والله تعالى يفرح بتوبة عبده، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ (١)
مُهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» (٢).
تنويه:
دلت النصوص الشرعية على أن أعظم أسباب الفرح والسعادة، وسرور النفس وابتهاجها هو التقرب إلى الله تعالى بفعل مراضيه، والابتعاد عن مساخطه، وهذا لا يحصل إلا بأن تؤدى هذه العبادات بقلوب مطمئنة راضية موقنة، غير أن حال كثير منا أنهم يؤدون هذه العبادات ولا يظهر عليهم أثرها من الفرح والسرو بما وُفقوا له، فلنحذر كل الحذر أن نكون من هذا الصنف، فإن الفرح والسرور بالإقبال على الله، والسعي في مراضيه أول النعيم، قال بعض السلف: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ
стр. 3397
لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار]، وهذا يشمل الدنيا والآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3398
الكلمة الثالثة والعشرون
الحزن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (١).
قال ابن بطال ﵀: «وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان ﷺ يتعوذ من جميع ما ذكر دفعًا عن أمته، وتشريعًا لهم، ليبين لهم صفة المهم من الأدعية.
وقوله في الحديث: الهم والحزن: الهم لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط، والبخل ضد الكرم،
стр. 3399
والجبن ضد الشجاعة.
وقوله: ضلع الدين، المراد به ثقل الدين وشدته، وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء، ولا سيما مع المطالبة.
وقوله: وغلبة الرجال، أي شدة تسلطهم، كاستيلاء الرعاع هرجًا ومرجًا، والفرق بين العجز والكسل، أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، والعجز عدم القدرة» (١).
قال ابن القيم ﵀: «ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيًّا عنه، أو منفيًّا، فالمنهي عنه كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل:١٢٧]، وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، والمنفي كقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة:٣٨].
وسر ذلك: أن الحزن يقطع العبد عن السير إلى الله، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحب شيء إلى الشيطان أن يُحزن العبد ليقطعه عن سيره، ويوقفه عن سلوكه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠]، ونهى النبي ﷺ الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه.
стр. 3400
فالحزن ليس بمطلوب، ولا مقصود، ولا فيه فائدة، وقد استعاذ منه النبي ﷺ ، فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ»، فهو قرين الهم، والفرق بينهما: أن المكروه الذي يرد على القلب، إن كان لما يُستقبل أورثه الهم، وإن كان لما مضى أورثه الحزن، وكلاهما مضعف للقلب عن السير، مُفتر للعزم.
قال تعالى عن أهل الجنة إذا دخلوها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤]، فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن، كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة:٩٢]، فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مُدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم، حيث تخلفوا عن رسول الله ﷺ لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به.
وأما قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا
стр. 3401
كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» (١).
فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد، يكفر بها من سيئاته، لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه.
وكان ﷺ دائم البِشْر، ضحوك السِّن، كما في وصفه «الضَّحُوكُ القَتَّالُ» صلوات الله وسلامه عليه» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله، بل قد نَهَى عنه في مواضع، وإن تعلق أمر الدين به، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران:١٣٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النحل:١٢٧]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وذلك لأنه لا يجلب منفعة، ولا يدفع مضرة، ولا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم، كما يحزن على المصائب، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» (٣).
стр. 3402
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف:٨٤].
وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه، ويُحمد عليه، ويكون محمودًا من تلك الجهة، لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عمومًا، فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير، وبغض الشر وتوابع ذلك، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد، وجلب منفعة، ودفع مضرة منهي عنه» (١).
وأرشد النبي ﷺ من أصابه حزن إلى هذا الدعاء، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا»، قَالَ: فقيل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعلمُهَا؟ قَالَ: «بَلْىَ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا» (٢)
стр. 3403
«وهنا يسأل المؤمن ربه أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، وأن يجعله شفاء همه وغمه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها، فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءه، ويعقبه شفاءً تامًّا، وصحة وعافية. والله الموفق» (١).
ومما يخفف من الحزن أيضًا ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ، وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (٢).
ولا يدخل أحد النار حتى يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حزنًا وكمدًا، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ، إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ، إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً» (٣).
стр. 3404
وقد نهى الله نبيه عن الحزن على الكفار، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾ [لقمان:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل:١٢٧].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨].
