← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة:٢٦٠]. ومنها: أن من عزم على فعل الطاعات وبذل مقدوره في أسبابها، ثم حصل مانع يمنع من إكمالها، أن أجره قد وجب على الله، كما قال الله ذلك في المهاجر الذي يموت قبل أن يصل إلى مُهاجره، وكما ذكره الله في قصة الذبح، وأن الله أتم الأجر لإبراهيم وإسماعيل حين أسلما لله وأذعنا لأمره، ثم رفع عنهما المشقة، وأوجب لهما الأجر الدنيوي والأخروي. ومنها: ما في قصصه من آداب المناظرة، وطرقها ومسالكها النافعة، وكيفية إلزام الخصم بالطرق الواضحة التي يعترف بها أهل العقول، وإلجاؤه الخصم الألد إلى الاعتراف ببطلان مذهبه، وإقامة الحجة على المعاندين وإرشاد المسترشدين. ومنها: أن من نعمة الله على العبد، هبة الأولاد الصالحين، وأن عليه في ذلك أن يحمد الله، ويدعو الله لذريته كما فعل الخليل ﷺ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ... ﴾ [إبراهيم:٣٩]، إلى آخر الدعاء. وقال جل ذكره في الثناء عمومًا على من يدعو الله بصلاح ذريته: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف:١٥].

стр. 3292

فإن العبد إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. ومنها: أن المشاعر ومواضع الأنساك من جملة الحكم فيها: أن فيها تذكيرات بمقامات الخليل وأهل بيته في عبادات ربهم، وإيمان بالله ورسله، وحث على الاقتداء بهم في كل أحوالهم الدينية -وكل أحوال الرسل دينية، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]. ومنها: الأمر بتطهير المسجد الحرام من الأنجاس، ومن جميع المعاصي القولية والفعلية؛ تعظيمًا لله وإعانة وتنشيطًا للمتعبدين فيه، ومثله بقية المساجد، لقوله : ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة:١٢٥]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]. ومنها: أن أفضل الوصايا على الإطلاق ما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب، وهو الوصية بملازمة القيام بالدين وتقوى الله والاجتماع على ذلك، وهي وصيته تعالى للأولين والآخرين؛ إذ بها السعادة الأبدية والسلامة من شرور الدنيا والآخرة. ومنها: أن العامل كما عليه أن يتقن عمله ويجتهد في إيقاعه على أكمل الوجوه، فعليه مع ذلك أن يكون بين الخوف والرجاء، وأن يتضرع إلى ربه في قبوله وتكميل نقصه، والعفو عما وقع فيه من خلل أو نقص، كما كان إبراهيم وإسماعيل

стр. 3293

يرفعان القواعد من البيت، وهما بهذا الوصف الكامل. ومنها: أن الجمع بين الدعاء لله بمصالح الدنيا والدين من سبيل أنبياء الله، وكذلك السعي في تحصيلهما الدين هو الأصل والمقصود الذي خلق له الخلق والدنيا وسيلة ومعونة عليه؛ لدعاء الخليل لأهل البيت الحرام بالأمرين، وتعليله الدعاء بالأمور الدنيوية لأنه وسيلة إلى الشكر، فقال: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم:٣٧]. ومنها: ما اشتملت عليه قصة إبراهيم من مشروعية الضيافة وآدابها، فإن الله أخبر عن ضيفه أنهم مكرمون؛ يعني: أنهم كرماء على الله، وأيضًا إبراهيم أكرمهم بضيافته قولًا وفعلًا، فإكرام الضيف من الإيمان، وأنه خدمهم بنفسه وبادر بضيافتهم قبل كل شيء، وأتى بأطيب ماله؛ عجل حنيذ سمين، وقرَّبه إليهم ولم يحوجهم إلى الذهاب إلى عمل آخر، وعرض عليهم الأكل بلفظ رقيق، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١]. ومنها: مشروعية السلام، وأن المبتدئ فيه هو الداخل وهو الماشي، وأنه يجب رده، ومشروعية الوقوف على اسم من يتصل بك من صاحب ومعامل وضيف؛ لقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر:٦٢]، أي لا أعرفكم، فأحب أن تعرفوني بأنفسكم، وهذا ألطف من قوله: أنكرتكم ونحوه. ومنها: الترغيب في أن يكون أهل الإنسان ومن يتولى شئون

стр. 3294

بيته حازمين مستعدين لكل ما يراد منهم من الشئون والقيام بمهمات البيت، فإن إبراهيم في الحال بادر إلى أهله، فوجد طعام ضيوفه حاضرًا لا يحوج إلا إلى تقديمه. ومنها: أن إتيان الولد والبشارة به من سارة، وهي عجوز عقيم، يُعد معجزة لإبراهيم وكرامة لسارة، ففيه معجزة نبي وكرامة ولي، ونظيره بشارة الملائكة لمريم بعيسى، وبشارتهم بيحيى لزكريا وزوجته، وكون زكريا جعل الله آية وجود المبشر به ألا يكلم الناس ثلاثة أيام، وهو سويٌّ لا آفة فيه إلا بالرمز والإشارة، وكل هذا وما أشبهه من آيات الله، وأعجب من هذا إيجاده آدم من تراب، فسبحان من هو على كل شيء قدير. ومنها: ثناء الله على إبراهيم أنه أتى ربه بقلب سليم، وقد قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. والجامع لمعناه أنه سليم من الشرور كلها ومن أسبابها، ملآن من الخير والبر والكرم، سليم من الشبهات القادحة في العلم واليقين، ومن الشهوات الحائلة بين العبد وبين كماله، سليم من الكبر ومن الرياء والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وسليم من الغل والحقد، ملآن بالتوحيد والإيمان والتواضع للحق وللخلق، والنصيحة للمسلمين والرغبة في عبودية الله، وفي نفع عباد الله.

стр. 3295

ومنها: ما ذكره في قصة نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات:٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات:١٠٩]، يتبعها بقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات:١٠٥]، فوعد الباري أن كل محسن في عبادته محسن إلى عباده أن الله يجزيه الثناء الحسن والدعاء من العالمين بحسب إحسانه، وهذا ثواب عاجل وآجل، وهو من البشرى في الحياة الدنيا، ومن علامات السعادة» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3296

الكلمة الثانية عشرة نبي الله موسى ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. «فلقد ذكر الله قصة موسى ﵇ وأخاه هارون في مواضع من كتابه بأساليب متنوعة واختصار أو بسط يليق بذلك المقام، وليس في قصص القرآن أعظم من قصة موسى؛ لأنه عالج فرعون وجنوده، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة، وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل، وشريعته وكتابه التوراة هو مرجع أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم، وأتباعه أكثر أتباع الأنبياء غير أمة محمد ﷺ ، وله من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه، والغيرة العظيمة ما ليس لغيره» (١). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «أحسن أحاديث الأنبياء حديث تكليم الله لموسى» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قصة موسى هي أعظم

стр. 3297

قصص الأنبياء المذكورين في القرآن، وهي أكبر من غيرها، وتبسط أكثر من غيرها» (١). وقال ابن القيم ﵀: «يذكر الله - سبحانه - وتعالى قصة موسى ويعيدها ويبديها ويسلي رسوله ﷺ » (٢). ونسبه ﵇: «موسى بن عمران بن قاهت بن عازر ابن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم:٥١ - ٥٢]. وقال تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء:١٦٣ - ١٦٤]. وذكره بالرسالة والنبوة، والإخلاص، والتكليم، والتقريب، ومَنَّ عليه بأن جعل أخاه هارون نبيًّا.

стр. 3298

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَومَ القِيَامَةِ فَأُصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي، أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ» (١). وهذا من رسول الله ﷺ من باب الهضم والتواضع، وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعًا، جزمًا، لا يحتمل النقيض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب:٦٩]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرِ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ، وَإِمَّا أُدْرَةٌ، وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ فَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ

стр. 3299

اللَّهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب:٦٩]» (١). قال بعض السلف: «كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله، وطلب منه أن يكون معه وزيرًا، فأجابه إلى سؤاله، وأعطاه طلبه، وجعله نبيًّا». قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم:٥٣]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله قال: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» (٢). وثبت في الصحيح في أحاديث الإسراء أن رسول الله ﷺ مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره (٣). وفي الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة عن

стр. 3300

النبي ﷺ أنه مر ليلة أسري به بموسى في السماء السادسة، فقال له جبريل ﵇: «هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثَمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي» (١). واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد ﷺ وأمته خمسين صلاة في اليوم والليلة، فمر بموسى، قال: «ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، إِنِّي قَدْ عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَكَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّد بَينَ مُوسَى وَبَين اللَّهِ ، وَيُخَفِف عَنْهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَتَّى صَارَتْ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ» (٢)، أي بالمضاعفة، فجزى الله عنا محمدًا ﷺ خيرًا، وجزى الله عنا موسى ﵇ خيرًا. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس قال: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ

стр. 3301

فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ» (١). وكثيرًا ما كان يذكر الله موسى ﵇ وكتابه التوراة، ويذكر معه محمد ﷺ وكتابه القرآن، كما قال تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران:١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ [الأنعام:٩١ - ٩٢]، فأثنى الله تعالى على التوراة، ثم مدح القرآن العظيم مدحًا عظيمًا. وبالجملة فشريعة موسى ﵇ كانت شريعة عظيمة، وأمته كانت أمة كثيرة، ووجد فيهم أنبياء، وعلماء، وعباد، وزهاد، وألِبَّاء، وملوك، وأمراء، وسادات، وكبراء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف:١٥٩]، ولكنهم كانوا، فبادوا وتبدلوا، كما بُدلت شريعتهم، ومُسخوا قردة وخنازير، ثم نُسخت بعد كل حساب مِلَّتُهُم، وجرت عليه

стр. 3302

خطوب وأمور يطول ذكرها» (١). وخلاصة قصته ﵊، أنه «ولد في وقت قد اشتد فيه فرعون على بني إسرائيل؛ فكان يذبح كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل، ويستحيي النساء للخدمة والامتهان، فلما ولدته أمه خافت عليه خوفًا شديدًا؛ فإن فرعون جعل على بني إسرائيل من يرقب نساءهم ومواليدهم، وكان بيتها على ضفة نهر النيل، فألهمها الله أن وضعت له تابوتًا إذا خافت أحدًا ألقته في اليم، وربطته بحبل لئلا تجري به جرية الماء، ومن لطف الله بها أنه أوحى لها: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص:٧]. فلما ألقته ذات يوم انفلت رباط التابوت، فذهب الماء بالتابوت الذي في وسطه موسى، ومن قدر الله أن وقع في يد آل فرعون، وجيء به إلى امرأة فرعون آسية، فلما رأته أحبته حبًّا شديدًا، وكان الله قد ألقى عليه المحبة في القلوب، وشاع الخبر ووصل إلى فرعون، فطلبه ليقتله، فقالت امرأته: لا تقتلوه .. قرة عين لي ولك، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، فنجا بهذا السبب من قتلهم، وكان هذا الأثر الطيب والمقدمة الصالحة من السعي المشكور عند الله، فكان هذا من أسباب هدايتها وإيمانها بموسى بعد ذلك.

стр. 3303

أما أم موسى فإنها فزعت، وأصبح فؤادها فارغًا، وكاد الصبر أن يُغلب فيها: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ [القصص:١٠ - ١١]، وتحسسي عنه، وكانت امرأة فرعون قد عرضت عليه المراضع فلم يقبل ثدي امرأة، وعطش وجعل يتلوى من الجوع، وأخرجوه إلى الطريق؛ لعل الله أن ييسر له أحدًا، فحانت من أخته نظرة إليه ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ [القصص:١١] بشأنها، فلما أقبلت عليه وفهمت منهم أنهم يطلبون له مرضعًا قالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص:١٢ - ١٣]. ثم ذكر الله في هذه السورة قصته مفصلة واضحة، وكيف تنقلت به الأحوال، قراءتها كافية عن شرح معناها لوضوحها وتفصيلاتها، والله تعالى ما فصَّل لنا إلا ما ننتفع به ونعتبر» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3304

الكلمة الثالثة عشرة فوائد من قصة موسى ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. اشتملت قصة نبي الله موسى ﵇ على فوائد ودروس وعبر كثيرة، فمن ذلك: «قول الله تعالى ذكره: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص:٧]، جمعت هذه الآية أمرين، ونهيين، وخبرين، ووعدين، ومن هذا النوع في القرآن كثير، بل القرآن كله حسن وأحسن، وليس هذا موضع استقصاء الأحسن. ومنها قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، فهو تعليل لقضاء الله - سبحانه - بالتقاطه وتقديره له، فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره، فهو سبحانه قدر ذلك وقضى به ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنًا لهم وحسرة عليهم، فإن من اختار أخذ ما يكون هلاكه على يديه إذا أُصيب به كان أعظم

стр. 3305

لحزنه وغمه وحسرته، من أن لا يكون فيه صنع ولا اختيار، فإنه سبحانه أراد أن يظهر لفرعون وقومه ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه، وحكمته الباهرة، وأن هذا الذي يذبح فرعون الأبناء في طلبه هو الذي يتولى تربيته في حجره وبيته باختياره وإرادته، ويكون في قبضته وتحت تصرفه، فذكر فعلهم به في هذا أبلغ وأعجب من أن يذكر القضاء والقدر» (١). ومنها: «لطف الله بأم موسى بذلك الإلهام الذي به سلم ابنها، ثم تلك البشارة من الله لها برده إليها، التي لولاها لقضى عليها الحزن على ولدها، ثم رده إليها بإلجائه إليها قدرًا بتحريم المراضع عليه، وبذلك وغيره يعلم أن ألطاف الله على أوليائه لا تتصورها العقول، ولا تعبر عنها العبارات، وتأمل موقع هذه البشارة، وأنه أتاها ابنها ترضعه جهرًا، وتأخذ عليه أجرًا، وتسمى أمه شرعًا وقدرًا، وبذلك اطمأن قلبها، وازداد إيمانها، وفي هذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، فلا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة. ومنها: أن آيات الله وعبره في الأمم السابقة، إنما يستفيد منها ويستبشر بها المؤمنون، والله يسوق القصص لأجلهم،

стр. 3306

كما قال تعالى في هذه القصة: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [القصص:٣]. ومنها: أن الله إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه، وأتى به شيئًا فشيئًا بالتدريج لا دفعة واحدة. ومنها: أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي أن يستولي عليها الكسل عن السعي في حقوقها، ولا اليأس من الارتقاء إلى أعلى الأمور، خصوصًا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله بني إسرائيل على ضعفها واستعبادها لفرعون وملئه منهم، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم. ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تطالب بحقها لا يقوم لها أمر دينها كما لا يقوم لها أمر دنياها. ومنها: أن الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف. ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]. والمراد بالإيمان هنا زيادته وزيادة طمأنينته. ومنها: أن من أعظم نعم الله على العبد تثبيت الله له عند المقلقات والمخاوف، فإنه كما يزداد به إيمانه وثوابه،

стр. 3307

فإنه يتمكن من القول الصواب والفعل الصواب، ويبقى رأيه وأفكاره ثابتة، وأما من لم يحصل له هذا الثبات، فإنه لقلقه وروعه يضيع فكره، ويذهل عقله، ولا ينتفع بنفسه في تلك الحال. ومنها: أن العبد -وإن عرف أن القضاء والقدر حق، وأن وعد الله نافذ لابد منه- فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي تنفع، فإن الأسباب والسعي فيها من قدر الله، فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك لما التقطه آل فرعون سعت بالأسباب، وأرسلت أخته لتقصه، وتعمل الأسباب المناسبة لتلك الحال. ومنها: جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، كما فعلت أم موسى، فإن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد من شرعنا ما ينسخه. ومنها: أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف لا يجوز، فإن موسى ندم على قتله القبطي، واستغفر الله منه وتاب إليه. ومنها: أن الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين المفسدين في الأرض، ولو كان غرضه من ذلك الإرهاب، ولو زعم أنه مصلح حتى يرد الشرع بما يبيح قتل النفس. ومنها: أن إخبار الغير بما قيل فيه وعنه على وجه التحذير له من شر يقع به لا يكون نميمة، بل قد يكون واجبًا، كما

стр. 3308

ساق الله خبر ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى محذرًا لموسى على وجه الثناء عليه. ومنها: إذا خاف التلف بالقتل بغير حق في إقامته في موضع، فلا يلقي بيده إلى التهلكة، ويستسلم للهلاك، بل يفرّ من ذلك الموضع مع القدرة كما فعل موسى. ومنها: إذا كان لابد من ارتكاب إحدى مفسدتين تعين ارتكاب الأخف منها والأسلم، دفعًا لما هو أعظم وأخطر، فإن موسى لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يُقتل، أو ذهابه إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يُعرف الطريق إليها، وليس معه دليل يدله غير هداية ربه، ومعلوم أنها أرجى للسلامة، لا جرم آثرها موسى. ومنها: فيه تنبيه لطيف على أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العمل أو التكلم به، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه إلى الصواب من القولين بعد أن يقصد الحق بقلبه ويبحث عنه؛ فإن الله لا يُخيب مَنْ هذه حاله، كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدين لا يدري الطريق المعين إليها قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ [القصص:٢٢]، وقد هداه الله وأعطاه ما رجاه وتمناه. ومنها: أن الرحمة والإحسان على الخلق، من عرفه العبد ومن لا يعرفه، من أخلاق الأنبياء، وأن من جملة الإحسان

стр. 3309

الإعانة على سقي الماشية، وخصوصًا إعانة العاجز، كما فعل موسى مع ابنتي صاحب مدين حين سقى لهما لما رآهما عاجزتين عن سقي ماشيتهما قبل صدور الرعاة. ومنها: أن الله كما يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته، ونعمه العامة والخاصة، فإنه يحب منه أن يتوسل إليه بضعفه وعجزه وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع الأضرار عن نفسه، كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص:٢٤]، لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة والافتقار لله، الذي هو حقيقة كل عبد. ومنها: أن الحياء والمكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم الصالحين. ومنها: أن العبد إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم حصّل به مكافأة عليه بغير قصده فإنه لا يلام على ذلك، ولا يخل بإخلاصه وأجره، كما قبل موسى مكافأة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يطلبه، ولم يستشرف له على معاوضة. ومنها: جواز الإجارة على كل عمل معلوم في نفع معلوم أو زمن مسمى، وأن مرد ذلك إلى العرف، وأنه تجوز الإجارة وتكون المنفعة البُضْع، كما قال صاحب مدين: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧]، وأنه يجوز للإنسان أن يخطب الرجل لابنته، ونحوها ممن هو ولي عليها، ولا

стр. 3310

نقص في ذلك، بل قد يكون نفعًا وكمالًا، كما فعل صاحب مدين مع موسى. ومنها: قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص:٢٦]، هذان الوصفان بهما تمام الأعمال كلها، فكل عمل من الولايات أو من الخدمات أو من الصناعات، أو من الأعمال التي القصد منها الحفظ والمراقبة على العمال والأعمال؛ إذا جمع الإنسان الوصفين، أن يكون قويًّا على ذلك العمل بحسب أحوال الأعمال، وأن يكون مؤتمنًا عليه، تم ذلك العمل وحصل مقصوده وثمرته، والخلل والنقص سببه الإخلال بهما أو بأحدهما. ومنها: أن من أعظم العقوبات على العبد أن يكون إمامًا في الشر وداعيًا إليه، كما أن من أعظم نعم الله على العبد أن يجعله إمامًا في الخير هاديًا مهديًّا، قال تعالى في فرعون وملئه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١]، وقال (١): ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء:٧٣]. ومنها: ما في هذه القصة من الدلالة على رسالة محمد ﷺ إذ أخبر بهذه القصة وغيرها خبرًا مفصلًا مطابقًا وتأصيلًا موافقًا، قصه قصًّا صدق به المرسلين، وأيد به الحق المبين،

стр. 3311

وهو لم يحضر في شيء من تلك المواضع، ولا درس شيئًا عرف به أحوال هذه التفصيلات، ولا جالس وأخذ عن أحد من أهل العلم، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم، ووحي أنزله عليه الكريم المنان ينذر به العباد أجمعين، ولهذا يقول في آخر هذه القصة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص:٤٦]، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص:٤٤]، ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص:٤٥]. وهذا نوع من أنواع براهين رسالته. ومنها: ذكر كثير من أهل العلم أنه يستفاد من قوله تعالى عن جواب موسى لربه لما سأله عن العصا فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٧ - ١٨]، استحباب استصحاب العصا لما فيه من هذه المنافع المعينة والمجملة في قوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. وأنه يستفاد منها أيضًا الرحمة بالبهائم، والإحسان إليها، والسعي في إزالة ضررها. ومنها: أن قوله جل ذكره: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، أي أن ذكر العبد لربه هو الذي خُلق له العبد، وبه صلاحه وفلاحه، وأن المقصود من إقامة الصلاة إقامة هذا المقصود الأعظم، ولولا الصلاة التي تتكرر على المؤمنين في اليوم والليلة لتذكِّرهم بالله، ويتعاهدون فيها قراءة القرآن،

стр. 3312

والثناء على الله، ودعاءه والخضوع له الذي هو روح الذكر، لولا هذه النعمة لكانوا من الغافلين. وكما أن الذكر هو الذي خُلِقَ الخلق لأجله، والعبادات كلها ذكر لله، فكذلك الذكر يعين العبد على القيام بالطاعات وإن شقَّت، ويهون عليه الوقوف بين يدي الجبابرة، ويخفف عليه الدعوة إلى الله، قال تعالى في هذه القصة: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣)﴾ [طه:٣٣ - ٣٤]، وقال: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ [طه:٤٢]. ومنها: إحسان موسى ﷺ على أخيه هارون، إذ طلب من ربه أن يكون نبيًّا معه، وطلب المعاونة على الخير والمساعدة عليه، إذ قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه:٢٩ - ٣٢]. ومنها: أن الفصاحة والبيان مما يعين على التعليم، وعلى إقامة الدعوة؛ لهذا طلب موسى من ربه أن يحل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وأن اللثغة لا عيب فيها إذا حصل الفهم للكلام، ومن كمال أدب موسى مع ربه أنه لم يسأل زوال اللثغة كلها، بل سأل إزالة ما يحصل به المقصود. ومنها: أن الذي ينبغي في مخاطبة الملوك والرؤساء ودعوتهم وموعظتهم: الرفق والكلام اللين الذي يحصل به

стр. 3313

الإفهام بلا تشويش ولا غلظة، وهذا يُحتاج إليه في كل مقام، لكن هذا أهم المواضع؛ وذلك لأنه الذي يحصل به الغرض المقصود، وهو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] (١). ومنها: أن من كان في طاعة الله، مستعينًا بالله، واثقًا بوعد الله، راجيًا ثواب الله، فإن الله معه، ومن كان الله معه فلا خوف عليه، لقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا﴾ ثم علله بقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. ومنها: أن أسباب العذاب منحصرة في هذين الوصفين: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه:٤٨]. أي: كذب خبر الله وخبر رسله، وتولى عن طاعة الله وطاعة رسله، ونظيرها قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل:١٥ - ١٦]. ومنها: أن قوله تعالى: ﴿لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه:٨٢]، استوعب الله بها الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله.

стр. 3314

الأول: التوبة، وهي الرجوع عما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا، وهي تَجُبُّ ما قبلها من الذنوب صغارها وكبارها. الثاني: الإيمان، وهو الإقرار والتصديق الجازم العام بكل ما أخبر الله به ورسوله، الموجب لأعمال القلوب، ثم تتبعها أعمال الجوارح، ولا ريب أن ما في القلب من الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر الذي لا ريب فيه أصلُ الطاعات وأكبرها وأساسها، ولا ريب أنه بحسب قوته يدفع السيئات، يدفع ما لم يقع فيمنع صاحبه من وقوعه، ويدفع ما وقع بالإتيان بما ينافيه وعدم إصرار القلب عليه؛ فإن المؤمن ما في قلبه من الإيمان ونوره لا يجامع المعاصي. الثالث: العمل الصالح، وهذا شامل لأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان، والحسنات يذهبن السيئات. الرابع: الاستمرار على الإيمان والهداية والازدياد منها، فمن كمَّل هذه الأسباب الأربعة فليُبشر بمغفرة الله العامة الشاملة؛ ولهذا أتى فيه بوصف المبالغة فقال: ﴿لَغَفَّارٌ﴾، ولنكتف من قصة موسى بهذه الفوائد، مع أن

стр. 3315

فيها فوائد كثيرة للمتأملين» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3316

الكلمة الرابعة عشرة نبي الله عيسى ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فلا زال الكلام على أنبياء الله من أولي العزم من الرسل وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، قال تعالى عنهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]. وسيكون الكلام في هذه الكلمة عن نبي الله عيسى ﵇. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ

стр. 3317

وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ وَالْأَبْرَصَ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران:٤٢ - ٥١]. «يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولدٍ منها، من غير أب، وبُشرت بأن يكون نبيًّا شريفًا، ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة، ويدعو إلى الله فيها، وأُمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع؛ لتكون أهلًا لهذه الكرامة، ولتقوم بشكر هذه النعمة، فيقال: إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها ﵂ ورحمها، ورحم أمها وأباها، فقول الملائكة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي اختارك واجتباك ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي من الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة ﴿وَاصْطَفَاكِ

стр. 3318

عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾» (١). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» (٢). وقد ذكر الله قصة ولادتها لعيسى ﵇ في سورة مريم، فأخبرسبحانه أنها انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، متجردة لعبادة ربها. «قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم:١٧]، لئلا يشغلها أحد عما هي بصدده؛ فأرسل الله لها الروح الأمين جبريل في صورة بشر سوي من أكمل الرجال وأجملهم، فظنت أنه يريدها بسوء، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم:١٨]. فتوسلت بالله في حفظها وحمايتها، وذكرته وجوب التقوى على كل مسلم يخشى الله، فكان هذا الورع العظيم منها في هذه الحالة التي يخشى منها الوقوع في الفتنة، ورفع الله بذلك مقامها، ونعتها بالعفة الكاملة، وأنها أحصنت فرجها، فقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً

стр. 3319

مِنَّا﴾ به وبك وبالناس ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ فلا تعجبي مما قدره وقضاه ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: ابتعدت به عن الناس ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ خشية الاتهام والأذية منهم ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ أي: ألجأها ﴿الْمَخَاضُ﴾ أي: الطلق ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:١٩ - ٢٣]. لما تعرفه مما هي متعرضة له من الناس، وأنهم لا يصدقونها، ولم تدري ما الله صانع لها. قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: الملك، وكانت في مكان مرتفع. ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ أي: نهرًا جاريًا ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ من دون أن تحوجك إلى صعود ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ أي: طريًا ناضجًا ﴿فَكُلِي﴾ من الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السَّري ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بولادة عيسى، وليذهب روعك وخوفك ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: سكوتًا، وكان معهودًا عندهم أنهم يتعبدون بالصمت في جميع النهار، ولهذا فسره بقوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦]. فاطمأن قلبها، وزال عنها ما كانت تجد. ثم لما تعالت من نفاسها، وأصلحت من شأنها، وقويت بعد الولادة ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ علنًا غير هائبة ولا مبالية، فلما رآه قومها، وقد علموا أنه لا زوج لها، جزموا أنه من وجه

стр. 3320

آخر، فقالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ كما أُمرت بذلك، فقالوا منكرين عليها مقالتها لهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ فقال: وهو في تلك الحال له أيام يسيرة بعد ولادته: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي أَيْنَ كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم:٢٧ - ٣٣]. فكان هذا الكلام منه في هذه الحال من آيات الله، وأدلة رسالته، وأنه عبد الله لا كما يزعمه النصارى، وحصل لأمه البراءة العظيمة مما يُظن بها من السوء، لأنها لو أتت بألف شاهد على البراءة وهي على هذه الحال ما صدقها الناس، ولكن هذا الكلام من عيسى وهو في المهد جلا كل ريب يقع في القلوب، فانقسم الناس فيه بعد هذا ثلاثة أقسام: قسم آمنوا به وصدقوه في كلامه هذا، وفي الانقياد له بعد النبوة، وهم المؤمنون حقيقة، وقسم غلوا فيه - وهم النصارى - فقالوا فيه المقالات المعروفة، ونزلوه منزلة الرب، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، وقسم كفروا به وجفوه - وهم اليهود - ورموا أمه بما برأها الله منه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ [مريم:٣٧].

стр. 3321

ولما أرسله الله إلى بني إسرائيل آمن به من آمن، وكفر به من كفر، وجعل يريهم الآيات والعجائب، فكان يصور الطين فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله، وينبئهم عن كثير مما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، ومع ذلك تكالب عليه أعداؤه وأرادوا قتله، فألقى الله شبهه على واحد من الحواريين أصحابه أو من غيرهم، ورفعه الله إليه، وطهره من قتلهم، فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم، والجرم الجسيم، وصدقهم النصارى أنهم قتلوه وصلبوه، ونزّهه الله من هذه الحالة فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]» (١). صفة عيسى ﵇ وشمائله، وفضائله: قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥]. قيل: سُمي المسيح؛ لمسحه الأرض، وهو سياحته فيها، وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان؛ لشدة تكذيب اليهود له، وافترائهم عليه وعلى أُمه ﵉، وقيل: لأنه كان ممسوح القدمين. وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ

стр. 3322

التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة:٤٦]. وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧]، والآيات في ذلك كثيرة جدًّا. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ بَنِي آدَم يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث عبادة أن النبي ﷺ قال: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ» (٢). وروى البخاري مسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ ليلة أسري به: «لَقِيتُ مُوسَى، قال: فَنَعَتَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ: مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنَ رِجَالِ شَنُوءَةَ، قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: رَبْعَةٌ أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الحَمَّامَ- قَالَ: وَرَأَيْتُ

стр. 3323

إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «رَأَيْتُ عِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى، فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ» (٣). «فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحين، مسيح الهدى، ومسيح الضلالة، ليُعرف هذا إذا نزل، فيؤمن به المؤمنون، ويُعرف الآخر فيحذره الموحدون» (٤).

стр. 3324

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا آمَنَ بِعِيسَى، ثُمَّ آمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ، وَأَطَاعَ مَوَالِيَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي» (٢). وهذا يدل على سجية طاهرة، حيث قدم حلف ذلك الرجل وظن أن أحدًا لا يحلف بعظمة الله كاذبًا على ما شاهده منه عيانًا، فقبل عذره، ورجع إلى نفسه، فقال: آمنت بالله، أي صدقتك، وكذبت بصري لأجل حلفك. وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤخَذ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ:

стр. 3325

إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة:١١٧ - ١١٨]» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» (٢). وفي رواية: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (٣). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَومَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ،

стр. 3326

وَسَبُّوهُ، فَتَوضَأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا إلَّا مِنْ طِينٍ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثَمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمُصُّهُ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ، «ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبَ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ: سَرَقْتِ، زَنَيْتِ وَلَمْ تَفْعَلْ» (١). وروى أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطٌ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ (٢)، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى تَهْلِكَ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا غَيْرَ الإِسْلَامِ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ الكَذَّابَ،] وَتَقَعُ الأَمَنَةُ

стр. 3327

فِي الأَرْضِ، حَتَّى تَرتَعَ الإِبِلُ مَعَ الأُسْدِ جَمِيعًا، وَالنُّمُورُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ وَالغِلْمَانُ بِالْحَيَّاتِ، لَا يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا [، فَيَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ» (١). قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء:١٥٩]، وقد ورد في الأحاديث الأخرى: «أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَيَقُولُ لَهُ إِمَامُ المُسْلِميِن: تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ فَصَلِّ، فَيَقُولُ: لَا، بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ (٢)، فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، ثُمَّ يَرْكَبُ وَمَعَهُ المسْلِمُونَ فِيِ طَلَبِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، فَيَلْحَقُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ (٣)، فَيَقتُلُهُ بِيَدِهِ الكَرِيمَةِ». قال ابن كثير ﵀: «وذكرنا أنه قوي الرجاء حين بُنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق التي هي من حجارة بيض، وقد بُنيت أيضًا من أموال النصارى حين حرقوا التي هدمت وما حولها، فينزل عليها عيسى ابن مريم ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، وأنه يحج من

стр. 3328

فج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا أو يثنيهما، ويقيم أربعين سنة ثم يموت فيدفن» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3329

الكلمة الخامسة عشرة فوائد من قصة نبي الله عيسى ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. ومن الفوائد المستفادة من قصة نبي الله عيسى ﵇: «إثبات كرامة الأولياء، فإن الله كرم مريم بأمور؛ يسر لها أن تكون في كفالة زكريا بعدما حصل الخصام في شأنها، وأكرمها بأن كان رزقها يأتيها من الله بلا سبب، وأكرمها بوجود عيسى، وولادتها إياه، وبخطاب الملك لها بما يطمئن قلبها، ثم بكلامه في المهد، فهذه الأخيرة جمعت كرامة ولي، ومعجزة نبي. ومنها: الآيات العظيمة التي أجراها الله على يد عيسى ابن مريم من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص ونحوهما. ومنها: ما أكرم الله به عيسى بأن جعل له حواريين وأنصارًا في حياته وبعد مماته في بث دعوته والنصر لدينه، ولذلك كثر تابعوه، ولكن منهم المستقيم، وهو الذي آمن به حقيقة، وآمن بجميع الرسل، ومنهم المنحرف، وهم الذين غلوا فيه، وهم جمهور من يدعي أنه من أتباعه، وهم أبعد الناس عنه.

стр. 3330

ومنها: أن الله أثنى على مريم بالكمال بالصديقية، وأنها صدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (١)، وهذا وصف لها بالعلم الراسخ، والعبادة الدائمة، والخشوع لله، وأنه اصطفاها وفضلها على نساء العالمين. ومنها: أن إخبار النبي ﷺ بهذه القصة وغيرها مفصلة مطابقة للحقيقة من أدلة رسالته، وآيات نبوته لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٤٤]. ومنها: المعجزة العظيمة لهذا النبي الكريم برفعه إلى السماء بعدما حاول اليهود قتله، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]. قال الحسن البصري: «كان عمر عيسى ﵇ يوم رُفع أربعًا وثلاثين سنة، وفي الحديث: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا بِيضًا جِعَادًا مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ» (٢). وفي رواية: «عَلَى مِيلَادِ عِيسَى، وَحُسْنِ يُوسُفَ» (٣).
следующие страницы →