عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته» (١). قال النبي ﷺ للأنصار: «يا مَعْشَرَ الأَنصارِ! أَلَمْ تَكُونُوا أَذلَّةً فأَعَزَّكُمُ الله؟ » قالوا: صَدَقَ اللهُ ورسولُهُ (٢).
قال ابن المبارك:
رَأَيتُ الذُّنوبَ تُمِيْتُ القُلوبَ ... وَقَدْ يُورثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وتَركُ الذُّنوبِ حَيَاةُ القُلوب ... وَخَيْرٌ لنَفْسِكَ عِصْيانُهَا
ثانيًا: أنها تورث الوحشة بين العبد وربه، وبين العبد وبين الناس، ولو اجتمعت للعبد لذات الدنيا كلها لم تذهب تلك الوحشة، قال عبد الله بن عباس: «إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق» (٣).
ويشهد لكلام ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٥].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
ثالثًا: ومن عقوباتها: أنها إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها
стр. 422
فكان من الغافلين، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبُهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ: ﴿كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 423
الكلمة الرابعة والثمانون: التقوى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ [النساء: ١٣١].
في هذه الآية الكريمة وصى الله سبحانه جميع خلقه الأولين والآخرين بأن يتقوه، وخص سبحانه المؤمنين بوصية التقوى، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
قال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله».
قال الذهبي: «أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بِتَرَوٍّ من العلم والاتِّباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يَفتقر اجتنابُها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفًا من الله، لا ليُمْدَحَ بتركها، فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز» (١). اهـ.
стр. 424
قال شيخ الإسلام: «التقوى هي فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه».
قال الشاعر:
خَلِّ الذُّنوبَ صَغيرَهَا ... وكَبيرَهَا ذَاكَ التُّقَى
واصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق ... أرْضِ الشَّوْكِ يَحْذرُ ما يرى
لا تَحْقِرنَّ صَغِيرةً ... إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصى
وقال آخر:
إذَا المرءُ لمْ يلبَسْ ثِيابًا منَ التُّقى ... تَقَلَّبَ عُريَانًا وإنْ كانَ كاسِيًا
وخَيْرُ لِباسِ المَرْءِ طَاعةُ ربِّهِ ... ولا خَيْرَ فيمَنْ كانَ لله عَاصِيًا
قال الحسن البصري ﵀: «ما زالت التقوى بالمتقين، حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الوقوع في الحرام».
وقد ذكرت التقوى في كتاب الله في أكثر من مائتين وخمسين موضعًا، بل إنه قد تكرر الأمر بالتقوى في الآية الواحدة مرتين أو ثلاثًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ﴾ [الحشر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣].
والمتقون هم أولياء الله وأحبابه، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، والمتقون هم أكرم الناس عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، روى الإمام
стр. 425
أحمد في مسنده من حديث أبي نضرة ﵁ قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ في أوسط أيام التشريق أنه قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَاّ بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟ » قالوا: بلغ رسول الله (١)، وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يوصي أصحابه بالتقوى، ويبدأ بها خطبه ووصاياه، روى مسلم في صحيحه من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا» (٢)، وقال للصحابي أبي ذر كما في سنن الترمذي: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» (٣) الحديث.
فطريق السعادة، والعز، والكرامة، والنصر هو التقوى، وإنما تأتي المصائب، والبلايا، والمحن بسبب إهمال التقوى، وإضاعتها، أو إضاعة جزء منها.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
ومن ثمرات التقوى:
أولاً: معية الله للمتقين، بالنصر والحفظ والإعانة والمحبة والتوفيق، وهذه منقبة عظيمة للمتقين، فلو لم يكن للمتقين إلا أنهم حازوا بهذه المعية من الله لكفى بها فضلاً وشرفًا، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ
стр. 426
الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل].
ثانيًا: حب الله للمتقين، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
ثالثًا: غفران الذنوب، ومعرفة الحق من الباطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩].
رابعًا: التقي يجعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
خامسًا: التقي يوفق للعمل النافع، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
سادسًا: قبول الله تعالى من المتقين الأعمال الصالحة: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال شيخ الإسلام: «وعند أهل السنة والجماعة يتقبل العمل ممن اتقى الله فيه، فعمله خالصًا لله، موافقًا لأمر الله، فمن اتقاه في عمل تقبله منه، وإن كان عاصيًا في غيره، ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه، وإن كان مطيعًا في غيره» (١). اهـ، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فلو كانت الحسنة لا تقبل من صاحب السيئة لم تمحها.