وقال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾ [يس:٧٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾: قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: «لأنك أديت ما عليك من الدعوة والبلاغ، فإذا لم يهتد فقد وجب أجرك على الله، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه؛ لأنه لو كان فيه خير لهداه الله، ولا تحزن أيضًا على كونهم تجرأوا عليك بالعداوة، ونابذوك المحاربة، واستمروا على غيهم وكفرهم، ولا تتحرق عليهم بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب، فإن ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ من كفرهم، وعداوتهم، وسعيهم في إطفاء نور الله، وأذى رسله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ التي ما نطق بها الناطقون، فكيف بما ظهر وكان شهادة؟ ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ في الدنيا ليزداد اثمهم، ويتوفر عذابهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي نلجئهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي انتهى في عظمه وكبره وفظاعته وألمه وشدته» (١).
стр. 3405
وقد نفى الله تعالى عن المؤمنين الخوف والحزن في الآخرة، ووعدهم كذلك بالسعادة في الدنيا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس:٦٣]. وأولها عند قبض أرواحهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت:٣٠]. وفي القبر ما يبشر به من رضا الله والنعيم المقيم.
وأما في الآخرة، فقد قال تعالى «﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، قال القرطبي ﵀: «أي لفقد الدنيا، وقيل: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾: أي من تولاه الله تعالى وتولى حفظه وحياطته، ورضي عنه، فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا -أي عن النار- مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾، إلى قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣]» (١)، وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف:٦٨].
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تعليقه على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية] المجادلة:١٠]:
стр. 3406
«والله تعالى إنما أخبرنا بذلك من أجل أن نتجنب هذا الشيء، ليس مجرد إخبار أن الشيطان يريد إحزاننا، المراد أن نبتعد عن كل ما يحزن؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ» (١)، من أجل أن ذلك يحزنه، فكل ما يجلب الحزن للإنسان فهو منهي عنه؛ لذلك اجعل هذه نصب عينيك دائمًا أن الله يريد منك أن تكون دائمًا مسرورًا بعيدًا عن الحزن» (٢).
ومن مضار الحزن:
١ - إهلاك النفس بدون جدوى، وفي الحديث: « ... لَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا! وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» (٣).
٢ - أنه من الشيطان وهو أحب شيء إليه كما في الآية: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية] المجادلة:١٠].
٣ - الركون إلى الحزن مثبط عن العمل الصالح، ومفتر للعزم، ودليل على الضعف، والمؤمن مأمور بالعمل، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين:٢٦].
стр. 3407
٤ - الأضرار الصحية التي تنتج عن الحزن، الأضرار على البدن، والعقل كما ذكر ذلك الأطباء.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3408
الكلمة الرابعة والعشرون
العدل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فإن من الأخلاق الجميلة والصفات الحميدة التي يتحلى بها المؤمن؛ العدل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى:١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨].
قال الماوردي: «إن مما تصلح به حال الدنيا قاعدة العدل الشامل، الذي يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النسل، ويأمن به السلطان.
وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنه ليس يقف على حدٍّ، ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل.
стр. 3409
ونُقل عن بعض البلغاء قوله: إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وكثرة الورع، فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به، ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره، فأما عدله في نفسه، فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحواله على أعدل الأمرين: من تجاوز أو تقصير، فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور.
فأما عدله مع غيره؛ فقد تنقسم حال الإنسان مع غيره على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عدل الإنسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته، والرئيس مع صحابته، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء: باتباع الميسور، وحذف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في السيرة، فإن اتباع الميسور أدوم، وحذف المعسور أسلم، وترك التسلط أعطف على المحبة، وابتغاء الحق أبعث على النُّصرة.
القسم الثاني: عدل الإنسان مع من فوقه، كالرعية مع سلطانه، والصحابة مع رئيسها، ويكون ذلك بثلاثة أشياء:
стр. 3410
بإخلاص الطاعة، وبذل النُّصرة، وصدق الولاء؛ فإن إخلاص الطاعة أجمع للشمل، وبذل النصرة أدفع للوهن، وصدق الولاء أنفى لسوء الظن، وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه واضطر إلى اتقاء من كان يقيه ... وفي استمرار هذا حل نظام شامل، وفساد صلاح شامل.
القسم الثالث: عدل الإنسان مع أكفائه، ويكون بثلاثة أشياء: بترك الاستطالة، ومجانبة الإدلال، وكف الأذى؛ لأن ترك الاستطالة آلف، ومجانبة الإدلال أعطف، وكف الأذى أنصف، وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء ففسدوا وأفسدوا.
وقد يتعلق بهذه الطبقات أمور خاصة يكون العدل فيها بالتوسط في حالتي التقصير والسرف، لأن العدل مأخوذ من الاعتدال، فما جاوز الاعتدال فهو خروج عن العدل، وإذا كان الأمر كذلك فإن كل ما خرج عن الأولى إلى ما ليس بأولى خروج عن العدل إلى ما ليس بالعدل.
ولست تجد فسادًا إلا وسبب نتيجته الخروج فيه عن حال العدل، إلى ما ليس بعدل من حالتي الزيادة والنقصان، وإذًا لا شيء أنفع من العدل، كما أنه لا شيء أضر مما ليس بعدل» (١).
стр. 3411
«قال سعيد بن جبير في جواب لعبدالملك عن العدل: العدل على أربعة أنحاء، العدل في الحكم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٤٢]، والعدل في القول، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، والعدل في الفدية لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، والعدل في الإشراك، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام:١]» (١).
ومن العدل الذي وردت به النصوص: العدل بين الأولاد في العطية، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لا. قَالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ»، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ (٢).
ومنه: عدل الحاكم بين الرعية، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ
стр. 3412
نَشَأَ فِيِ عِبَادَةِ اللَّهِ .. الحديث» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: « ... وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ، فَإنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ» (٢).
وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» (٣).
قال النووي ﵀: «قوله: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا: معناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة، أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف، وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله .. ونحو ذلك والله أعلم» (٤).
ومنه العدل بين الزوجات، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣].
стр. 3413
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (١).
وأخذ النبي ﷺ البيعة من أصحابه على أن يقولوا بالعدل أينما كانوا، روى النسائي في سننه من حديث عبادة بن الصامت قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا وَمَكَارِهِنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدْلِ أَيْنَ كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ» (٢).
وكان النبي ﷺ أعدل الناس، وقد أوذي بهذا، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرف (٣)، ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ
стр. 3414
يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «العدل نظام كل شيء، فإذا أُقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة» (٢).
وقال ابن القيم ﵀: «ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح؛ تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها، وحسن فهمه فيها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها ألبتة. فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الشريعة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها» (٣). أهـ
стр. 3415
من فوائد العدل:
١ - الأمن لصاحبه في الدنيا والآخرة.
٢ - دوام الملك وعدم زواله.
٣ - طريق موصل إلى الجنة.
٤ - صلاح الشعوب واستقرارها (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3416
الكلمة الخامسة والعشرون
سيرة أبي ذر الغفاري ﵁ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام النبوة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، كان أحد السابقين إلى الإسلام، وشهد الكثير من المشاهد مع رسول الله ﷺ وأصحابه.
أسلم في مكة قبل الهجرة، ثم إنه رد إلى بلاد قومه غفار، فأقام بها بأمر النبي ﷺ له بذلك، فلما أن هاجر النبي ﷺ هاجر إليه ولازمه وجاهد معه، وكان بقي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكان آدم (١)،
ضخمًا جسيمًا، كث اللحية، وكان رأسًا في الزهد والصدق، والعلم والعمل، قوالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر ﵁.
إنه أبو ذر الغفاري ﵁، جندب بن جنادة، وقيل جندب بن
стр. 3417
سكن، وقيل بُرَيْر بن جنادة، وقيل برير بن عبد الله، وقد وردت قصة إسلامه في الصحيحين باختلاف ظاهر، الأولى:
روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ قال: خرجنا من قومنا غفار .. أنا وأخي أُنيس وأُمنا .. فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني حتى آتيك، قال: فانطلق فراث (١) عليَّ، ثم أتاني، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا يزعم أن الله أرسله على دينك، قال: فقلت: ما يقول الناس له؟ قال: يقولون: إنه شاعر وساحر وكاهن، وكان أنيس شاعرًا، قال: فقال: قد سمعت قول الكهان، فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على أقراء الشعر (٢)، فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.
قال: فقلت له: هل أنت كافيَّ حتى أنطلق فأنظر؟ (٣) قال: نعم، فكُن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له (٤)، وتجهموا (٥) له.
قال: فانطلقت حتى قدمت مكة، فتضعَّفت (٦) رجلًا منهم،
стр. 3418
فقلت: أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إلي، قال: الصابئ، فمال أهل الوادي علي بكل مدرة (١)
وعظم حتى خررت مغشيًا علي، فارتفعت حين ارتفعت، كأني نُصب أحمر (٢)، فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عني الدم، فدخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به -ابن أخي- ثلاثين، من بين يوم وليلة، وما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عُكن (٣) بطني، وما وجدت على كبدي سخفة (٤) جوع.
قال ﵁: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان (٥) .. فضرب الله على أصمخة (٦) أهل مكة، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا علي، وهما تدعوان إساف ونائلة (٧)، قال: فقلت:
стр. 3419
أنكحوا أحدهما الآخر، فما ثناهما ذلك، فأتتا علي، فقلت: وهن (١) مثل الخشبة، غير أني لم أكن (٢)،
فانطلقتا تولولان، وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا!
قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، وهما هابطان من الجبل، فقال: «مَا لَكُمَا؟» قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قالا: «مَا قَالَ لَكُمَا؟» قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم (٣).
قال ﵁: فجاء رسول الله ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر، فطاف بالبيت، ثم صلى، قال: فأتيته، فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام، فقال: «عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، مِمَّنْ أَنْتَ؟» قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده، فوضعها على جبهته، قال: فقلت في نفسي: كره أني انتميت إلى غفار، قال: فأردت أن آخذ بيده، فقذفني صاحبه، وكان أعلم به مني، قال: «مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟» قال: كنت ها هنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم، قال: «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟» قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، قال: فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
стр. 3420
قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وِإنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، قال أبو بكر ﵁: ائذن لي يا رسول الله! في طعامه الليلة، قال: ففعل، قال: فانطلق النبي ﷺ وانطلق أبو بكر ﵁، وانطلقت معهما، حتى فتح أبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال: فكان ذلك أول طعام أكلته بها، فلبثت ما لبثت، ثم قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي قَدْ وُجِّهْتُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ، وَلَا أَحْسَبُهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟ لَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟» قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسًا، قال: فقال لي: ما صنعت؟ قال: قلت: إني صنعت أني أسلمت وصدقت.
قال: قال: فما بي رغبة عن دينك (١)، فإني قد أسلمت وصدقت، ثم أتينا أمنا، فقالت: فما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا، فأسلم بعضهم ... ، وكان يؤمهم خفاف بن إِيماء بن رحضة الغفاري، وكان سيدهم يومئذ.
ثم قدمت قبيلة غفار على رسول الله ﷺ وهو في المدينة بعد أن ذهبت غزوة بدر، وأحد، وصادف قدومهم قدوم قبيلة أسلم، فلما أعلنوا إسلامهم عند رسول الله ﷺ ، قال
стр. 3421
رسول الله ﷺ : «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ» (١)(٢).
رواية الإمام البخاري:
وفي رواية البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ ، قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر: فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود، وحمل شنة (٣) له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي فقال: أما (٤) نال للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى
стр. 3422
إذا كان يوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلت، ففعل، فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني .. فانطلق يقفوه (١)، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه.
فقال له النبي ﷺ : «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي»، قال: والذي نفسي بيده؛ لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه، وثاروا إليه، فأكب العباس عليه (٢).
وقد كانت لهذا الصحابي مواقف تدل على فضله وورعه وزهده، ونصرته لهذا الدين، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 3423
يقول: «مَا أَقَلَّتِ (١) الْغَبْرَاءُ (٢)، وَلَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ (٣) مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ» (٤).
وقد أوصاه النبي ﷺ بالصدع بالحق، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ قال: «أَمَرَنِي خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» (٥).
وقد كان كما أوصاه ﵊، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث الأحنف بن قيس قال: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ (٦) يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ
стр. 3424
ثَدْيِ أَحَدِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ (١)،
وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَلُ، قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَدْبَرَ، وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ، قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: «أَتَرَى أُحُدًا؟» فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَقُلْتُ: أَرَاهُ، فَقَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ»، ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلإِخْوَتِكَ مِنْ قُرَيْشٍ، لَا تَعْتَرِيهِمْ وَتُصِيبُ مِنْهُمْ، قَالَ: لَا، وَرَبِّكَ، لَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» (٢).
رواية الإمام مسلم:
وفي رواية لمسلم: ثم تنحى فقعد، قال: قلت من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر، قال: فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقول قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئًا قد سمعته من نبيهم ﷺ ، قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه (٣).
وقد اعتزل ﵁ في آخر حياته بالربذة (١) بالقرب من المدينة.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث إبراهيم - يعني ابن الأشتر - أن أبا ذر حضره الموت وهو بالربذة، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي أنه لا يد لي بنفسك، وليس عندي ثوب يسعك كفنًا، فقال: لا تبكي، فإني سمعت رسول الله ﷺ ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»، قال: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وفرقة، فلم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق، فإنك سوف ترين ما أقول: فإني والله ما كَذبت ولا كُذبت، قالت: وأنى ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق.
قال: فبينا هي كذلك إذا هي بالقوم تخد بهم رواحلهم كأنهم الرَّخمُ، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها فقالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه! قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه، فقال: أبشروا، أنتم النفر الذين قال رسول الله ﷺ فيكم ما قال، أبشروا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنَ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ هَلَكَ بَيْنَهُمَا وَلَدَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَاحْتَسَبَا وَصَبَرَا فَيَرَيَانِ النَّارَ
стр. 3427
أَبَدًا»، ثم قد أصبحت اليوم حيث ترون ولو أن ثوبًا من ثيابي يسعني، لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم الله أن لا يكفِّننِّي رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا. فكل القوم كان قد نال من ذلك شيئًا إلا فتى من الأنصار كان مع القوم، قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي من غزل أمي، وأحد ثوبي هذين اللذين عليَّ. قال: أنت صاحبي فكَفِّنِّي (١).
وكانت وفاته سنة احدى وثلاثين، أو اثنين وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود ﵁، ثم مات بعده في ذلك العام في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
وعن ابن سيرين قال: سألت ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر؟ قال: ترك أتانين (٢) وحمارًا، وأعتدًا وركائب (٣)(٤).
رضي الله عن أبي ذر، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3428
الكلمة السادسة والعشرون
سيرة سلمان الفارسي ﵁ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر.
هذا الصحابي قال عنه النبي ﷺ : «لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا (١) لَنَالَهُ رِجَالٌ -أَوْ رَجُلٌ- مِنْ هَؤُلاءِ» (٢). وفي رواية: «لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِس- أَوْ قَالَ: رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسٍ- حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ» (٣)(٤).
وكان لبيبًا حازمًا من عقلاء الرجال، وعبادهم، وزهادهم،
стр. 3429
روى عن النبي ﷺ الكثير من الأحاديث، ولزمه، وأحسن صحبته، إنه سلمان ابن الإسلام أبو عبد الله الفارسي، سابق الفرس إلى الإسلام، وكان ببلاد فارس مجوسيًّا سادن النار.
وبينما الرسول ﷺ في قباء قدم عليه سلمان الفارسي ﵁، وقصته ﵁ طويلة في بحثه عن الحقيقة، وعن الدين الحق، ولنترك سلمان ﵁ يحدثنا عن قصة إسلامه، يقول سلمان ﵁: كنت رجلًا فارسيًّا من أهل أصبهان (١) من أهل قرية منها يقال لها جَيُّ، وكان أبي دهقان (٢)
قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية (٣) حتى كنت قَطِنَ النار (٤) الذي يوقدها لا يتركها تخبو (٥) ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة (٦) عظيمة، قال: فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني، إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس
стр. 3430
النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟
قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، قال: فلما جئته قال: أي بني، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بُني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خيرٌ منه، قال: قلت، كلا والله إنه لخير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته.
قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم.
قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم.
стр. 3431
قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف (١) في الكنيسة، قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل، فدخلت معه. قال: فكان رجل سوءٍ، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال (٢) من ذهب وورق (٣).
قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا، قالوا: وما علمك بذلك؟
قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، فصلبوه، ثم
стр. 3432
رجموه بالحجارة.
ثم جاءوا برجل آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس، أُرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب (١)
ليلًا ونهارًا منه، قال سلمان: فأحببته حبًّا لم أُحبه من قبله، فأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك وأحببتك حبًّا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟
قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصل (٢)، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به، قال: فلما مات وغُيب (٣)، لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق
стр. 3433
بك، وقد حضرك من الله ما ترى، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلًا بنصيبين (١)، وهو فلان، فالحق به.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي، قال: فأقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حُضر، قلت له: يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما نعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلًا بعمورية (٢)، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حُضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟
стр. 3434
قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك (١) زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجرًا إلى أرض بين حرتين (٢) بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغيب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كَلْبٍ تجارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟
قالوا: نعم، فأعطيتهموها وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى (٣)، ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدًا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني (٤)
منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة
стр. 3435
صاحبي، فأقمت بها وبعث الله رسوله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق (١) لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتل الله بني قيلة (٢)، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي.
قال: فلما سمعتها أخذتني العُرواء (٣)، حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟
قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا! أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن أستثبته عما قال.
قال سلمان ﵁: وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي