стр. 106
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 17582
الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة
أمين الشقاوي
Полный текст (4 387 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 107
الكلمة الحادية والعشرون: الرؤيا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فحديثنا اليوم عن الرؤيا، وسيكون الكلام فيها عن الأمور التالية:
أولاً: فضل الرؤيا ومنزلتها في الشريعة الإِسلامية.
ثانيًا: أقسام الرؤيا وأنها على ثلاثة أقسام.
ثالثًا: تعبير الرؤيا وبعض الفوائد المتعلقة بذلك.
رابعًا: بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس في الرؤيا.
خامسًا: أمثلة للرؤيا الصالحة.
أما ما يتعلق بفضل الرؤيا ومنزلتها: فيقول الله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾، أي: يعلمك تفسير الرؤيا.
روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵁ قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر؛ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَاّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ» (١).
стр. 108
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ في قوله : ﴿لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]؛ قال: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ» (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (٢).
وقوله ﷺ : «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ» أي في آخر الزمان وذلك عند كثرة الفتن، وغربة الدين، وشدة الحاجة إلى المبشرات التي تطمئن بها قلوب المؤمنين، ولذلك قال: «لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا المُؤْمِنِ» فهي خاصة بالمؤمنين.
وقوله: «جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ»؛ قال بعض أهل العلم: إن مدة النبوة ثلاثة وعشرون سنة منها: نصف سنة، الوحي فيها رؤيا يراها النبي ﷺ في النوم؛ فيكون ذلك جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَاّ جَاءَتْهُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ (٣).
وقوله ﷺ في آخر الحديث السابق: «أَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا»، دليل على أهمية الصدق، وأن أصدق الناس كلامًا هو أصدقهم رؤيا.
وأما أقسام الرؤيا فهي ثلاثة، روى الترمذي في سننه من حديث
стр. 109
أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: فَرُؤْيَا حَقٌّ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ» (١).
هذا الحديث بيان من النبي ﷺ بأنه ليس كل ما يُرى في المنام من الرؤيا الصالحة، فما يراه الإِنسان في منامه؛ من المفزعات والمزعجات فهو من الشيطان ليحزن المؤمن بذلك، وما يراه مما يعرض له في يومه وليلته فتلك الأحلام، وأحاديث النفس تعرض له في اليقظة فيحلم بها في منامه.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: «فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ» (٣).
أما تعبير الرؤيا، فهو علم شريف خص الله تعالى به بعض أنبيائه، وأوليائه، كمحمد ويوسف ﵉، وممن اشتهر بذلك من الصحابة: أبو بكر. ومن التابعين محمد بن سيرين، وغيرهم من الصالحين في كل زمان ومكان.
ولقد أرشد النبي ﷺ من رأى رؤيا ألَاّ يقصها على كل أحد.
стр. 110
روى أبو داود في سننه من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وَلَا يَقُصُّهَا إِلَاّ عَلَى وَادٍّ (١) أَوْ ذِي رَايٍ» (٢).
ومن فوائد ذلك: ألا تعبر الرؤيا تعبيرًا خاطئًا، أو بما يحزن صاحبها.
وأما الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس فيما يتعلَّق بالرؤيا: فنذكر من ذلك ثلاثة أخطاء مهمة.
أولاً: الكذب في الرؤيا بأن يدَّعي أنه رأى كذا وكذا ولم ير ذلك؛ روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ» (٣).
ثانيًا: اعتماد بعض الجهال من الصوفية وغيرهم على الرؤيا في الأحكام الشرعية من تحليل حرام، أو تحريم حلال ونحو ذلك؛ وليس من ذلك أن يعمل العبد عملًا صالحًا فيرى ما يبشره بقبوله أو نفعه.
ثالثًا: ليس كل من رأى النبي ﷺ في منامه يكون رآه حقًا حتى يراه على صورته الحقيقية التي كان عليها ﷺ ؛ فقد كان ابن سيرين ﵀ إذا قال له أحد رأيت النبي ﷺ يقول له: صف لي الذي رأيت؛ فإن وصفه بصفته الحقيقية قال له: «رَأَيتَ».
ومن الأمثلة للرؤيا الصالحة: رؤيا النبي ﷺ ، وهو من المبشرات لمن رآه؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَىنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَىنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي» (٤).
стр. 111
ولكن كما تقدم أن يراه على صورته الحقيقية.
ومنها أيضًا رؤيا يوسف ﵇؛ كما في الآية: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
قال الله في تأويلها: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ ابْنِ رَافِعٍ فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 112
الكلمة الثانية والعشرون: شاب نشأ في عبادة الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَاّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (١).
يجمع الله الخلائق يوم القيامة، الأولين منهم والآخرين ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]؛ في يوم طويل قدره، عظيم هوله، شديد كربه، حذَّر الله منه عباده وأمرهم بالاستعداد له.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢].
стр. 113
وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].
روى مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ؛ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (٢).
ولا يتسع الوقت للحديث عن السبعة، ولكن نقف وقفات يسيرة مع قوله ﷺ : «شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ».
فهذا الشاب وفقه الله منذ نشأ للأعمال الصالحة، وحببها إليه وكره إليه الأعمال السيئة وأعانه على تركها، إما بسبب تربية صالحة، أو رفقة طيبة، أو غير ذلك؛ وقد حفظه الله مما نشأ عليه كثير من الشباب من اللهو واللعب، وإضاعة الصلوات والانهماك في الشهوات والملذات، وقد أثنى الله على هذا النشء المبارك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣].
ولما كان الشباب داعيًا قويًا للشهوات، كان من أعجب الأمور الشاب الذي يلزم نفسه بالطاعة والاجتهاد فيها، واستحق بذلك أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله.
стр. 114
لقد علم أنه مسئول عن شبابه فيما أبلاه؛ فعمل بوصية نبيه محمد ﷺ التي أوصى بها، حيث قال: «اغتَنِمْ خَمسًا قَبلَ خَمسٍ: شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبلَ شُغلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبلَ مَوتِكَ» (١).
روى الترمذي في سننه من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟ » (٢).
والشباب هم عماد الأمة، وهم جيل المستقبل؛ منهم يتكون بناء الأمة، ومنهم ينشأ العلماء والمصلحون والمجاهدون وغيرهم من أبناء المجتمع، الذين إذا صلحوا انتفعت بهم مجتمعاتهم في الدُّنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَاّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَاّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٣).
ومن الأمثلة على الشباب الملتزم بطاعة ربه شباب الصحابة، أمثال أسامة بن زيد الذي أرسله النبي ﷺ لقيادة جيش المسلمين المتجه إلى الشام، وعمره لم يتجاوز السابعة عشر، وفي القوم كبار الصحابة، حتى
стр. 115
أن أبا بكر كان يستأذن أسامة بن زيد أن يُبقي عمر عنده في المدينة فيأذن أسامة في ذلك، وعلي بن أبي طالب الذي بات في فراش النبي ﷺ عندما هاجر إلى المدينة وعرَّض نفسه للقتل، فداء للنبي ﷺ ، وجعفر بن أبي طالب الذي كان قائدًا لجيش المسلمين في معركة مؤتة الشهيرة خلفًا للقائد زيد بن حارثة ﵁ الذي قُتِلَ في تلك المعركة، فحمل راية المسلمين وأخذ سيفه وهو يقول:
يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ... عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
فقطعوا يده اليمنى، فأَمسك الراية بيده اليسرى، فقطعوا يده اليسرى، فضم الراية إلى صدره، فتكاثروا عليه فقتلوه.
يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: الْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي الْقَتْلَى، فَإِذَا هُوَ قَد ضُرِبَ بِضْعًا وَتِسْعِينَ ضَرْبَةً مَا بَينَ ضَربَةٍ بِسَيفٍ وَطَعْنَةٍ بِرُمحٍ (١).
قال تعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣].
ومن الأمثلة كذلك: محمد بن القاسم الذي فتح بلاد السند والهند وعمره لم يتجاوز السابعة عشر، كما تروي لنا كتب السير، قال الشاعر:
عُبَّادُ لَيْلٍ إِذَا جَنَّ الظَّلَامُ بِهِم ... كَمْ عَابِدٍ دَمْعُهُ فِي الْخَدِّ أَجْرَاهُ
وأُسْدُ غَابٍ إِذَا نَادَى الْجِهَادُ بِهِم ... هَبُّوا إِلَى المَوْتِ يَسْتَجْدُونَ رُؤْيَاهُ
يَا رَبِّ فَابْعَثْ لَنَا مِن مِثْلِهِمْ نَفَرًا ... يُشِيِّدُونَ لَنَا مَجْدًا أَضَعْنَاهُ
стр. 116
ومن الأمثلة المعاصرة: الشباب الذين يملؤون المساجد، والمدارس، والجامعات، يطلبون العلم الشرعي، ويدعون إلى دين الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويلتحقون بحلقات تحفيظ القرآن الكريم.
وهذا شيء يثلج الصدر، وأمتنا لا يزال فيها الخير إلى يوم القيامة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 117
الكلمة الثالثة والعشرون: التحذير من الشرك
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإنّ أعظم الذنوب عند الله تعالى: الشرك به سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] الآية.
والشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر، فأما الشرك الأكبر فهو الذي يخرج صاحبه من دائرة الإِسلام، ويوجب له الخلود في النار، ويحرم عليه الجنة إذا لم يتب منه ومات عليه، ومن الشرك الأكبر صرف عبادة من العبادات لغير الله تعالى مثل الدعاء، أو النذر، أو الخوف، أو الذبح، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
ومن أنواع الشرك الأكبر:
شرك الدعاء، ودليله قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
فأخبر تعالى أن المشركين يخلصون الدعاء لله في الشدة،
стр. 118
ويشركون به في الرخاء، فلم ينفعهم إخلاصهم المؤقت، فدل على أن التوحيد لا ينفع صاحبه إلا إذا استمر عليه حتى الممات.
ومنه شرك النية والإِرادة والقصد، ودليله قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
قال ابن عباس: «إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا؛ وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا. يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا وهو في الآخرة من الخاسرين» (١).
ومنها شرك الطاعة، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
روى الترمذي في سننه من حديث عدي بن حاتم ﵁: أنه سمع رسول ﷺ يقرأ هذه الآية، قال: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (٢).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
стр. 119
فمن أطاع غير الله تعالى في تحريم الحلال، أو تحليل الحرام واتخذ ذلك دينًا وشرعًا، فقد أشرك بالله.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: «من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله» (١).
ومنها شرك المحبة، ودليله قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
قال ابن كثير: «يذكر تعالى حال المشركين به في الدُّنيا ومآلهم في الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي أمثالاً ونظراء يعبدونهم معه، ويحبونهم كحب الله، وهو الله لا إله إلا هو، لا ضِدَّ له ولا نِدَّ» (٢).
أما الشرك الأصغر فهو الذي لا يخرج صاحبه من الملة، ولكنه ينقص من توحيده، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وينقسم إلى قسمين: شرك ظاهر، وشرك خفي.
أما الظاهر فهو يختص بالأعمال والأقوال الظاهرة، أما الألفاظ الظاهرة فمثل الحلف بغير الله وقول: ما شاء الله وشئت، وقول: لولا الله وفلان؛ فلا يجوز لأحد أن يساوي غير الله به سبحانه؛ بل يقول: ما شاء الله، ثم فلان، ولولا الله ثم فلان وهكذا.
أما الأفعال: فهي كثيرة جدًّا، مثل تعليق التمائم خوفًا من العين، أو لبس الحلقة أو الخيط لرفع البلاء أو دفعه، هذا مع اعتقاده أنها سبب لرفع
стр. 120
البلاء أو دفعه، فإن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر.
القسم الثاني: شرك خفي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وهذا الشرك بحر لا ساحل له وقل من ينجو منه؛ فمن أراد بعمله غير التقرب إلى الله تعالى فقد أشرك في إرادته ونيته.
والإِخلاص أن يخلص لله في أقواله وأفعاله ونيته وإرادته؛ فإن هذه هي الملة الحنيفية؛ ملة إبراهيم ﵇ التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإِسلام (١). اهـ.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمود بن لبيد ﵁، قال: خرج النبي ﷺ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ» (٢).
وإنما سُمي الرياء شرك خفي لأن صاحبه يظهر أن عمله للَّه، وقد قصد به غيره أو شركه فيه، وزيَّن صلاته لأجله (٣).
والنيات والمقاصد وأعمال القلوب لا يعلمها إلَاّ اللَّه .
стр. 121
قال الشاعر:
ولا تكُ بالأعمال يومًا مُرائيًا ... فإِن الرِّيا شِرك بنص الدلائل
فَوَيلٌ لِمن قَد كان يعمَلُ بِالرِّيا ... بطاعته للَّه ليس بعامِل
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمود بن لبيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ». قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ » (١).
يعني أنه يبطل أعمال المرائين، وأنه يُحيلَهم على الذين راءوهم في الدنيا فيُقال: انظروا: هل يثيبونكم، أي: أُولئك الذين تزينتم عندهم ورائيتموهم في الدنيا؟
هل تجدون عندهم ثوابًا؟
هل تجدون عنهم جزاءً على أعمالكم؟ ! (٢).
وللَّه در القائل:
وكل امرِيءٍ يومًا سيُعرف سَعْيُهُ ... إذا حُصِّلت عند الإلهِ الحصائلُ
وقد يتهاون بعض الناس بهذا النوع لتسميته شركًا أصغر، وهو إنما سُمي أصغر بالنسبة للشرك الأكبر، وإلا فهو أكبر من جميع الكبائر، ولذلك قال العلماء:
١ - إن الشرك الأصغر إذا دخل عملاً فسد ذلك العمل وحبط.
٢ - إن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه، وليس فاعله تحت
стр. 122
المشيئة كصاحب الكبيرة؛ بل يعذب بقدره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
فالواجب على المؤمن أن يحذر من الشرك بجميع أنواعه وأن يخشى على نفسه منه، فقد خاف إبراهيم ﵇ على نفسه من الشرك وهو إمام الموحدين، فقال لربه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: فلا يأمن من الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلصه منه، من العلم بالله وبما بعث به رسوله من توحيده والنهي عن الشرك به (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 123
الكلمة الرابعة والعشرون: الحياء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإِنّ من الصفات الحميدة والأخلاق الجميلة التي دعا إليها الشارع: صفة الحياء.
قال تعالى عن موسى ﵇ عندما سقى للمرأتين: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥] الآية.
روى الإمام أحمد في كتابه الزهد، والبيهقي في شعب الإيمان من حديث سعيد بن زيد ﵁: أن رجلاً قال: يا رسول الله: أوصني، قال: «أُوصِيكَ أَن تَستَحِي مِنَ اللهِ كَمَا تَستَحِي رَجُلاً مِن صَالِحِي قَومِكَ» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي مسعود البدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (٢). وهذا الحديث فيه دليل على أن الحياء مانع للإِنسان من ارتكاب ما يضره في دينه، أو يخل بأدبه ومروءته، فإِذا فقدت منه هذه الخصلة لم يبال بما صنع.
стр. 124
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إلَاّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (١).
وكانت العرب في الجاهلية تتحلى بصفة الحياء، فهذا أبو سفيان قبل إسلامه عندما وقف أمام هرقل ملك الروم ليسأله عن النبي ﷺ فأخبر عن نفسه قائلاً: لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عليه.
قال ابن القيم ﵀: وخلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، وهو خاصة الإِنسانية؛ فمن لا حياء فيه ليس معه من الإِنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق - أي الحياء - لم يكرم ضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد أمانه، ولم تقض لأَحدٍ حاجة؛ ولا تحرى الرجل الجميل ففعله والقبيح فتجنبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع عن فاحشة؛ ... فإن الباعث على هذه الأفعال إما ديني، وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإما دنيوي وهو ... حياء فاعلها من الخلق؛ فقد تبيّن أنه لولا الحياء إما من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها ... إلى آخر ما قال» (٢).
وقال عمر ﵁: مَن قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَن قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلبُهُ (٣).
стр. 125
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ» (١).
قال الشاعر:
إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي ... وَلَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ
فَلَا وَاللهِ مَا فِي الْعَيْشِ خَيرٌ ... وَلَا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ
يَعِيشُ الْمَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَيرٍ ... وَيَبْقَى الْعُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ
قال ابن القيم ﵀: ومن عقوبات المعاصي ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه، فقد جاء في الحديث الصحيح: «الْحَيَاءُ لَا يَاتِي إِلَاّ بِخَيْرٍ» (٢) والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم؛ بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع، ومن استحيا من الله عند معصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من معصيته لم يستح الله من عقوبته. اهـ (٣).
روى ابن حبان في صحيحه من حديث أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا كَرِهَ اللهُ مِنْكَ شَيْئًا فَلَا تَفعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ» (٤).
стр. 126
قال القحطاني ﵀:
وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ ... وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُّغْيَان
فَاسْتَحِي مِن نَظَرِ الإِلَهِ وَقُل لَهَا ... إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي
ومثاله: ما يقوم به بعض الذين يسافرون إلى الخارج لقضاء الشهوات والملذات، ثم يخبر أحدهم بجريمته التي فعل من شرب خمر أو فاحشة؛ أو غير ذلك من المعاصي، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَاّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (١).
وهؤلاء لهم نصيب من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
وهنا أمر ينبغي التنبه له، وهو أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من الحياء، قال تعالى: ﴿وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
قال الإِمام النووي: قد يشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يُجله، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإِخلال ببعض الحقوق، والجواب عن هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة منهم: أبو عمرو بن الصلاح، أن هذا المانع ليس من الحياء؛ بل هو عجز وخور ومهانة، فالحياء الحقيقي خلق
стр. 127
يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. اهـ (١).
وقد حثّ النبي ﷺ على إنكار المنكر وأمر بتغييره، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 128
الكلمة الخامسة والعشرون: وقفة مع آيتين من كتاب الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فنقف وقفة يسيرة مع آيتين من كتاب الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ هذا الخطاب للمؤمنين.
أولاً: لأنهم الذين تنفعهم الذكرى.
ثانيًا: لتطهيرهم وتزكيتهم من الأخلاق السيئة.
قال القرطبي: «جاء الاستفهام على جهة الإِنكار والتوبيخ على أن يقول الإِنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما إن كان ذلك في الماضي فإنه يكون كذبًا، وأما في المستقبل فيكون ذلك إخلافًا بالوعد وكلاهما مذموم» (١). اهـ.
قال ابن عباس ﵄: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به؛ فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه: إيمان لا شك فيه وجهاد أهل معصيته، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق ذلك عليهم، فأنزل الله الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
стр. 129
وهذا اختيار (١) ابن جرير ﵀.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: قوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: لِمَ تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به، وأنتم لا تفعلونه؟ ! وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون متصفون به؟ ! ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس مبادرة إليه، والناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس عنه. اهـ (٢).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ (٣) فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَانُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَامُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» (٤).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ (٥) مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» (٦).
قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: قال الراغب: المقت هو البغض الشديد لمن تراه فعل القبيح (٧)، كما في
стр. 130
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٢٢].
قال النخعي: ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس قوله: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقول شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١).
قال إبراهيم التيمي ﵀: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا (٢).
ومن فوائد الآيتين الكريمتين:
أولاً: استدل بها بعض أهل العلم على وجوب الوفاء بالوعد.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (٣).
قال ابن حجر: «أصل الديانة منحصر في ثلاث، القول، والفعل، والنية، فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف» (٤).
روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة ﵁
стр. 131
قال: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا صَبِيٌّ فَذَهَبتُ لأَخرُجَ لأَلعَبَ، فَقَالَت أُمِّي: يَا عَبدَ اللهِ تَعَالَ أُعطِكَ، فقال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةٌ» (١).
ثانيًا: إن العلم قرين العمل؛ ولذلك يُسْألُ المرء يوم القيامة عن علمه ماذا عمل به؟ كما روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ » (٢).
وروى الطبراني في معجمه الكبير من حديث جندب بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ مَثَلُ مِصْبَاحٍ يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ» (٣).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فذنبه من جنس ذنب اليهود» (٤).
ثالثًا: أن الله نهى المؤمن أن يقول ما لا يفعل؛ لكن لو كان المؤمن مقصرًا في طاعة الله مرتكبًا لبعض المعاصي فإن ذلك لا يسقط عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
стр. 132
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١).
كان الحسن ﵁ إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلاً، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وهكذا تكون الحكمة.
قال أبو الأسود الدؤلي:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَاتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَابْدَأ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَت عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فهُناك يُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقتَدَى ... بِالْعِلْمِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
قال ابن حزم: والمراد أن أبا الأسود إنما قصد بالإِنكار المجيء بما نهى عنه المرء، وأنه يتضاعف قبحه فيه مع نهيه عنه، فقد أحسن كما قال تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] وقد صحّ عن الحسن أنه سمع إنسانًا يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله. قال الحسن: «ود إبليس لو ظفر منا بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر ولا يأمر بمعروف. قال ابن حزم: صدق الحسن وهو قولنا آنفًا» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 133
الكلمة السادسة والعشرون: تأملات في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ﴾
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فنقف وقفة يسيرة مع آية من كتاب الله.
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
يقول ﵎: قل يا محمد معظمًا لربك وشاكرًا له ومفوضًا إليه ومتوكلاً عليه: اللهم مالك الملك، والملك: قيل النبوة، وقيل: الغلبة، وقيل: المال والعبيد. والصحيح الذي رجحه بعض المفسرين أنه عام لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص، فقوله: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾، أي أنت المعطي وأنت المانع وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، وأنت المتصرف في خلقك الفعال لما تريد.
قال ابن كثير ﵀: رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال: وقالوا ... - أي الكفار - لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، كالوليد بن المغيرة. وغيره. قال الله ردًا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
أي أهم الخزان لرحمة الله، وبيدهم تدبيرها، فيعطون النبوة والرسالة من يشاؤون، ويمنعونها عمن يشاؤون، فنحن نتصرف فيما
стр. 134
خلقنا كما نريد بلا مانع ولا مدافع، لنا الحكمة البالغة والحجة التامة، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد. قال سبحانه: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (١). اهـ.
قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أي الخير كله منك ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنه لا يضاف إلى الله لا وصفًا ولا اسمًا، ولكنه يدخل في مفعولاته ويندرج في قضائه وقدره؛ فالخير والشر داخل في القضاء والقدر فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه، ولكن لا يضاف إلى الله، فلا يقال: بيدك الخير والشر ولكن بيدك الخير كما قال الله، وقال رسوله. اهـ (٢).
روى مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب ﵁: عن رسول الله ﷺ في دعائه في قيام الليل أنه كان يقول: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (٣). تأدبًا مع الله تعالى.
ومن فوائد الآيتين الكريمتين:
أولاً: ما نقله ابن كثير في تفسيره أن فيها تنبيهًا وإرشادًا إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ ، وهذه الأمة؛ لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأُمي المكي خاتم الأنبياء على الإِطلاق، ورسول الله إلى الثقلين، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيًا من الأنبياء ولا رسولاً، من العلم بالله وشريعته، وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له
стр. 135
عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع؛ فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار (١). اهـ.
ثانيًا: أن العزة لا تطلب إلا من الله تعالى وهي إنما تأتي بطاعته واجتناب معصيته. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال وهو يخاطب الأنصار: «أَلَمْ تَكُونُوا أَذِلَّةً فَأَعَزَّكُمُ اللهُ؟ ! » (٢).
وقال عمر ﵁: «نَحنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهمَا ابتَغَينَا العِزَّةَ بِغَيرِهِ أَذَلَّنَا اللهُ» (٣).
ثالثًا: أن الذل الذي يصيب الإِنسان إنما هو بمعصيته لله ولرسوله، قال تعالى عن بني إسرائيل عندما عصوا الله ورسوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ
стр. 136
حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ، حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذُّلُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١).
وقال الحسن ﵀: «إِنَّهُم وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، إِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَفِي قُلُوبِهِمْ، أَبَى اللهُ إِلَاّ أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ» (٢).
قال الشاعر:
رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ... وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ ... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا
رابعًا: إثبات قدرة الله، فهو سبحانه القادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولذلك يشرع للمؤمن أن يسأل الله بقدرته أن ييسر له الخير، ويصرف عنه الشر، روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم؛ فقال له رسول الله ﷺ : «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ. ثَلَاثًا. وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (٣).
خامسًا: فضل الدعاء وأهميته، وكان السلف يدعون: اللهم أعزني
стр. 137
بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك (١)، وينبغي للمؤمن أن يسأل الله من خيري الدُّنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٢).
وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 138
الكلمة السابعة والعشرون: القناعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن الصفات المحمودة التي حث الله ورسوله عليها: صفة القناعة.
قال الراغب: القناعة هي الاجتزاء باليسير من الأغراض المحتاج إليها (١).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢] وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] الآية.
قال علي وابن عباس ﵄: الحياة الطيبة هي القناعة (٢).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (٣).
وروى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث
стр. 139
أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا ذَر، أَتَرى كَثْرَة المَالِ هُو الغِنى؟ »، قُلتُ: نَعَم يَا رَسولَ الله. قَالَ: «فَتَرَى قِلَّةَ المَالِ هُوَ الفَقرَ»، قُلتُ: نَعَم يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «إِنَّمَا الغِنَى غِنَى القَلبِ والفَقرُ فَقرُ القَلبِ» (١).
والعرض هو متاع الدنيا، ومعنى الحديث السابق: الغنى المحمود هو غنى النفس وشبعها، وقلة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة، لأن من كان طالبًا للزيادة لم يستغن بما عنده فليس له غنى.
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» (٢).
وروى الترمذي في سننه من حديث عبيدالله بن محصن الخَطَمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ (٣) لَهُ الدُّنْيَا» (٤).
وأرشد النبي ﷺ المؤمن إلى أن ينظر إلى من هو أسفل منه حتى يشعر بكثرة نعم الله عليه.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ» (٥).
стр. 140
قال ابن جرير وغيره: هَذَا حَدِيْثٌ جَامِعٌ لأَنْوَاعٍ مِنَ الخَيْرِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا رَأَى مَن فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَت نَفْسُهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِن نِعْمَةِ اللهِ، وَحَرَصَ عَلَى الازْدِيَادِ لِيَلحَقَ بِذَلِكَ، أَو يُقَارِبَهُ. هَذَا هُوَ المَوْجُوْدُ فِي غَالِبِ النَّاسِ، وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُوْرِ الدُّنْيَا إِلَى مَن هُوَ دُوْنَهُ فِيْهَا، ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَةُ اللِه تَعَالَى عَلَيْهِ، فَشَكَرَهَا، وَتَوَاضَعَ وَفَعَلَ فِيْهِ الخَيْرَ. اهـ (١).
وكان النبي ﷺ من أكثر الناس قناعة وزهدًا في الدنيا، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أنها قالت لعروة ابن أختها: «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ. فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَاّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَاهُ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك: أن فاطمة نَاوَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَقَالَ: «هَذَا أَوَّلُ طَعَامٍ أَكَلَهُ أَبُوكِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (٣).
وفي الصحيحين من حديث أبي حازم قال: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ مِرَارًا يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ مَا شَبِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا (٤).
وكان النبي ﷺ يسأل ربه أن يجعل رزقه كفافًا، أي مقدار حاجته فقط.
стр. 141
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» (١).
وكان النبي ﷺ يوصي أصحابه بالقناعة وعيشة الكفاف، روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ» (٢).
وكان الصحابة ﵃ يأخذون بهذا التوجيه النبوي الكريم؛ فعن أنس بن مالك قال: «اشْتَكَى سَلْمَانُ فَعَادَهُ سَعْدٌ، فَرَأَىهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ أَلَيْسَ؟ أَلَيْسَ؟ قَالَ سَلْمَانُ: مَا أَبْكِي وَاحِدَةً مِنَ اثْنَتَيْنِ مَا أَبْكِي ضنًّا لِلدُّنْيَا وَلَا كَرَاهِيَةً لِلآخِرَةِ، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيّ عَهدًا فَمَا أُرَانِي إِلَاّ قَدْ تَعَدَّيْتُ. قَالَ: وَمَا عَهِدَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ. وَلَا أُرَانِي إِلَاّ قَد تَعَدَّيت. قَالَ ثَابِتٌ: فَأَحْصَوْا مَا تَرَكَهُ سَلْمَانُ، فَإِذَا هُوَ بِضْعَة وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا» (٣).
وقال عمر ﵁: «إِنَّ الطَّمَعَ فَقرٌ، وَإِنَّ اليَأسَ غِنَى، إِنَّهُ مَن يَيأَسْ عَمَّا فِي أَيدِي النَّاسِ استَغنَى عَنهُم» (٤).
والقناعة كنز عظيم، وعلامة من علامات التقوى كما قيل: «القناعة كنز لا يفنى».
стр. 142
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «التَّقوَى: الخَوفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنزِيلِ، وَالقَنَاعَةُ بِالقَلِيلِ، وَالاِستِعدَادُ لِيَومِ الرَّحِيلِ».
وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه فكتب إليه: قد رفعت حوائجي إلى مولاي، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني قنعت (١).
وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك.
قال الشاعر:
خُذِ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاكَ وَارْضَ بِهَا ... لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَاّ رَاحَةُ البَدَن
وَانْظُر لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا ... هَل رَاحَ مِنْهَا بِغَيرِ القُطْنِ وَالكَفَن
وقال آخر:
وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا ... وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
وقال آخر:
إِنَّ الغِنَيَّ هُوَ الغَنِيُّ بِنَفْسِهِ ... وَلَو أَنَّهُ عَارِي المَنَاكِبِ حَاف
مَا كُلُّ مَا فَوقَ البَسِيطة كَافِيًا ... فَإِذَا قَنِعْتَ فَكُلُّّ شَيْءٍ كَاف
قال الغزالي ﵀ كان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل، ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 143
الكلمة الثامنة والعشرون: النهي عن المسألة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن الصفات المذمومة التي حذَّر منها الشارع: المسألة، والمقصود بالمسألة أن يسأل الإِنسان الناس أموالهم أو حاجاتهم من غير ضرورة أو حاجة ملحة، لما يتضمن السؤال من الذل لغير الله تعالى.
قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
قال ابن كثير في تفسيره: أراد لا يلحون في المسألة ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف في المسألة (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ». قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ
стр. 144
يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَستكْثِرْ» (٢).
قال أبو حامد الغزالي: والسؤال في الأصل أنه حرام، وإنما يُباح لضرورة أو حاجة ملحة قريبة من الضرورة؛ لما فيه من الشكوى من الله تعالى، وفيه إظهار قصور نعمة الله على عبده وهو عين الشكوى، وفيه إذلال السائل نفسه لغير الله تعالى، وكذلك أنه لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالبًا، فقد يعطيه حياءً أو رياءً وهذا حرام على الآخذ (٣).
قال الشاعر:
مَنْ يَسْأَلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ ... وَسَائِلُ اللهَ لَا يَخِيبُ
وقال آخر:
لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابَه لَا تُحْجَبُ
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغضَبُ
وقال آخر:
فَلَو تَسْأَلِ النَّاسَ التُّرابَ لأَوْشَكُوا ... إِذَا قُلت هَاتُوا أَنْ يَمِلُّوا فَيَمْنَعُوا
وقد بين النبي ﷺ من تحل له المسألة، فروى مسلم في صحيحه
стр. 145
من حديث قبيصة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً (١) فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ (٢) فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (٣) حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَاكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا (٤)» (٥).
وروى الترمذي في سننه من حديث سمرة بن جندب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَاّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ» (٦).
قال الصنعاني: وأما سؤاله السلطان فإنَّه لا مذمة فيه؛ لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منة للسلطان على السائل، لأنه وكيل، فهو كسؤال الإِنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه (٧).
وقال أيضًا: والظاهر من الأحاديث تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين في حديث قبيصة، أو أن يكون السلطان (٨). اهـ.
قال الشاعر:
وَذُقْتُ مَرَارَة الأَشيَاء جَمْعًا ... فَمَا طَعمٌ اَمَرُّ مِنَ السُّؤَال