سابعًا: ولاية الله تعالى بالتقوى، فإنه بالتقوى تنال ولاية الله، فمن اتقى الله فلا خوف عليه فيما يستقبل، ولا حزن ولا أسف على ما
стр. 427
مضى، فإنه سبحانه يعوضه خيرًا مما فاته، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣].
ثامنًا: تيسير الأمور، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]؛ أي: من اتقى الله يسر الله له الأمور، وسهل عليه كل أمر عسير.
تاسعًا: الحفظ من كيد الأعداء ومكرهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
عاشرًا: الفوز بالجنة، والنجاة من النار، قال تعالى: ﴿وَالآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 428
الكلمة الخامسة والثمانون: تحريم الغناء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦].
صح عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما فسرا ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: بالغناء، وحلف ابن مسعود ثلاث مرات، فقال: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ، ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: هُوَ الْغِنَاءُ» (١).
وقال أيضًا: «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ» (٢).
قال ابن القيم ﵀ معلقاً على تفسير ابن مسعود وغيره للآية السابقة بأن المراد بها الغناء: فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه فعليهم نزل وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علماً وعملاً، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وُجد إليه سبيل (٣).
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري: أن
стр. 429
النبي ﷺ قال: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ (١) وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ (٢) يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ (٣) لَهُمْ، يَاتِيهِمْ - يَعْنِي: الْفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ (٤) لَيلاً، وَيَضَعُ الْعَلَمَ (٥) عَلَيْهِمْ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٦).
فهذا الحديث يخبر عن أمر عظيم، وهو إهلاك بعض الأمة بأنواع من الهلاك، بسبب ما يرتكبون من الأمور ظاهرة التحريم، ومنها استحلالهم لآلات الملاهي المحرمة شرعًا، وهي في وقتنا المعاصر مثل: الكمنجا، والعود، والطبل، والبيانو، والربابة، والمزمار، وغيرها من المعازف، ودلالة الحديث على التحريم من وجهين:
الأول: قوله ﵊: «يَسْتَحِلُّونَ» أي يصيرونها حلالاً بعد حرمتها، ففيه التصريح بأن المذكورات في الحديث محرمة، ومنها المعازف.
الثاني: قرن المعازف مع الشيء المقطوع بحرمته بإجماع المسلمين، وهو الزنا وشرب الخمر، ولبس الحرير، وهو دليل على حرمتها.
روى الترمذي في سننه من حديث عمران بن حصين: أن النبي ﷺ قال: «فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَذْفٌ وَخَسْفٌ وَمَسْخٌ»، فقال رجل من المسلمين: متى ذاك يا رسول الله؟ قال: «إِذَا ظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ» (٧).
стр. 430
قال ابن القيم ﵀: «وقد توعد الله سبحانه مستحلي المعازف بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير، وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط في الذم والوعيد». اهـ (١).
قال الشاعر:
فهذا الحقُّ ليسَ بهِ خفَاء ... فدعني عن بُنيَّات الطَّريق
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما خلاصته: «وإنما ذلك إذا استحلوا هذه المحرمات بالتأويلات الفاسدة، فإنهم لو استحلوها مع اعتقاد أن الرسول حرمها كانوا كفارًا، ولم يكونوا من أمته» (٢). اهـ.
وقد اتفق الأئمة الأربعة على تحريم المعازف، ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف، بل يحرم عندهم اتخاذها. ولما سئل الإمام مالك عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ قال: إنما يفعله عندنا الفساق (٣).
ولما سئل الإمام أحمد ﵀ عنه قال: «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ» (٤).
وأما مذهب أبي حنيفة، فهو من أشد المذاهب، فقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقصب، وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق وتُرد به الشهادة (٥).
وقد انتشر الغناء وللأسف في مجتمعنا، فالأغاني في التلفاز والقنوات الفضائية والمسجل والراديو، وغيرها من آلات اللهو.
قال يزيد بن الوليد: «إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد في
стр. 431
الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر. وقال: فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا، أو رقية الزنا» (١).
قال ابن القيم ﵀: «ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرَّق أهله إلى سماع رقية الزنا فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه، ومن الأمر المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استعصت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان، فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبدًا للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسمًا قبيحًا بين البرايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع من البلايا، وكم جرع من غصة، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة؟ ! » (٢).
قال ابن القيم ﵀:
فدع صاحب المزمار والدف والغِنا ... وما اختاره عن طاعة الله مذهبَا
ودعه يعيش في غيهِ وضلالِهِ ... على تَاتِنَا يحيا ويُبعث أشيبا
وفي تَنْتِنَا يومَ المَعَادِ نَجاتُه ... إلى الجنةِ الحمراءِ يُدْعى مُقربَا
سيعلم يوم العرض أيَّ بضَاعَةٍ ... أَضاعَ وعند الوزنِ مَا خَفَّ أّوْ رَبَا
ويعلمُ ما قد كان فيه حياتُه ... إذا حُصِّلتْ أعمالُه كلها هَبَا
ومما تقدم من الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة، وأقوال أهل العلم، يتبين تحريم الغناء، وأنه من كبائر الذنوب، فيجب على
стр. 432
المؤمن أن ينأى بنفسه عنه، فإنه لا يجتمع كلام الرحمن، ومزمار الشيطان في قلب امرئ أبدًا.
تنبيه: انتشر في هذا الزمان ما يسميه أصحاب التسجيلات «الأناشيد الإسلامية»، قال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في كتابه تحريم آلات اللهو، بعد أن ذكر الأدلة على تحريم الغناء: «ويتبين أنه لا يجوز التقرب إلى الله إلا بما شرع، فكيف يجوز التقرب إليه بما حرم، وأنه من أجل ذلك حرم العلماء الغناء الصوفي، واشتد إنكارهم على مستحله، فإذا استحضر القارئ في باله هذه الأصول القوية، تبين له بكل وضوح أنه لا فرق في الحكم بين الغناء الصوفي، والأناشيد الدينية، بل قد تكون في هذه آفة أخرى، وهي أنها قد تلحن على ألحان الأغاني الماجنة، وتوقع على القوانين الموسيقية الشرقية أو الغربية التي تطرب السامعين وترقصهم، وتخرجهم عن طورهم، فيكون المقصود هو اللحن والطرب، وليس النشيد بالذات، وهذه مخالفة جديدة، وهي التشبه بالكفار والمجان، وقد ينتج من وراء ذلك مخالفة أخرى، وهي التشبه بهم في إعراضهم عن القرآن، وهجرهم إياه، فيدخلون في عموم شكوى النبي ﷺ من قومه كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠] (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 433
الكلمة السادسة والثمانون: تحريم الزنا وأسبابه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
فالآيات السابقة يبين الله فيها أن من صفات عباده المؤمنين عدم الإشراك به، وعدم قتل النفس المحرمة، وأنهم يحفظون فروجهم عن الفواحش، وحذر من أنه من يقدم على هذه الفواحش فإن مصيره الخلود في العذاب المضاعف المهين، مالم يرفع ذلك بالإيمان، والعمل الصالح، والتوبة الصادقة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَاّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧١].
стр. 434
إن الزنا من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله، فقد قرنه الله بالشرك، وقتل النفس، لما فيه من إضاعة الأنساب، وانتهاك الحرمات، وإشعال العداوة والبغضاء بين الناس، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه، أو ابنته، أو أخته، وفي ذلك خراب للعالم، ولهذا كان الزاني المحصن من الثلاثة الذين أحل الله دماءهم، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَاّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (١). وقد توعده النبي ﷺ حين قال: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ منهُ الإيمَانُ فَكَانَ عَليْهِ كالظُّلَّةِ، فَإذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إليه الإيمَانُ» (٣).
وفي صحيح البخاري، في حديث النبي ﷺ الطويل، وفيه: جاء جبريل وميكائيل إلى النبي ﷺ قال: «فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّوْرِ، وَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: فَإِذَا فِيْهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ. قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيْهِ فَإِذَا فِيْهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُم يَاتِيهِم لَهَبٌ مِن أَسْفَلَ مِنْهُم، فَإِذَا أَتَاهُم ذَلِك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا (أَي: صَاحُوْا مِن شِدَّة حَرِّه). فَقُلتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيْلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الزُّنَاةُ، وَالزَّوَانِي» (٤).
стр. 435
ولذلك أخذ النبي ﷺ البيعة من أصحابه على أن لا يقعوا في هذه الفاحشة، روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا» (١) الحديث.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «ولا أعلم بعد قتل النفس ذنبًا أعظم من الزنا»، وقال المنذري ﵀: «صح أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، ولا شك أن الزنا أشد، وأعظم من شرب الخمر».
ولما حرم الله الزنا حرم الأسباب التي تؤدي إليه، ومن أعظمها:
أولاً: إطلاق البصر قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، والنظر يكون في الأسواق، والأماكن العامة، وعبر شاشات القنوات الفضائية، والمجلات الهابطة، والتلفاز، وغيره.
ثانيًا: خروج النساء متبرجات متعطرات إلى الأسواق، وهذا التبرج باب عظيم يؤدي إلى الفاحشة، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
ثالثًا: دخول الرجال الأجانب على المرأة، وأخطر الأجانب على المرأة أقارب زوجها، وأقارب أبويها، فإنهم يترددون غالبًا، وربما كان يجمعهم بيت واحد، وتارة تكون وحدها في البيت عند دخول أحدهم، روى البخاري، ومسلم من حديث عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٢)، والحمو هو قريب الزوج.
стр. 436
رابعًا: ما يحدث من بعض المجتمعات الإسلامية من إقامة الحد على الضعيف، وتركه عن القوي، فإن هذا من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار الزنا، وهذا الذي فعله بنو إسرائيل، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ» (١).
خامسًا: تأخير من بلغ من الشباب، والشابات عن الزواج، فإنه بمجرد بلوغه تشتد عنده الشهوة، فإذا لم يكن بجانبه حلال يطفئها به، فربما يلجأ إلى الحرام الذي يجلب له العار في الدنيا، والخزي في الآخرة، روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» (٢)، وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ، وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» (٣).
سادسًا: انتشار آلات اللهو، والفساد في البيوت، فالغناء هو بريد الزنا، والأفلام الخليعة التي تحكي الغرام بين الرجل والمرأة، عبر القنوات الفضائية الفاضحة، أو المواقع الإباحية في الإنترنت، أو مقاطع البلوتوث التي أساء استخدامها بعض الشباب، وصاروا يتداولون فيها الصور العارية كل ذلك مما يدعو إلى الفاحشة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
стр. 437
سابعًا: انحراف بعض الرجال، وخيانتهم لزوجاتهم بمعاشرة النساء الأجنبيات على غير الوجه الشرعي، فيكون هذا مدعاة لأن تقابل الزوجة زوجها بمثل ما قابلها به، وفي هذا يقول الشافعي ﵀:
يا هاتكًا حُرَمَ الرجال وتابعًا ... طُرُقَ الفَسَاد عِشْتَ غَيرَ مُكَرَّم
لو كنتَ حُراً من سُلَالَةِ مَاجدٍ ... ما كُنتَ هَتَّاكاً لِحُرْمَةِ مُسْلم
من يَزنِ في قَومٍ بِألفي دِرْهَمٍ ... فِي أَهلِه يُزْنَى بِربع الدرهَم
إن الزِنا دَيْن فإن أقرضتَهُ ... كَانَ الوَفَا مِنْ أَهلِ بَيتِكَ فاعلم
وهذا الزوج الفاسق هو الذي سن هذه السيئة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان له وزرها، ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (١).
تنبيه: انتشر في هذا الزمان ما يسمى بجوال الكاميرا، وكم حدثت مفاسد منه، فكم من نساء محصنات غافلات صورن فيه، وكم من أعراض انتهكت عن طريقه، كم هدم من بيوت، وشتت من أسر، وجلب من مآسٍ؟ ! فينبغي للمؤمن أن يحذِّر أهله منه، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَسْؤُوْلٌ عَن رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُوْلٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُوْلٌ عَنْهُم» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين (٣).
стр. 438
الكلمة السابعة والثمانون: الاستخارة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
روى البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث جابر ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّوْرَةَ مِنَ القُرْآنِ، وَيَقُوْلُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُم بِالأَمْرِ فَليَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِن غَيْرِ الفَرِيْضَةِ، ثُمَّ يَقُوْلُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيْرُكَ بِعِلمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيْمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَاّمُ الغُيُوْبِ، اللَّهُمَّ إِن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ، ثُمَّ يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ، خَيْرٌ لِي فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَو قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيْهِ، وَإِن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ - وَيَذْكُرُ الأَمْرَ، وَيُسَمِّيْهِ - شَرٌّ لِي فِي دِيْنِي، وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَو قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْه، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (١).
قال ابن أبي جمرة: الحكمة في تقديم الصلاة على دعاء الاستخارة: «أن المراد هو حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجع، ولا أنجح من
стр. 439
الصلاة، لما فيها من تعظيم الله، والثناء عليه، والافتقار إليه مالًا وحالاً» (١).
وقال بعض أهل العلم: يجوز تكرارها - أي الاستخارة - في الأمر الواحد، وممن ذهب إلى جواز ذلك الحافظ العراقي، ومال إلى ذلك الشوكاني في النيل، فقال: قد يستدل للتكرار بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلَاثًا، حديث صحيح. هذا وإن كان المراد به تكرار الدعاء في الوقت الواحد، فإن الدعاء الذي تسن الصلاة له تكرر الصلاة له، كالاستسقاء (٢). اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتثبت في أمره، فقد قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال قتادة: «ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم» (٣). اهـ.
قال الشيخ كمال الدين محمد بن علي الزملكاني: إذا صلى الإنسان ركعتي الاستخارة لأمر فليفعل بعدها ما بدا له، سواء انشرحت نفسه أم لا، فإن فيه الخير، وإن لم تنشرح نفسه. وقال: وليس في الحديث ما يدل على اشتراط انشراح النفس (٤). اهـ.
تنبيه: الاستخارة تكون في الأمر الذي يريد أن يقدم عليه، سواء كان مترددًا فيه أم جازمًا، وليس كما يظن البعض أن الاستخارة في الأمر الذي يتردد فيه، لأن الاستخارة طلب التوفيق، والنتائج لا يعلمها إلا الله، وكم من أمر ظن صاحبه أن فيه خيرًا فكان فيه هلاكه، وكم من أمر ظن
стр. 440
صاحبه أن فيه شرًا، فكان فيه نجاته؟ ! وحسبنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
ومن فوائد الاستخارة وثمراتها:
أولاً: إنها دليل على تعلق قلب المؤمن بالله ، وتوكله عليه في سائر أحواله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢١٩].
ثانيًا: الاستخارة تزيد ثواب المرء، وتقربه من ربه، وذلك لما تتضمنه من الصلاة والدعاء، وفي الحديث: قلت: فما الصلاة يا رسول الله؟ قال: «خَيْرُ مَوْضُوعٍ» (١).
ثالثًا: في الاستخارة مخرج من الحيرة والشك، وهي مدعاة للطمأنينة وراحة البال، لأن العبد يفوض أمره إلى ربه الذي أزمة الأمور بيده سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
رابعًا: حصول الخير ودفع الشر؛ لأن ما يختاره الله لعبده أفضل مما يختاره العبد لنفسه؛ لأنه سبحانه هو العالم بمصالح عباده، العالم بغيبيات الأمور.
خامسًا: حصول البركة في الأمر الذي سيقدم عليه، والبركة ما حلّت في قليل إلا كثر، ولا كثير إلا نفع، وفي حديث الاستخارة
стр. 441
السابق: «وَبَارِكْ لِي فِيهِ».
سادسًا: أن المرء قد يحتقر شيئًا لصغره، ويكون في فعله أو تركه ضرر عظيم، ولذلك شرعت الاستخارة في الأمور كلها (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 442
الكلمة الثامنة والثمانون: وقفة مع آيات من كتاب الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات، فنزلوا في روضات الجنات، أنهم في شغل عن غيرهم لما هم فيه من النعيم المقيم، والفوز العظيم. قال ابن عباس: فاكهون: أي فرحون، وقال بعض المفسرين: أي في شغل مفكه للنفس ملذ لها من كل ما تهواه النفوس، وتلذه العيون، ويتمناه المتمنون، ومن ذلك نكاح زوجاتهم الأبكار من الحور العين في الجنة اللاتي قد جمعن حسن الوجوه والأبدان، وحسن الأخلاق» (١).
قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ أي في ظلال الأشجار على السرر المزينة باللباس المزخرف الفاخر الحسن، متكئون عليها اتكاءً يدل على كمال الراحة، والطمأنينة، واللذة.
стр. 443
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أي فاكهة كثيرة من جميع أنواع الثمار اللذيذة، من عنب وتين ورمان، وغيرها، ولهم ما يدّعون: أي يطلبون فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه، كما قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: في هذا كلام الرب تعالى لأهل الجنة وسلامه عليهم، وأكده بقوله: ﴿قَوْلاً﴾، وإذا سلم عليهم الرب الرحيم حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك الرب العظيم الرؤوف الرحيم لأهل دار كرامته الذين أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدًا، فلولا أن الله تعالى قدر أن لا يموتوا، وألا تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور لحصل ذلك، فنرجو ربنا أن لا يحرمنا ذلك النعيم، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم (١). اهـ.
ومن فوائد الآيات الكريمات:
أولاً: إن في الجنة أزواجًا مطهرة يتلذذ الإنسان ويتمتع بهن مع الجلوس على الأرائك، والاتكاء عليها، وتقديم الفواكه من الولدان والخدم، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، قال مجاهد: «مطهرة من الحيض، والغائط، والبول، والنخام، والبزاق، والمني، والولد».
وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁: أن
стр. 444
النبي ﷺ قال: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَاسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث زيد بن أرقم ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِئَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالْجِمَاعِ، وَالشَّهْوَةِ» (٢). فقال رجل من اليهود: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال: فقال له رسول الله ﷺ : «حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِن جِلْدِهِ فإذَا بَطنُهُ قَدْ ضَمَرَ».
قال الشاعر:
وَجَنَّاتُ عَدْنٍ زُخْرِفَتْ ثُمَّ أُزْلِفَتْ ... لِقَوْمٍ عَلَى التَّقْوَى دَوَاماً تَبَتَّلُ
بِهَا كُلُّ مَا تَهْوَى النُّفُوسُ وَتَشْتَهِي ... وَقُرَّةُ عَينٍ لَيْسَ عَنْهَا تَرَحَّلُ
مَلَابِسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَسُنْدُسٌ ... وَإِسْتَبْرَقٌ لَا يَعْتَرِيهِ التَّحَلُّلُ
وَأَزْوَاجُهُم حُورٌ حِسَانٌ كَوَاعِبُ ... عَلَى مِثلِ شَكْلِ الشَّمْسِ بَل هُوَ أَشْكَلُ
يُطَافُ عَلَيهِم بِالَّذِي يَشْتَهُونَهُ ... إِذَا أَكَلُوا نَوْعاً بِآخَرَ بَدَّلُوا
ثانيًا: إن في الجنة أنهارًا وفواكه، ولكنها تختلف عما في الدنيا اختلافًا عظيمًا، لا يمكن أن يدركه الإنسان بحسه في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. قال ابن عباس: «لَا يُشبِهُ شَيءٌ مِمَّا فِي الجَنَّةِ مَا فِي
стр. 445
الدُّنيَا إِلَاّ الأَسمَاءَ». روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «قَال اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِيْنَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوْا إِن شِئْتُم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾» (١).
ثالثًا: إثبات كلام الرب تعالى لأهل الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]. قال ابن كثير: «الظاهر أن المراد - والله أعلم - تحيتهم، أي من الله تعالى يوم يلقونه سلام. أي: يوم يسلم عليهم، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]» (٢).
رابعًا: أن رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا في الجنة، ورضاه عنهم أفضل النعم التي يكرم الله بها أهل الجنة، روى مسلم في صحيحه من حديث صهيب الرومي: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَل أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قَالَ: يَقُوْلُ اللهُ ﵎: تُرِيْدُوْنَ شَيْئًا أَزِيْدُكُم؟ فَيَقُوْلُوْنَ: أَلَم تُبَيِّضْ وُجُوْهَنَا؟ أَلَم تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوْا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِم »، زاد في رواية: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٣).
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إِن اللهَ ﵎ يَقُوْلُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! فَيَقُوْلُوْنَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ! فَيَقُوْلُ: هَل رَضِيْتُم؟ فَيَقُوْلُوْنَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَد أَعْطَيْتَنَا مَا لَم تُعْطِ أَحَدًا مِن خَلقِكَ؟ فَيَقُوْلُ: أَنَا أُعْطِيكُم أَفْضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالُوْا: يَا
الكلمة التاسعة والثمانون: تأملات في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عن فضله، وكرمه، وامتنانه، ولطفه بخلقه، وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع ناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله، ومنزلته للتساوي بينه، وبين ذاك. اهـ (١).
قال ابن عباس: إِنَّ اللهَ ﵎ لَيَرفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤمِنِ فِي دَرَجَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي العَمَلِ، لِتَقَرَّ بِهِم عَينُهُ، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية (٢).
قال ابن كثير: وهذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء،
стр. 448
وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِن اللهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الجَنَّةِ، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُوْلُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» (١)(٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَاّ مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَاّ مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٣).
قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]؛ لما أخبر تعالى عن مقام الفضل، ورفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر تعالى عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحدًا بذنب أحد، فقال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرتهن بعمله لا يحمل عليه ذنب غيره، سواءً كان أبًا أو ابنًا، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَاّ أَصْحَابَ اليَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤١].
ومن فوائد الآية الكريمة:
أولاً: أنها قيدت إلحاق ذرية المؤمن إلى درجته في الجنة بالإيمان، أما إذا كانت على غير الإيمان، فإنها لا تنتفع بصلاح الآباء، والأبناء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
стр. 449
المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «يَلقَى إِبْرَاهِيْمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُوْلُ لَهُ إِبْرَاهِيْمُ: أَلَم أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي، فَيَقُوْلُ أَبُوْهُ: فَاليَوْمَ لَا أَعْصِيَكَ، فَيَقُوْلُ إِبْرَاهِيْمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَن لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُوْنَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِن أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِيْنَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيْمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلتَطِخٍ (١)، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ، فَيُلقَى فِي النَّارِ» (٢).
ثانيًا: إن فضل الله واسع، وهو سبحانه لا ينقص المؤمن من عمله شيئًا، بل يضاعفه له أضعافًا كثيرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
ثالثًا: عدل الله ، فهو لا يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا
стр. 450
يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].
رابعًا: أن هذه الآية الكريمة من البشائر العظيمة التي يفرح بها المؤمنون، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
خامسًا: الاهتمام بتربية الأبناء تربية إسلامية، كتعليمهم العبادات، وحثهم عليها، وإلحاقهم بحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتعليمهم الآداب الحسنة، والأخلاق الكريمة، وتجنيبهم المحرمات، والمنكرات، وتحذيرهم منها، والدعاء لهم بالصلاح والهداية، حتى ينتفع بهم آباؤهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، روى الإمام أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ قال: «مُرُوْا أَوْلَادَكُم بِالصَّلَاةِ وَهُم ... أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِيْنَ، وَاضْرِبُوْهُم عَلَيْهَا وَهُم أَبْنَاءُ عَشْر سِنِيْنَ، وَفَرِّقُوْا بَيْنَهُم فِي المَضَاجِعِ» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عثمان بن عفان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 451
الكلمة التسعون: الاستغفار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
روى مسلم في صحيحه من حديث الأغر المزني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي اليَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ» (١).
وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر قال: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَجلِسِ الوَاحِدِ مِئَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والعبد دائمًا بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر، وذنب يحتاج فيه إلى استغفار، وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائمًا، فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجًا إلى التوبة، والاستغفار، ولهذا كان سيد ولد آدم، وإمام المتقين محمد ﷺ يستغفر الله في جميع الأحوال» (٣). اهـ.
стр. 452
وقد أمر الله نبيه والمؤمنين بالاستغفار، ووعدهم بالمغفرة، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: ... ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠].
والاستغفار يكون للنفس وللغير، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِن اللهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الجَنَّةِ، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُوْلُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» (١).
ولا يجوز الاستغفار للمشرك، ولو كان حبيبًا، أو قريبًا، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبكَى مَن حَولَهُ، فَقَالَ: «اسْتَاذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَاذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا
стр. 453
الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (١).
كما بين سبحانه أن الاستغفار لهم لا ينفعهم، ولا يقبله الله من صاحبه، قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠].
وصيغ الاستغفار كثيرة، وقد وردت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، فمن ذلك ما رواه أبو داود من حديث زيد ﵁ مولى النبي ﷺ ، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (٢).
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ثوبان قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»، قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ (٣).
ومن أفضلها ما رواه البخاري في صحيحه من حديث شداد بن أوس قال: «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَليَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، قَالَ: مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ
стр. 454
مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ، وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١).
والاستغفار يشرع في أي وقت، ويجب عند فعل الذنب الإقلاع عنه، والاستغفار منه، ويستحب بعد الأعمال الصالحة؛ ليجبر ما كان فيها من تقصير، كالاستغفار ثلاثاً بعد الصلاة، كما مر، والاستغفار في الحج، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
ومن أفضل أوقات الاستغفار وقت السحر، قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦].
قال الفضيل بن عياض: استغفار بلا إقلاع، توبة الكذابين. ويقاربه ما جاء عن رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير.
والاستغفار سبب لنزول المطر، والإمداد بالأموال، والبنين، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، والاستغفار سبب لدفع البلاء، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] قال علي ﵁: «مَا نَزَلَ بَلاءٌ إِلَاّ بِذَنبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَاّ بِتَوبَةٍ». وقال أبو موسى: «كَانَ لَنَا أَمَانَانِ، ذَهَبَ أَحَدُهُمَا،
стр. 455
وَهُوَ كَونُ الرَّسُولِ ﷺ فِينَا، وَبَقِيَ الاِستِغفَارُ مَعَنَا، فَإِنْ ذَهَبَ هَلَكْنَا» (١).
والاستغفار سبب لنزول الرحمة، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].
والاستغفار كفارة للمجلس، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَاّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 456
الكلمة الحادية والتسعون: شرح اسم من أسماء الله الحسنى (العزيز)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِئَةٌ إِلَاّ وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَاّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهْوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» (١)، وفي رواية: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢).
ومن أسماء الله الحسنى: العزيز، قال القرطبي: «العَزِيزُ مَعنَاهُ المَنِيعُ، الَّذِي لَا يُنَالُ، وَلَا يُغالَبُ» (٣)، وقال ابن كثير: العَزِيزُ: الَّذِي عَزَّ كُلُّ شَيءٍ فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ الأَشيَاءَ فَلَا يُنَالُ جَنَابُهُ لِعِزَّتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَجَبَرُوتِهِ، وَكِبرِيَائِهِ (٤).
قال ابن القيم ﵀: العزة متضمنة لأنواع ثلاثة:
١ - عزة القوة، الدال عليها من أسمائه القوي المتين.
٢ - عزة الامتناع، فإنه هو الغني بذاته، فلا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغ العباد ضره فيضروه، ولا نفعه فينفعوه، بل هو الضار النافع
стр. 457
المعطي المانع.
٣ - عزة القهر، والغلبة لكل الكائنات، فهي كلها مقهورة لله خاضعة لعظمته، منقادة لإرادته، لا يتحرك منها متحرك إلا بحوله، وقوته (١)، وقال بعضهم: ذكر العزيز في القرآن في اثنتين وتسعين مرة (٢)، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤]، وقال أيضًا: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
أولاً: الإيمان بالله ، وأن من أسمائه: العزيز الذي لا يُغلب، ولا يُقهر، يُعطي الشجاعة والثقة به سبحانه، لأن معناه أن ربه لا يُمانع، ولا يرد أمره، وأنه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاؤوا، والمتأمل في قصص الأنبياء والرسل يجد ذلك واضحًا جليًا، فمن ذلك قصة موسى ﵇، عندما حاول فرعون أن يمنع خروج هذا الصبي بأن أمر بقتل جميع الذكور من بني إسرائيل، لأنه علم أنه سيخرج فيهم نبي ينتزع منه ملكه، ولكن يأبى الله العزيز إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون، فولد موسى ﵇، وتربى في قصر فرعون، وفي بيته، وتحت رعايته، ولما حاول قتله أهلكه الله، وقائده هامان، وجنوده أجمعين، وغيرها من القصص (٣).
ثانيًا: أن العزيز في الدنيا والآخرة هو من أعزه الله، قال تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ
стр. 458
تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، فمن طلب العزة فليطلبها من رب العزة، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، أي من أحب أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله، فإنه يحصل له مقصوده، لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعًا، وقد ذم الله أقوامًا طلبوا العزة من غيره سبحانه، فوالوا أعداء الله من الكافرين، ظنًا منهم أن هذا هو سبيل العزة، وطريقها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩].
ومع عظم الطاعة تزداد العزة، فأعز الناس هم الأنبياء، ثم الذين يلونهم من المؤمنين المتبعين لهم.
قال فخر الدين الرازي: «وعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين، فإنه كلما كانت هذه الصفة فيه أكمل كان وجدان مثله أقل، وكان أشد عزة، وأكمل رفعة» (١).
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال النبي ﷺ للأنصار: «أَلَمْ تَكُونُوا أَذِلَّةً فَأَعَزَّكُمُ اللهُ» (٢).
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: «نَحنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهمَا ابتَغَينَا العِزَّةَ بِغَيرِهِ أَذَلَّنَا اللهُ» (٣)، وكان من دعاء السلف:
стр. 459
«اللَّهُمَّ أَعِزَّنَا بِطَاعَتِكَ وَلَا تُذِلَّنَا بِمَعصِيَتِكَ» (١).
فصاحب الطاعة عزيز، وصاحب المعصية ذليل، ولذلك يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عمر: «وَجُعِلَ الذُّلُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» (٢).
ثالثًا: سؤال الله تعالى، والتضرع إليه بهذا الاسم العزيز، روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي، وَقُلْ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ، ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا» (٣).
وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» (٤).
رابعًا: من أسباب العزة والرفعة العفو والتواضع، روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَاّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلَاّ رَفَعَهُ اللهُ» (٥). فمن عفا عن شيء مع مقدرته على الانتقام، عظم في القلوب في الدنيا، وفي الآخرة يعظم الله له الثواب، وكذلك التواضع رفعة في الدنيا والآخرة.
خامسًا: أن ما أصاب المسلمين من ضعف، وذل وهوان، وتخلف عن بقية الأمم في هذه الأزمنة، إنما هو بسبب المعاصي والذنوب،
стр. 460
والبعد عن دين الله تعالى، ولو أنهم تمسكوا بهذا الدين، وعملوا به لأعزهم الله، ونصرهم على الأعداء، ولأصبحوا سادة العالم، وقادة الشعوب، كما حصل للصحابة ﵃، فقد وصلت فتوحاتهم إلى مشارق الأرض ومغاربها، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث تميم الداري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ».
وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ في أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ، وَالْجِزْيَةُ (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.