[الجن: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وقال ﷺ : «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر مثل ما صنعوا (١).
وقال ﷺ لرجل قال له: ما شاء الله وشئت: «أَجَعَلْتَنِي وَاللهِ عَدْلاً؟ ! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (٢).
ثالثًا: التصوير، وهو من المحرمات التي يجهل حرمتها كثير من الحجاج، وقد نهى الرسول ﷺ عن التصوير في أحاديث كثيرة، ولعن فاعله، روى البخاري ومسلم، من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (٣).
وروى البخاري ومسلم من حديث جندب: أن النبي ﷺ قال: «مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِه، وَمَن يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» (٤).
هذا أولاً، وثانيًا: أن بعض الحجاج يتخذ لنفسه صورًا حال إحرامه، أو رافعًا يديه يدعو، أو يقرأ، أو غير ذلك من أحوال العبادة ليطلع عليها أهله وأقاربه إذا عاد إليهم، وقد يدخل هذا في الرياء المنهي عنه، بل يخشى على فاعل ذلك أن يحبط عمله من حيث لا يشعر.
رابعًا: من أراد الحج أو العمرة فليحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز تجاوز الميقات بلا إحرام لمريد الحج أو العمرة، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «هُنَّ لَهُنَّ
стр. 387
وَلِمَن أَتَى عَلَيْهِنَّ مِن غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّن أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ» (١).
وأما من يأتي عن طريق الجو في الطائرة، أو البحر في السفينة، فمن الأولى أن يحرم عند محاذاة الميقات، أو قبله بقليل احتياطًا، ولا ينتظر حتى يصل إلى جدة؛ لأن هذا مخالف لما عليه فتاوى علمائنا، كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله تعالى، وغيرهما.
خامسًا: أن كثيرًا من الحجاج يلزم أدعية خاصة في الطواف يقرأها من كتاب مناسك، وقد يكون مجموعة منهم يتلقونها من قارئ يلقنهم إياها، ويرددونها خلفه بصوت جماعي، وأكثر هذه الأدعية والأذكار لا تثبت عن النبي ﷺ ، والدعاء بها بهذه الطريقة بدعة محدثة.
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «مَن أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيْهِ فَهُوَ رَدٌّ» (٢). إضافة إلى أن فيه تشويشًا على الحجاج الآخرين.
سادسًا: ومن الأخطاء العظيمة المتعلقة بيوم عرفة، أن بعض الحجاج يبقون خارج حدود عرفة حتى تغرب الشمس، ثم ينصرفون إلى مزدلفة من غير أن يقفوا بعرفة، وهذا خطأ عظيم؛ لأن الوقوف بعرفة ركن لا يصح الحج إلا به، فمن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فلا حج له، روى الترمذي من حديث عبد الرحمن بن يعمر: أن النبي ﷺ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» (٣).
стр. 388
سابعًا: ما يتعلق بمزدلفة، فبعض الحجاج لا يتأكد من حدود مزدلفة، ويبيت خارجها، وبعضهم يخرج منها قبل منتصف الليل، ولا يبيت فيها، ومن لم يبت فيها من غير عذر فقد ترك واجبًا من واجبات الحج، ويلزمه دم مع التوبة، ويرى بعض أهل العلم أن المبيت بمزدلفة، وصلاة الصبح بها ركن من أركان الحج، كالوقوف بعرفة، لأن الله نص عليه، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والنبي ﷺ سواها بعرفة حينما قال: «وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١)(٢).
روى الترمذي في سننه من حديث عروة الطائي: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (٣).
ثامنًا: أن بعض الحجاج يوكلون من يقوم برمي الجمار عنهم، مع قدرتهم على ذلك ليسقطوا عن أنفسهم معاناة الزحام، ومشقة العمل، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم التوكيل عن المريض والمرأة العاجزة كالحبلى والثقيلة والضعيفة التي لا تستطيع رمي الجمار؟ فأجاب بأنه لا بأس بالتوكيل عنهم (٤)، أما القوية النشيطة فإنها ترمي بنفسها، ومن عجز عنه نهارًا رمى بالليل.
стр. 389
تاسعًا: أن بعضهم إذا أراد تقصير شعر رأسه يكتفي بأخذ شعرات من رأسه، أو يأخذ من جانب ويدع آخر، والصحيح أن الواجب على الحاج أن يحلق رأسه كله أو يقصره كله، هذا في حق الرجل، أما المرأة فإنها تقص من ضفائرها بقدر أنملة فقط. والأفضل أن يبدأ بالشق الأيمن في الحلق أو التقصير.
عاشرًا: أن بعضهم إذا تحلل التحلل الأول حلق لحيته أو قصر منها، قال الشيخ ناصر الدين الألباني: وهذه المعصية من أكثر المعاصي شيوعًا بين المسلمين في هذا العصر، بسبب استيلاء الكفار على أكثر بلادهم، ونقلهم هذه المعصية إليها، وتقليد المسلمين لهم فيها مع نهيه ﷺ إياهم عن ذلك صراحة في قوله ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى» (١).
وفي هذه القبيحة عدة مخالفات:
الأولى: مخالفة أمره ﷺ الصريح بالإعفاء.
الثانية: التشبه بالكفار.
الثالثة: تغيير خلق الله الذي فيه طاعة الشيطان في قوله كما حكى الله تعالى ذلك عنه: ﴿وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩].
الرابعة: التشبه بالنساء، وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك.
وإن من المشاهدات التي يراها الحريص على دينه أن جماهير من الحجاج يكونون قد وفروا لحاهم بسبب إحرامهم، فإذا تحللوا منه فبدل أن يحلقوا رؤوسهم كما ندب إليه رسول الله ﷺ حلقوا لحاهم التي
стр. 390
أمرهم ﷺ بإعفائها، فإنا لله وإنا إليه راجعون (١)(٢).
أسأل الله أن يتقبل من المسلمين حجهم، وسائر أعمالهم، وأن يوفقنا لكل خير.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 391
الكلمة السابعة والسبعون: التوبة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن الأعمار تُطوى، والأيام تنقضي، والعمر قصير، والأجل قريب، ولا يدري ابن آدم متى يأتيه الموت، قال الشاعر:
أشَابَ الصغيرُ وأفنَى الكبير ... مرور اللياليَ وَكرُّ العشي
إذا ليلةٌ هَرَمْت أُخْتَها ... أتَى بَعدَ ذلكَ يومٌ فتي
نَروحُ ونغدُو لحَاجَاتِنَا ... وحَاجَاتُ من عَاشَ لا تنقضي
تموتُ مع المرءِ حاجاتُهُ ... وتَبْقَى لهُ حاجةٌ ما بقي
والله حث عباده على التوبة قبل حلول الأجل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
ودعا سبحانه جميع عباده إلى التوبة، فدعا إليها من قال: إن الله هو المسيح، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، ومن قال: يد الله مغلولة، ومن ادعى لله الصاحبة والولد، فقال لهم جميعًا: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤].
стр. 392
ودعا إليها فرعون مع زعمه أنه لا إله غيره، وأنه ربهم الأعلى فقال لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
ودعا إليها المشركين قاطبة، فقال لهم بعد الأمر بقتلهم حيثما وجدوا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
ودعا إليها المنافقين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
ودعا إليها من عمل أكبر الكبائر، وهي الشرك، وقتل النفس بغير حق، والزنا، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَاّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
والتوبة واجبة على الفور من جميع الذنوب، كبيرها وصغيرها، قال الإمام النووي ﵀: «واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة على الفور، ولا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة» (١).
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَلهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا
стр. 393
قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (١).
والمراد بالتوبة التوبة النصوح، وهي التي اكتملت شروطها.
أما شروطها فهي: الإقلاع عن الذنب، الندم على فعله، العزم على أن لا يعود إليه، وزاد آخرون: الإخلاص لله في التوبة، لا خوفًا من سلطان، أو حياء من إنسان، أو غير ذلك، وإنما رجاء ثوابه وخوفًا من عقابه، فإن كان الذنب مرتبطًا بحق آدمي فلا بد من شرط رابع، وهو أن يبرأ من حق صاحبها.
ويشترط للتوبة ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون التوبة قبل الغرغرة، أي قبل حشرجة الروح في الصدر عند دنو الأجل، وحضور الموت، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إِن اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَم يُغَرْغِرْ» (٢).
الثاني: أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ تَاتِيَهُمُ المَلَائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
стр. 394
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوْبَ مُسِيْءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوْبَ مُسِيْءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَن تَابَ قَبْلَ أَن تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (٢).
الثالث: أن تكون قبل نزول العذاب لمن عصى الله تعالى؛ لأن الأمم المخسوف بها انقطعت التوبة عنهم برؤيتهم العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].
ولم يستثن من هذه السنة إلا قوم يونس، لحكمة أرادها الله سبحانه، فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين (٣).
стр. 395
الكلمة الثامنة والسبعون: شرح حديث (يتبع الميت ثلاثة)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (١).
وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالة قيمة، اختصرت كلامه فيها في هذه العجالة:
فقال: وتفسير هذا أن ابن آدم في الدنيا لا بد له من أهل يعاشرهم، ومال يعيش به، فهذان صاحبان يفارقانه ويفارقهما، فالسعيد من اتخذ من ذلك ما يعينه على ذكر الله تعالى، وينفقه في الآخرة، فيأخذ من المال ما يبلغ به إلى الآخرة، ويتخذ زوجة صالحة تعينه على إيمانه، فأما من اتخذ أهلاً ومالاً يشغلونه عن الله تعالى، فهو خاسر كما قال تعالى عن الأعراب: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: ١١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
روى الحاكم في المستدرك من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: «جَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ
стр. 396
أَحبَبتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (١).
فإذا مات ابن آدم، وانتقل من هذه الدار، لم ينتفع من أهله وماله بشيء إلا بدعاء أهله له، واستغفارهم، وما ثبت عنه من الشرع، وبما قدمه من ماله بين يديه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَاّ مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَاّ مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢).
فأما الصاحب الأول: الأهل، فأهله لا ينفعه منهم بعد موته إلا من استغفر له، ودعا له كما تقدم، وقد لا يفعل، وقد يكون الأجنبي أنفع للميت من أهله كما قال بعض الصالحين: أهلك يقتسمون ميراثك، وهو قد تفرد بحزنك يدعو لك، وأنت بين أطباق الثرى، فمن الأهل من هو عدو، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
وأما الصاحب الثاني: وهو المال، فيرجع عن صاحبه أولاً، ولا يدخل معه في قبره، ورجوعه كناية عن عدم مصاحبته له في قبره، ودخوله معه.
روى مسلم في صحيحه من حديث مطرّف عن أبيه قال: أتيت
стр. 397
النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. قال: «يَقُوْلُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِن مَالِكَ إِلَاّ مَا أَكَلتَ فَأَفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَو تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ ! » (١).
وروى البخاري من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ » قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا مالُهُ أحَبُّ إليه. قال: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ» (٢).
فلا ينتفع العبد من ماله إلا بما قدمه لنفسه، وأنفقه في سبيل الله ، فأما ما أكله ولبسه فإنه لا له ولا عليه، إلا أن يكون فيه نية صالحة، وقيل: بل يثاب عليه مطلقًا، وقال بعض الملوك لأبي حازم الزاهد: ما بالنا نكره الموت؟ قال: لتعظيمك الدنيا، جعلت مالك بين عينيك، فأنت تكره فراقه، ولو قدمته لآخرتك لأحببت اللحوق به. قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وكان ابن عمر لا يعجبه شيء من ماله إلا قدمه لله، حتى كان يومًا راكبًا على ناقة فأعجبته، فنزل عنها في الحال، وقلدها، وجعلها في سبيل الله .
أما الخليل الثالث: فهو العمل الذي يدخل مع صاحبه في قبره فيكون معه فيه، ويكون معه إذا بعث، ويكون معه في مواقف القيامة، وعلى الصراط، وعند الميزان، وبه تقسم المنازل في الجنة والنار، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
стр. 398
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
قال بعض السلف في تفسير الآية السابقة: أي يمهدون لأنفسهم في القبر، فالعمل الصالح يكون مهادًا لصاحبه في القبر، حيث لا يكون للعبد من متاع الدنيا فراش ولا وساد ولا مهاد، بل كل عامل يفترش عمله ويتوسده من خير أو شر، فالعاقل من عمر بيته الذي تطول إقامته فيه، ولو عمره بخراب بيته الذي يرتحل عنه قريبًا لم يكن مغبونًا بل كان رابحًا.
وقال بعض السلف: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثك فيها. قال الحسن: تبع رجل من المسلمين جنازة أخيه فلما دلي في قبره قال الرجل: ما أرى يتبعك من الدنيا إلا ثلاثة أثواب، أما والله لقد تركت بيتي كثير المتاع، أما والله إن أقالني الله حتى أرجع لأقدمنه بين يدي، قال: فرجع فقدمه والله بين يديه، وكانوا يرون أنه عمر بن عبد العزيز.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 399
الكلمة التاسعة والسبعون: فضل التبكير إلى الصلاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من فضل الله ورحمته بعباده أن يسر لهم من الطاعات والعبادات ما يتقربون بها إليه سبحانه، ومن تلك الطاعات والقربات التبكير إلى الصلوات الخمس التي جعلهن بفضله خمسًا في العمل، وخمسين في الأجر والثواب.
والتبكير إلى الصوات الخمس من الطاعات التي غفل عنها كثير من المصلين في هذا الزمان، فلا يحضرون إلا عند الإقامة، أو بعد الشروع في الصلاة.
ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة، وأصدقها في التبكير إلى الصلاة، يقول عدي بن حاتم ﵁: «ما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها، وما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء»، ويقول سعيد بن المسيب: «ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد، وما فاتتني صلاة الجماعة منذ أربعين سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة»، قال الذهبي: «هكذا كان السلف في الحرص على الخير» (١).
стр. 400
ومن فضائل التبكير إلى الصلوات:
أولاً: استغفار الملائكة لمن ينتظر الصلاة، وكونه في حكم المصلي، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي قال: «المَلَائِكَة تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُم (١) مَا دَامَ فِي مُصَلَاّهُ مَا لَم يُحْدِثْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لَا يَزَالُ أَحَدُكُم فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَن يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَاّ الصَّلَاةُ» (٢).
ثانيًا: إدراك الصف الأول، وما فيه من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَاّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (٣).
ثالثًا: إدراك تكبيرة الإحرام، وهي من أفضل التكبيرات، ومفتاح الصلاة، روى الترمذي من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» (٤).
رابعًا: الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب، روى أبو داود في سننه من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ
стр. 401
وَالإِقَامَةِ» (١).
خامسًا: الدنو والقرب من الإمام، وهذه فضيلة عظيمة، روى الإمام أبو داود من حديث سمرة بن جندب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «احْضُرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الجَنَّةِ وَإِن دَخَلَهَا» (٢).
سادسًا: إدراك السنن القبلية التي قبل الصلاة، كسنة الفجر، روى مسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا» (٣). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ (٤).
وروى أبو داود في سننه من حديث أم حبيبة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «مَن حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرُمَ عَلَى النَّار» (٥)، وروى أيضًا من حديث ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا» (٦).
سابعًا: الحضور إلى المسجد بسكينة ووقار، فالسعي الذي يفعله كثير من الناس لإدراك الصلاة يفوتهم السكينة والوقار، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ بالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوْا،
стр. 402
فَمَا أَدْرَكْتُم فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُم فَأَتِمُّوا» (١).
ثامنًا: قراءة الأذكار والاستغفار، وذكر الله بين الأذان والإقامة، فلو حضر المصلي إلى المسجد مبكرًا لأمكنه على أقل تقدير أن يقرأ عشرين آية، وفي اليوم مئة آية، وفي الأسبوع سبعمئة آية، وفي الشهر ثلاثة آلاف آية، وهذا خير كثير، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وينبغي للمؤمن أن يُعَوِّدَ نفسه على التبكير إلى المسجد حتى يسهل عليه، ويجد الراحة، والسعادة في ذلك، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: « ... لَا يَزَالُ قَومٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 403
الكلمة الثمانون: أسباب انشراح الصدر
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن ضيق الصدر، وما ينتاب المسلم من هموم وغموم، وأحزان أمور لا يكاد يسلم منها أحد.
قال ابن حزم ﵀: «فكرت في سعي العقلاء، فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا في الأكل والشرب، وهذا في التجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا في اللغو واللعب، وغير ذلك، ولم أر في جميع هذه الطرق طريقًا موصلاً إليه، ولعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده، وإنما الإقبال على الله وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء ضده، فليس للعبد أنفع من هذا الطريق، وأوصل منه على لذته، وسعادته» (١).
وقد ذكر ابن القيم ﵀ أسباب شرح الصدر، فقال:
أولاً: التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
стр. 404
كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه.
ثانيًا: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر، ويوسعه، ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج، فصار في أضيق سجن وأصعبه، فنصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
ثالثًا: العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل علم، بل العلم الموروث عن النبي ﷺ ، وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدرًا، وأوسعهم قلبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبهم عيشًا.
رابعًا: الإنابة إلى الله ، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، حتى يقول أحيانًا: إن كنت في الجنة في مثل هذه الحال، فإني إذًا لفي عيش طيب، وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، ولا يعرفه إلا من له حس به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح.
ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ
стр. 405
ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، فإن من أحب شيئًا غير الله عذب، وسجن قلبه في محبته ذلك الغير.
خامسًا: دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
سادسًا: الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس، وأنكدهم عيشًا، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا، وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، فَسَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ» (١).
سابعًا: الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، ومتسع القلب، والجبان أضيق الناس صدرًا، وأحصرهم قلبًا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له إلا من جنس الحيوان البهيمي، وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل.
ثامنًا: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه
стр. 406
وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البرء، فإن الإنسان إذا أتى بالأسباب التي تشرح صدره، ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه لم يحظ من انشراح صدره بطائل.
تاسعًا: ترك فضول النظر والكلام، والاستماع والمخالطة، والأكل والنوم، فإن هذه الفضول تستحيل ألمًا وغمومًا وهمومًا في القلب، تحصره وتحبسه وتضيقه، فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم، وما أنكد عيشه، ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة، وكانت همته دائرة عليها، فلهذا نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]. ولذلك نصيب من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤].
والمقصود أن النبي ﷺ كان أكمل في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وأكمل الخلق متابعة له أكملهم انشراحًا ولذة، وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين (١).
стр. 407
الكلمة الحادية والثمانون: كفارات الذنوب
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن أفضل ما يتمناه المسلم أن يخرج من هذه الدنيا وقد غفر الله له ذنوبه، وضاعف له في حسناته.
ومن حكمة الله تعالى أن جعل للإنسان أعداء يزينون له الذنوب، ويهونونها عليه، ويبعدونه عن الخير، وهم: النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، والهوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَاّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَاوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٣].
ومن رحمة الله بعباده أن هيأ لهم أسبابًا يكفر بها عنهم الذنوب، ويمحوها، وهذه الكفارات الماحيات هي الأقوال والأعمال التي شرعها في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فمن ذلك:
стр. 408
أولاً: الإيمان بالله وتوحيده والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيْسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» (١).
ثانيًا: اجتناب الكبائر من الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتُ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ» (٢).
ثالثًا: التوبة الصادقة، قال : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَاّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (٣).
رابعًا: الاستغفار، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ
стр. 409
غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠].
روى الإمام أبو داود من حديث زيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَن قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّوْمُ وَأَتُوْبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه أنه قال: « ... يَا عِبَادِي، إِنَّكُم تُخْطِئُوْنَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيْعًا، فَاسْتَغْفِرُوْنِي أَغْفِرْ لَكُمْ» (٢).
خامسًا: الوضوء، روى مسلم في صحيحه من حديث حمران مولى عثمان ﵁ قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ، ثم قال: إن ناسًا يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث لا أدري ما هي؟ إلا أني رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: «مَن تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، وَكَانَت صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى المَسْجِدِ نَافِلَةً» (٣).
سادسًا: الصلاة، والمشي إليها، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوْا: بَلَى يَارَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الوُضُوْءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَى إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ
стр. 410
الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» (١).
سابعًا: الصدقات، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، روى الترمذي في سننه من حديث معاذ ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ» (٢).
ثامنًا: الحج والعمرة، روى النسائي من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيْدِ» (٣).
تاسعًا: المصائب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله ﷺ : «قَارِبُوْا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» (٤).
عاشرًا: صيام رمضان وقيامه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٥)، وروى البخاري
стр. 411
ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 412
الكلمة الثانية والثمانون: الحسد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فمن الصفات المذمومة التي جاء الشرع بالنهي عنها: الحسد، وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة منه، فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥].
قال: الراغب: الحسد تمني زوال نعمة من مستحق لها، وربما كان مع ذلك سعي في إزالتها (١)، والحسد من صفات أشر عباد الله اليهود، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (٢)، وروى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: أن جبريل ﵇
стр. 413
أتى النبي ﷺ ، فقال: «يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (١).
قال ابن رجب: الحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل، ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام: فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل، ويسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو ذنب إبليس، حيث حسد آدم ﵇ لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها، ومنهم من يحدث نفسه بذلك اختيارًا، ويعيده في نفسه مستروحًا تمني زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية، وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية، فلا خير في ذلك، كما قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩]. وإن كانت فضائل دينية فهو حسن، وقد تمنى النبي ﷺ الشهادة في سبيل الله ، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَا حَسَدَ إِلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ
стр. 414
اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» (١).
وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة، وقسم آخر إذا وجد من نفسه الحسد سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه، والدعاء، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يُبْدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرًا منه، وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه. اهـ (٢)، قال ابن سيرين: «ما حسدت أحدًا على شيء من أمر الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ ! وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟ ! ». اهـ.
وقال أبو الدرداء: «ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل فرحه وقل حسده». وقال ابن عباس: «إني لأمر على الآية من كتاب الله، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم»، وقال معاوية ﵁: «كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها»، ولذلك قيل:
كُلُّ العداواتِ قد تُرْجَى إِماتَتُهَا ... إلا عدَاوَة من عادَاكَ عن حَسَد
وقال آخر:
أيا حاسداً لِي عَلى نعْمَتي ... أَتدْرِي على مَن أسَأت الأدبَ
أَسَاتَ على اللهِ في حُكْمِهِ ... لأنك لم تَرْضَ لِي ما وَهَبَ
فَأَخْزَاكَ رَبِّي بأن زَادَني ... وَسَدَّ عَلَيكَ وجوهَ الطَلَب
روى الترمذي في سننه من حديث الزبير بن العوام ﵁: أن
стр. 415
النبي ﷺ قال: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الجَنَّةِ»، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِن وُضُوْئِهِ، وَقَد تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، وَجَاءَ فِي القِصَّةِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ تَبِعَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي أَوَيْتُ إِلَيْكَ لأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ؟ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَم أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيْرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَاّ مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَاّ مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَت بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيْقُ (٢).
قال ابن القيم ﵀: ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعدة أمور:
١ - التعوذ بالله من شره، والتحصن واللجأ إليه.
٢ - تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
٣ - الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً.
стр. 416
٤ - التوكل على الله، فمن توكل على الله فهو حسبه.
٥ - الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه في خواطر نفسه.
٦ - تجريد التوبة من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه.
٧ - الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإن لذلك تأثيرًا في دفع العين وشر الحاسد.
٨ - وهو من أصعب الأسباب، إطفاء نار الحاسد بالإحسان إليه.
٩ - تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، الذي أَزِمَّةُ الأمور بيده سبحانه (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 417
الكلمة الثالثة والثمانون: المعاصي وعقوباتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فمما ابتليت به مجتمعات المسلمين في هذه الأزمان كثرة المعاصي والذنوب، وانتشار المنكرات على اختلاف أنواعها.
قال ابن القيم ﵀: وهذه المعاصي لها أضرارٌ على القلوب، كضرر السموم على الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه المعاصي والذنوب، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء فطرده ولعنه وأبدله بالرحمة لعنًا، وبالإيمان كفرًا؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله؟ إنها المعاصي والذنوب! ! (١).
стр. 418
قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وهذه الذنوب منها كبائر ومنها صغائر، وقد دلت على ذلك النصوص من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. أي صغائر الذنوب، روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَن تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيْمٌ! قَالَ: قُلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَن تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَن يَطْعَمَ مَعَكَ» قَالَ: قُلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» (١).
ومن الناس من يتساهل في الذنوب والمعاصي، ويقول: ما دمت أُؤدِّي أركان الإسلام وفرائضه فالذنوب أمرها سهل، والله غفور رحيم، وهذا الكلام ليس بصحيح، فإن الله غفور رحيم، وشديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨].
وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال تعالى محذرًا من معصية نبيه ﷺ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
стр. 419
وقال سبحانه: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُم وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوْا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُوْدٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُوْدٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُم، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» (١)، وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ أنه قال: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ» (٢). قال أبو عبد الله البخاري: يعني بذلك المهلكات.
ومعصية واحدة كانت سببًا لهزيمة الصحابة في معركة أحد، عندما أَمَرَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ أَلَاّ يَنزِلُوا مِنَ الجَبَلِ، فَعَصَوهُ وَنَزَلُوا، فَقُتِلَ سَبعُونَ، كما جاء في الصحيح (٣).
ومعصية واحدة كانت سببًا في دخول امرأة النار، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَاكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» (٤).
بل إن العبد ليتساهل بالكلمة التي تخرج من فمه، ولا يلقي لها بالاً، تكون سببًا لدخوله النار، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (٥).
стр. 420
ومعصية واحدة أخرجت آدم من الجنة، قال الشاعر:
تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذَّنُوبِ وتَرْتَجي ... درك الجنان بها وفوز العابد
وَنَسِيت أَنَ الله أَخْرَج آدَما ... مِنْهَا إلى الدنيا بِذَنْب وَاحِد
قال الأوزاعي ﵀: «لَا تَنْظُر إِلَى صِغَرِ المَعْصِيَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ».
ومن عقوبات المعاصي - وهي كثيرة، ذكرها ابن القيم في كتابه «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» - فمنها:
أولاً: أنها تورث الذل لصاحبها، فإن العز كل العز بطاعة الله، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «وَجُعِلَ الذُّلُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «اللهم أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعصية». وقال الحسن البصري ﵀: «إِنَّهُم وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، إِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَفِي قُلُوبِهِمْ، أَبَى اللهُ إِلَاّ أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ» (٢). وفي دعاء القنوت: «إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ» (٣) ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته، ومن
стр. 421
عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته» (١). قال النبي ﷺ للأنصار: «يا مَعْشَرَ الأَنصارِ! أَلَمْ تَكُونُوا أَذلَّةً فأَعَزَّكُمُ الله؟ » قالوا: صَدَقَ اللهُ ورسولُهُ (٢).
قال ابن المبارك:
رَأَيتُ الذُّنوبَ تُمِيْتُ القُلوبَ ... وَقَدْ يُورثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وتَركُ الذُّنوبِ حَيَاةُ القُلوب ... وَخَيْرٌ لنَفْسِكَ عِصْيانُهَا
ثانيًا: أنها تورث الوحشة بين العبد وربه، وبين العبد وبين الناس، ولو اجتمعت للعبد لذات الدنيا كلها لم تذهب تلك الوحشة، قال عبد الله بن عباس: «إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق» (٣).
ويشهد لكلام ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٥].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
ثالثًا: ومن عقوباتها: أنها إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها
стр. 422
فكان من الغافلين، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبُهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ: ﴿كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 423
الكلمة الرابعة والثمانون: التقوى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ [النساء: ١٣١].
في هذه الآية الكريمة وصى الله سبحانه جميع خلقه الأولين والآخرين بأن يتقوه، وخص سبحانه المؤمنين بوصية التقوى، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
قال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله».
قال الذهبي: «أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بِتَرَوٍّ من العلم والاتِّباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يَفتقر اجتنابُها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفًا من الله، لا ليُمْدَحَ بتركها، فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز» (١). اهـ.
стр. 424
قال شيخ الإسلام: «التقوى هي فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه».
قال الشاعر:
خَلِّ الذُّنوبَ صَغيرَهَا ... وكَبيرَهَا ذَاكَ التُّقَى
واصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق ... أرْضِ الشَّوْكِ يَحْذرُ ما يرى
لا تَحْقِرنَّ صَغِيرةً ... إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصى
وقال آخر:
إذَا المرءُ لمْ يلبَسْ ثِيابًا منَ التُّقى ... تَقَلَّبَ عُريَانًا وإنْ كانَ كاسِيًا
وخَيْرُ لِباسِ المَرْءِ طَاعةُ ربِّهِ ... ولا خَيْرَ فيمَنْ كانَ لله عَاصِيًا
قال الحسن البصري ﵀: «ما زالت التقوى بالمتقين، حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الوقوع في الحرام».
وقد ذكرت التقوى في كتاب الله في أكثر من مائتين وخمسين موضعًا، بل إنه قد تكرر الأمر بالتقوى في الآية الواحدة مرتين أو ثلاثًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ﴾ [الحشر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣].
والمتقون هم أولياء الله وأحبابه، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، والمتقون هم أكرم الناس عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، روى الإمام
стр. 425
أحمد في مسنده من حديث أبي نضرة ﵁ قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ في أوسط أيام التشريق أنه قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَاّ بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟ » قالوا: بلغ رسول الله (١)، وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يوصي أصحابه بالتقوى، ويبدأ بها خطبه ووصاياه، روى مسلم في صحيحه من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا» (٢)، وقال للصحابي أبي ذر كما في سنن الترمذي: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» (٣) الحديث.
فطريق السعادة، والعز، والكرامة، والنصر هو التقوى، وإنما تأتي المصائب، والبلايا، والمحن بسبب إهمال التقوى، وإضاعتها، أو إضاعة جزء منها.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
ومن ثمرات التقوى:
أولاً: معية الله للمتقين، بالنصر والحفظ والإعانة والمحبة والتوفيق، وهذه منقبة عظيمة للمتقين، فلو لم يكن للمتقين إلا أنهم حازوا بهذه المعية من الله لكفى بها فضلاً وشرفًا، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