وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران:١٦٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
فلم يزل يدعو إلى التوحيد وعقائد الدين وأصوله، ويقرر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بعث إلى أن استكمل بعد بعثته نحو عشر سنين، وهو يدعو إلى الله على بصيرة.
ثم أُسْرِيَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليريه من آياته، وعرج به إلى فوق السماوات السبع، وفرض الله عليه الصلوات الخمس بأوقاتها وهيئاتها، وجاءه جبريل على أثرها فعلمه أوقاتها وكيفياتها، وصلى به يومين، اليوم الأول صلى الصلوات الخمس في أول وقتها، واليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: الصلاة ما بين هذين الوقتين، ففرضت الصلوات الخمس قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، ولم يفرض الأذان في ذلك الوقت، ولا بقية أركان الإسلام، وانتشر الإسلام في المدينة وما حولها.
ومن جملة الأسباب: أن الأوس والخزرج كان اليهود في المدينة جيرانًا لهم، وقد أخبروهم أنهم ينتظرون نبيًّا قد أطل زمانه، وذكروا من أوصافه ما دلهم عليه؛ فبادر الأوس والخزرج واجتمعوا بالنبي ﷺ في مكة وتيقنوا أنه
стр. 3362
رسول الله، وأما اليهود فاستولى عليهم الشقاء والحسد ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]، وكان المسلمون في مكة في أذى شديد من قريش، فأذن لهم النبي ﷺ في الهجرة أولًا إلى الحبشة، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة صارت الهجرة إلى المدينة.
وحين خاف أهل مكة من هذه الحال اجتمع ملؤهم ورؤساؤهم في دار الندوة يريدون القضاء التام على النبي ﷺ ؛ فاتفق رأيهم أن ينتخبوا من قبائل قريش من كل قبيلة رجلًا شجاعًا، فيجتمعون ويضربونه بسيوفهم ضربة واحدة. قالوا: لأجل أن يتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن مقاومة سائر قريش فيرضون بالدية، فهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فجاء الوحي إلى النبي ﷺ وعزم على الهجرة، وأخبر أبا بكر بذلك وطلب منه الصحبة، فأجابه إلى ذلك وخرج في تلك الليلة التي اجتمعوا على الإيقاع به، وأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وخرج هو وأبو بكر إلى الغار، فلم يزالوا يرصدونه حتى برق الفجر، فخرج إليهم علي فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري.
ثم ذهبوا يطلبونه في كل وجهة، وجعلوا الجعالات الكثيرة لمن يأتي به، وكان الجبل الذي فيه الغار قد امتلأ من الخلق يطلبون رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله لو نظر
стр. 3363
أحدهم إلى قدميه لأبصرنا. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة:٤٠]» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3364
الكلمة التاسعة عشرة
مقتطفات من سيرة نبي الله محمد ﷺ خاتم النبيين وإمام المرسلين (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فاستكمالًا للحديث عن سيرة النبي ﷺ فإنه ﵊ هاجر إلى المدينة واستقر بها، وأُذن له في القتال بعدما كان قبل الهجرة ممنوعًا لحكمة مشاهدة، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج:٣٩]. وجعل يرسل السرايا، ولما كانت السنة الثانية فرض الله على العباد الزكاة والصيام، فآيات الصيام والزكاة إنما نزلت في هذا العام وقت فرضها، وأما قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]؛ فإن المراد زكاة القلب وطهارته بالتوحيد وترك الشرك.
وفي السنة الثانية أيضًا كانت وقعة بدر، وسببها أن عيرًا لقريش تحمل تجارة عظيمة من الشام، خرج النبي ﷺ بمن خف من أصحابه لطلبها، فخرجت قريش لحمايتها، وتوافوا في بدر على
стр. 3365
غير ميعاد، فالعير نجت والنفير التقوا مع الرسول وأصحابه، وكانوا ألفًا كاملي العدد والخيل، والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر على سبعين بعيرًا يعتقبونها (١)، فهزم الله المشركين هزيمة عظيمة، قتلت سرواتهم وصناديدهم، وأسر من أسر منهم، وأصاب المشركين مصيبة ما أصيبوا بمثلها، وهذه الغزوة أنزل الله فيها وفي تفاصيلها سورة الأنفال، وبعدما رجع إلى المدينة منها مظفرًا منصورًا ذل من بقي ممن لم يسلم من الأوس والخزرج، ودخل بعضهم في الإسلام نفاقًا، ولذلك جميع الآيات التي نزلت في المنافقين إنما كانت بعد غزوة بدر.
ثم في السنة الثالثة كانت غزوة أحد، غزا المشركون وجيشوا الجيوش على المسلمين حتى وصلوا إلى أطراف المدينة، وخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه وعبأهم ورتبهم، والتقوا في أحد عند الجبل المعروف شمالي المدينة، وكانت الدائرة في أول الأمر على المشركين، ثم لما ترك الرماة مركزهم الذي رتبهم فيه رسول الله ﷺ وقال لهم: لا تبرحوا عنه، ظهرنا أو غُلبنا، وجاءت الخيل مع تلك الثغرة وكان ما كان، حصل على المسلمين في أحد مقتلة أكرمهم الله بالشهادة في سبيله، وذكر الله تفصيل هذه الغزوة في سورة آل عمران، وبسط متعلقاتها، فالوقوف على هذه الغزوة من كتب السير يعين على
стр. 3366
فهم الآيات الكثيرة التي نزلت فيها كبقية الغزوات.
ثم في السنة الرابعة تواعد المسلمون والمشركون فيها - في بدر- فجاء المسلمون لذلك الموعد، وتخلف المشركون معتذرين أن السنة مجدبة، فكتبها الله غزوة للمسلمين: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران:١٧٤].
ثم في سنة خمس كانت غزوة الخندق، اتفق أهل الحجاز وأهل نجد، وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على غزو النبي ﷺ ، وجمعوا ما يقدرون عليه من الجنود، فاجتمع نحو عشرة آلاف مقاتل وقصدوا المدينة، ولما سمع بهم النبي ﷺ خندق على المدينة، وخرج المسلمون نحو الخندق، وجاء المشركون كما وصفهم الله بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠].
ومكثوا محاصرين المدينة عدة أيام، وحال الخندق بينهم وبين اصطدام الجيوش، وحصل مناوشات يسيرة بين أفراد من الخيل، وسبَّب الله عدة أسباب لانخذال المشركين، ثم انشمروا (١) إلى ديارهم، فلما رجعوا خائبين لم ينالوا ما كانوا جازمين على حصوله، تفرغ النبي ﷺ لبني قريظة الذين ظاهروا
стр. 3367
المشركين بقولهم وتشجيعهم على قصد المدينة، ومظاهرتهم الفعلية ونقضهم ما كان بينهم وبين النبي ﷺ فحاصرهم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وفي هذه الغزوة أنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩]، إلى قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب:٢٧].
ثم في سنة ست من الهجرة اعتمر ﷺ وأصحابه عمرة الحديبية، وكان البيت لا يصد عنه أحد، فعزم المشركون على صد النبي ﷺ عنه، ولما بلغ الحديبية ورأى المشركين قد أخذتهم الحمية الجاهلية جازمين على القتال دخل معهم في صلح لحقن الدماء في بيت الله الحرام، ولما في ذلك من المصالح، وصار الصلح على أن يرجع النبي ﷺ عامه هذا ولا يدخل البيت، ويكون القضاء من العام المقبل، وتضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين؛ فكره جمهور المسلمين هذا الصلح حين توهموا أن فيه غضاضة على المسلمين، ولم يطلعوا على ما فيه من المصالح الكثيرة، فرجع ﷺ عامه ذلك، وقضى هذه العمرة في عام سبع من الهجرة، فأنزل الله في هذه القضية سورة الفتح بأكملها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح:١].
стр. 3368
فكان هذا الفتح لما فيه من الصلح الذي تمكن فيه المسلمون من الدعوة إلى الإسلام، ودخول الناس في دين الله حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور، وقد تقدم أن قصة بني قريظة دخلت في ضمن قصة الخندق، أما قبيلة بني النضير من اليهود فإنها قبل ذلك حين هموا بالفتك بالنبي ﷺ ، وكانوا على جانب المدينة غزاهم ﷺ واحتموا بحصونهم، ووعدهم المنافقون حلفاؤهم بنصرتهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، وأنزلهم رسول الله ﷺ على أن يجلوا عن ديارهم ولهم ما حملت إبلهم، ويدعوا الأرض والعقار وما لم تحمله الإبل للمسلمين؛ فأنزل الله في هذه القضية أول سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢]، إلى آخر القصة.
وفي سنة ثمان من الهجرة، وقد نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ غزا مكة في جند كثيف من المسلمين يقارب عشرة آلاف، فدخلها فاتحًا لها، ثم تممها بغزو حنين على هوازن وثقيف، فتم بذلك نصر الله لرسوله وللمسلمين، وأنزل الله في ذلك أول سورة التوبة.
وفي سنة تسع من الهجرة غزا تبوك وأوعب (١) المسلمون
стр. 3369
معه، ولم يتخلف إلا أهل الأعذار وأناس من المنافقين، وثلاثة من صلحاء المؤمنين: كعب بن مالك وصاحباه، وكان الوقت شديدًا، والحر شديدًا، والعدو كثيرًا، والعسرة مشتدة، فوصل إلى تبوك ومكث عشرين يومًا ولم يحصل قتال فرجع إلى المدينة؛ فأنزل الله في هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة التوبة، يذكر تعالى تفاصيلها وشدتها، ويثني على المؤمنين، ويذم المنافقين وتخلفهم، ويذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، ويدخل معهم الثلاثة الذين خلفوا بعد توبتهم وإنابتهم.
وفي مطاوي هذه الغزوات يذكر الله آيات الجهاد وفرضه وفضله وثواب أهله، وما للناكلين عنه من الذل العاجل والعقاب الآجل، كما أنه في أثناء هذه المدة ينزل الله الأحكام الشرعية شيئًا فشيئًا بحسب ما تقتضيه حكمته.
وفي سنة تسع من الهجرة أو سنة عشر فرض الله الحج على المسلمين، وكان أبو بكر حج بالناس سنة تسع، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتم عهود الذين لم ينقضوا، ثم حج النبي ﷺ بالمسلمين سنة عشر واستوعب المسلمين معه، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
стр. 3370
[المائدة:٣]» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3371
الكلمة العشرون
مقتطفات من أخلاقه وسيرته العطرة ﷺ (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن الله أرسل نبيه محمد ﷺ رحمة للعالمين، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظلم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا.
وعرف أمته الطريق الموصل إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، فلم يدع حسنًا إلا أمرهم به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر أنه قال: «لَقَدْ تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا يَتَقلب فِي السَّمَاءِ طَائِرٌ إِلا ذَكَّرَنَا مِنْهُ عِلْمًا» (١).
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى
стр. 3372
ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله تعالى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ ، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
وقد كان ﷺ على درجة عظيمة من مكارم الأخلاق، وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنها خير أخلاق بني آدم، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثًا، وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا» (١)، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن هشام بن عامر أنه دخل على أم المؤمنين عائشة ﵂، فقال: «أنْبِئِيني عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ» (٢).
وفي رواية: «يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ اللهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]، خُلُقُ مُحَمَّدٍ الْقُرْآنُ» (٣).
стр. 3373
قال النووي ﵀: «معناه العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته» (١). أ هـ
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «يعني أنه كان يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن كان فيه رضاه، وما ذمة القرآن كان فيه سخطه» (٢).
قال الغزالي ﵀: «هذه جملة من محاسن أخلاقه التي جمعها بعض العلماء، والتقطتها من الأخبار، فقال: كان ﷺ أحلم الناس، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ (٣).
وكان ﵊ أعف الناس لم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة - ﵂ قالت: وَاللَّهِ!
стр. 3374
مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» كَلَامًا (١).
وكان يجيب دعوة الجميع، ويقول: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ (٢) لَأَجَبْتُ» (٣).
ويقبل الهدية، ولو أنها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها، ويأكلها، ولا يأكل الصدقة، روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» (٤).
وأما ذكر جرعة اللبن، وفخذ الأرنب، ففي الصحيحين من حديث أم الفضل: «أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، فَشَرِبَهُ» (٥).
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵄ أن أبا طلحة بعث بورك أرنب أو فخذيها إلى رسول الله ﷺ فقبله (٦).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ
стр. 3375
رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ، فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ، قَالَ لأَصْحَابِهِ: «كُلُوا»، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدَه ﷺ فَأَكَلَ مَعَهُم (١).
وكان يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه، روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْتَهِكَ شَيْئًا مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ للهِ » (٢).
عرض عليه الانتصار بالمشركين على المشركين وهو في قلة وحاجة إلى إنسان واحد يزيده في عدد من معه فأبى، وقال «أَنَا لَا أَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ».
روى مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ، قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْ
стр. 3376
فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» (١).
ووجد من فضلاء أصحابه وخيارهم قتيلًا بين اليهود فلم يحف عليهم، ولا زاد على مُرِّ الحق، بل وداه بمئة ناقة، وإن أصحابه بحاجة إلى بعير واحد يتقون به، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما في قصة قتل عبد الله بن سهل، وفيها: «فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ» (٢).
وكان يعصب الحجر على بطنه مرة من الجوع، كما في الصحيحين من حديث جابر ﵁ في قصة الخندق، وفيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ وَلَبِثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا» (٣).
وفي رواية، قال أنس ﵁: فقلت لبعض أصحابه: لم عصَّب رسول الله ﷺ بطنه؟ فقالوا: من الجوع (٤).
وكان يأكل ما حضر ولا يرد ما وجد، ولا يتورع عن مطعم حلال، وإن وجد تمرًا دون خبزًا أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد حلوًا أو عسلًا أكله، وإن
стр. 3377
وجد لبنًا دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخًا أو رطبًا أكله.
ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ، وَيَقُولُ: «نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ ... » (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا» (٢).
وكان لا يأكل متكئًا، ولا على خوان، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس قال: «لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ (٤) حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا (٥) حَتَّى مَاتَ» (٦).
ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله إيثارًا على نفسه، لا فقرًا، ولا بخلًا، يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز.
стр. 3378
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ» (١).
وفي الحديث السابق: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ» (٢).
قال سهل بن حنيف ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ» (٣).
وكان يمزح ولا يقول إلا حقًّا، ويضحك من غير قهقهة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أنهم قالوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» (٤).
وروى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ» (٥).
يرى اللعب المباح فلا ينكره، يسابق أهله، وترتفع الأصوات عليه فيصبر، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ في لعب الحبشة بين يديه في المسجد، وقالت لهم: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَومًا
стр. 3379
عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسجِدِ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ» (١).
وروى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبي ﷺ فِي سَفَرٍ، قَالَت: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ، سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ» (٢).
وكان لا يحتقر مسكينًا لفقره وزمانته، ولا يهاب ملكًا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويًا، فقد روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث سهل الساعدي أنه قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟» فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ
стр. 3380
لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» (١).
وفي صحيح مسلم من حديث أنس: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ » (٢).
وقد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة، والسياسة التامة، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحاري في فقر، وفي رعاية الأغنام، يتيمًا لا أب له ولا أم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى:٦]، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة، وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، واليقظة والخلاص في الدنيا، ولزوم الواجب، وترك الفضول.
وفقنا الله لطاعته في أمره، والتأسي به في فعله .. آمين يا رب العالمين (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3381
الكلمة الواحدة والعشرون
العرش
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فإن أعظم مخلوقات الله، وأكبرها، وأثقلها؛ العرش.
والعرش كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل:٢٦].
وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون:١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج:١٤ - ١٥].
قال ابن كثير ﵀: «وهو رب العرش العظيم: أي هو مالك كل شيء وخالقه، لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين
стр. 3382
وما فيها وما بينهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل» (١).
وقال أيضًا: «ذو العرش: أي صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، والمجيد فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح» (٢).
وأما الكرسي، فقد قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: «الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ» (٣).
وهذا يدل على كمال عظمة الله، وسعة سلطانه، فإذا كان هذا حال الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما، وعظمة من فيهما، فكيف بالعرش الذي هو أعظم من الكرسي؟
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ
стр. 3383
الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (١).
وروى ابن خزيمة في التوحيد من حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَغِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَبَيْنَ الْمَاءِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَالْكُرْسِيُّ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْءٌ» (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «هذا الحديث موقوف على ابن مسعود، لكنه من الأشياء التي لا مجال للرأي فيها، فيكون لها حكم الرفع؛ لأن ابن مسعود لم يعرف بالأخذ من الإسرائيليات» (٣).
وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب ﵀ في مسائل هذا الحديث:
«التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماوات.
العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
стр. 3384
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء» (١).
قال ابن القيم ﵀: «ولهذا لما كانت السماء محيطة بالأرض، كانت عالية عليها، ولما كان الكرسي محيطًا بالسماوات كان عاليًا عليها، ولما كان العرش محيطًا بالكرسي كان عاليًا» (٢).
قال عبد الله بن رواحة ﵁:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامُ ... مَلَائِكَةُ الإِلَهِ مُسَوَّمِينَا
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد علم المسلمون أن كرسيه - سُبْحَانَهُ - وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله، لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته» (٣).
والعرش سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة:١٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧]، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد
стр. 3385
الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي، أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» (١).
وروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» (٢). وفي رواية: «مَخْفِقَ الطَّيرِ سَبْعَمِائَةِ عَامٍ» (٣).
والعرش خلقه الله قبل القلم، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (٤).
قال ابن كثير ﵀: «فثبت تقدم خلق العرش على القلم الذي كتب به المقادير من هذا العالم، كما ذهب إلى ذلك الجماهير -أي من أهل العلم- ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، ويؤيد هذا ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين قال: قال أهل اليمن
стр. 3386
لرسول الله ﷺ : جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ - وفي رواية: قَبْلَهُ (١) - وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» (٢).
والعرش من الأمور الغيبية التي نؤمن بها ولا نراها، والله تعالى مستوٍ على عرشه، ومعنى استوى: أي علا وارتفع، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه:٥].
«ومسألة الاستواء على العرش ثابتة في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، ومجيء ذكر الاستواء في القرآن بهذا العدد إنما هو ليؤكد عظم هذا الأمر وأهميته، وأما السنة، فهي مليئة بالأحاديث والآثار التي تثبت الاستواء وتؤكده. وإن مذهب السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الله عليهم أجمعين أنهم يقولون: إن الله على عرشه بلا تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، فهوسبحانه مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، واستواؤه حقيقة لا مجاز كما يزعم الجهمية وأتباعهم الذين ينكرون العرش وأن يكون الله فوقه. وأما كيفية ذلك الاستواء فهي مجهولة لدينا، والسؤال عن كيفية ذلك الاستواء بدعة؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ- لم يطلعنا على كيفية ذاته، فكيف يكون لنا أن نعرف كيفية استوائه،
стр. 3387
وهو يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] (١).
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: « ... فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ... » (٢).
فالحديث بين أن العرش هو أعلى المخلوقات، وسقفها، فهو سقف للفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها.
والعرش يمتاز مع كبر حجمه وسعته بكونه أثقل المخلوقات، وزنته أثقل الأوزان، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان» (٤).
وقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ﵁، فروى
стр. 3388
البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» (١).
قال ابن القيم ﵀: «وإذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه فرحًا واستبشارًا بقدوم روحه، فكيف بقدوم روح سيد الخلائق؟» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3389
الكلمة الثانية والعشرون
الفرح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن الفرح أعلى نعيم القلب، ولذته، وبهجته، والفرح بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور، فكل فرح رضا، وليس كل رضا فرح.
وقد جاء ذكر الفرح في القرآن الكريم على نوعين، فالمطلق جاء في الذم، وهو الذي يورث الأشر والبطر، كقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص:٧٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ [غافر:٧٥].
ومن الفرح المذموم، الفرح بما فيه معصية لله تعالى، كالفرح بالمال إن كان حصوله بطرق محرمة كالربا، والغش، والسرقة، ونحو ذلك، أو بتحصيل الشهوات المحرمة، أو الفرح بالتخلف عن أداء الواجبات وفعل المكرمات، فهذه
стр. 3390
كلها من صفات المنافقين، قال الله تعالى عنهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ [التوبة:٨١].
والمقيد نوعان أيضًا: مقيد بالدنيا يُنسي صاحبه فضل الله ومنته، فهو مذموم، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام:٤٤]. والثاني: مقيد بفضل الله ورحمته، وهو نوعان أيضًا: فضل ورحمة بالسبب، وفضل بالمسبب، فالأول كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ وَبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]، فالفرح بهذا لأنه سبب الوصول إلى السعادة الأبدية التي لا شقاء بعدها. فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها، أي هذا هو الذي ينبغي أن يفرح به، ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به، لا ما يجمع أهل الدنيا منها، فإنه ليس بموضع للفرح لأنه عرضة للآفات، ووشيك الزوال، ووخيم العاقبة، وهو طيف خيال زار الصب في المنام، ثم انقضى المنام، وولى الطيف، وأعقب مزاره الهجران.
فالفرح بالله، وبرسوله، وبالإيمان، وبالسنة، وبالعلم، وبالقرآن، من أعلى مقامات الدين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ
стр. 3391
سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة:١٢٤].
فالفرح بالعلم، وبالإيمان، والسنة، دليل على تعظيمه عند صاحبه، ومحبته له، ورغبته فيه، فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته، فالفرح تابع للمحبة والرغبة.
والثاني: وهو الفرح بالمسبَّب، وهو ما يحصل ثمرة وجزاء للسبب من النعيم المقيم الدائم الذي لا ينقطع في جنات عدن، كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران:١٧٠]. والفرق بينه وبين الاستبشار، أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول ﷺ ، وابتهاجها وسرورها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: (٣٦)]، وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ وَبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨]. ففضل الله ورحمته القرآن والإيمان؛ من فرح به
стр. 3392
فقد فرح بأعظم مفروح به، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه، ووضع الفرح في غير موضعه، فإذا استقر في القلب، وتمكن فيه العلم بكفايته لعبده، ورحمته له، وحلمه عنده، وبره به، وإحسانه إليه على الدوام، أوجب له الفرح والسرور أعظم من فرح كل محب بكل محبوب سواه، فلا يزال مترقيًا في درجات العلو والارتفاع بحسب رقيه في هذه المعارف» (١).
والمؤمن يفرح عند أداء الطاعة، وتوفيق الله له لأدائها، وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَاّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ (٢)،
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ (٣) يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ (٤)، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ (٥) فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَللصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» (٦).
стр. 3393
والمؤمن يفرح بالثواب العظيم من الله عندما يبشر به في حياته، روى مسلم في صحيحه من حديث أسماء بنت عميس ﵂ وكانت قد قدمت على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم، قال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت، وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نؤذى ونُخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك. قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ»، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ (١).
стр. 3394
وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» قَال: لَا شَيءَ، إِلَّا أَنِّي أُحبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَال: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» (١).
قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ : «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.
وروى النسائي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ .. الحديث» (٢).
والمؤمن يفرح إذا بشر بالخلود في الجنان يوم القيامة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ،
стр. 3395
إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ، حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ: لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ» (١).
والفرح من الأمور المطلوب تحصيلها لما ينتج عنه من نشاط النفس لذكر الله، وشكره، والإحسان في عبادته؛ ولهذا أرشد ﷺ أمته، وعلمهم دعاء يدعون الله به يذهب به عنهم الحزن، ويحصل لهم به الفرح والسرور، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا»، قَالَ: فقيل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعلمُهَا؟ قَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا» (٢).
стр. 3396
والله تعالى يفرح بتوبة عبده، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ (١)
مُهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» (٢).
تنويه:
دلت النصوص الشرعية على أن أعظم أسباب الفرح والسعادة، وسرور النفس وابتهاجها هو التقرب إلى الله تعالى بفعل مراضيه، والابتعاد عن مساخطه، وهذا لا يحصل إلا بأن تؤدى هذه العبادات بقلوب مطمئنة راضية موقنة، غير أن حال كثير منا أنهم يؤدون هذه العبادات ولا يظهر عليهم أثرها من الفرح والسرو بما وُفقوا له، فلنحذر كل الحذر أن نكون من هذا الصنف، فإن الفرح والسرور بالإقبال على الله، والسعي في مراضيه أول النعيم، قال بعض السلف: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ
стр. 3397
لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار]، وهذا يشمل الدنيا والآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3398
الكلمة الثالثة والعشرون
الحزن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (١).
قال ابن بطال ﵀: «وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان ﷺ يتعوذ من جميع ما ذكر دفعًا عن أمته، وتشريعًا لهم، ليبين لهم صفة المهم من الأدعية.
وقوله في الحديث: الهم والحزن: الهم لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط، والبخل ضد الكرم،
стр. 3399
والجبن ضد الشجاعة.
وقوله: ضلع الدين، المراد به ثقل الدين وشدته، وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء، ولا سيما مع المطالبة.
وقوله: وغلبة الرجال، أي شدة تسلطهم، كاستيلاء الرعاع هرجًا ومرجًا، والفرق بين العجز والكسل، أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، والعجز عدم القدرة» (١).
قال ابن القيم ﵀: «ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيًّا عنه، أو منفيًّا، فالمنهي عنه كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل:١٢٧]، وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، والمنفي كقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة:٣٨].
وسر ذلك: أن الحزن يقطع العبد عن السير إلى الله، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحب شيء إلى الشيطان أن يُحزن العبد ليقطعه عن سيره، ويوقفه عن سلوكه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠]، ونهى النبي ﷺ الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه.
стр. 3400
فالحزن ليس بمطلوب، ولا مقصود، ولا فيه فائدة، وقد استعاذ منه النبي ﷺ ، فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ»، فهو قرين الهم، والفرق بينهما: أن المكروه الذي يرد على القلب، إن كان لما يُستقبل أورثه الهم، وإن كان لما مضى أورثه الحزن، وكلاهما مضعف للقلب عن السير، مُفتر للعزم.
قال تعالى عن أهل الجنة إذا دخلوها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤]، فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن، كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة:٩٢]، فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مُدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم، حيث تخلفوا عن رسول الله ﷺ لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به.
وأما قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا