدمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته، جبرًا لقلبه، وتقربًا بذلك إلى ربه. وكان لا يسأم من يستفتيه أو يسأله، بل يقبل عليه ببشاشة وجه، ولين عريكة، ويقف معه حتَّى يكون هو الذي يفارقه. . . ولا يحرجه ولا ينفره بكلام يوحشه، بل يجيبه ويفهمه ويعرفه الخطأ من الصواب بلطف وانبساط. . . " (٣). وقال في لباسه وهيئته: "كان ﵁ متوسطًا في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخر الثياب

стр. 25

بحيث يرمق ويمد إليه النظر فيها، ولا أطمارًا (١)، ولا غليظة تشهر حال لابسها ويميز من عامة النَّاس بصفة خاصة يراه النَّاس فيها، بل كان لباسه وهيئته كغالب النَّاس ومتوسطهم، ولم يكن يلزم نوعًا واحدًا من اللباس فلا يلبس غيره. كان يلبس ما اتفق وحصل، ويأكل ما حضر، وكانت بذاذة (٢) الإيمان عليه ظاهرة، لا يرى متصنعًا في عمامة، ولا لباس، ولا مشية، ولا قيام، ولا جلوس، ولا يتهيأ لأحد يلقاه، ولا لمن يرد عليه من بلد. . . " (٣). وقال في كرمه: "كان ﵁ مجبولًا على الكرم، لا يتطبعه ولا يتصنعه، بل هو له سجية. . . وكان لا يرد من يسأله شيئًا يقدر عليه من دراهم ولا دنانير، ولا ثياب ولا كتب ولا غير ذلك، بل ربما كان يسأله بعض الفقراء شيئًا من النفقة، فإن كان حينئذ متعذرًا لا يدعه يذهب بلا شيء، بل كان يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إليه، وكان ذلك المشهور عند النَّاس من حاله. . . " (٤). ومما قاله في شجاعته وجهاده: "كان من أشجع النَّاس، وأقواهم قلبًا، ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم. أخبر غير واحد أن الشَّيخ ﵁ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم أوقفهم، وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم

стр. 26

هلعًا أو رقة وجبانة شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنمية، وبين له فضل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السكينة، وكان إذا ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيرًا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت. . . " (١). * * *

стр. 27

الفصل الثَّاني عصره وبعد أن تعرفنا على هذه الشخصية الفذة، وما تحويه من الصفات الحميدة والأخلاق الفاضلة التي منّ الله بها عليه، يطيب لي أن نتعرف على العصر الذي عاشت فيه، إذ من الثابت أن الظروف التي تحيط بالشخص، والبيئة التي يعيش فيها، والأحوال السياسية والاجتماعية القائمة في عصره لها أثر في تكوين الشخصية، وتعيين اتجاهها إلى الخير أو الشر. وقد يكون التاثير عكسيًّا، فكثرة الفساد تحمل على التفكير الجدي في الإصلاح، فتدفع المصلح لأنَّ يفكر في أسباب الشر فيقتلعها، وفي نواة الخير الكامنة فيغذيها، وكذلك كان التفاعل بين ابن تيمية وعصره (١)، والذي سوف نتكلم عنه في المباحث التالية: الناحية السياسية . الناحية الاجتماعية. الناحية العلمية. الناحية السياسية: الشَّيخ ﵀ عاش في أواخر القرن السابع وأول القرن الثامن للهجرة، وقد كانت البلاد الإسلامية -في هذه الفترة- مليئة بالأحداث المحزنة التي يذكرها المؤرخون بالتفصيل، وأكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى أمور تعد من علامات العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام. فقد بدأ الصليبيون غاراتهم على بلاد الشام سنة ٤٩١ هـ، كما يذكر ذلك

стр. 28

ابن الأثير (١) عن الحوادث التي جرت في هذه السنة، عندما خرج الفرنج إلى بلاد الشام. واستمر الصليبيون في غاراتهم على الشام ومصر، ينتصرون مرَّة، وينهزمون أخرى نحو قرنين من الزمان، حتَّى انتهى الأمر بطردهم نهائيًّا سنة ٦٩٠ هـ على يد الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون (٢). يقول ابن كثير: "في تلك السنة فتحت "عكا" وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مدد متطاولة، ولم يبق فيها حجر واحد" (٣). وقد ذكر البزار ما يدل على مشاركة الشيخ ﵀ في فتح "عكا" فقال: "وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح "عكا" أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها. قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره" (٤). وبينما كان المسلمون منشغلين بقتال الصليبين، دهمهم خطر التتار الذين قدموا بقيادة زعيمهم "جانكيز خان" يجتاحون البلاد الإسلامية، وكانوا قومًا فيهم غلظة، فأسرفوا في سفك الدماء، ونهب الأموال، وتخريب البلاد حتَّى سقطت بأيديهم بغداد عاصمة الخلافة سنة ٦٥٦ هـ، وأحالوا هذه المدينة العامرة إلى خراب، فأشعلوا النَّار في دورها، وقتلوا الآلاف من

стр. 29

أهلها، وعلى رأسهم الخليفة العباسي المستعصم بالله (١). وبعد استيلاء التتار على العراق وخراسان وغيرها من بلاد الشرق، أصبح الطريق أمامهم مفتوحًا لغزو الشام، فسارعوا بجيوشهم عبر الفرات وما لبثوا أن استولوا على حلب ثم دمشق، حتَّى وصلوا بقيادة "هولاكو" إلى غزة في طريقهم إلى مصر، لكن الملك المظفر "قطز" (٢) -سلطان ديار مصر- باغتهم بجيش، ودارت بينهم معركة في "عين جالوت" (٣) سنة ٦٥٨ هـ، انتهت بهزيمة التتار وفرارهم (٤). لكن التتار عادوا مرَّة أخرى لغزو الشام سنة ٦٩٩ هـ، وقصدوا دمشق، فاجتمع أعيان البلد وتقي الدين بن تيمية، واتفقوا على المسير إلى "قازان" -سلطان التتار- ومواجهته قبل دخوله دمشق، وأخذ الأمان منه لأهلها، فتوجهوا إليه، وكلمه الشَّيخ كلامًا قويًّا شديدًا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين (٥)، فحقنت الدماء، وحميت الدَّراري واندحر التتار بعد قدوم العساكر المصرية لمساعدة أهل الشام. وكان ﵀ يحث النَّاس على الجهاد والاستعداد له في أي لحظة،

стр. 30

ويتلو عليهم آيات الصبر والجهاد، ويجتمع بنواب قازان -بعد رجوعه- لتخليص أسرى المسلمين، وقد فك أسر كثير منهم بسبب جهوده ﵀. وفي سنة ٧٠٠ هـ جاءت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، ففزع النَّاس، وشرعوا في الهروب من تلك الديار، لكن الشَّيخ ﵀ حرضهم على البقاء والمدافعة بالغالي والرخيص، وذكرهم بفضل الجهاد، وكلما اقترب التتار من دمشق زاد فزع النَّاس واضطرابهم وهروب البعض منهم، خصوصًا بعد رجوع السلطان الناصر وعساكره إلى مصر من عرض الطريق، وكان خرج منها إلى الشام لمساعدة أهلها، ممَّا جعل الشَّيخ -وبطلب من نائب دمشق- يتوجه إلى مصر بالبريد لحث السلطان على حماية دمشق، إن كانت لهم بهم حاجة. وقال لهم فيما قال: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه، ويستغله في زمن الأمن". ولم يزل الشَّيخ تقي الدين بهم حتَّى خرجت العساكر من مصر إلى الشام، وحثهم على الجهاد ووعدهم بالنصر المؤزر، لكن ملك التتار أحس بضعف جيشه فرجع، وكفى الله المسلمين شرهم (١). وفي سنة ٧٠٢ هـ وردت الأخبار بعزم التتار على غزو الشام، ففزع النَّاس -كما هي حالهم في كل مرَّة- وقدموا فعلًا إلى الشام، وجاءت العساكر المصرية، وخرج الشَّيخ إلى العسكر، واجتمع بهم ووعدهم النصر وحث الأمراء على الصبر ومواصلة الجهاد وعدم التخاذل، ووقعت معركة "شقحب" (٢) وشارك الشَّيخ ﵀ فيها مشاركة فعلية بعد أن كاد يدب اليأس إلى قلوب النَّاس، وبدأت مظاهر التفرق فيهم، وأفتى ﵀ بفطر النَّاس مدة قتالهم، وأفطر هو -أيضًا- فانتصر المسلمون -بحمد الله-

стр. 31

وغنموا مغانم كثيرة، وخذل التتار وولوا مدبرين (١). وفي سنة ٧٠٥ هـ، كان لجماعة من التتار صولة على جيش حلب، فخرج الشَّيخ أبو العباس ومعه طائفة من الجيش لغزوهم، ثم تبعه نائب السلطان بما بقي من الجيوش الشامية، وقد أبان الشَّيخ ﵀ في هذه الغزوة علمًا وشجاعة ملأت قلوب أعدائه حسدًا وغمًّا (٢). فمن هذا العرض الموجز نجد أن حياة المسلمين السياسية في الفترة التي عاش فيها الشَّيخ مضطربة، وقد أدى تلاحق الحوادث والحروب إلى عدم استقرارها، ودفع بخيرة أبناء البلاد إلى الحرب والجهاد. هذا بالنسبة للوضع السياسي خارج دولة المماليك. أما في الداخل: فكان حكمهم يزخر بالفتن والاغتيالات والمؤامرات، فما أن تهدأ الأمور وتسير في صالح سلطان حتَّى يتطاول عليه أمير من الأمراء محاولًا اغتصاب السلطة. . . وهكذا، فالقوة كانت إحدى مميزات هذه العصر (٣)، ممَّا جعل السلاطين يعيشون في وضع غير مستقر، لما يلاقونه ويتعرضون له من القتل والعزل والإذلال. ومما لا شك فيه أن هذا الوضع المضطرب له الأثر السلبي على العلماء المعاصرين له الذين أخذوا العهد على أنفسهم بتوجيه النَّاس الوجهة الصالحة، وبيان الحق لهم، فكانوا يغضبون على تلك الطائفة التي تحاول إثارة الشغب بما تحيكه من المؤامرات ضد السلاطين، خصوصًا وأنهم أظهروا الدفاع عن البلاد الإسلامية، وحماية أهلها، وصدوا هجمات التتار المتكررة -كما رأينا- وحرصوا على مصالح الرعية، وأشاعوا العدل بينهم (٤).

стр. 32

الناحية الاجتماعية: المجتمع في مصر والشام -في هذه الفترة- يموج بأجناس كثيرة مختلفة في العادات والتقاليد والأخلاق، فكما تقدم جاء الصليبيون وما يحملونه من عادات وأفكار من جهة، وجاء التتار ومعهم تقاليدهم ومبادئهم من جهة، وجاء بعض البغداديين إلى مصر، وخرج البعض من مصر إلى الشام، وذهب آخرون من الشام إلى مصر، وقد امتزجت هذه الشعوب ببعضها في الحرب والسلم، فكان منهم مجتمع مضطرب لا يعرف الاستقرار والسكون. ويصور لنا المقريزي هذا المجتمع بقوله: ". . . فلما كثرت وقاع التتر في بلاد المشرق والشمال، وبلاد القبجاق، وأسروا كثيرًا منهم وباعوهم، تنقلوا في الأقطار، واشترى الملك الصالح نجم الدين أيوب جماعة منهم سماهم البحرية، ومنهم ملك ديار مصر، وأولهم المعز أيبك، ثم كانت لقطز معهم الواقعة المشهورة على عين جالوت، وهزم التتار، وأسر منهم خلقًا كثيرًا صاروا بمصر والشام. ثم كثرت الوافدية في أيَّام الملك الظاهر بيبرس، وملؤوا مصر والشام. . . فغصت أرض مصر والشام بطوائف المغول، وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم، هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعبًا من "جنكيز خان وبنيه" وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم، وكانوا إنما ربوا بدار الإسلام، ولقنوا القرآن، وعرفوا أحكام الملة المحمدية، فجمعوا بين الحق والباطل، وضموا الجيد إلى الرديء، وفوضوا لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة والحج، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام، وجعلوا إليه النظر في الأقضية الشرعية، كتداعي الزوجين وأرباب الديون ونحو ذلك" (١). فالمجتمع في هذا العصر تألف من: طبقة الأمراء وعلى رأسهم السلطان: وهذه الطبقة لها الحظ الأوفر في

стр. 33

النفوذ والجاه، فقد اتخذت من ضعف البلاد، وما حققته من انتصارات على الصليبين والتتار مبررًا يبيح لها ما تستولي عليه من أموال الدولة. طبقة العلماء والفقهاء: وقد كان البعض منهم يعتمدون الوظائف التي تسند إليهم، فهم في عيش رغيد لما يقومون به من خدمة السلاطين، وتنفيذ غاياتهم، وتحقيق مآربهم (١). لكن هذا لا ينطبق على البعض الآخرى كابن تيمية ﵀ فقد رأينا كيف كان يقف في وجه السلطان بمصر ويطلب منه التوجه إلى دمشق وحماية أهلها، وإلا أقيم سلطان آخر يحميها، ورأينا كيف وقف في وجه قازان، وكلامه له بقوة وشدة، حتَّى عاد نفع ذلك على المسلمين. فالشيخ ﵀ لم يكن ممن يمد يده ليأخذ، ولا ممن يذل نفسه ليطلب، بل كانت له اليد الطولى على أولئك السلاطين، لما بذله من حث الناس على الجهاد وتهدئة فزعهم (٢)، ولمشاركته الفعالة في الجهاد -كما مر- إضافة إلى علوه عليهم بما حباه المغربه من علم غزير دفعه إليه الحرص على إصلاح المجتمع والتزامه بتعاليم الكتاب والسنة عقيدة ومنهجًا وسلوكًا. والطبقة الثالثة: عامة الشعب، كالتجار والزراع والصناع وغيرهم، وهؤلاء لاقوا العنت والظلم، وعدم وصول أحدهم إلى ثمرة جهده وعمله، وقد وقف العلماء والفقهاء مع هؤلاء، ومنهم الشَّيخ ﵀ لرفع الحيف عنهم، وتوجيه الطبقة الحاكمة إلى ما يعود عليهم بالنفع، ويدفع عنهم الأذى (٣).

стр. 34

الناحية العلمية: القرون الثلاثة: السادس والسابع والثامن، كما يقول الشَّيخ أبو زهرة: "امتازت بكثرة العلم، لا بكثرة الفكر، فقد كانت المعلومات كثيرة جدًّا وتحصيلها كان بقدر عظيم، وعكوف النَّاس عليها كان كبيرًا، ولكن التفكير المطلق في مصادرها ومواردها، والمقايسة بين صحيح الآراء وسقيمها مقايسة حرة من التعصب الفكري، والتحيز المذهبي، لم يكن بقدر يتناسب مع تلك الثروة المثرية التي توارثتها الأجيال، فقد كانوا يتلقونها ويستحفظون عليها، ولكن لا يقدرونها حق قدرها بالنظر الفاحص المجرد، أو النظر الذي يعم كل الجوانب، لا ينحاز إلى جانب من الجوانب وينظر من زاويته دون ما سواه. فجاء ابن تيمية وفكر في هذه الثروة، ونظر إليها من كل جوانبها" (١). ولعل من المفيد أن نذكر بعض المدارس التي كان نشاطها ظاهرًا في تلك الفترة، وكانت من العوامل التي ساعدت على طلب العلم وتحصيله إضافة إلى الموسوعات العلمية الكبيرة، وخزائن الكتب المتفرقة في البلاد الإسلامية، وخصوصًا في مصر والشام، والرجال الذين وقفوا أنفسهم على شرح الكتب المتوارثة وتوضحيها وردها إلى مصادرها الأولى. فمن المدارس المشهورة التي قصدها طلاب العلم بمصر: ١ - المدرسة الكاملية، نسبة إلى الملك الكامل، وقد أنشئت سنة ٦٢٢ هـ وتعد الدار الثَّانية للحديث بعد المدرسة العادلية الكبرى بدمشق. ٢ - المدرسة الظاهرية: وتنسب إلى الظاهر بيبرس، بدأ في عمارتها سنة ٦٦٠ هـ، وفرغ منها سنة ٦٦٢ هـ، وقد أنشأ بها خزانة كتب تشتمل على أمهات الكتب في سائر العلوم، ودرس بها جماعة من العلماء. ٣ - المدرسة المنصورية: نسبة إلى الملك المنصور قلاوون، وقد رتب بها أربعة دروس لطوائف الفقهاء الأربعة، ودرسًا للطب، وكان المدرسون

стр. 35

يختارون من الفقهاء المشهورين، وبجوارها "القبة المنصورية" بها خزانة كتب في سائر أنواع العلوم. ٤ - المدرسة النَّاصرية: نسبة إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقد تم بناؤها سنة ٧٠٣ هـ، وأول من قام بالتدريس بها القاضي ابن مخلوف المالكي (١). ومن المدارس بالشام: ١ - المدرسة الظاهرية: التي بناها الملك الظاهر سنة ٦٧٠ هـ، وأول من درس بها الشَّيخ صدر الدين سليمان الحنفي (٢). ٢ - المدرسة العادلية الكبرى: نسبة إلى الملك العادل سيف الدين، الذي توفي قبل إتمامها، فأتمَّها ابنه الملك المعظم، وأوقف عليها أوقافًا، وقد درس بها جماعة من القضاة (٣). إضافة إلى الجوامع التي يلقى بها الدروس، ولقيت عناية من السلاطين، كجامع ابن طولون، والجامع الأزهر، وجامع الحاكم وغيرها (٤). فهذه الجوامع كان لها أثر بارز في النهضة العلمية في هذا العصر ولكن -كما قلنا- كانت السمة البارزة قلة الإنتاج والجمود الفكري، وأصبح الجهد مقصورًا على جمع المعلومات المتعلقة بكلِّ فن، وتأليف الكتب المطولة والمختصرة فيها، ولا أثر للابتكار والتجديد. ولكن هذا لا يمنع من القوله: إن هناك علماء بارزين على الساحة،

стр. 36

أضاؤوا الشموع وبهروا العقول، فكان لهم دور كبير في النهضة العلمية لهذا العصر وما تلاه من عصور، كابن تيمية ﵀ فمن طالع مؤلفاته وما أثرى به المكتبة العربية والإسلامية رأى النضوج الفكري، ومقايسة الأقوال بمقياس الكتاب والسنة، بعيدًا عن التقليد والتبعية التي مني بها علماء عصره، فكانت محل خلاف بينه وبينهم، فالشيخ ﵀ يتبع الدليل ولا يهمه القائل كائنًا من كان، فإذا استقام القول مع منهجه في الاستدلال أخذه وقبله وحث عليه، وإلّا رده وحذر منه. وأختم الكلام على الناحية العلمية بذكر بعض ما قاله العلماء المعاصرون للشيخ -ممَّا يدل على غزارة علمه في كل فن، وعمق تفكيره، واستقلاله، وكثرة مطالعته: يقول الذهبي -فيما نقله عنه ابن عبد الهادي: ". . . صنف التَّصانيف، وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه، وله من المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيَّام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ (١)، ومعرفته بالتفسير إليها انتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحته وسقيمه (٢) فيما يلحق

стр. 37

فيه، وأمَّا نقله للفقه ومذاهب الصّحابة والتابعين -فضلًا عن المذاهب الأربعة- فليس له نظير، وأما معرفته بالملل والنحل والأصول والكلام فلا أعلم له نظيرًا، ويدري جملة صالحة من اللغة، وعربيته قوية جدًّا، وصرفته بالتاريخ والسير فعجب عجيب. . . " (١). وقال: "وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصّحابة والتابعين، وقل أن يتكلم في مسألة إلَّا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها، واحتج لها بالكتاب والسنة. وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده. ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها. وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها، حتَّى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنة والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمالك الفكر، وسرعة الإدراك والخوف من الله العظيم. . . " (٢). وقال جمال الدين أبو الحجاج المزي (٣): ". . . ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله، وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه" (٤).

стр. 38

وقال القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد (١): "لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد. . . " (٢). وقال العلامة ابن الزملكاني (٣): ". . . كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلَّا فإن فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين" (٤). * * *

стр. 39

الفصل الثالث محنته ووفاته محنته: ولا شك أن عالمًا بهذه المثابة من العلم وغزارته، ومن الفكر واستقلاله، وما نتج عن ذلك من المؤلفات الكثيرة التي اعترف العلماء المعاصرون له بالعجز عن حصرها، ومن الشجاعة ما جعلته يقف في وجه التتار -كما تقدم- إضافة إلى محاربته أهل الأهواء والبدع في عصره فكان له موقف مع الشيعة الباطنية ممن مالأ التتار والنصارى (١) -كما نصب نفسه لكشف أستار أهل التصوف، الذين اتخذوا الشعوذة سبيلًا للتأثير على العامة، إضافة إلى ممالأتهم للتتار، كما كانت له ﵀ مواقف مع الفقهاء في عصره ممن جرفهم تيار التعصب المذهبي، والجمود الفكري إلى تقليد من سبقهم، فكان كل رأي فقهي أو عقدي له أتباع يتبعونه، ويرون أنَّه الصواب، وما سواه الخطأ، حتَّى ولو ظهر لهم أن الصواب خلافه. إن عالمًا بهذه الخصال التي يفتقدها معاصروه لا بد وأن يكون له حساد يتربصون به الدوائر، ويحاولون الخلاص منه، فلم تفتر جهودهم ولم تلن عزائمهم في سبيل تحقيق هذه الغاية. فأول محنة وقعت للشيخ -كما نقلها الثقات- سنة ٦٩٨ هـ، عندما أرسل إليه أهل حماة يسألونه عن الصفات التي وصف الله بها نفسه في القرآن

стр. 40

الكريم، فألف الحموية (١) جوابًا لسؤالهم ورجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين وشنع عليهم، فجرى له بسبب تأليفها أمور ومحن. يقول ابن كثير ﵀: ". . . قام عليه جماعة من الفقهاء، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد مسألة عنها أهل حماة، المسماة بـ "الحموية" فانتصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة، فسكت الباقون، فلما كان يوم الجمعة عمل الشَّيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته، وفسر في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، ثم اجتمع بالقاضي إمام الدين يوم السبت، واجتمع عنده جماعة من الفضلاء، وبحثوا في الحموية وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير، ثم ذهب الشَّيخ تقي الدين، وقد تمهدت الأمور، وسكنت الأحوال، وكان إمام الدين معتقده حسنًا، ومقصده صالحًا" (٣). وبعد هذه الحادثة بسبع سنين (٤) -أي في سنة ٧٠٥ هـ - تحرك المناوئون والخصوم للشيخ، فجاء الأمر من مصر بأن يسأل عن معتقده، فجمع له القضاة، والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم.
следующие страницы →