← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرْكَ الجِنَانِ بِهَا وَفَوْزَ العَابِدِ وَنِسيتَ أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ آدَمَا ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحِدِ ومعصية واحدة كانت سببًا لهزيمة الصحابة في معركة أُحد عندما أمرهم النبي ﷺ ألَّا ينزلوا من الجبل، فعصوه ونزلوا، فقُتل سبعون، كما جاء في الصحيح (١). ومعصية واحدة كانت سببًا في دخول امرأة النار، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» (٢). قال الأوزاعي: عن بلال بن سعد قال: «لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3257

الكلمة السابعة نبي الله نوح ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فإن نوح ﵇ من أولي العزم من الرسل، وهو الأب الثاني للبشر ﷺ . روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَبِيٌّ كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مُكَلَّمٌ»، قَالَ: فَكَمْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ؟ قَالَ: «عَشَرَةُ قُرُونٍ» (١). وروى الطبري في تفسيره عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» (٢). «فإن كان المراد بالقرن مائة سنة، كما هو المتبادر عند كثير

стр. 3258

من الناس، فبينهما ألف سنة لا محالة، لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالإسلام، إذ قد يكون بينهما قرون أُخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام، لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون، وزادنا ابن عباس أنهم كلهم على الإسلام، وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار .. والله أعلم. وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء:١٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾ [المؤمنون:٤٢]، وكقوله ﵇: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ... الحديث» (١)، فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين. والله أعلم. وبالجملة فنوح ﵇ إنما بعثه الله لما انتشر الفساد في الأرض، وعُبدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلالة والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد، فكان أول رسول بُعث إلى أهل الأرض، كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن

стр. 3259

النبي ﷺ في حديث الشفاعة: «فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، أَلَا تَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا؟ أَلَا تَشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّكَ .. الحديث» (١). وكان قومه يُقال لهم: بنو راسب، فيما ذكره ابن جرير وغيره، واختلفوا في مقدار سنه يوم بُعث، فقيل: كان ابن خمسين سنة، وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، وقيل ابن أربعمائة وثمانين سنة، حكاها ابن جرير وعزا الثالث منها إلى ابن عباس. وقد ذكر الله قصة نوح وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة في غيرما موضع من كتابه كما في سورة الأعراف، ويونس، وهود، والأنبياء، والمؤمنون، والشعراء، والعنكبوت، والصافات. وقد تقدم عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون

стр. 3260

كلهم على الإسلام، وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل، أو المدة على ما سلف، ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام، وكان سبب ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣]، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ العلم عُبدت، قال ابن عباس: وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد (١). وكل صنم من الأصنام السابقة عبده طائفة من الناس، وقد ذُكر أنه لما تطاولت العهود والأزمان، جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لها، ثم عُبدت بعد ذلك من دون الله . وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ

стр. 3261

الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). فلما بعث الله نوحًا ﵇، دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن لا يعبدوا معه صنمًا، ولا تمثالًا، ولا طاغوتًا، وأن يعترفوا بوحدانيته، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين كلهم من ذريته، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات:٧٧]. وذكر تعالى أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار، والسر والإجهار، بالترغيب والترهيب أخرى، وكل هذا لم ينجح فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان، وعبادة الأصنام والأوثان، ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان، وتنقصوه، وتنقصوا من آمن به، وتوعدوهم بالرجم والإخراج، ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم. وقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ [العنكبوت:١٤]، أي ومع هذه المدة الطويلة، فما آمن به إلا القليل منهم، وكان كلما انقرض جيل وصوا من بعدهم ترك الإيمان به ومحاربته ومخالفته، وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه، وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدًا

стр. 3262

ما عاش، ودائمًا ما بقي، وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحق. ولما يئس نوح ﵇ من صلاحهم، وفلاحهم، ورأى أنه لا خير فيهم، وتوصلوا إلى أذيته، ومخالفته، وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال، دعا عليهم دعوة غضب لله، فلبى الله دعوته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الصافات:٧٥ - ٧٦]. وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الشعراء:١١٧ - ١١٨]، فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم، ودعوة نبيهم عليهم، فعند ذلك أمره الله تعالى أن يصنع الفلك وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها، ولا يكون بعدها مثلها، وأخبره الله تعالى أنه إذا جاء أمره، وحل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه، فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم، فإنه ليس الخبر كالمعاينة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ [هود:٣٧ - ٣٨]. وقد كان حالهم الكفر الغليظ، والعناد البالغ في الدنيا، وهكذا في الآخرة، فإنهم يجحدون أيضًا أن يكون جاءهم

стр. 3263

من الله رسول، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]» (١). والوسط: العدل، فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحًا بالحق، وأنزل عليه الحق وأمره به، وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه، وأتمها، وأنه لم يدع شيئًا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به، ولا شيئًا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه، وحذرهم منه، وهكذا شأن جميع الرسل. ثم أمره الله تعالى أن يصنع السفينة، ويحمل فيها من كل زوجين اثنين من الحيوانات، وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها، وأن يحمل معه أهله أي أهل بيته ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون:٢٧]، أي إلا من كان كافرًا، فإنه قد نفذت فيه الدعوة التي لا تُرد، ووجب عليه حلول البأس الذي لا يُرد، وأمره أن لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعانيه من

стр. 3264

العذاب العظيم، الذي قد حتمه عليهم الفَعَّال لما يريد. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ... ﴾ [المؤمنون:٢٦ - ٢٧]، أي بأمرنا لك، وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك، لنرشدك إلى الصواب في صنعها، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾ [المؤمنون:٢٧]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود:٤٠]، هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم، ودعوتهم الأكيدة ليلًا ونهارًا، بضروب المقال، وفنون التلطفات، والتهديد، والوعيد تارة، والترغيب والوعد أخرى. قيل: عدد المؤمنين سبعة، وقيل: كانوا ثمانين نفسًا معهم نساؤهم، وأما امرأة نوح ﵇ وهي أم أولاده كلهم، وهم: حام، وسام، ويافث، ويام، وهو الذي غرق، قيل إنها غرقت مع من غرق، وكانت ممن سبق عليه القول بكفرها. قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح:٢٧ - ٢٦]، وقد استجاب الله تعالى لدعوته فلم يبق منهم عين تطرف.

стр. 3265

ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده، وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام والاستكشاف، ووجه السؤال: إنك وعدتني بنجاة أهلي معي، وهو منهم وقد غرق، فأجيب بأنه ليس من أهلك، أي الذين وعدت بنجاتهم، أي: أما قلنا لك ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم، بأنه سيغرق بكفره، ولهذا ساقته الأقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الإيمان، فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان، ثم قال سبحانه: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ (٤٨)﴾ [هود:٤٨]، هذا أمر لنوح ﵇ أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودي، وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ أي: اهبط سالمًا مباركًا عليك وعلى أمم ممن سيولد بعد، أي من أولادك، فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلًا ولا عقبًا سوى نوح ﵇، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات:٧٧]، فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينتسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم: سام، وحام، ويافث» (١).

стр. 3266

«فأما يافث فقد ملأ المشرق من الذرية، وحام ملأ المغرب من النسل، وسام ملأ ما بين ذلك. ومكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومكث بعد هلاكهم ما شاء الله» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3267

الكلمة الثامنة فوائد من قصة نوح ﵇ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. استكمالًا للحديث عن نبي الله نوح ﵇، هذه بعض الفوائد من قصته: «أن جميع الرسل من نوح إلى محمد ﷺ متفقون على الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك، فنوح وغيره أول ما يقولون لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]، ويكررون هذا الأصل بطرق كثيرة. آداب الدعوة وتمامها، فإن نوحًا دعا قومه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا بكل وقت وبكل حالة يظن فيها نجاح الدعوة، وأنه رغبهم بالثواب العاجل وبالسلامة من العقاب، والتمتيع بالأموال والبنين، وإدرار الأرزاق إذا آمنوا وبالثواب الآجل؛ وحذرهم من ضد ذلك، وصبر على هذا صبرًا عظيمًا كغيره من الرسل، وخاطبهم بالكلام الرقيق والشفقة، وبكل لفظ جاذب للقلوب محصل للمطلوب، وأقام الآيات، وبيَّن البراهين.

стр. 3268

أن الشُّبه التي قدح فيها أعداء الرسل برسالتهم من الأدلة على إبطال قول المكذبين، فإن الأقوال التي قالوها، ولم يكن عندهم غيرها، ليس لها حظ من العلم والحقيقة عند كل عاقل، فقول قوم نوح: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [هود:٢٧]، تأمل جملها تجدها تمويهات دالة على أنهم مبطلون مكابرون للحقيقة، فقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ فهل في كون الحق جاء على يد بشر شيء من الشبهة تدل على أنه ليس بحق؟ ومضمون هذا الكلام أن كل قول قاله البشر من أي مصدر يكون باطلًا، وهذا قدح منهم في جميع العلوم البشرية المستفادة من البشر، ومعلوم أن هذا يبطل العلوم كلها، فهل عند البشر علوم إلا مستفيدها بعضهم من بعض وهي متفاوتة؟ فأعظمها وأصدقها وأنفعها ما تلقاه الناس عن الرسل الذين علومهم عن وحي إلهي. وكذلك قولهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: نحن وأنتم بشر، وقد أجابت الرسل كلهم عن هذه المقالة فقالوا: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم:١١]، فمن الله على الرسل، وخصهم بالوحي والرسالة مع أن إنكارهم عليهم من هذه الجهة من أكبر الجهل وأعظم

