أضاؤوا الشموع وبهروا العقول، فكان لهم دور كبير في النهضة العلمية لهذا العصر وما تلاه من عصور، كابن تيمية ﵀ فمن طالع مؤلفاته وما أثرى به المكتبة العربية والإسلامية رأى النضوج الفكري، ومقايسة الأقوال بمقياس الكتاب والسنة، بعيدًا عن التقليد والتبعية التي مني بها علماء عصره، فكانت محل خلاف بينه وبينهم، فالشيخ ﵀ يتبع الدليل ولا يهمه القائل كائنًا من كان، فإذا استقام القول مع منهجه في الاستدلال أخذه وقبله وحث عليه، وإلّا رده وحذر منه.
وأختم الكلام على الناحية العلمية بذكر بعض ما قاله العلماء المعاصرون للشيخ -ممَّا يدل على غزارة علمه في كل فن، وعمق تفكيره، واستقلاله، وكثرة مطالعته:
يقول الذهبي -فيما نقله عنه ابن عبد الهادي: ". . . صنف التَّصانيف، وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه، وله من المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيَّام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ (١)، ومعرفته بالتفسير إليها انتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحته وسقيمه (٢) فيما يلحق
стр. 37
فيه، وأمَّا نقله للفقه ومذاهب الصّحابة والتابعين -فضلًا عن المذاهب الأربعة- فليس له نظير، وأما معرفته بالملل والنحل والأصول والكلام فلا أعلم له نظيرًا، ويدري جملة صالحة من اللغة، وعربيته قوية جدًّا، وصرفته بالتاريخ والسير فعجب عجيب. . . " (١).
وقال: "وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصّحابة والتابعين، وقل أن يتكلم في مسألة إلَّا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها، واحتج لها بالكتاب والسنة.
وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده.
ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها.
وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها، حتَّى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنة والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمالك الفكر، وسرعة الإدراك والخوف من الله العظيم. . . " (٢).
وقال جمال الدين أبو الحجاج المزي (٣): ". . . ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله، وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه" (٤).
стр. 38
وقال القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد (١): "لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد. . . " (٢).
وقال العلامة ابن الزملكاني (٣): ". . . كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلَّا فإن فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين" (٤).
* * *
стр. 39
الفصل الثالث محنته ووفاته
محنته:
ولا شك أن عالمًا بهذه المثابة من العلم وغزارته، ومن الفكر واستقلاله، وما نتج عن ذلك من المؤلفات الكثيرة التي اعترف العلماء المعاصرون له بالعجز عن حصرها، ومن الشجاعة ما جعلته يقف في وجه التتار -كما تقدم- إضافة إلى محاربته أهل الأهواء والبدع في عصره فكان له موقف مع الشيعة الباطنية ممن مالأ التتار والنصارى (١) -كما نصب نفسه لكشف أستار أهل التصوف، الذين اتخذوا الشعوذة سبيلًا للتأثير على العامة، إضافة إلى ممالأتهم للتتار، كما كانت له ﵀ مواقف مع الفقهاء في عصره ممن جرفهم تيار التعصب المذهبي، والجمود الفكري إلى تقليد من سبقهم، فكان كل رأي فقهي أو عقدي له أتباع يتبعونه، ويرون أنَّه الصواب، وما سواه الخطأ، حتَّى ولو ظهر لهم أن الصواب خلافه.
إن عالمًا بهذه الخصال التي يفتقدها معاصروه لا بد وأن يكون له حساد يتربصون به الدوائر، ويحاولون الخلاص منه، فلم تفتر جهودهم ولم تلن عزائمهم في سبيل تحقيق هذه الغاية.
فأول محنة وقعت للشيخ -كما نقلها الثقات- سنة ٦٩٨ هـ، عندما أرسل إليه أهل حماة يسألونه عن الصفات التي وصف الله بها نفسه في القرآن
стр. 40
الكريم، فألف الحموية (١) جوابًا لسؤالهم ورجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين وشنع عليهم، فجرى له بسبب تأليفها أمور ومحن.
يقول ابن كثير ﵀: ". . . قام عليه جماعة من الفقهاء، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد مسألة عنها أهل حماة، المسماة بـ "الحموية" فانتصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة، فسكت الباقون، فلما كان يوم الجمعة عمل الشَّيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته، وفسر في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، ثم اجتمع بالقاضي إمام الدين يوم السبت، واجتمع عنده جماعة من الفضلاء، وبحثوا في الحموية وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير، ثم ذهب الشَّيخ تقي الدين، وقد تمهدت الأمور، وسكنت الأحوال، وكان إمام الدين معتقده حسنًا، ومقصده صالحًا" (٣).
وبعد هذه الحادثة بسبع سنين (٤) -أي في سنة ٧٠٥ هـ - تحرك المناوئون والخصوم للشيخ، فجاء الأمر من مصر بأن يسأل عن معتقده، فجمع له القضاة، والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم.
стр. 41
فقال: "أنا كنت قد سئلت عن معتقد أهل السنة، فأجبت عنه في جزء من سنين" (١). وطلبه من داره، فأحضر وقرأه.
فنازعوه في موضعين، أو ثلاثة منه، وطال المجلس، فقاموا، واجتمعوا مرتين -أيضًا- لتتمة الجزء، وحاققوه (٢).
ثم رفع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد، وبعضهم قال ذلك كرهًا، وكان المصريون (٣) قد سعوا في أمر الشَّيخ، وملؤوا ركن الدين الجاشنكيز (٤) -الذي تسلطن بمصر- فطلب إلى مصر على البريد.
وفي ثاني يوم من دخوله اجتمع القضاة والفقهاء بقلعة مصر، وانتصب له خصمًا شمس الدين بن عدلان، وادعى عليه عند ابن مخلوف القاضي المالكي أنَّه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه تعالى على العرش بذاته، وأن الله يشار إليه بالإشارة الحسية (٥).
وقال: أطلب عقوبته على ذلك.
فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟
فحمد الله وأثنى عليه.
فقيل له: أسرع، ما أحضرناك لتخطب.
فقال: أومنع الثّناء على الله؟
فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله.
стр. 42
فقال: ومن الحاكم فيّ؟
قيل له: القاضي المالكي.
قال: كيف يحكم فيّ وهو خصمي؟ وغضب غضبًا شديدًا، وانزعج.
فأقيم مرسّمًا عليه، وحبس في برج أيامًا.
ثم نقل منه ليلة عيد الفطر إلى السجن المعروف بـ "الجب" بقلعة الجبل، هو وأخواه شرف الدين عبد الله، وزين الدين عبد الرحمن (١).
وبعد أكثر من سنة (٢)، أحضر نائب السلطنة سيف الدين سلار القضاة الثلاثة: الشَّافعي، والمالكي، والحنفي، ومن الفقهاء الباجي، والجزري، والنمراوي، وتكلم في إخراج الشَّيخ من الحبس.
فاتفقوا على أن يشترط عليه أمور، ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك، فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك مرارًا، وصمم على عدم الحضور (٣)، فطال عليهم المجلس، وانصرفوا عن غير شيء.
وفي شهر ذي الحجة (٤) من هذه السنة طلب أخوا الشَّيخ: شرف الدين، وزين الدين، من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلار، وحضر ابن مخلوف المالكي، وطال بينهم كلام كثير، فظهر شرف الدين بالحجة على ابن مخلوف بالنقل والدليل والمعرفة، وخطّأه في مواضع ادعى فيها دعاوى باطلة، وكان الكلام في مسألة العرش، ومسألة الكلام، ومسألة النزول.
وفي ثاني يوم (٥) أحضر الشَّيخ شرف الدين وحده إلى مجلس نائب
стр. 43
السلطان، وحضر ابن عدلان، وتكلم معه الشَّيخ شرف الدين، وناظره وبحث معه، وظهر عليه (١).
وفي شهر صفر (٢) من سنة سبع وسبعمائة، اجتمع القاضي بدر الدين بن جماعة بالشَّيخ تقي الدين في دار الأوحدي بالقلعة بكرة الجمعة، وتفرقا قبل الصَّلاة، وطال بينهما الكلام.
وفي شهر ربيع الأول (٣) من هذه السنة دخل الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى -ملك العرب- إلى مصر، وحضر بنفسه إلى الجب، فأخرج الشَّيخ تقي الدين -بعد أن استأذن في ذلك- إلى دار نائب السلطنة بالقلعة، وحضر بعض الفقهاء، وحصل بينهم بحث كبير، وفرقت بينهم صلاة الجمعة.
ثم اجتمعوا إلى المغرب، ولم ينفصل الأمر (٤).
ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان، وحضر جماعة من الفقهاء ولم يحضر القضاة، وطلبوا، فاعتذر بعضهم بالمرض، وبعضهم بغيره (٥)، وانفصل المجلس على خير، وبات الشَّيخ عند نائب السلطنة.
وكتب ﵀ بكرة الإثنين كتابًا إلى دمشق يتضمن خروجه، وإقامته بدار شقير بالقاهرة، وأن نائب السلطان طلب تأخره عن الأمير مهنا أيامًا ليرى النَّاس فضله، ويحصل لهم الاجتماع به.
وكانت مدة إقامته ﵀ بالسجن ثمانية عشر شهرًا (٦).
بقي الشَّيخ نحو ستة أشهر أو تزيد يدعو النَّاس ويرشدهم، وانتفع به
стр. 44
خلق كثير، إلى أن تكلم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، وهم: ابن عربي، وابن سبعين، والقونوي، وغيرهم (١)، فتحزب عليه الصوفية، وذهبوا إلى القلعة في جموع كثيرة يشكون ابن تيمية للسلطان، وادعوا أنَّه يسب مشايخهم، ويضع من قدرهم عند النَّاس.
فأمر السلطان أن يعقد له مجلس بدار العدل.
وفي يوم الثلاثاء العاشر من شهر شوال سنة سبع وسبعمائة، عقد له المجلس، فأظهر فيه ﵀ من العلم، والشجاعة، وقوة القلب، وصدق التوكل، ما يتجاوز الوصف.
ولكن كثرت الضجات، وزادت المجادلات، التي لم تجد الدولة سبيلًا لإخمادها إلّا بتخيير الشَّيخ بين ثلاثة أمور:
- أن يسير إلى دمشق.
- أو أن يذهب إلى الإسكندرية.
وهو مقيد في دمشق والإسكندرية بشروط.
- أو الحبس.
فاختار ﵀ الحبس (٢)، لكن تلاميذه ومحبيه طلبوا منه السَّفر إلى دمشق على ما شرطوا، فأجابهم إلى ما طلبوا تطييبًا لخاطرهم وركب البريد في الثامن عشر من شهر شوال من هذه السنة، ثم أرسل من الغد بريد آخر خلفه فرده إلى مصر، وحضر عند القاضي بدر الدين بن جماعة وجماعة من الفقهاء.
فقال بعضهم له: ما ترضى الدولة إلّا بالحبس، فقال القاضي ابن جماعة: وفيه مصلحة له.
فاستناب شمس الدين التونسي المالكي، وأذن له أن يحكم عليه
стр. 45
بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء.
فأذن لنور الدين الزواوي المالكي، فتحير.
فلما رأى الشَّيخ ﵀ توقفهم في حبسه، قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة.
فقال نور الدين: يكون في موضع يصلح لمثله.
فقيل له: الدولة ما ترضى إلَّا بمسمى الحبس.
ثم أرسل بعد هذا إلى حبس القضاة، وأذن بأنَّ يكون عنده من يخدمه.
وكان كل ذلك بإشارة نصر المنبجي، ووجاهته في الدولة (١).
ومكث الشَّيخ في الحبس يستفتى، ويقصده النَّاس، ويزورونه، ويكتب لهم بما يحير العقول من المسائل التي عجز غيره عن الإفتاء بها، فالتف النَّاس حوله، وكثر اجتماعهم به وترددهم عليه.
فأثار هذا حفيظة أعدائه، وحصرت صدورهم، ممَّا جعلهم ينقلونه إلى الإسكندرية (٢) في آخر شهر صفر من سنة تسع وسبعمائة، وحبس ببرج منها ثمانية أشهر زاول خلالها ﵀ ما عرف عنه من الوعظ وتوجيه النَّاس، فكان يقصده الأعيان والفقهاء يقرؤون عليه، ويستفيدون منه.
وفي اليوم الثامن من شهر شوال من هذه السنة بادر الملك الناصر بعد دخوله إلى مصر واستعادة ملكها بإحضار الشَّيخ من الإسكندرية، فخرج منها الشَّيخ، ووصل إلى القاهرة في الثامن عشر من الشهر المذكور واجتمع بالسلطان يوم الجمعة الرابع والعشرين منه، فأكرمه وأحسن استقباله، وتلقاه في مجلس (٣) حفل فيه قضاة وفقهاء مصر والشام، وأصلح بينه وبينهم.
стр. 46
ثم أخذ الشَّيخ ﵀ يبث العلم وينشره في القاهرة، والخلق يقرؤون عليه، ويستفتونه ويجيبهم بالكلام والكتابة، واستمر على ذلك إلى أن عاد إلى دمشق في اليوم الأول من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وكانت مدة غيبته عنها سبع سنين وسبع جمع (١).
وبعد وصوله دمشق واستقراره بها زاول نشاطه العلمي، فصنف الكتب، وأفتى النَّاس بالكلام والكتابة المطولة، ونفع الخلق، والإحسان إليهم، والاجتهاد في الأحكام الشرعيّة، فصار ﵀ يفتي بما قام الدليل عليه عنده (٢).
وفي منتصف شهر ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، أشار القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي، على الشَّيخ بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشَّيخ إشارته، وعرف نصيحته، وأجاب إلى ذلك.
وفي مستهل شهر جمادى الأولى من هذه السنة ورد كتاب السلطان بمنع الشَّيخ من الإفتاء في هذه المسألة، فامتنع الشَّيخ فترة، لكنَّه عاد إلى الإفتاء بذلك، وقال: لا يسعني كتمان العلم.
وفي شهر رمضان من السنة المذكورة، اجتمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطان بدار السعادة، وأحضر الشَّيخ، وعوتب على فتياه بعد المنع، وأكد عليه المنع مرَّة أخرى.
وفي شهر رجب من سنة عشرين وسبعمائة، اجتمع القضاة والفقهاء وجماعة من المفتين بدار السعادة، وحضر الشَّيخ، وعاودوه في الإفتاء بمسألة الطلاق، وعاتبوه على استمراره في الإفتاء بها، وحبسوه بالقلعة، وبقي بها خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا.
ثم ورد مرسوم بإخراجه يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
стр. 47
ثم لم يزل الشيخ -على عادته- يعلم الناس، ويلقي الدروس في أنواع العلوم (١).
وفي سنة ست وعشرين وسبعمائة وقع كلام في مسألة شد الرحال (٢)، وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين، وكثر القيل والقال بسبب عثور أهل الأهواء على جواب للشيخ في هذه المسألة حرف فيه، ونقل عنه ما لم يقل به، وقد تحققت مآرب أعدائه عندما ورد مرسوم السلطان بسجنه في القلعة يوم الإثنين السادس من شهر شعبان من السنة المذكورة وقد ظهر صدق توكله ﵀ واعتماده على ربه عندما أظهر السرور بذلك، وقال: أنا كنت منتظرًا ذلك، وفيه خير عظيم (٣).
وفاته:
بقي الشيخ ﵀ مقيمًا بالقلعة سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا ولم يزل في هذه المدة مكبًا على العبادة والتلاوة والتصنيف والرد على المخالفين إلى أن توفي ليلة الإثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة من الهجرة.
﵀ رحمة واسعة، وأجزل مثوبته، وأسكنه فسيح جناته.
стр. 48
الباب الثاني كتابه التسعينية ودراسة بعض مسائله
стр. 49
الفصل الأول التعريف بالكتاب
سبب تأليفه:
شيخ الإسلام ﵀ بين السبب الداعي لتأليف هذا الكتاب في مقدمة الكتاب، وأنه رَدٌّ حَمَّله الرسولين اللذين تكرر مجيئهما من عند الأمراء والقضاة والفقهاء المجتمعين لبحث موضوع خروج الشيخ من السجن.
وأن المطلوب حضوره لمخاطبة القضاة، وكان ذلك في شهر رمضان سنة ست وسبعمائة، وامتنع الشيخ من الحضور، وصمم على ذلك -كما سيرد (١) وقد أعطى الرسولين نسخة من العقيدة الواسطية، وحملهما بيان أن هذه اعتقاده فمن أنكر شيئًا فليكتب ما ينكره وحجته ليكتب جوابه، فأخذ الرسولان العقيدة وذهبا، ثم عادا ومعهما ورقة (٢)، لم يذكر فيها شيء من الاعتراض على عقيدته، بل أنشؤوا فيها كلامًا لفظه:
"الذي يطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز، وأن لا يقول: إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته، وأنه -سبحانه- لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية.
ويطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد، ولا في الفتاوى المتعلقة بها، فلما أراني الورقة كتبت جوابها فيها مرتجلًا مع استعجال الرسول" (٣).
стр. 50
ثم ذكر ﵀ إجابته المختصرة التي تتناسب مع استعجال الرسول له بسرعة الرد (١).
ثم فصل الجواب من وجوه عديدة تألف منها هذا الكتاب الذي بين أيدينا (٢).
تسميته:
نحن هنا أمام ظاهرة برزت في مؤلفات شيخ الإسلام ﵀ وهي وجود أكثر من اسم للمؤلف الواحد، وأن الشيخ يستعمل -كذلك- أكثر من اسم لمؤلف من مؤلفاته، وهذا يجعلنا أمام احتمالين:
الأول: أن الشيخ ﵀ كان يطلق أكثر من اسم على المؤلف الواحد، لتعدد الموضوعات التي يطرقها، والأساليب التي يواجه بها الآخرين، فإذا ما جاء ذكر معنى من المعاني أثناء مناقشته يتعلق بكتاب من كتبه، فقد يذكر اسم الكتاب مغلبًا ما يتصل بالمعنى الذي يناقشه، وهذا كما جاء في حديثه عن كتاب "نقض التأسيس" فقال (٣): ". . . بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ويسمى -أيضًا- تخليص التلبيس من كتاب التأسيس".
الثاني: أن تلامذته قد عرفوا عنه هذا التوسع في إطلاق عناوين كتبه ورسائله فتعددت أسماء الكتب من قبلهم، وقد رجح هذا الاحتمال كثير ممن عني بكتب شيخ الإسلام ﵀ (٤).
والكتاب الذي بين أيدينا له أكثر من اسم.
ففي الأصل (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 51
عنوانه "التسعينية في الرد على من قال بالنفسي" لشيخ الإسلام العلامة ابن تيمية ﵀.
وجاء في (س) (١): "هذه الرسالة المسماة بالتسعينية" من كلام شيخ الإسلام، بحر العلوم العقلية والنقلية، تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية -قدس الله روحه-.
وفي (ط) (٢): "كتابه المنعوت بالتسعينية في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة، وغيرهم ممن نحا نحوهم من تسعين وجهًا".
أما ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ) فإنه قال (٣) عندما ذكر مصنفات الشيح: "وله كتاب في محنته بمصر، مجلدان رد فيه على القائلين بالكلام النفسي من نحو ثمانين وجهًا.
وتابع ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) في كتابه "أسماء مؤلفات ابن تيمية" (٤) ابن عبد الهادي في هذه التسمية.
لكن نجده ﵀ في القصيدة النونية (٥) ينص على تسمية الكتاب بالتسعينية، وأن سبب التسمية -كما سيأتي- الرد على القائلين بالكلام النفساني من تسعين وجهًا، فقال:
وكذاك تسعينية فيها له ... رد على من قال بالنفساني
تسعون وجهًا بينت بطلانه ... أعني كلام النفس ذا الوحدان
وقال ﵀ في كتابه "بدائع الفوائد" - (٦) بعد أن ذكر أن الكلابية انفردت عن جميع الطوائف بالقول: إن معاني التوراة والإنجيل والزبور
стр. 52
والقرآن وسائر الكتب المنزلة واحد-: ". . . وهذا قول يقوم على بطلانه تسعون برهانًا لا تندفع، ذكرها شيخ الإسلام في الأجوبة المصرية. . . ".
أما ابن شاكر الكتبي (١) - (ت ٧٦٤ هـ)، وصلاح الدين الصفدي (٢) (ت ٧٦٤ هـ) فكلاهما ذكر أن من مصنفات الشيخ في الأصول: "إبطال الكلام النفساني" أبطله من نحو ثمانين وجهًا.
كما ذكر ابن رجب (٣) (ت ٧٩٥ هـ) أن من أعيان المصنفات الكبار التي ألفها بمصر "المحنة المصرية" مجلدان.
هكذا نجد الكتاب سمي بأكثر من اسم، وعنون له بأكثر من عنوان، لكن مما تقدم نستطيع القول بأن الاسم الذي ورد في الأصل هو المناسب لأن يكون عنوانًا لهذا الكتاب، لأنه يجمع أكثر العناوين الواردة في المصادر الآنفة الذكر، لكن نضيف إليه كلمة "بالكلام" الواردة عند ابن عبد الهادي، وابن القيم، وابن شاكر، والصفدي، ويكون اسمه:
(التسعينية في الرد على من قال بالكلام النفسي)
سبب التسمية:
يعود سبب تسميته بـ "التسعينية" إلى الوجوه التي أبطل بها الشيخ ﵀ دعوى القول: إن كلام الله معنى قائم بالنفس بنحو من تسعين وجهًا، فسمي الكتاب نسبة إلى هذه الوجوه الخاصة بهذه المسألة على جهة التغليب، وإلا فالكتاب تضمن وجوهًا أخرى رد بها الشيخ على مسائل أخرى، كمسألة الجهة والتحيز وعدم التعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام.
وقد تقدم ما ورد في صفحة العنوان في (ط): ". . . ومن نحا نحوهم من تسعين وجهًا".
كما نص على هذه الأوجه ابن القيم -كما تقدم- بقوله:
стр. 53
تسعون وجهًا بينت بطلانه ... أعني كلام النفس ذا الوحدان
وبقوله: "وهذا يقوم على بطلانه تسعون برهانًا لا تندفع ذكرها الشيخ في الأجوبة المصرية".
فدل هذا على أن التسمية بـ "التسعينية" نسبة إلى هذه الوجوه.
وأما ما أشار إليه ابن عبد الهادي وابن القيم وابن شاكر والصفدي، من أنها نحو ثمانين وجهًا، فربما يعود إلى تركهم بعض التفريعات من بعض الوجوه، وقد تكون الوجوه المقصودة بضعًا وثمانين، كما أشار إليه هؤلاء، لكن من عدها تسعين فذلك لاعتباره أن ما زاد على الثمانين يكون قد دخل في عقد التسعين- والله أعلم.
نسبته إلى المؤلف:
من الثابت أن الكتاب الذي بين أيدينا أحد مؤلفات شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ للأسباب التالية:
١ - نسبة الكتاب إلى المؤلف في جميع النسخ التي اعتمدتها في التحقيق.
٢ - المصادر (١) التي ترجمت للشيخ واهتمت بتدوين مصنفاته تذكر هذا الكتاب وتنسبه لمؤلفه، ولو لم يكن فيها إلّا ما قاله ابن القيم في النونية: "وكذلك تسعينية فيها له" لكفى.
٣ - أسلوب الشيخ ﵀ المتميز الذي يدركه كل من قرأ كتبه بتمعن.
٤ - ذكر الشيخ لبعض مصنفاته فيه (٢).
تاريخ تأليفه:
ذكرت فيما تقدم أن سبب تأليف هذا الكتاب هو ما ورد في ورقة بعث بها
стр. 54
الأمراء والقضاة والفقهاء المجتمعون للنظر في إخراج الشيخ من السجن، مع الرسولين، وطلبهم من الشيخ موافقتهم على ما تتضمنه الورقة (١)، وكان ذلك بعد أكثر من سنة من وصول الشيخ إلى مصر، فإذا علم أن وصوله ﵀ لمصر سنة ٧٠٥ هـ، دل على أن تأليف هذا الكتاب -وهو الإجابة على ما ورد من الأمراء والقضاة- كان سنة ٧٠٦ هـ، وهذا أمر لا يخالجني معه شك، لا سيما وأنه نص على هذه السنة في (س) -إحدى النسخ الخطية التي اعتمدتها في التحقيق- لكن ما ورد في الأصل و (ط) من أن تكرار الرسل على الشيخ من عند الأمراء والقضاة المجتمعين كان سنة ٧٢٦ هـ، وهي السنة التي كان ﵀ بها في دمشق- يجعلني أورد بعض الأسباب -إضافة إلى ما تقدم- التي تدل على أن تأليف الكتاب كان سنة ٧٠٦ هـ:
١ - قول الشيخ ﵀ في هذا الكتاب الذي بين أيدينا ص: ١١١: ". . . فقلت: أنا لا أحضر إلى من يحكم فِيَّ بحكم الجاهلية وبغير ما أنزل الله، ويفعل بي ما لا تستحله اليهود ولا النصارى، كما فعلتم في المجلس الأول، وقلت للرسول: قد كان ذلك بحضوركم أتريدون أن يمكروا كما مكروا بي في العام الماضي؟ هذا لا أجيب إليه، ولكن من زعم أني قلت قولًا باطلًا، فليكتب خطه بما أنكره من كلامي، ويذكر حجته، وأنا أكتب جوابي مع كلامه، ويعرض كلامي وكلامه على علماء الشرق والغرب، فقد قلت هذا بالشام، وأنا قائله هنا، وهذه عقيدتي التي بحثت بالشام بحضرة قضاتها ومشايخها وعلمائها، وقد أرسل إليكم نائبكم النسخة التي قرئت، وأخبركم بصورة أخرى".
فخطاب الشيخ ﵀ لهم بهذا الكلام وهو في السجن وبعد أن بقي فيه أكثر من سنة من تاريخ وصوله إلى مصر.
وتصريحه بما حصل له بالشام، وما عقد له من مجالس بسبب عقيدته السلفية، وأن ما قاله بدمشق هو قائله بمصر، يدل على أن الكتاب ألف بمصر بعد سنة من وصوله إليها.
стр. 55
٢ - ما جاء في مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦٤: "حكاية مناظرة في الجهة والتحيز" صورة ما طلب من تقي الدين بن تيمية ﵀ ورضي عنه- حين جيء به من دمشق على البريد، واعتقل بالجب بقلعة الجبل، بعد عقد المجلس بدار النيابة، وكان وصوله يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان، وعقد المجلس يوم الجمعة السابع والعشرين منه بعد صلاة الجمعة، وفيه اعتقل ﵀.
وصورة ما طلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن الله والتحيز، وأن لا يقول: إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته، وأنه سبحانه -لا يشار إليه إشارة حسية، ويطلب منه ألا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد، ولا في الفتاوى المتعلقة بها.
وهذا الكلام يؤكد أن تأليف الكتاب كان بمصر، وليس بالشام كما يدل عليه التاريخ المدون في الأصل، و (ط).
٣ - أن الموضوعات التي عالجها هذا الكتاب هي رد على الاعتراضات التي وجهها القضاة والفقهاء عبر تلك الورقة انتقادًا على الشيخ في عقيدته.
٤ - أن ابن عبد الهادي، وابن القيم -وهما من تلامذة الشيخ- قالا عند ذكرهما لمصنفات الشيخ في الأصول "كتاب محنته بمصر. . . ".
كما أن ابن القيم قال في "بدائع الفوائد" -كما تقدم- مشيرًا إلى هذا الكتاب: ". . . تسعون برهانًا لا تندفع ذكرها شيخ الإسلام في الأجوبة المصرية".
وقد نص ابن رجب الحنبلي -كما تقدم أيضًا- على أن من أعيان المصنفات الكبار التي ألفها بمصر "المحنة المصرية".
ومعروف أن الشيخ ﵀ كان بمصر من سنة ٧٠٥ هـ إلى سنة ٧١٢ هـ، وهذا يؤيد أن تأليفه لهذا الكتاب كان في هذه الفترة، وبالتحديد سنة ٧٠٦ هـ بمصر.
٥ - أنه ورد في هذا الكتاب (١) أن المحكم من القضاة: أبا الحسن
стр. 56
علي بن مخلوف المالكي، قد كتب ورقة من الورقات التي جاء بها الرسولان إلى الشيخ في إحدى المرات من عند الأمراء والقضاة المجتمعين، فإذا عرفنا أن ابن مخلوف المالكي توفي سنة ٧١٨ هـ ثبت أن تأليف هذا الكتاب كان قبل هذا التاريخ.
٦ - مما تقدم يتضح أن ما ورد بالأصل تصحيف من الناسخ، لما بين التاريخين من التشابه.
وأما ما جاء في (ط) (١)، فإن الناشر أثبت ذلك متابعة للأصل من غير تثبت بدليل أنه عندما وضع فهرسًا للكتاب قال في أوله:
(خطبة التسعينية المشتملة على بيان المحنة التي وقعت لابن تيمية بعد مضي ربع القرن الثامن من الأمراء والقضاة، وما افتروه عليه في الوريقات التي أرسلوها إليه، وجوابه عن الورقة الأخيرة التي طلبوا منه فيها أن يعتقد نفي الجهة والتحيز. . .).
ثم ذكر مضمون الورقة -الذي تقدمت الإشارة إليه.
وكما تقدم، هذه الورقة وصلت الشيخ ﵀ وأجاب عنها إجابة مجملة لاستعجال الرسول له في الجواب، ثم أجاب إجابة مفصلة من وجوه عديدة حواها هذا الكتاب الذي بين أيدينا وكان ذلك بمصر سنة ٧٠٦ هـ.
والله أعلم.
منهج المؤلف في الكتاب:
١ - اعتمد الشيخ ﵀ في أدلته على الكتاب والسنة، وما ثبت عن أئمة السلف.
٢ - يعرض رأي المخالف أولًا، وذلك من باب الأمانة العلمية، ويحدد النقاط التي ستكون محلًا للمناقشة.
٣ - جعل رده متلائمًا مع مقولة المخالف، فإن صاغ الفكرة المخالفة صياغة فلسفية رأيناه يرد عليه بالمقولات الفلسفية التي تبين ثغرات المخالف
стр. 57
وتنقض رأيه، ثم يدعم ما يراه هو بعد ذلك بالنص من القرآن الكريم أو السنة المطهرة، أو أقوال السلف.
٤ - وإذا كان الرأي المخالف يمثل سوء فهم، أو تأويلًا باطلًا، فإنه يسلك معه مسلك التفريع الذي يتدرج مع المخالف من فهمه إلى الصواب عن طريق ما يمكن أن نسميه بأسلوب الإلزام، يعني أن يقول له: يلزم من قولك كذا أن يكون المعنى كذا، أو يلزم من فهمك كذا أن تقع في المحظور كذا، وبعد أن يفند ما ساء من فهم المخالف يصل إلى الرأي الذي يراه ولا يحدث معه إلزامًا فاسدًا.
٥ - قد يستدعي النقاش والرد على المخالف أن يذكر ﵀ أقوال جماعة من أصحاب من هو بصدد مناقشته ليصل بعرضها ومناقشتها إلى تناقض أقوالهم، وبيان أنها لا تثبت أمام التمحيص.
٦ - أن الشيخ ﵀ يسلك في رده على المخالف مسلك البسط الذي لا يُؤلَف عند غيره، وقد يكون مملًا لدى غيره، ولكن الموضوعية التي يتسم بها أسلوبه ﵀ والأفكار الجديدة التي يعرضها في ردوده تكسر حدة البسط والإطناب.
٧ - أن تفريع الشيخ ﵀ في ردوده يأخذ صورة منتظمة يسلكها في هذا الكتاب فيما يسمى بالوجوه، والتي سمي الكتاب باسمها -كما سبق-.
٨ - أن الشيخ ﵀ يفصل قول المخالف بحيث يشمل رده المسائل التي يمكن أن تستنتج من قوله، ولو لم يصرح بها، فالكتاب كله على طوله رد على رسالة صغيرة في موضوعات محددة، وهذا المنهج مطرد في كثير من كتبه.
٩ - الشيخ ﵀ في تناوله لموضوعات الكتاب لا ينسى مهمته في الأستاذية الموجهة لتلاميذه وطلابه في إرشادهم إلى مواضع الإفادة في الموضوع المدروس في مثل قوله: وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع.
١٠ - طريقة الشيخ في الرد على الخصوم تسلك مسلك التوثيق لما يقدمه
стр. 58
من نصوص، فإن كانت أحاديث ذكر درجتها، وإن كانت أقوالًا عزاها إلى أصحابها، وذكر مواطن وجودها في كتبهم.
١١ - يمثل منهج الشيخ في كتابه منهج المفكر المسلم الموسوعي الذي استوعب نصوص الكتاب والسنة، وأعمل عقله فيهما، وناقش من خلالهما ما يعرض عليه من فكر، فهو يجمع بين الرواية والدراية بين النص والوعي الدقيق بمعنى النص، وما يجري في عالم الفكر من أفكار قد تكون موافقة وقد تكون مخالفة، وقلّ أن تجتمع هذه الملامح في المنهج لدى مفكر واحد.
١٢ - وفي ضوء ملامح المنهج السابق بدأ ﵀ كتابه بذكر الرسالة التي أرسلت إليه، وتضمنت موضوع الكلام في الصفات عند العوام، وموضوع الجهة والتحيز، وموضوع كلام الله تعالى، وقد رد ﵀ على الموضوع الأول بسبعة عشر وجهًا، وعلى الثاني بأربعة عشر وجهًا، وقد خصص ﵀ الوجه الرابع عشر من هذه الوجوه ليقرر أن الله يتكلم بكلام قائم بمشيئته وقدرته وأنه اسم للحروف والمعاني جميعًا، وقد اقتضاه هذا التقرير مناقشة القائلين بأن القرآن مخلوق، وأنه اسم لمجرد الحروف والأصوات.
وأما القائلون بأنه معنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت، وأن القرآن الذي بأيدي المسلمين إنما هو حكاية أو عبارة، فقد خصص ﵀ معظم هذا الكتاب لمناقشتهم، إذ رد قولهم هذا بثمانية وسبعين وجهًا، تفرع عنها بعض الوجوه في مسائل جزئية، ذكرها الشيخ ﵀.
نسخ الكتاب:
لقد حرصت كل الحرص، وبذلت ما في وسعي في سبيل الحصول على أكبر عدد ممكن من نسخ الكتاب الخطية، وما استطعت الحصول عليه هو:
النسخة الأولى:
وحصلت عليها في دار الكتاب الوطنية بمصر تحت رقم ٢٨٩ - عقائد تيمور، وتقع في ٣٦٤ صفحة من القطع المتوسط، وبكل صفحة ٢٦ سطرًا،
стр. 59
وكتبت بخط جيد، لكنها لا تخلو من البياض (١)، وتاريخ نسخها سنة ١٢٢٣ هـ، ولم يذكر اسم الناسح وقد كتب على صفحة العنوان ما يلي:
"قد تملك هذا الكتاب الفقير إلى الله تعالى أحمد بن المرحوم -إن شاء الله تعالى- عثمان الجامع عفى الله عنه، اللهم صلي على محمد سيدنا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه ومن تبعهم إلى يوم الدين آمين يا رب العالمين".
وعلى يسار هذا كرر التملك على هذا النحو:
"قد تملك هذا الكتاب الفقير إلى الله تعالى أحمد ابن المرحوم -إن شاء الله تعالى- عثمان بن جامع".
وكتب أسفل التملك الأول بخط يختلف اختلافًا يسيرًا عن سابقه ما يلي:
"قد تملك هذا الكتاب الفقير إلى الله أحمد بن المرحوم -إن شاء الله- عثمان بن محمد بن أحمد الجامع عفى الله عنهم".
ثم كتب أسفل هذا التملك:
"آمين آمين آمين، بعد هذا ورد هذا إلى الفقير جناب الأمجد الأكرم الحاج حسين بن المرحوم الحاج".
وعلى يسار هذا ختم بيضوي لم أستطع قراءة ما بداخله.
وقد رمزت لهذه النسخة بـ (الأصل).
النسخة الثانية:
وحصلت عليها في المكتبة السعودية التابعة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وعلى صفحة العنوان -في أعلاها- ختم مستطيل كتب بداخله: "مكتبة الرياض العامة السعودية"، وأسفل ذلك رقم التسجيل العام ٦٠٣، وأسفل منه رقم التسجيل الخاص ٨٦، وأسفل منه التاريخ
стр. 60
٢٠/ ٣ / ١٣٩٣ هـ، وأسفل هذا الختم عنوان الكتاب -المتقدم- وعن يسار العنوان ختم بيضوي كتب داخله:
"وقف الشيخ محمد بن عبد اللطيف ١٣٨١ هـ ".
وأسفل الختم كتب التملك الآتي:
"دخلت هذه النسخة في ملك الفقير إلى الله عز شأنه محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بالشراء الشرعي عفى الله عنه بمنه آمين سنة ١٣٣٥ هـ "، ثم ختمان صغيران بيضويّان لم يتضح لي ما بداخلهما.
وهذه النسخة كتبت بخط معتاد يقرأ بيسر، وتقع في ٣٨٥ صفحة من القطع المتوسط، وبكل صفحة ٢١ سطرًا، وكتب أسفل كل صفحة كلمة أو كلمتين للدلالة على بداية الصفحة التالية، وانتهت هذه النسخة بقوله:
". . . وقد رأيت كلام قال من ذكرته من هؤلاء يثبت هذه الصفات، ومن لم أذكره -أيضًا- وكتبهم وكتب من نقل عنهم مملوءة بذلك، وبالرد على من يتأول هذه الصفات والأخبار بأن تأويلها طريق الجهمية والمعتزلة وذلك".
فقد سقط ما يقارب أربعة أسطر كما في الأصل، وأيضًا سقط منها ما يقارب الصفحة والنصف، وقد جاء الكلام فيها متصلًا كتابة منفصلًا معنى (١) -وهذا من الأسباب التي جعلتني لا أعتمدها أصلًا في التحقيق، إضافة إلى عدم ذكر تاريخ نسخها، واسم ناسخها.
النسخة الثالثة:
الكتاب المطبوع، وقد طبع لأول مرة -فيما أعلم- ضمن فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية- المجلد الخامس، المشتمل على التسعينية، والسبعينية (٢)، وشرح الأصبهانية (٣)، بمطبعة كردستان العلمية لصاحبها فرج الله الكردي
стр. 61
بمصر سنة ١٣٢٩ هـ، ويقع في ٢٨٨ صفحة من القطع الكبير، وبكل صفحة ٢٤ سطرًا، وهي طبعة مليئة بالأخطاء، والتصحيفات، نبهت عليها في أماكنها أثناء التحقيق، وسيأتي ذكر طرف منها، وينتهي الكلام فيه حيث انتهت (س)، لكن الناشر تصرف في آخر كلمة وهي "وذلك" وقال: "ونحو ذلك" حتى لا يشعر القارئ بانقطاع الكلام فجأة.
ثم طبع الكتاب مرة أخرى بتقديم حسنين محمد مخلوف، بمطبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة، وهذه الطبعة لا تختلف عن سابقتها سوى أن الكتاب اشتمل على المجلد الخامس بكامله.
لذا استبعدتها واعتمدت على الطبعة الأولى في التحقيق، ورمزت لها بحرف (ط).
ومما تقدم من وصف النسخ التي اعتمدت عليها في التحقيق أستطيع أن ألخص الأسباب التي جعلتني أعتمد النسخة الأولى أصلًا فيما يلي:
١ - ذكر تاريخ نسخها.
٢ - انقطاع (س) و (ط) دون أن ينتهي الكتاب، حيث سقط من آخرهما أربعة أسطر ونصف، وهي التي يتم بها الكتاب، كما في الأصل، وجاء بعدها فيه ما يقارب أربعة أخرى صرح الناسخ فيها بأن هذا آخر ما وجده من هذا التأليف لتقي الدين بن تيمية، وذكر سنة نسخه بعد ابتهال ودعاء للشيخ بالغفران والرحمة.
٣ - ما أشرنا إليه من سقوط صفحة ونصف من (س).
٤ - ما تقدم من أن الكتاب المطبوع مليء بالأخطاء والتصحيفات.
وهناك عيب تشترك فيه جميع النسخ -الآنفة الذكر- وهي: كثرة السقط والتكرار الذي يتراوح ما بين السطرين والكلمة، لكنها لا تتفق على ذلك غالبًا، مما سهل لي مهمة اكتشاف السقط وإكماله وتلافي التكرار بحمد الله ومنته.
أما الكتاب المطبوع، فبالرغم من أنه لم يخدم خدمة علمية، فقد جاء إخراجه بصورة لا تشجع على قراءته، ويصعب معها فهم بعض عباراته.
стр. 62
إضافة إلى كثرة التحريفات والأخطاء التي حصرتها في بيان مستقل أذكر هنا بعض ما ورد فيه مما يغير المعنى:
ففي ص: ٢٥: "الثقات" والصحيح "النفاة". وفرق بينهما.
وفي ص: ٢٧؛ "نقض الإيمان" والصحيح "نقص الإيمان".
وفي ص: ٣٣: "قال أهل الصلاح" والصحيح "قال أهل الضلال".
وفي نفس الصفحة: "أحق" والصحيح "أحمق".
وفي ص: ٥٤: "فإن الله لا يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم" والصحيح "فإن الله يغفر لأهل الإخلاص. . . ".
وفي ص: ١٤٤: "لأنها مخلوقة" والصحيح "لا أنها مخلوقة".
وفي ص: ٢٢٧: "الثلاثة منهم من يقول" والصحيح "الثلاثة من يقول".
وفي ص: ٢٤٠: "هذا عند فتواه" والصحيح "هذا عنه فتواه".
وفي ص: ٢٤٣: "لكثرة مطالعته" والصحيح "كثير المطالعة".
في ص: ٢٥٩: "وأضل البشر من" والصحيح "وأصل الشر من".
وأما الزيادة على النسختين المخطوطتين، والنقص عنهما، والتصرف ببعض الكلمات حذفًا وتغييرًا وتحريفًا فكثير، مما يوحي أنه طبع على نسخ خطية لم تقع في يدي، لكني أستبعد هذا لسبب واحد فقط وهو أن التصرف من قبل الناشر يظهر في أماكن يشكل فيها فهم المعنى، كالتصرف الذي أشرنا إليه عندما انتهى الكتاب بقوله: ". . . والمعتزلة وذلك" حيث حرف العبارة لتصبح "والمعتزلة ونحو ذلك".
كما جاء في ص: ٦٧: الوجه السادس عشر حيث ابتدأه بقوله: "إنهم لو بينوا صواب ما ذكروه من القول لم يكن ذلك موجبًا. . . ".
والوارد في النسختين الخطيتين: "أنهم إن لم يبينوا صواب ما ذكروه من القول لم يكن موجبًا. . . ".
وكما في ص: ١٣٩، حيث حذف لفظة "أو بالدلالة" الواردة في
стр. 63
النسختين الخطيتين لأن الكلام جاء فيهما نقلًا من نهاية العقول للرازي على هذا النحو:
"لا يعلمون كونه فاعلًا لذلك الكلام بالدلالة، ولو كان المتكلم هو الفاعل. . . ".
حيث سقطت منهما لفظة "اللهم إلّا" بين كلمة "الكلام" و"بالدلالة"، فحذف هذه اللفظة ليستمر الكلام على هذا النحو:
"لذلك الكلام، ولو كان المتكلم. . . ".
وكما جاء في ص: ٢١٣: حيث حذف العبارة: "ومعناه فلفظ معنى، ولفظ يقوم به"، الواردة في النسختين الخطيتين على هذا النحو:
"نعم يشتركان في كون كل منهما كلامًا للمتكلم ومعناه، فلفظ معنى ولفظ يقوم به، وهذا كاشتراك الحياتين. . . ".
وهكذا فما مر من هذا القبيل نبهت عليه أثناء التحقيق.
عملي في الكتاب، وبيان المنهج الذي سلكته في تحقيقه:
أما المنهج الذي سلكته في التحقيق فيتمثل في النقاط التالية:
١ - قارنت بين النسخ الثلاث، واعتمدت نسخة الخزانة التيمورية أصلًا لأسباب أفصحت عنها فيما تقدم.
٢ - أثبت ما جاء في الأصل، وحرصت على إبقائه ما أمكن ما لم يظهر لي -بعد التأمل في النص- أن الصواب أو المناسب لسياق الكلام ما ورد في إحدى النسختين (س) و (ط) أو فيهما، أو في المصدر الذي ينقل منه الشيخ ﵀ فإني أثبته في أصل المتن وأشير في الهامش إلى الفروق بعبارة "في الأصل: كذا. والمثبت من. . . "، لكي يخرج النص سليمًا يستطيع القارئ قراءته بيسر وسهولة دون أن ينشغل في البحث عن الصواب في الهامش.
٣ - إذا كان هناك زيادة في الأصل، إما لسقوطها منه، أو لأن الكلام يستقيم بها، سواء كانت هذه الزيادة من إحدى النسختين أو منهما، أو من مصدر نقل منه الشيخ، أو أني رأيت الكلام يحتاج إليها، إما لبياض في
стр. 64
النسخ، أو لخلل في المعنى، فإني أثبتها في أصل المتن، وأضعها بين معقوفتين، وأشير إلى ذلك في الهامش بعبارة "ما بين المعقوفتين زيادة من. . . "، وأشير إلى النسخة أو المصدر الذي وردت فيه هذه الزيادة.
أما إذا كانت الزيادة من عندي فإني أقول بعد العبارة السابقة "ولعل الصواب ما أثبته" أو "لعل الكلام يستقيم بها" أو "لعل ما أثبته يناسب السياق".
٤ - إذا سقط من إحدى النسختين أو منهما معًا، فإني أضع ذلك بين معقوفتين في أصل المتن، وأشير في الهامش إلى ذلك بعبارة "ما بين المعقوفتين ساقط من. . . ".
٥ - لم أثبت الفروق اليسيرة بين النسخ التي لا يترتب عليها إخلال بالمعنى، مثل: ، وعزَّ وجلَّ، وجل ذكره، ونحو هذا مما اختلفت فيه النسخ.
وكذا ما يرد في النسخ الخطية -عادة- من عدم استعمال الرسم الإملائي، كإهمال الهمزة المتوسطة التي تكون في وسط الكلمة، نحو: مسايل، وقريت، أو كتابتها على كرسي، مع أن الواجب كتابتها على ألف، نحو: يسئل، مسئلة، وكإهمال الهمزة التي تكون في آخر الكلمة، نحو: العلما، والخلفا، وكإهمال ألف التفريق، نحو: جعلو، نفو، وهكذا كل ما ورد من هذا القبيل لم أثبته فرقًا.
٦ - توثيق النقول والأقوال التي أوردها الشيخ في هذا الكتاب، وذلك بعزوها إلى مصادرها المطبوعة والمخطوطة التي تمكنت من الوقوف عليها، وذلك بمقابلة النقل أو القول الوارد في الأصل على ما جاء في ذلك المصدر، وإثبات أوجه الاختلاف في الهامش.
وإذا كان التوثيق من كتاب محقق اعتمد محققه على أكثر من نسخة، وجاء في إحدى النسخ ما يوافق النص الذي أنا بصدد توثيقه، وفي الأخرى ما يخالف، فلا أشير إلى المخالفة لوجود الموافقة، إذ من المحتمل أنها التي وقعت في يد الشيخ.
стр. 65
أما ما لم أقف عليه -وهو قليل- بحمد الله- فإني أحاول توثيقه من المصادر الأخرى -ما أمكن- وإذا لم أقف عليه في أي مصدر ووجدت الشيخ ﵀ قد أثبته في إحدى مؤلفاته، فإني أقابله على ما جاء في هذا المؤلف حرصًا على إخراج النص بصورة سليمة.
٧ - عزوت الآيات القرآنية الكريمة إلى مواضعها، وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية فيها.
٨ - خرجت الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وبينت درجة الحديث إذا لم يرد في أحد الصحيحين، وذلك بالإشارة إلى ما قاله العلماء فيه.
٩ - الأعلام الوارد ذكرهم في هذا الكتاب كثيرون، ولذا اكتفيت بالترجمة للأعلام الذين يقع في أسمائهم خطأ، أو اختلاف بين النسخ، وكذا ترجمت لمن نقل عنه الشيخ نقلًا، أو نسب له قولًا، أو تكلم فيه مدحًا أو ذمًّا.
١٠ - حرصت على التعريف بأي مصدر يشير إليه الشيخ ﵀ قدر الإمكان، وبيان ما إذا كان مخطوطًا أو مطبوعًا موجودًا أو مفقودًا، وإن كنت في الغالب لا أشير إلى الكتاب الذي وقع تحت يدي ونقلت منه اكتفاء بما سأذكره عنه في الفهرس.
١١ - علقت على بعض المسائل التي تحتاج إلى تعليق، وراعيت الاختصار لئلا أثقل الكتاب بالحواشي.
١٢ - شرحت بعض الكلمات الغريبة والمصطلحات، وعرفت بالفرق والأماكن والبلدان تعريفًا موجزًا.
١٣ - اعتمدت التاريخ الهجري في التراجم ونحوها، ودونت ذلك رقمًا لا كتابة اختصارًا، أما إذا ذكرت تاريخًا كان قبل الهجرة فإني أرمز بعد التاريخ بـ (ق هـ)، وإذا كان قبل الميلاد فإني أرمز بعده بـ (ق م).
١٤ - قد اكتفيت بذكر كلمة الشيخ ﵀ عن ذكر اسم شيخ الإسلام ابن تيمية اختصارًا، وهذا كثير.
стр. 66
١٥ - ختمت الكتاب بفهارس تعين القارئ في الحصول على طلبته ومبتغاه منه دون عناء، وذلك على النحو التالي:
أ - فهرس الأحاديث والآثار.
ب- فهرس الأعلام.
ج- فهرس الكلمات الغريبة والمصطلحات والبلدان والفرق.
د- فهرس المراجع.
هـ - فهرس الموضوعات.
стр. 67
الفصل الثاني دراسة بعض مسائله
فتنة القول بخلق القرآن:
لا بد -وقبل الكلام على مسألة خلق القرآن واختلاف الناس فيها، وبيان القول السديد المعتمد على الأدلة النقلية والعقلية- من الكلام على بدعة القول بخلق القرآن، وبيان وقت ظهورها، ومن تزعمها، وما لاقاه الأئمة في سبيل إخمادها، وتجليتها على ضوء نصوص الكتاب والسنة، لا سيما وهذه أمور كثيرًا ما يتطرق إليها الشيخ ﵀ في ثنايا هذا الكتاب، وأثناء مناقشته الخصوم.
لذا رأيت أن أتكلم عنها، ولو بشيء من الاختصار فأقول:
بدعة القول بخلق القرآن أولى من أظهرها في الإسلام -كما أوضحه الشيخ (١) وغيره: الجعد بن درهم (٢) (ت ١٢٤ هـ).
فقد نقل أبو القاسم اللالكائي (٣) عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: "سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم، وقاله سنة نيف وعشرين ومائة".
ولما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري (٤) -وكان أميرًا على العراق- حتى ظفر به، فخطب الناس يوم الأضحى وقال في خطبته: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن
стр. 68
درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًّا كبيرًا" ثم نزل فذبحه (١).
فسكن الأمر، وانطفأت هذه البدعة.
ثم حمل لواءها الجهم بن صفوان (٢) (ت ١٢٨ هـ).
يقول الشيخ (٣) ﵀: "وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان، فأنكر أن الله يتكلم، ثم نافق المسلمين، فأقر بلفظ الكلام، وقال: "كلامه يخلق في محل كالهواء وورق الشجر".
وقد سلط الله على الجهم مسلم بن أحوز فقتله.
لكن أظهر هذه البدعة من بعدهما بشر بن غياث المريسي (٤) (ت ٢١٩ هـ) فجدد القول بخلق القرآن، وكان صباغًا يهوديًّا (٥).
يقول عثمان بن سعيد الدارمي (٦): "لم يزل الأمر طامسًا دارسًا حتى درج العلماء، وقَلَّت الفقهاء، ونشأ نشءٌ من أبناء اليهود والنصارى مثل بشر بن غياث المريسي، ونظرائه، فخاضوا في شيء منه، وأظهروا طرفًا منه، وجانبهم أهل الدين والورع، وشهدوا عليهم بالكفر حتى هم بهم وبعقوبتهم قاضي القضاة يومئذ أبو يوسف، حتى فر منه المريسي (٧). . .
стр. 69
ولحق بالبصرة، فلم يزالوا أذلة مقموعين، لا يقبل لهم قول، ولا يلتفت لهم إلى رأي، حتى ركنوا إلى بعض السلاطين الذين لم يجالسوا العلماء ولم يزاحموا الفقهاء. . . ".
فاستغل المعتزلة (المأمون) الخليفة العباسي أبا جعفر عبد الله بن هارون الرشيد (١)، واتخذوه أداة لنشر ضلالتهم، وترويج بدعتهم، فزينوا له القول بخلق القرآن، فصار إلى مقالتهم، وحمل الناس عليها، وأكرههم على اعتناقها، وكان قبل ذلك مترددًا في الدعوة إلى إظهار هذه البدعة، وحمل الناس عليها، ربما كان ذلك لأنه يراقب بقايا الشيوخ الذين لهم مكانة في نفوس الناس (٢)، لكنه في آخر أيامه عزم على إظهار هذا القول وإكراه الناس عليه.
فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم (٣) كتابًا (٤) يأمره فيه بامتحان القضاة والعلماء بالقول بخلق القرآن، وأن يرسل إليه جماعة منهم عينهم بكتابه (٥).
стр. 70
فبعث بهم إسحاق إلى المأمون بالرقة (١)، فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه إلى ذلك، وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردهم إلى بغداد، وأمر بإشهار ذلك بين الفقهاء، وقد فعل نائبه ونفذ أمره (٢).
ثم كتب المأمون إلى إسحاق -أيضًا- بكتاب ثان (٣) يستدل به -كما يقول ابن كثير- على القول بخلق القرآن بشبه من الدلائل لا تحقيق تحتها ولا حاصل لها، بل هي من المتشابه، وأورد من القرآن آيات هي حجّة عليه، وأمر نائبه أن يقرأ الكتاب على الناس، ويدعوهم إليه، وإلى القول بخلق القرآن.
فأحضر إسحاق جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد بن حنبل (٤) ﵀ وقرأ عليهم الكتاب، ثم بدأ يمتحنهم رجلًا رجلًا، إلى أن وصلت النوبة إلى الإمام أحمد:
فقال له: أتقول أن القرآن مخلوق؟
فقال: القرآن كلام الله لا أزيد على هذا.
فقال له: ما تقول في هذه الرقعة (٥)؟
فقال: أقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦).
فقال رجل من المعتزلة (٧): إنه يقول: سميع بأذن، بصير بعين.
стр. 71
فقال له إسحاق: ما أردت بقولك: سميع بصير؟
فقال: أردت منها ما أراده الله منها، وهو كما وصف نفسه، ولا أزيد على ذلك.
فكتب أجوبة القوم، وبعث بها إلى المأمون، وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة مكرهًا (١).
ثم ورد كتاب (٢) المأمون إلى نائبه أن يمتحنهم -أيضًا- فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم يبعث إليه مقيدًا محتفظًا به.
فأحضرهم إسحاق، وأخبرهم بما أمر به الخليفة، فأجاب القوم كلهم إلّا أربعة هم: أحمد بن حنبل، وسجادة (٣)، والقواريري (٤) ومحمد بن نوح (٥)، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد.
стр. 72
فلما كان من الغد دعاهم وهم مقيدون، فامتحنهم، فأجاب سجادة والقواريري، فأطلقهما، وأصر الإمام أحمد، ومحمد بن نوح على قولهما، فشدا بالحديد ووجها إلى طرسوس (١)، وكتب كتابًا بإرسالهما إليه (٢).
يقول الإمام أحمد ﵀: "وكنت أدعو الله ألّا يريني وجهه -يعني المأمون- وذلك أنه بلغني أنه كان يقول: لئن وقعت عيني على أحمد لأقطعنه إربًا إربًا" (٣).
فاستجاب الله دعاءه ومات المأمون وهما في طريقهما إليه سنة ٢١٨ هـ فأما محمد بن نوح فمات في الطريق، وصلى عليه الإمام أحمد ودفنه (٤).
وأما الإمام أحمد فرد مقيدًا إلى بغداد -بعد خبر وفاة المأمون وتولي المعتصم- (٥) في سفينة مع بعض الأسرى، وكان في أمر عظيم من الأذى، ثم أودع السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نيفًا وثلاثين شهرًا، ثم أخرج للضرب بين يدي المعتصم، وكان ذلك بعد مناظرات مع المعتزلة (٦)
стр. 73
: ابن أبي دؤاد (١) وجمع من أصحابه، بحضور الخليفة، وقد أثبت خلالها ﵀ تغلبه عليهم، ودمغهم بالحجج المدعمة بنصوص الكتاب والسنة، التي تهاوت أمامها جميع إلزاماتهم، فلم تقم لهم معه حجة، مما جعلهم -ومن خلال هذه المناظرات- يلجؤون إلى أسلوب آخر، أسلوب العجز، الذي ينتهجه عادة أعداء الإسلام عندما تتساقط أدلتهم أثناء النقاش فلجؤوا إلى تحريف قوله، وتحريض الخليفة عليه، ونسبته إلى الضلال والابتداع، وأنه حلال الدم.
ويظهر ذلك من قولهم فيما بينهم- أثناء المناظرة: "يا أمير المؤمنين: أكفرنا وأكفرك".
وقول الإمام أحمد ﵀: "يا أمير المؤمنين ما أعطوني شيئًا من كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ فأقول به".
وقول ابن أبي دؤاد: "هو -والله- يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع".
وبعد ما لاقاه أبو عبد الله من صنوف الأذى وأنواع التعذيب، وخيبة أمل بطانة الخليفة، أعيد ﵀ إلى منزله.
يقول حنبل بن إسحاق: "فلم يزل أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ بعد أن أطلقه المعتصم، وانقضاء أمر المحنة، وبرأ من ضربه، يحضر الجمعة والجماعة، ويفتي ويحدث أصحابه، حتى مات أبو إسحاق، وولي هارون ابنه (٢)، وهو الذي يدعى الواثق. . . " (٣).
فحسَّن له ابن أبي دؤاد امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك (٤) ولم
стр. 74
يتعرض للإمام أحمد (١)، لكنه أرسل له بأن لا يساكنه بأرض، ولا يأتيه ولا يجتمع به أحد، فاختفى ﵀ بقية حياة الواثق (٢).
ورغم ما ناله ﵀ كما مر في أيام المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، وما أصابه من الحبس الطويل، والضرب الشديد، والتهديد والوعيد بالقتل، إلا أنه قابل ذلك كله بالصبر ورجاء الثواب من عند الله والتمسك بالكتاب والسنة وما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
إلى أن تولى المتوكل (٣)، فأظهر الله به السنة وأعز أهلها، وقمع البدعة وأذل أهلها، فكتب إلى الآفاق بالمنع من الكلام في القول بخلق القرآن ووجه الفقهاء والمحدثين بالجلوس للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأرسل إلى نائبه ببغداد أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعاه وأكرمه وأجله لما يعلمه من مكانته عند الخليفة المتوكل،
стр. 75
وأخبره بطلب الخليفة، فاعتل الإمام أحمد بضعفه وكبره، ولكن المتوكل أكد على حضوره إليه، وبعث إليه بكتاب مفاده أنه يريد الإنس به وبقربه.
فخرج الإمام أحمد من بغداد إلى الخليفة المتوكل (١)، وعند وصوله أكرمه إكرامًا عظيمًا -يستحقه- يرحمه الله- لكنه اعتبر ذلك ابتلاء وامتحانًا له -أيضًا- فكان لا يقبل ما يغدق به الخليفة عليه، ويقول: "سلمت منهم طول عمري، ثم ابتليت بهم في آخره".
فلما رأوا منه عدم قبول الترف وملاذ الدنيا، أذنوا له بالرجوع إلى بغداد، وكان الخليفة يوفد إليه في أمور تقع له يشاوره فيها، ويسأل عنه ويطمئن عليه، إلى أن توفي (٢) ﵀ رحمة واسعة.
وقد كتب المتوكل إلى الإمام أحمد يسأله عن القول بالقرآن، سؤال المسترشد المستفيد، لا سؤال المتعنت الممتحن، فكتب -إليه الإمام أحمد- رسالة حسنة (٣)، أبان فيها ما يجب اعتقاده في هذه المسألة، وضمنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٤).
وبعد هذا العرض لقضية الفتنة المتعلقة ببدعة القول بخلق القرآن نتعرف على موقف شيخ الإسلام في هذا الكتاب من هذه القضية، ويتمثل ذلك فيما يلي:
١ - نظر شيخ الإسلام إلى موقف الخلفاء ومن تبعهم الذين أرادوا أن يلزموا الناس بأمر لم يرد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وحكم على موقفهم بأنه لا يجوز منهم هذا الإلزام للناس، واستدل على ذلك بمواقف لسلف هذه الأمة من أمور لها الصفة نفسها في عدم وجودها في كتاب الله أو سنة رسوله، وكان فعلهم منسجمًا مع هذا الحكم، فقال ﵀ في ذلك:
"ليس لأحد من الناس أن يلزم الناس ويوجب عليهم إلّا ما أوجبه الله