← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» (١). وكان النبي ﷺ يوصي أصحابه بالقناعة وعيشة الكفاف، روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ» (٢). وكان الصحابة ﵃ يأخذون بهذا التوجيه النبوي الكريم؛ فعن أنس بن مالك قال: «اشْتَكَى سَلْمَانُ فَعَادَهُ سَعْدٌ، فَرَأَىهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ أَلَيْسَ؟ أَلَيْسَ؟ قَالَ سَلْمَانُ: مَا أَبْكِي وَاحِدَةً مِنَ اثْنَتَيْنِ مَا أَبْكِي ضنًّا لِلدُّنْيَا وَلَا كَرَاهِيَةً لِلآخِرَةِ، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيّ عَهدًا فَمَا أُرَانِي إِلَاّ قَدْ تَعَدَّيْتُ. قَالَ: وَمَا عَهِدَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ. وَلَا أُرَانِي إِلَاّ قَد تَعَدَّيت. قَالَ ثَابِتٌ: فَأَحْصَوْا مَا تَرَكَهُ سَلْمَانُ، فَإِذَا هُوَ بِضْعَة وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا» (٣). وقال عمر ﵁: «إِنَّ الطَّمَعَ فَقرٌ، وَإِنَّ اليَأسَ غِنَى، إِنَّهُ مَن يَيأَسْ عَمَّا فِي أَيدِي النَّاسِ استَغنَى عَنهُم» (٤). والقناعة كنز عظيم، وعلامة من علامات التقوى كما قيل: «القناعة كنز لا يفنى».

стр. 142

وقال علي بن أبي طالب ﵁: «التَّقوَى: الخَوفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنزِيلِ، وَالقَنَاعَةُ بِالقَلِيلِ، وَالاِستِعدَادُ لِيَومِ الرَّحِيلِ». وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه فكتب إليه: قد رفعت حوائجي إلى مولاي، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني قنعت (١). وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك. قال الشاعر: خُذِ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاكَ وَارْضَ بِهَا ... لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَاّ رَاحَةُ البَدَن وَانْظُر لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا ... هَل رَاحَ مِنْهَا بِغَيرِ القُطْنِ وَالكَفَن وقال آخر: وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا ... وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ وقال آخر: إِنَّ الغِنَيَّ هُوَ الغَنِيُّ بِنَفْسِهِ ... وَلَو أَنَّهُ عَارِي المَنَاكِبِ حَاف مَا كُلُّ مَا فَوقَ البَسِيطة كَافِيًا ... فَإِذَا قَنِعْتَ فَكُلُّّ شَيْءٍ كَاف قال الغزالي ﵀ كان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل، ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 143

الكلمة الثامنة والعشرون: النهي عن المسألة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فمن الصفات المذمومة التي حذَّر منها الشارع: المسألة، والمقصود بالمسألة أن يسأل الإِنسان الناس أموالهم أو حاجاتهم من غير ضرورة أو حاجة ملحة، لما يتضمن السؤال من الذل لغير الله تعالى. قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قال ابن كثير في تفسيره: أراد لا يلحون في المسألة ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف في المسألة (١). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ». قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ

стр. 144

يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَستكْثِرْ» (٢). قال أبو حامد الغزالي: والسؤال في الأصل أنه حرام، وإنما يُباح لضرورة أو حاجة ملحة قريبة من الضرورة؛ لما فيه من الشكوى من الله تعالى، وفيه إظهار قصور نعمة الله على عبده وهو عين الشكوى، وفيه إذلال السائل نفسه لغير الله تعالى، وكذلك أنه لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالبًا، فقد يعطيه حياءً أو رياءً وهذا حرام على الآخذ (٣). قال الشاعر: مَنْ يَسْأَلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ ... وَسَائِلُ اللهَ لَا يَخِيبُ وقال آخر: لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابَه لَا تُحْجَبُ اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغضَبُ وقال آخر: فَلَو تَسْأَلِ النَّاسَ التُّرابَ لأَوْشَكُوا ... إِذَا قُلت هَاتُوا أَنْ يَمِلُّوا فَيَمْنَعُوا وقد بين النبي ﷺ من تحل له المسألة، فروى مسلم في صحيحه

стр. 145

من حديث قبيصة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً (١) فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ (٢) فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (٣) حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَاكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا (٤)» (٥). وروى الترمذي في سننه من حديث سمرة بن جندب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَاّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ» (٦). قال الصنعاني: وأما سؤاله السلطان فإنَّه لا مذمة فيه؛ لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منة للسلطان على السائل، لأنه وكيل، فهو كسؤال الإِنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه (٧). وقال أيضًا: والظاهر من الأحاديث تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين في حديث قبيصة، أو أن يكون السلطان (٨). اهـ. قال الشاعر: وَذُقْتُ مَرَارَة الأَشيَاء جَمْعًا ... فَمَا طَعمٌ اَمَرُّ مِنَ السُّؤَال

стр. 146

وقد بيّن النبي ﷺ قدر الغنى الذي يحرم به السؤال، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهل ابن الحنظلية: أن النبي ﷺ قال: إنَّهُ «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمرِ جَهَنَّمَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ» (١). وأخبر النبي ﷺ أن العمل وإن كان شاقًا، والمال الذي يأتي منه قليل فهو خير للمرء من السؤال. فروى البخاري في صحيحه من حديث الزبير بن العوام ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لأَنْ يَاخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَاتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» (٢). وبيّن النبي ﷺ أن السائل من غير ضرورة ولا حاجة ملحة إنما يفتح على نفسه باب الفقر. روى الترمذي في سننه من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، - وذكر منها: - وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَاّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» (٣). اهـ. بل إن النبي ﷺ أخذ البيعة من بعض أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا. روى مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ » وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا

стр. 147

رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: «أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ ». فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ » قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا». فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ يَتَقَبَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ وَأَتَقَبَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ ». قَالَ: قُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا». قَالَ: فَرُبَّمَا سَقَطَ سَوْطُ ثَوْبَانَ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ حَتَّى يَنْزِلَ إِلَيْهِ فَيَاخُذَهُ (٢). وكان الصحابة ﵃ يأخذون بهذا التوجيه النبوي الكريم، فلا يسألون الناس شيئًا من متاع الدنيا. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَاكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَابَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي

стр. 148

أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَابَى أَنْ يَاخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَا حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ ﵁ (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 149

الكلمة التاسعة والعشرون: وقفة مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فنقف وقفة يسيرة مع آية عظيمة من كتاب الله، قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. يأمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن ينذر الناس يوم الحسرة والندامة، وهو يوم القيامة، حيث تشتد فيه الحسرة، وتعظم فيه الندامة، وأيُّ حسرةٍ أعظَمُ، من فوات رضا الله وجنته؟ ! واستحقاق سخطه؟ ! والخلود في ناره؟ ! على وجه لا يتمكن فيه أحدٌ من الرجوع إلى الدنيا ليستأنف العمل. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]. قال ابن عباس: يوم الحسرة اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذر منه عباده. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾، قال: يوم القيامة. وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦]. وقوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾: أي فُرِغَ من الحساب، وصار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.

стр. 150

وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾: أي في الدنيا بشهواتهم وملذاتهم عن العمل ليوم الحسرة، وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أي: لا يصدقون بالبعث بعد الموت وما فيه من نعيم مقيم لمن أطاع الله، ومن عذاب أليم لمن عصى الله. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ - زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ - فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ». قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا (١). وفي رواية لهما من حديث ابن عمر: «فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ» (٢). ومن فوائد الآية الكريمة: أولاً: أنه في يوم الحسرة والندامة يندم الكافر على كفره، والظالم على ظلمه، والمقصر في طاعة ربه على تقصيره، ولكن لا ينفع الندم؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ

стр. 151

الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً * قَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. وقال سبحانه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. ثانيًا: أنه ينبغي للمؤمن أن لا يكون في غفلة؛ بل على استعداد للقاء ربه، قال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. ثالثًا: أنّه في يوم الحسرة يرى الكافر أنه لم يلبث في دنياه إلا قليلاً، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ [يونس: ٤٥]، وقال تعالى: ... ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]. رابعًا: إن من أعظم ما يتحسر عليه أهل النار أن الواحد منهم يتمنى أنه يفدي نفسه من عذاب الله بماله، وولده والناس أجمعين، بل وملك الدنيا بأسرها، مع أنه طُلبَ منه أهون من ذلك، فلم يفعل، قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١١ - ١٤]. وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].

стр. 152

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللهُ لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ - أَحْسَبُهُ قَالَ: - وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ، فَأَبَيْتَ إِلَاّ الشِّرْكَ» (١). خامسًا: أنه ينبغي للمؤمن أن يحافظ على إسلامه وإيمانه حتى الممات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يكثر يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دَيْنِكَ وَطَاعَتِكَ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 153

الكلمة الثلاثون: مقتطفات من سيرة سعد بن معاذ ﵁ - الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فهذه مقتطفات من سيرة علمٍ من أعلام هذه الأمة؛ وبطل من أبطالها، وفارسٍ من فرسانها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر. هذا الصحابي شهد بدرًا وأحدًا والخندق، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد أخبر النبي ﷺ أنه من أهل الجنة؛ وأن عرش الرحمن قد اهتز لموته، أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير. قال ابن حجر: فكان من أعظم الناس بركة في الإِسلام (١)، وله مناقب كثيرة. قال الذهبي في ترجمته: السيد الكبير الشهيد أبو عمرو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسي الأشهلي كان رجلاً أبيض طوالاً جميلاً، حسن الوجه، حسن اللحية (٢): قالت عائشة: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن أحد أفضل منهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر (٣). قال ابن إسحاق: لَمَّا أَسلَمَ وَقَفَ عَلَى قَومِهِ فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ

стр. 154

الأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَكُم عَلَيَّ حَرَامٌ رِجَالُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَوَاَللهِ مَا بَقِيَ فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَاّ أَسْلَمُوا (١). روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا؛ قَالَ: فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ، فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا سَعْدٌ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ؛ فَقَالَ: نَعَمْ. فَتَلَاحَيَا بَيْنَهُمَا. فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ، فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي. ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ؛ قَالَ: فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ، وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ، فَغَضِبَ سَعْدٌ. فَقَالَ: دَعْنَا عَنْكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ؛ قَالَ: إِيَّايَ؛ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ وَاللهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ؛ إِذَا حَدَّثَ. فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي. قَالَتْ: فَوَاللهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي، فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، فَسَارَ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ اللهُ (٢). ويظهر في الموقف السابق شجاعة سعد وشدته على الكافرين، واعتزازه بدينه؛ فمع أنه بمكة لوحده إلا أنه كان يهدد سادات قريش في

стр. 155

عقر دارهم؛ وقد أخبر النبي ﷺ أنه من أهل الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ أنه: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا؛ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا! » (١). ومن مواقفه العظيمة: مَا رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَرِقَةِ، رَمَاهُ فِي الأَكْحَلِ (٢)، فَضَرَبَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلاحَ فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهْوَ يَنْفُضُ رَاسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلاحَ؟ وَاللهِ وَمَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَأَيْنَ؟ » فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَاتَلَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحُكْمَ فِيهِم إِلَى سَعْدٍ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ، قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبِي: فَأُخبِرتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَقَد حَكَمَ فِيهِم بِحُكمِ اللهِ »، ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَالَ: وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ (٣): اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ، مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ﷺ وَأَخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا. فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ (٤) فَلَمْ يَرُعْهُمْ (وَفِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ) إِلَاّ وَالدَّمُ

стр. 156

يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَاتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَمًا (١) فَمَاتَ» (٢). وقد حزن النبي ﷺ لفراق سعد كثيرًا، وأخبر أن عرش الرحمن قد اهتز لموته، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» (٣)، ومع هذه المنزلة العظيمة لسعد إلا أنه لم يسلم من ضمة القبر، فروى النسائي في سننه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال عن سعد بعد وفاته: «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» (٤)، وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» (٥)، قال الذهبي: وهذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء؛ بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار ونحو ذلك؛ فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه؛ قال تعالى:

стр. 157

﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]، وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآَزِفَةِ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فنسأل الله تعالى العفو واللطف. ومع هذه الهزات فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء ﵁، كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم ولا خوف، سل ربك العافية وأن يحشرنا في زمرة سعد. اهـ (١). وكانت وفاته سنة خمس من الهجرة، وهو في ريعان شبابه، عمره آنذاك سبع وثلاثون سنة، صلى عليه النبي ﷺ ودفن بالبقيع، رضي الله عن سعد وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 158

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة دروس يومية (١٥٠) درسًا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين إعداد د. أمين بن عبد الله الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد «الجزء الثاني»

стр. 159

الكلمة الحادية والثلاثون: أصل الدين وقاعدته الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فإن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإِيمان بالله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. قال الشيخ الإِمام محمد بن عبد الوهاب: «وصفة الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها، وتكفر أهلها وتعاديهم، وأما معنى الإِيمان بالله: أن تعتقد أن الله هو الإِله المعبود وحده دون ما سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإِخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم، وهذه ملة إبراهيم ﵇ التي سفه نفسه من رغب عنها». وهذا هو توحيد العبادة، وهو دعوة الرسل إذ قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].

стр. 160

فلا بد من نفي الشرك في العبادة رأسًا والبراءة منه وممن فعله، كما قال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَاّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، فلا بد من البراءة من عبادة ما كان يُعبد من دون الله، وقال الله عنه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [مريم: ٤٨]. فيجب اعتزال الشرك وأهله والبراءة منهما، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. والذين معه هم الرسل كما ذكره ابن جرير، وهذه الآية تتضمن التحريض على التوحيد، ونفي الشرك، والموالاة لأهل التوحيد، وتكفير من تركه بفعل الشرك المنافي له، فإن من فعل الشرك فقد ترك التوحيد. والعروة الوثقى: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة للنفي والإِثبات، نفي جميع أنواع العبادة عن غير الله، وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له» (١). اهـ. وبيّن في موضع آخر أن أَصل الدِّين وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك والموالاة فيه، وتكفير من تركه، وأدلة هذا في القرآن كثيرةٌ جدًّا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. فأمر الله تعالى نبيه أن يدعو أهل الكتاب إلى معنى لا إِله إلا الله الذي دعا إِليه العرب وغيرهم، والكلمة هي لا إِله إلا الله، فسرها

стр. 161

بقوله: ﴿أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ﴾، فقوله: ﴿أَلَاّ نَعْبُدَ﴾، فيه معنى لا إِله، وهو نفي العبادة عما سوى الله، وقوله: ﴿إِلَاّ اللهَ﴾، هو المستثنى في كلمة الإِخلاص، فأمره تعالى أن يدعوهم إلى قصر العبادة عليه وحده، ونفيها عمن سواه». فإنهما ضدان لا يجتمعان، فمتى وجد الشرك انتفى التوحيد، وقال تعالى في حق من أشرك: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]. فكفره تعالى باتخاذ الأنداد وهم الشركاء في العبادة، وأمثال هذه الآيات كثير، فلا يكون المرء موحدًا إلا بنفي الشرك والبراءة منه وتكفير من فعله. الثاني: الإِنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه، وتكفير من فعله، فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا، وهو دين الرسل أنذروا قومهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]. والشرك محبط لجميع الأعمال صغيرها وكبيرها، ولا يقبل الله من المشرك صرفًا ولا عدلاً ولا فرضًا ولا نفلاً. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].

стр. 162

وقال عن أنبيائه وأحبابه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. وإنَّ مما تقشعر منه القلوب والأبدان، وهو منذر بخطر عظيم، يداهم الأمة في أفضل ما تملكه وتعتز به، ألا وهو ما يبثه الكفرة أعداء الإِسلام عبر القنوات الفضائية وغيرها من الوسائل، من الدعايات الهدامة التي تسعى إلى تشكيك المسلمين في دينهم وتدعوهم بمكر ودهاء إلى الانسلاخ منه، فالحذر من ذلك، إضافة إلى الأخطار الكثيرة التي لا يمكن الخلاص منها إلا بما سبق ذكره من تحقيق التوحيد والتمسك به، ومعرفة الشرك والكفر والحذر منهما، والبراءة من أهلهما. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 163

الكلمة الثانية والثلاثون: فوائد من قوله تعالى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] إلخ. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: روى مسلم في صحيحه من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ نَسِيتُ اسمَيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] (١). يأمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ والأمر عام له ولأمته - بلزوم الصالحين، ومصابرة النفس على مصاحبتهم، والبقاء معهم، خصوصًا الفقراء منهم والضعفاء، فالآية نزلت فيهم، والمكث معهم أبعد عن مظاهر الدنيا، وفتنتها، ثم ذكر أهم صفاتهم، وهي شغل أوقاتهم بالعبادة بحسب الأحوال، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة، ولا ليقال: فلان قارئ أو عابد، أو عرضًا من الدنيا زائل، إِنما يريدون بذلك

стр. 164

وجه الله تعالى وطلب مرضاته، ثم نهاه تعالى عن مصاحبة أهل الدنيا، فقال: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] أي: لا تتطلع إلى مصاحبة غيرهم من أهل الشرف والغنى، لما يحصل بذلك من اشتغال القلب بزينة الدنيا عن أمر الآخرة. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «فإنَّ ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدُّنيا تروق للناظر، وتسحر القلب، فيغفل عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية والندامة السرمدية». اهـ (١). ثم نهاه نهيًا آخر، فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، فنهاه عن طاعة الغافلين عن ذكر الله المتبعين أهواءهم، الذين أَضاعوا دينهم، فطاعة من هذه صفته هي الخسارة الحقيقية في الدنيا والآخرة، وفي هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة: الأولى: الحثُّ على الصبر. والمراد بالصبر هو الصبر على طاعة الله الذي هو أَعلى أنواع الصبر، وقد ذكر الله الصبر في أكثر من تسعين موضعًا من كتابه لأهميته ومكانته العظيمة، بل إنه في الآية الواحدة يتكرر الأمر بالصبر كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. والثانية: استحباب ذكر الله والدعاء طرفي النهار. قال الشيخ ابن سعدي ﵀: «لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به

стр. 165

ويرغب فيه» (١). اهـ. قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. روى أبو داود في سننه من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَن تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (٣). الثالثة: الحث على مجالسة الصالحين الأخيار، حتى لو كانوا فقراء أو ضعفاء، فإن في مجالستهم خيرًا كثيرًا، روى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تُصَاحِبْ إِلَاّ مُؤْمِنًا، وَلَا يَاكُلْ طَعَامَكَ إِلَاّ تَقِيٌّ» (٤). قال أبو سليمان الخطابي: وإنما حذر من صحبة من ليس بتقيٍّ وزجر عن مخالطته، ومؤاكلته؛ لأن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب. اهـ (٥).

стр. 166

روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (١). قال الشاعر: عَنِ المَرءِ لَا تَسَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ يَقتَدِي الرابعة: الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. الخامسة: الحث على الإِخلاص لله تعالى، فقد ذكر الله في الآية الأخرى عن عباده الصالحين أنهم يريدون بهذا العمل وجه الله، لا رياءً ولا سمعة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 167

الكلمة الثالثة والثلاثون: دروس وعبر من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا .. ﴾ [الزخرف] إلى آخر الآيات. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ذالله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «يخبر تعالى بأن الدنيا لا تساوي عنده شيئًا، وأنه لولا لطفه ورحمته بعباده التي لا يُقَدِّم عليها شيئًا لَوَسَّع الدنيا على الذين كفروا توسيعًا عظيمًا، ولجعل ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾ أي درجًا من فضة ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ إلى سطوحهم. ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا﴾ من فضة ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي: ولَزَخْرَفَ لهم دنياهم بأنواع الزخارف، لكن منعه من ذلك رحمته بعباده خوفًا عليهم من التسارع في الكفر، وكثرة المعاصي بسبب حب الدنيا، ففي هذا دليل على أنه يمنع العباد بعض أمور الدنيا منعًا عامًا أو خاصًا لمصالحهم، وأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن كل هذه المذكورات متاع الحياة الدنيا منغصة مكدرة فانية، وأن الآخرة عند الله خير للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لأن نعيمها تام كامل من كل وجه، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها

стр. 168

خالدون، فما أشد الفرق بين الدارين» (١). اهـ. وفي هذه الآيات الكريمات فوائد كثيرة منها: - أن ما يعطيه الله الكفار من نعم الدنيا إنما ذلك لهوان الدنيا عنده، وحقارتها، وابتلاء لهم وفتنة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (٢). ولهذا قال عمر ﵁ عندما صعد إلى مشربة النبي ﷺ ، لما آلى ﷺ من نسائه، فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله: هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه؟ ! وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس. وقال: «أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! » ثم قال ﷺ : «أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا» وفي رواية: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ ! » (٣). - ومنها: أن كثرة النعم والخيرات التي يعطيها الله لعبده ليست دليلاً على محبته. قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي

стр. 169

الخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُحِبُّ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنهُ اسْتِدْرَاجٌ» (١). ثم تلا رسول الله ﷺ الآية: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. - ومنها أن فيها الترغيب في الآخرة والزهد في الدنيا، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. - ومنها بيان حقارة الدنيا وهوانها على الله، روى الترمذي في سننه من حديث سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ داخلاً من بعض العالية وَالنَّاسُ كنفته، فَمَرَّ بِجَدْىٍ أَسَكَّ - أي صغير الأذن - ميِّتٍ، فتناوله فأخذ بأذنه فقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ » فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ » قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ ! فَقَالَ: «فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث مستورد أخي بني فهر ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ

стр. 170

هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَا تَرْجِعُ؟ » (١). وقال عمر ﵁: لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل، ثم جاءه الموت، لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره، ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء (٢). وقال أحد السلف: نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة، أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا (٣). قال ابن القيم ﵀: ومن حدق بصيرته في الدنيا والآخرة، علم أن الأمر كذلك (٤). ومنها: أن الله تعالى يمنع عبده بعضًا من أمور الدنيا لينال منزلة عالية عنده يوم القيامة. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمود بن لبيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ، كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ تَخَافُونَ عَلَيْهِ» (٥). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 171

الكلمة الرابعة والثلاثون: أكل المال الحرام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: قال تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. قال ابن عباس ﵁: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصمهم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وأنه آثم آكل للحرام (١). اهـ. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. روى الترمذي في سننه من حديث كعب بن عياض ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ» (٢). ومما يُلاحظ، تساهل كثير من الناس في أكل المال الحرام، وذلك مصداقًا لقول النبي ﷺ : «لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنَ حَرَامٍ؟ ! » (٣).

стр. 172

قال ابن المبارك: لأن أرد درهمًا من شبهة أحب إليَّ من أن أتصدَّق بمئة ألف. قال عمر ﵁: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام» وإنما فعل ذلك ﵁ امتثالاً لقول النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ» (١) الحديث. ومن صور أكل المال المحرم: الربا الذي حرمه الله ورسوله، ولعن آكله، وكاتبه، وشاهديه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وقد غلب حب المال على قلوب بعض المسلمين، فصاروا يتسابقون إلى شراء أسهم البنوك الربوية، وآخرون يودعون أموالهم في البنوك ويأخذون عليها زيادة ربوية يسمونها فوائد، وإن من الجرائم العظيمة والأمور الخطيرة، ما نشاهده من تسابق أهل هذه البنوك بوضع شتى الطرق والحيل لإِيقاع الناس في الربا، وترغيبهم بشتى الوسائل لتزداد أرصدتهم من هذه الأَموال الخبيثة، وعلى سبيل المثال: ما يسمى بطاقة فيزا سامبا، وقد صدرت فيها فتوى من اللجنة الدائمة بتحريم التعامل بها وأنها من الربا الذي حرمه الله ورسوله، وهي بطاقة يصدرها البنك بمبلغ معين يسمى قيمة إصدار، ويحق لحاملها أن يشتري ما شاء من سلع وحاجيات على أن يرد قيمة هذه السلع خلال مدة معينة، فإن لم يفعل فإنه يحسب عليه عن كل يوم فائدة (٢).

стр. 173

ومن صور أكل المال المحرم: الاعتداء على رواتب العمال وعدم إعطائهم حقوقهم في أوقاتها، وأكل مال اليتيم، والاعتداء على ممتلكات الناس، ومن صور أكل المال المحرم التي نشاهدها كثيرًا في الأسواق: الحلف على السلعة باليمين الكاذب، والغش في المعاملات وغير ذلك. وآكل الحرام إنما يعرِّض نفسه للعقوبة في الدنيا، وفي قبره، ويوم القيامة. أما في الدنيا: فقد تكون العقوبة خسارة في ماله، أو محق إلهي للمال الذي اكتسبه ونزع البركة منه، أو مصيبة في جسده، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وأما في قبره، فقد ورد في الحديث أن عبدًا يُقال له مدعم كان مع النبي ﷺ ، واستشهد في غزوة خيبر، أصابه سهم طائش، فقال الصحابة ﵃: هنيئًا له الشهادة، فقال النبي ﷺ : «كَلَاّ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» (١). وهذه الشملة عباءة قيمتها دراهم معدودة، ومع ذلك لم يسلم صاحبها من عقوبة أكل المال الحرام. وأما في الآخرة فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث كعب بن عجرة: أن النبي ﷺ قال له: «يَا كَعْبُ! لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ نَبَتَ لَحْمُه مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (٢).

стр. 174

قال الشاعر: المالُ يذهبُ حِلُّهُ وحَرَامُهُ ... يَوْمًا وتَبْقى في غدٍ آثامُهُ لَيْس التقي بمُتَّق لإلهِه ... حَتَّى يطيب شَرابُهُ وطَعَامُهُ ومن عقوبة أكل المال الحرام: حرمان إجابة الدعاء وقبول العبادة. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَاّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ! » (١). وهذا الحديث فيه تحذير لطائفة من الناس خدعهم الشيطان، وزين لهم أعمالهم السيئة، فتراهم يأكلون الحرام وينفقون منه في بعض الأَعمال الصالحة، كبناء المساجد، أو المدارس، أو حفر الآبار، أو غير ذلك، ويظنون أنهم بهذا برئت ذمتهم، فهؤلاء يُعاقبون مرتين: الأولى: أن الله لا يقبل منهم أعمالهم الصالحة التي أنفقوا عليها من الأموال المحرمة، لقوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَاّ طَيِّبًا» (٢). الثانية: أنَّ الله يعاقبهم على هذا المال المحرم، ويحاسبون عليه يوم القيامة. روى البخاري في صحيحه من حديث خولة الأنصارية ﵂: أن

стр. 175

النبي ﷺ قال: «إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). قال سفيان الثوري: من أنفق الحرام في الطاعة، فهو كمن طهر الثوب بالبول، والثوب لا يطهر إلا بالماء، والذنب لا يكفره إلا الحلال. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 176

الكلمة الخامسة والثلاثون: وقفة مع آيات من كتاب الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: قال تعالى في سياق قصة آدم مع عدو الله إبليس: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. ذكر الله سبحانه في هذه الآيات حال من اتبع هداه وما له من الرغد وطيب الحياة في معاشه ومعاده، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، فتكفل الله لمن حفظ عهده علمًا وعملاً أن يحييه حياة طيبة، ويجزيه أجره في الآخرة، فقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. ثم بين سبحانه حال الفريق الآخر فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] أي كتابي، ولم يتبعه ويعمل بما فيه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال ابن كثير ﵀: (أي في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء

стр. 177

وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في رَيْبِهِ يتردد فهذا من ضنك المعيشة) (١). اهـ. قال ابن القيم ﵀: «وفسرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ، والصحيح أنها تتناول معيشته في الدنيا، وحاله في البرزخ؛ فإنه يكون في ضنك في الدارين، وهو شدة وجهد وضيق، وفي الآخرة يُنسى في العذاب، وهذا عكس أهل السعادة والفلاح، فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب» (٢). وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]؛ اختلف المفسرون في ذلك: هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر؟ فمن قال: إنه من عمى البصيرة، استدل بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]، وغير ذلك من الآيات التي أثبتت لهم الرؤية في الآخرة. والذين قالوا: إنه من عمى البصر؛ استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. وقد فصل في ذلك العلامة ابن القيم، وخلص إلى أن الحشر ينقسم إلى قسمين: الأول من القبور إِلى الموقف، والثاني من الموقف إلى النار.

стр. 178

فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون. وعند الحشر الثاني: يحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا، فلكل موقف حال يليق به، ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته، والقرآن يصدق بعضه بعضًا (١): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ثم أخبر سبحانه عن حال هذا المعرض يوم القيامة، وأنه يغشاه الذل والهوان فيتألم ويضجر من هذه الحال فيقول: رب لم حشرتني أعمى فيُجاب: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، أي: أن هذا هو عين عملك والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تُدان، فكما عميت عن ذكر ربك ونسيته ونسيت حظك منه، أعمى الله بصرك في الآخرة وتركك في العذاب. ومن فوائد الآيات الكريمات: بيان حال من أعرض عن ذكر الله في الدنيا، وأنه يعيش في ضلال وظلام، ويتخبط في الجهالة، وهو مع هذه الحالة يحسب أنه من المهتدين. وبسبب إعراضه عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله عاقبه بأن قيض له شيطانًا يصاحبه فيصده عن الحق، ويزين له طرق الضلال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه وعاين هلاكه ندم (٢) فقال: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]. ومنها أن من تمسك بهذا الذكر، وهو القرآن فإنه يسعد في الدنيا

стр. 179

والآخرة، وتحصل له الطمأنينة، وانشراح الصدر والشفاء من أمراض الأبدان والقلوب، والهداية إلى صراط الله المستقيم. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 180

الكلمة السادسة والثلاثون: وقفة مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. روى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفسِي، وَإِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَهلِي وَمَالِي، وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِن وَلَدِي، وَإِنِّي لأَكُونُ فِي البَيتِ فَأَذكُرُكَ فَمَا أَصبِرُ حَتَّى آتِيَكَ فَأَنظُرَ إِلَيكَ، وَإِذَا ذَكَرتُ مَوتِي وَمَوتَكَ عَرَفتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلتَ الجَنَّةَ رُفِعتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي إِذَا دَخَلتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أَلَاّ أَرَاكَ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيئًا حَتَّى نَزَلَ جِبرِيلُ ﵇ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ ... ﴾ (١).
следующие страницы →