стр. 3269

القدح في نعمة الله، فإن رحمة الله وحكمته اقتضت أن يكون الرسل من البشر؛ ليتمكن العباد من الأخذ عنهم، وتتيسر عليهم هذه النعمة، ويسهِّل الله لهم طرقها، فهؤلاء المكذبون كفروا بأصل النعمة، وبالطريق المستقيم النافع الذي جاءتهم به. وكذلك قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ من المعلوم لكل أحد عاقل أن الحق يعرف أنه حق بنفسه لا بمن تبعه، وأن هذا القول الذي قالوه صدر عن كبر وتيه، والكبر أكبر مانع للعبد من معرفة الحق ومن اتباعه. وأيضًا قولهم: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ إن أرادوا الفقر فالفقر ليس من العيوب، وإن أرادوا أراذلنا في الأخلاق فهذا كذب معلوم بالبديهة، وإنما الأراذل الذين قالوا هذه المقالة، فهل الإيمان بالله ورسله، وطاعة الله ورسله، والانقياد للحق، والسلامة من كل خصلة ذميمة، هل هذا الوصف رذيلة وأهله أراذل؟ أم الرذيلة بضده .. من ترك أفرض الفروض توحيد الله وشكره وحده وامتلاء القلب من التكبر على الحق وعلى الخلق؟ هذا والله أرذل الرذائل، ولكن القوم مباهتون فما نقموا من هؤلاء الأخيار إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. وقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: مبادرة منهم إلى الإيمان بك يا نوح، لم يشاوروا ولم يتأنوا ويترووا لو فرض أن هذا

стр. 3270

حقيقة فهذا من أدلة الحق، فإن الحق عليه من البراهين والنور والجلالة والبهاء والصدق والطمأنينة ما لا يحتاج إلى مشاورة أحد باتباعه، وإنما التي تحتاج إلى مشاورة هي الأمور الخفية، التي لا تعلم حقيقتها ولا منفعتها، أما الإيمان الذي هو أجلى من الشمس في نورها، وأحلى من كل شيء، فما يتأخر عنه إلا كل متكبر جبار أمثال هؤلاء الطغاة البغاة. وقولهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ هل في هذا الكلام شيء من الإنصاف بوجه، لانهم يخبرون عن أنفسهم، وكلامهم يحتمل أنه الذي في قلوبهم، ويحتمل أنهم يقولون ما لا يعتقدون، وعلى كلا الأمرين فالحق يجب قبوله، سواء أقاله الفاضل أو المفضول، الحق أعلى من كل شيء. وكذلك قولهم: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ معلوم أن الظن أكذب الحديث، ثم لو قالوا: بل نعلمكم كاذبين، فهذه كل مبطل يقدر أن يقولها، ولكن بأي شيء استدللتم أنهم كاذبون؟ فهذه أدلتهم وبراهينهم أبطلت نفسها بنفسها كما ترى، فكيف وقد قابلها الرسل بالأدلة والبراهين المتنوعة التي لا تبقي ريبًا لأحد في بطلانها؟ أن من فضائل الأنبياء وأدلة رسالتهم إخلاصهم التام لله تعالى في عبوديتهم لله القاصرة، وفي عبوديتهم المتعدية

стр. 3271

لنفع الخلق كالدعوة والتعليم وتوابع ذلك، ولذلك يبدون ذلك ويعيدونه على أسماع قومهم كل منهم يقول: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود:٢٩]، ولهذا كان من أجل الفضائل لاتباع الرسل أن يكونوا مقتدين بالرسل في هذه الفضيلة، والله تعالى يجعل لهم من فضله من رفعة الدنيا والآخرة أعظم مما يتنافس فيه طلاب الدنيا. أن القدح في نيات المؤمنين وفيما منَّ الله عليهم به من الفضائل والتألي على الله (١) أنه لا يؤتيهم من فضله من مواريث أعداء الرسل، فلهذا قال نوح لقومه حين تألوا على الله، وتوسلوا في ذم المؤمنين به بذلك، فقال: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود:٣١]. أنه ينبغي الاستعانة بالله، وأن يذكر اسمه عند الركوب والنزول، وفي جميع التقلبات والحركات، وحمد الله والإكثار من ذكره عند النعم لا سيما النجاة من الكربات والمشقات، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ وَمُرْسَاهَا ... ﴾ [هود:٤١]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى

стр. 3272

الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾ [المؤمنون:٢٨]. وأنه ينبغي أيضًا الدعاء بالبركة في نزول المنازل العارضة كالمنازل في إقامات السفر وغيره، والمنازل المستقرة كالمساكن والدور؛ لقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ [المؤمنون:٢٩]. وفي ذلك كله من استصحاب ذكر الله، ومن القوة على الحركات والسكنات، ومن قوة الثقة بالله، ومن نزول بركة الله التي هي خير ما صحبت العبد في أحواله كلها ما لاغنى للعبد عنه طرفة عين. أن تقوى الله والقيام بواجبات الإيمان من جملة الأسباب التي تُنال بها الدنيا وكثرة الأولاد والرزق وقوة الأبدان، وإن كان لذلك أيضًا أسباب أُخر، وهي السبب الوحيد الذي ليس هناك سبب سواه في نيل خير الآخرة، والسلامة من عقابها. أن النجاة من العقوبات العامة الدنيوية هي للمؤمنين، وهم الرسل وأتباعهم، وأما العقوبات الدنيوية العامة فإنها تختص بالمجرمين، ويتبعهم توابعهم من ذرية وحيوان، وإن لم يكن لها ذنوب؛ لأن الوقائع التي أوقع الله بأصناف المكذبين شملت الأطفال والبهائم، وأما ما يذكر في بعض الإسرائيليات أن قوم نوح أو غيرهم لما أراد الله إهلاكهم

стр. 3273

أعقم الأرحام حتى لا يتبعهم في العقوبة أطفالهم فهذا ليس له أصل، وهو مناف للأمر المعلوم، وذلك مصداق لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]» (١). صبر نوح ﵇ على دعوته لقومه مئات السنين، فقد لبث فيهم تسعمئة وخمسون عامًا يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهرًا، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر:١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]. ومن لوازم الصبر ألا يستطيل الداعي إلى الله الطريق، ولا يستعجل النتائج، روى البخاري في صحيحه من حديث خباب ابن الأرت قال: شَكَوْنَا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ

стр. 3274

إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3275

الكلمة التاسعة نبي الله وخليل الرحمن إبراهيم ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. «فلقد ذكر الله في كتابه العزيز قصة إبراهيم ﵇ في مواضع عدة، لما فيها من الدروس والعبر. وإبراهيم بالسُريانية معناه: أب رحيم، واللهسبحانه وتعالى جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم. فإن أبانا الأول آدم ﵇، والأب الثاني نوح ﵇، وأهل الأرض كلهم من ذريته كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات:٧٧]، وبهذا يتبين كذب المفترين من العجم الذين يزعمون أنهم لا يعرفون نوحًا ﵇، ولا ولده، ولا ينتسبون إليه، وينسبون ملوكهم من آدم إليهم، ولا يذكرون نوحًا ﵇ في أنسابهم، وقد أكذبهم الله في ذلك. فالأب الثالث وعمود العالم، وإمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلًا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته، ذاك خليل الرحمن،

стр. 3276

ولما رأى النبي ﷺ الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام فقال: «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلَامِ قَطٌّ» (١). ولم يأمر الله رسوله أن يتبع ملة أحد من الأنبياء غيره، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل:١٢٣]، وأمر أمته بذلك فقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]. وكان رسول الله ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى يقول: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِخْلَاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (٢)، وتأمل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله والملة لإبراهيم ﵊، فإنه صاحب الملة وهي التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، ومحبته فوق كل محبة، والدين للنبي ﷺ

стр. 3277

وهو دينه الكامل، وشرعه التام الجامع لذلك كله. وسماه الله - سبحانه - إمامًا، وأمة، وقانتًا، وحنيفًا، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة:١٢٤]، فأخبرسبحانه أنه جعله إمامًا للناس، وأن الظالم من ذريته لا ينال رتبة الإمامة، والظالم هو المشرك، وأخبر سبحانه أن عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١]. فالأمة هو: القدوة المعلم للخير، والقانت: المطيع لله تعالى، الملازم لطاعته، والحنيف: المقبل على الله تعالى المعرض عما سواه. والمقصود: أن إبراهيم ﵊ هو أبونا الثالث، وهو إمام الحنفاء، وتسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل متفقة على تعظيمه، وتوليه، ومحبته، وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمد ﷺ يُجله، ويعظمه، ويبجله، ويحترمه. ففي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ

стр. 3278

رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇» (١). وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب فقال: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية] الأنبياء:١٠٤]، وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ» (٢). وكان رسول الله ﷺ أشبه الخلق به، كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ ﷺ » (٣). وفي لفظ آخر: «فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ» (٤). وكان ﷺ يعوذ أولاد ابنته حسنًا وحسينًا - ﵁ -ما - بتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم وسلم، ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» (٥). وكان إبراهيم ﷺ أول الناسضيَّف الضيف، وأول الناس

стр. 3279

اختتن ... وأول الناس رأى الشيب، فقال: «يَا رَبِّ! مَا هَذَا؟ فَقَالَ اللَّه ﵎: وقارٌ يا إبراهيم، فَقَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا» (١). وقد شهد الله سبحانه بأنه وفى ما أُمر به، فقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم:٣٧]، قال ابن عباس: وفى جميع شرائع الإسلام، ووفى ما أُمر به من تبليغ الرسالة. وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ... ﴾ [البقرة:١٢٤]، فلما أتم ما أُمر به من الكلمات، جعله الله إمامًا للخلائق يأتمون به، وكان ﷺ كما قيل: قلبه للرحمن، وولده للقربان، وبدنه للنيران، وماله للضيفان. ولما اتخذه ربه خليلًا، والخلة هي كمال المحبة، وهي مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة، وكان قد سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فامتحنه سبحانه بذبحه ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارًا لمحبة خليله على محبته، نسخ الله تعالى ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أُمر به، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح

стр. 3280

في نفسه مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في اتباعه إلى يوم القيامة. وهو الذي فتح للأمة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل وكسر حججهم، وقد ذكر الله سبحانه مناظرته في القرآن مع إمام المعطلين، ومناظرته مع قومه المشركين، وكسر حجج الطائفتين بأحسن مناظرة، وأقربها إلى الفهم وحصول العلم، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ... ﴾ [الأنعام:٨٣]. وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران:١٧٣]، قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (١)، وقال ابن عباس: «كان آخر قول إبراهيم حين أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل» (٢). وهو الذي بنى بيت الله، وأذن في الناس بحجه، فكل من حجه واعتمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب الله تعالى وإكرامه بعدد الحجاج والمعتمرين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً

стр. 3281

لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥]. قال ابن عباس: يثوبون إليه، ولا يقضون منه وطرًا، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فأمر نبيه ﷺ وأمته أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى تحقيقًا للاقتداء به، وإحياء آثاره ﷺ . «ومناقب هذا الإمام الأعظم، والنبي الأكرم أجل من أن يحيط بها كتاب، وإن مد الله في العمر أفردنا كتابًا في ذلك يكون قطرة في بحر فضائله، أو أقل، جعلنا الله تعالى ممن ائتم به، ولا جعلنا ممن عدل عن ملته بمنه وكرمه» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3282

الكلمة العاشرة قصة بعثة إبراهيم ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا الشَّمْسَ قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام:٧٤ - ٨١]. «أما قصة بعثته باختصار، فإن الله قد بعثه إلى قوم مشركين

стр. 3283

يعبدون الشمس والقمر والنجوم، وهم فلاسفة الصابئة الذين هم من أخبث الطوائف، وأعظمها ضررًا على الخلق، فدعاهم بطرق شتى، فأول ذلك دعاهم بطريقة لا يمكن صاحب عقل أن ينفر منها، ولما كانوا يعبدون السبع (١) السيارات التي منها الشمس والقمر، وقد بنوا لها البيوت وسموها الهياكل، قال لهم ناظرًا ومناظرًا، هلم يا قوم ننظر هل يستحق منها شيء من الإلهية والربوبية؟ ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، أي إن كان يستحق الإلهية بعد النظر في حالته ووصفه فهو ربي، مع أنه يعلم العلم اليقيني أنه لا يستحق من الربوبية والإلهية مثقال ذرة، ولكن أراد أن يلزمهم بالحجة ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾، أي غاب ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، فإن من كان له حال وجود وعدم، أو حال حضور وغيبة، قد علم كل عاقل أنه ليس بكامل، فلا يكون إلهًا، ثم انتقل إلى القمر، فلما رآه بازغًا: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ [الأنعام:٧٧]. يريهم صلوات الله وسلامه عليه، وقد صور نفسه بصورة الموافق لهم، لا على وجه التقليد، بل يقصد إقامة البرهان إلى إلهية النجوم والقمر، فالآن وقد أفلت، وتبين بالبرهان العقلي مع السمعي بطلان إلهيتها، فأنا إلى الآن لم يستقر لي

стр. 3284

قرار على رب وإله عظيم، ﴿فَلَمَّا الشَّمْسَ﴾ فلما رأى الشمس بازغة؛ قال: هذا أكبر من النجوم ومن القمر، فإن جرى عليها ما جرى عليهما كانت مثلهما، فلما أفلت وقد تقرر عند الجميع فيما سبق أن عبادة من يأفل من أبطل الباطل، فحينئذ ألزمهم بهذا الإلزام ووجه عليهم الحجة فقال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: ظاهري وباطني ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩]. فهذا برهان عقلي واضح أن الخالق للعالم العلوي والسفلي هو الذي يتعين أن يُقصد بالتوحيد والإخلاص، وأن هذه الأفلاك والكواكب وغيرها مخلوقات مدبرات، ليس لها من الأوصاف ما تستحق العبادة لأجلها؛ فجعلوا يخوفونه آلهتهم أن تمسه بسوء، وهذا دليل على أن المشركين عندهم من الخيالات الفاسدة، والآراء الرديئة، ما يعتقدون أن آلهتهم تنفع من عَبَدَها وتضر من تركها أو قدح فيها، فقال لهم مبينًا أنه ليس عليه شيء من الخوف، وإنما الخوف الحقيقي عليكم، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام:٨١]. أجاب الله هذا الاستفهام جوابًا يعم هذه القصة وغيرها في

стр. 3285

كل وقت، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢]. فرفع الله خليله إبراهيم بالعلم وإقامة الحجة، وعجزوا عن نصر باطلهم؛ ولكنهم صمموا على الإقامة على ما هم عليه، ولم ينفع فيهم الوعظ والتذكير وإقامة الحجج، فلم يزل يدعوهم إلى الله، وينهاهم عما كانوا يعبدون نهيًا عامًّا وخاصًّا، وأخص من دعاه أبوه آزر؛ فإنه دعاه بعدة طرق نافعة، ولكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس:٩٦ - ٩٧]. فلم يزل إبراهيم مع قومه في دعوة وجدال، وقد أفحمهم وكسر جميع حججهم وشُبههم، فأراد ﷺ أن يقاومهم بأعظم الحجج، وأن يصمد لبطشهم وجبروتهم وقدرتهم وقوتهم، غير هائب ولا وجل، فلما خرجوا ذات يوم لعيد من أعيادهم وخرج معهم، فنظر نظرة في النجوم، فقال: إني سقيم؛ لأنه خشي إن تخلف لغير هذه الوسيلة لم يدرك مطلوبه؛ لأنه تظاهر بعداوتها والنهي الأكيد عنها وجهاد أهلها، فلما برزوا جميعًا إلى الصحراء كرَّ راجعًا إلى بيت أصنامهم، فجعلها جذاذًا كلها إلا صنمًا كبيرًا أبقى عليه ليلزمهم بالحجة، فلما رجعوا من عيدهم بادروا إلى أصنامهم صبابة ومحبة، فرأوا فيها أفظع منظر رآه أهلها، فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ

стр. 3286

(٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يعيبها ويذكرها بأوصاف النقص والسوء ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ [الأنبياء:٥٩ - ٦٠]. فلما تحققوا أنه الذي كسرها: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾ [الأنبياء:٦١]. أي: بحضرة الخلق العظيم، ووبخوه أشد التوبيخ ثم نكلوا به، وهذا الذي أراد إبراهيم؛ ليظهر الحق بمرأى الخلق ومسمعهم، فلما جمع الناس وحضروا، وحضَّروا إبراهيم ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]. مشيرًا إلى الصنم الذي سلم من تكسيره، وهم في هذه بين أمرين: إما أن يعترفوا بالحق، وأن هذا لا يدخل عقل أحد أن جمادًا معروفًا مصنوعًا من مواد معروفة لا يمكن أن يفعل هذا الفعل، وإما أن يقولوا: نعم هو الذي فعلها وأنت سالم ناج من تبعتها. وقد علم أنهم لا يقولون الاحتمال الأخير، قال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ وهذا تعليق بالأمر الذي يعترفون أنه محال، فحينئذ ظهر الحق وبان، واعترفوا هم بالحق ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: ما كان اعترافهم ببطلان إلهيتها إلا وقتًا قصيرًا ظهرت الحجة مباشرة التي لا يمكن مكابرتها، ولكن ما أسرع ما عادت عليهم عقائدهم الباطلة التي رسخت في قلوبهم، وصارت

стр. 3287

صفات ملازمة، إن وجد ما ينافيها فإنه عارض يعرض ثم يزول: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ هَؤُلَاءِ (٦٥)﴾ [الأنبياء:٦٤ - ٦٥]. فحينئذ وبخهم بعد إقامة الحجة التي اعترف بها الخصوم على رؤوس الأشهاد، فقال لهم: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧]، فلو كان لكم عقول صحيحة لم تقيموا على عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يدفع عن نفسه من يريده بسوء، فلما أعيتهم المقاومة بالبراهين والحجج عدلوا إلى استعمال قوتهم وبطشهم وجبروتهم في عقوبة إبراهيم فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ [الأنبياء:٦٨]، فأوقدوا نارًا عظيمة جدًّا فألقوه فيها، فقال وهو في تلك الحال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء:٦٩]، فلم تضره بشيء، وأرادوا به كيدًا لينصروا آلهتهم، ويقيموا لها في قلوبهم وقلوب أتباعهم الخضوع والتعظيم، فكان مكرهم وبالًا عليهم، وكان انتصارهم لآلهتهم نصرًا عظيمًا عند الحاضرين والغائبين والموجودين والحادثين عليهم، وانتصر الخليل على الخواص والعوام والرؤساء والمرؤوسين حتى إن مَلِكهم حاجَّ إبراهيم في ربه بغيًا وطغيانًا ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ فقال

стр. 3288

إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، فألزمه الخليل بطرد دليله بالتصرف المطلق، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة:٢٥٨]» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3289

الكلمة الحادية عشرة فوائد من قصة نبي الله وخليل الرحمن إبراهيم ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. «فقد اشتملت قصة إبراهيم الخليل ﵇، وما حصل له مع قومه على الكثير من الفوائد والدروس والعبر، وليُعلم أن جميع ما قصه الله علينا من سيرة إبراهيم الخليل ﵇، فإننا مأمورون به أمرًا خاصًّا، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، أي: الزموها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. فما هو عليه من التوحيد والأصول والعقائد والأخلاق وجميع ما قص علينا من نبئه، فإن اتباعنا إياه من ديننا؛ ولهذا لما كان هذا أمرًا عامًّا لأحواله كلها، استثنى الله حالة من أحواله فقال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤]، أي: فلا تقتدوا به في هذه الحال بالاستغفار للمشركين، فإن استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما

стр. 3290

تبين له أنه عدو لله تبرأ منه (١). ومنها: أن الله اتخذه خليلًا، والخلة أعلى درجات المحبة، وهذه المرتبة لم تحصل لأحد من الخلق إلا للخليلين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم. ومنها: ما أكرمه الله به من الكرامات المتنوعة، جعل في ذريته النبوة والكتاب، وأخرج من صلبه أُمتين هما أفضل الأمم: العرب وبنو إسرائيل، واختاره الله لبناء بيته الذي هو أشرف بيت، وأول بيت وُضع للناس، ووهب له الأولاد بعد الكبر واليأس، وملأ بذكره ما بين الخافقين، وامتلأت قلوب الخلق من محبته وألسنتهم من الثناء عليه. ومنها: أن الله رفعه بالعلم واليقين وقوة الحجج، قال جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام:٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام:٨٣]. ومن شوقه إلى الوصول إلى غاية العلم ونهايته سأل ربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي

стр. 3291

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة:٢٦٠]. ومنها: أن من عزم على فعل الطاعات وبذل مقدوره في أسبابها، ثم حصل مانع يمنع من إكمالها، أن أجره قد وجب على الله، كما قال الله ذلك في المهاجر الذي يموت قبل أن يصل إلى مُهاجره، وكما ذكره الله في قصة الذبح، وأن الله أتم الأجر لإبراهيم وإسماعيل حين أسلما لله وأذعنا لأمره، ثم رفع عنهما المشقة، وأوجب لهما الأجر الدنيوي والأخروي. ومنها: ما في قصصه من آداب المناظرة، وطرقها ومسالكها النافعة، وكيفية إلزام الخصم بالطرق الواضحة التي يعترف بها أهل العقول، وإلجاؤه الخصم الألد إلى الاعتراف ببطلان مذهبه، وإقامة الحجة على المعاندين وإرشاد المسترشدين. ومنها: أن من نعمة الله على العبد، هبة الأولاد الصالحين، وأن عليه في ذلك أن يحمد الله، ويدعو الله لذريته كما فعل الخليل ﷺ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ... ﴾ [إبراهيم:٣٩]، إلى آخر الدعاء. وقال جل ذكره في الثناء عمومًا على من يدعو الله بصلاح ذريته: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف:١٥].

стр. 3292

فإن العبد إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. ومنها: أن المشاعر ومواضع الأنساك من جملة الحكم فيها: أن فيها تذكيرات بمقامات الخليل وأهل بيته في عبادات ربهم، وإيمان بالله ورسله، وحث على الاقتداء بهم في كل أحوالهم الدينية -وكل أحوال الرسل دينية، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]. ومنها: الأمر بتطهير المسجد الحرام من الأنجاس، ومن جميع المعاصي القولية والفعلية؛ تعظيمًا لله وإعانة وتنشيطًا للمتعبدين فيه، ومثله بقية المساجد، لقوله : ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة:١٢٥]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]. ومنها: أن أفضل الوصايا على الإطلاق ما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب، وهو الوصية بملازمة القيام بالدين وتقوى الله والاجتماع على ذلك، وهي وصيته تعالى للأولين والآخرين؛ إذ بها السعادة الأبدية والسلامة من شرور الدنيا والآخرة. ومنها: أن العامل كما عليه أن يتقن عمله ويجتهد في إيقاعه على أكمل الوجوه، فعليه مع ذلك أن يكون بين الخوف والرجاء، وأن يتضرع إلى ربه في قبوله وتكميل نقصه، والعفو عما وقع فيه من خلل أو نقص، كما كان إبراهيم وإسماعيل

стр. 3293

يرفعان القواعد من البيت، وهما بهذا الوصف الكامل. ومنها: أن الجمع بين الدعاء لله بمصالح الدنيا والدين من سبيل أنبياء الله، وكذلك السعي في تحصيلهما الدين هو الأصل والمقصود الذي خلق له الخلق والدنيا وسيلة ومعونة عليه؛ لدعاء الخليل لأهل البيت الحرام بالأمرين، وتعليله الدعاء بالأمور الدنيوية لأنه وسيلة إلى الشكر، فقال: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم:٣٧]. ومنها: ما اشتملت عليه قصة إبراهيم من مشروعية الضيافة وآدابها، فإن الله أخبر عن ضيفه أنهم مكرمون؛ يعني: أنهم كرماء على الله، وأيضًا إبراهيم أكرمهم بضيافته قولًا وفعلًا، فإكرام الضيف من الإيمان، وأنه خدمهم بنفسه وبادر بضيافتهم قبل كل شيء، وأتى بأطيب ماله؛ عجل حنيذ سمين، وقرَّبه إليهم ولم يحوجهم إلى الذهاب إلى عمل آخر، وعرض عليهم الأكل بلفظ رقيق، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١]. ومنها: مشروعية السلام، وأن المبتدئ فيه هو الداخل وهو الماشي، وأنه يجب رده، ومشروعية الوقوف على اسم من يتصل بك من صاحب ومعامل وضيف؛ لقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر:٦٢]، أي لا أعرفكم، فأحب أن تعرفوني بأنفسكم، وهذا ألطف من قوله: أنكرتكم ونحوه. ومنها: الترغيب في أن يكون أهل الإنسان ومن يتولى شئون

стр. 3294

بيته حازمين مستعدين لكل ما يراد منهم من الشئون والقيام بمهمات البيت، فإن إبراهيم في الحال بادر إلى أهله، فوجد طعام ضيوفه حاضرًا لا يحوج إلا إلى تقديمه. ومنها: أن إتيان الولد والبشارة به من سارة، وهي عجوز عقيم، يُعد معجزة لإبراهيم وكرامة لسارة، ففيه معجزة نبي وكرامة ولي، ونظيره بشارة الملائكة لمريم بعيسى، وبشارتهم بيحيى لزكريا وزوجته، وكون زكريا جعل الله آية وجود المبشر به ألا يكلم الناس ثلاثة أيام، وهو سويٌّ لا آفة فيه إلا بالرمز والإشارة، وكل هذا وما أشبهه من آيات الله، وأعجب من هذا إيجاده آدم من تراب، فسبحان من هو على كل شيء قدير. ومنها: ثناء الله على إبراهيم أنه أتى ربه بقلب سليم، وقد قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. والجامع لمعناه أنه سليم من الشرور كلها ومن أسبابها، ملآن من الخير والبر والكرم، سليم من الشبهات القادحة في العلم واليقين، ومن الشهوات الحائلة بين العبد وبين كماله، سليم من الكبر ومن الرياء والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وسليم من الغل والحقد، ملآن بالتوحيد والإيمان والتواضع للحق وللخلق، والنصيحة للمسلمين والرغبة في عبودية الله، وفي نفع عباد الله.

стр. 3295

ومنها: ما ذكره في قصة نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات:٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات:١٠٩]، يتبعها بقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات:١٠٥]، فوعد الباري أن كل محسن في عبادته محسن إلى عباده أن الله يجزيه الثناء الحسن والدعاء من العالمين بحسب إحسانه، وهذا ثواب عاجل وآجل، وهو من البشرى في الحياة الدنيا، ومن علامات السعادة» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →