في النفقة والظهر (١) والماء؛ ولذلك سميت بالعسرة (٢).
وقد اختلف في سبب هذه الغزوة، فروى ابن سعد في طبقاته أن رسول الله ﷺ بلغه أن هرقل ملك الروم جمع جموعًا كثيرة من الروم والغساسنة وقبائل العرب الموالية له، فعلم رسول الله ﷺ بهم فخرج إليهم (٣).
ويشهد لهذا قول عمر بن الخطاب ﵁ الذي يروي قصة هجر رسول الله ﷺ أزواجه، قال عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ فينزل يومًا وأنزل يومًا. فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عشاء، فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: قد حدث اليوم أمر عظيم، قلت له: ما هو؟ أجاء غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأهول طلق
стр. 4342
رسول الله ﷺ نساءه (١). قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب يعني من سنة تسع، ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها، إلا ما كان من غزوة خيبر، وغزوة تبوك، فغزوة خيبر، فلأن الله تعالى وعد رسول الله ﷺ بفتحها، وأما غزوة تبوك فلبعد الشقة (٢)(٣)،
وشدة الزمان، إذ كان ذلك في شدة الحر، حين طابت الظلال وأينعت الثمار، وحبب إلى الناس المقام، وكثرة العدو، والمسافة بعيدة والطريق وعرة صعبة. وكان لهذه العوامل أثرها في تثاقل بعض الناس عند النفرة، فبدأت الآيات تنزل في سورة التوبة لتعالج هذا الأمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
стр. 4343
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [سورة التوبة، الآيات: ٣٨ - ٤٠].
وأسرع المسلمون يتجهزون للخروج، وأخذت القبائل تقدم المدينة من كل حدب وصوب، منها غفار، وأسلم، وجهينة، وأشجع، وبنو كعب من خزاعة.
ولم يرض أحد من المسلمين أن يتخلف عن هذه الغزوة إلا الذين في قلوبهم مرض وإلا ثلاثة نفر - تاب الله عليهم في آخر الأمر - حتى كان يجيء أهل الحاجة والفاقة يستحملون رسول الله ﷺ ليخرجوا إلى قتال الروم، قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ٩٢].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ العُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْء»، وَوَافَقْتُهُ، وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ
стр. 4344
فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً، إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ القَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ -، فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ» (١) الحديث.
كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال، وبذل الصدقات، فهذا عثمان بن عفان ﵁ كان قد جهز عيرًا للشام، مائتي بعير بأقتابها (٢) وأحلاسها (٣) ومائتي أوقية، فتصدق بها ثم تصدق بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره ﷺ ،فكان رسول الله ﷺ يقلبها ويقول: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» (٤).
قال الزهري: جهز عثمان بن عفان جيش المسلمين في تبوك بستعمائة وأربعين بعيرًا وستين فرسًا.
стр. 4345
وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله وكانت أربعة آلاف درهم، وهو أول من جاء بصدقته. وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد ابن سلمة، كلهم جاءوا بمال، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها حتى كان منهم من أنفق مدًّا أو مدين ولم يكن يستطيع غيرها، وبعثت النساء ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتم، ولم يمسك أحد يده، ولم يبخل بماله إلا المنافقون وكانوا يؤذون المؤمنين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [سورة التوبة، آية: ٧٩].
وهكذا تجهز الجيش، واستعمل رسول الله ﷺ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل: سباع بن عرفطة. وخلف على أهله علي بن أبي طالب وأمره بالإقامة فيهم، وغمض عليه المنافقون فخرج فلحق رسول الله ﷺ فرده إلى المدينة وقال: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي» (١).
стр. 4346
وتحرك رسول الله ﷺ يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك، ولكن الجيش كان كبيرًا ثلاثين ألف مقاتل، ولم يخرج المسلمون في مثل هذا الجمع الكبير قبله قط، فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أن يجهزوه تجهيزًا كاملًا، بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمركب، فكان ثمانية عشر رجلًا يعتقبون بعيرًا واحدًا، وربما أكلوا أوراق الشجر حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح الإبل مع قلتها ليشربوا ما في كرشه من الماء، ولذلك سمي هذا الجيش جيش العسرة، ومر الجيش الإسلامي في طريقه إلى تبوك بالحجر ديار ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، أي وادي القرى.
روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء (١)، وفي رواية: وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة (٢).
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لما
стр. 4347
مر بالحجر قال: «لا تَدْخُلُوا علَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فلا تَدْخُلُوا عليهم، لَا يُصِيبَكُمْ ما أصَابَهُمْ» (١). وفي رواية: ثُمَّ قَنَّع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِي (٢).
واشتدت في الطريق حاجة الجيش إلى الماء حتى شكوا إلى رسول الله ﷺ ، فدعا الله، فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجاتهم من الماء، ولما قرب من تبوك وجدوا عينها قليلة الماء، ولكن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ»، فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟» قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ. قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ- فاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا» (٣).
стр. 4348
وأخبر رسول الله ﷺ أصحابه أنه ستهب عليهم وهم في تبوك ريح شديدة، فقد روى الشيخان من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك فلما أتينا تبوكًا قال رسول الله ﷺ : «أَمَا إنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، ومَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ». فَعَقَلْنَاهَا، وهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ، فألْقَتْهُ بجَبَلِ طَيِّئٍ (١).
ولكن دأب رسول الله ﷺ في الطريق أنه كان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع التقديم وجمع التأخير كليهما. ونزل الجيش الإسلامي بتبوك، وعسكر واستعد للقاء العدو، وخطب رسول الله ﷺ في أصحابه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم خطب الناس بتبوك: «مَا فِي النَّاسِ مِثْلُ رَجُلٍ آخِذٍ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيَجْتَنِبُ شُرُورَ النَّاسِ، وَمِثْلُ آخَرَ بَادٍ (٢) فِي نِعْمِهِ يَقْرِي (٣) ضَيْفَهُ وَيُعْطِي حَقَّهُ» (٤).
وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول الله ﷺ
стр. 4349
أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية في داخل الجزيرة وأرجائها النائية. وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة لعلهم لم يكونوا يحصلوا عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين. وجاء يُحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح الرسول ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأهل أذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فهو عندهم، وصالحه أهل ميناء على ربع ثمارها، وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل في أربعمائة وعشرين فارسًا وقال له: «إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ» فأتاه خالد، فلما كان من حصنه بمنظر العين خرجت بقرة تحك بقرونها باب القصر، فخرج أُكيدر لصيدها، وكانت ليلة مقمرة، فتلقاه خالد في خيله، فأخذه وجاء به إلى رسول الله ﷺ فحقن دمه، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، وأقر بإعطاء الجزية، فقاضاه مع يُحنة على قضية دومة، وتبوك، وأيلة، وتيماء، وأيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه، فانقلبت لصالح المسلمين. وهكذا توسعت حدود الدولة الإسلامية حتى لاقت حدود الرومان مباشرة،
стр. 4350
وشهد عملاء الرومان نهايتهم إلى حد كبير.
ورجع الجيش الإسلامي من تبوك مظفرين منصورين لم ينالوا كيدًا، وكفى الله المؤمنين القتال. وفي الطريق إلى المدينة تآمر اثنا عشر رجلًا من المنافقين، وقيل: أربعة عشر أو خمسة عشر على الغدر برسول الله ﷺ ومزاحمته على العقبة (١).
ولكن الله عصم رسول الله ﷺ منهم، فروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الطفيل ﵁ قال: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْعَقَبَةَ، فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ (٢).
فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: «قَدْ، قَدْ» (٣) حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط رسول الله ﷺ ورجع عمار، فقال: «يَا عَمَّارُ، هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟» فقال: قد عرفت عامة الرواحل
стр. 4351
والقوم متلثمون، قال: «هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوهُ»، قال: فسأل عمار رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ فقال: أربعة عشر، فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الأثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (١).
قال ابن كثير ﵀، وقد ورد أن نفرًا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي ﷺ وهم في غزوة تبوك في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية (٢): ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ٧٤].
ولما لاحت للنبي ﷺ معالم المدينة من بعيد قال: «هَذِهِ طَابَةُ (٣) وَهَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (٤). وتسامع الناس
стр. 4352
بمقدمه، فخرج النساء والصبيان يقابلن الجيش بحفاوة بالغة، روى البخاري في صحيحه من حديث السائب بن يزيد ﵁ قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك (١)(٢).
وكان خروجه إلى تبوك في رجب وعودته إلى المدينة في رمضان ضحى، «وقال بعضهم: إن قلنا أن عودته ﷺ في رمضان فهذا يقتضي خروجه ﷺ إلى تبوك في الخميس الثاني من شهر رجب وذلك الخميس يوافق الخامس والعشرين من شهر أكتوبر، وهو من الأيام المعتدلة القريبة من البرد ولاسيما في الصباح والمساء وتأتي بعد جذاذ التمر بزمان، بينما الخروج إلى تبوك كان في شدة الحر وفي أيام جذاذ التمر، ثم إن النبي ﷺ كان موجودًا في المدينة في شهر شعبان من هذه السنة حين توفيت ابنته أم كلثوم، فالصحيح أنه ﷺ رجع إلى المدينة في شهر رجب، وكان خروجه قبل ذلك بخمسين يومًا أي في شهر جمادى الأولى» (٣).
وكان قلما يقدم من سفر سافره إلا ضُحى، وكان
стр. 4353
يبدأبالمسجد، فأتى مسجده فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس.
فأما المنافقون - وهم بضعة وثمانون رجلًا فجاءوا يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار، وطفقوا يحلفون له، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله.
أما النفر الثلاثة من المؤمنين الصادقين وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فاختاروا الصدق، فأمر رسول الله ﷺ الصحابة ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة. وجرت ضد هؤلاء الثلاثة مقاطعة شديدة وتغير لهم الناس حتى تنكرت لهم الأرض، وضاقت عليهم بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وبلغت بهم الشدة إلى أنهم بعد أن قضوا أربعين ليلة من بداية المقاطعة أُمروا أن يعتزلوا نساءهم حتى تمت على مقاطعتهم خمسون ليلة، ثم أنزل الله توبتهم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ١١٨].
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ٩١]. وفرح المسلمون، وفرح الثلاثة فرحًا عظيمًا، وكان أسعد يوم من أيام حياتهم،
стр. 4354
وقال النبي ﷺ فيهم حين دنا من المدينة: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وَهُمَ بِالمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» (١).
فيتلخص من هذا ما ذكره ابن كثير ﵀: «أن المتخلفين عن غزوة تبوك أربعة أقسام: مأمورون مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلون وهم البكاءون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة أبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (٣).
стр. 4355
الكلمة السابعة والستون:
دروس وعبر من غزوة تبوك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فقد اشتملت هذه الغزوة المباركة على دروس عظيمة لعلي أذكر بعضًا منها:
١ - أن الجهاد بالمال لا يقل عن الجهاد بالنفس، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ٤١].
٢ - في هذه الغزوة فضيلة لعثمان ﵁ فقد أنفق إنفاقًا عظيمًا حتى قال ﷺ : «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» (١).
٣ - أن فيها منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق وعمر وعبد الرحمن
стр. 4356
ابن عوف وغيرهم من الصحابة ممن شاركوا في الإنفاق على جيش العسرة، حيث تصدق أبو بكر بماله كله وعمر بنصف ماله، وعبد الرحمن بن عوف أنفق ثمانية آلاف درهم ﵃.
٤ - أن المنافقين دأبهم الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين، وقد ذمهم الله غاية الذم وفضح أمرهم، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [سورة التوبة، الآيات: ٦٤ - ٦٦].
٥ - أن كثيرًا من الآيات في سورة التوبة نزلت تعالج موضوع الغزوة المباركة، نزل بعضها قبل الخروج، وبعضها بعد الخروج في السفر، وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة، وقد اشتملت على ذكر ظروف الغزوة وفضح المنافقين، وفضل المجاهدين والمخلصين وقبول التوبة من المؤمنين الصادقين الخارجين منهم في الغزوة، والمتخلفين، إلى غير ذلك من الأمور.
٦ - فضل الصحابة وحرصهم على الإنفاق في سبيل الله وتنافسهم
стр. 4357
في ذلك ولذلك جاء في الحديث: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (١).
٧ - إن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون قبل غزوة تبوك كان مكيدة للإسلام والمسلمين لا يراد به إلا الإضرار بالمسلمين والكفر بالله، وقد فضحهم الله وأنزل فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [سورة التوبة، الآيتان: ١٠٧ - ١٠٨].
وكان نزول هذه الآيات عندما رجع رسول الله ﷺ من تبوك، فلما نزلت هذه الآيات أمر بهدم المسجد.
٨ - أن فيها منقبة عظيمة لعلي بن أبي طالب عندما خلفه عند النساء والصبيان وقال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» (٢).
стр. 4358
٩ - فيه الزجر عن السكنى في ديار المعذبين.
١٠ - الإسراع عند المرور على ديار المعذبين (١).
١١ - ظهور بعض المعجزات والكرامات في هذه الغزوة، فمن ذلك عندما اشتد بهم العطش حتى إن الرجل لينحر البعير فيعصر فرثه فيشربه، فدعا النبي ﷺ ربه فنزلت السحابة فأمطرت ولم تتجاوز العسكر.
روى ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: حَدِّثْنَا مِنْ شَأْنِ الْعُسْرَةِ، قَالَ: خَرَجْنَا إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الْمَاءَ، فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى نَظُنَّ أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَوَّدَكَ اللهُ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا، فَادْعُ لَنَا، فَقَالَ: «أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْه ﷺ ، فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى أَظَلَّتْ سَحَابَةٌ، فَسَكَبَتْ، فَمَلَأُوا مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ، فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ» (٢).
стр. 4359
١٢ - ومنها كذلك عندما أصابهم الجوع الشديد فنحروا النواضح (١) وأكلوا منها حتى قل الظهر، فأمر النبي ﷺ بفضل أزوادهم ودعا فيها بالبركة، فأكلوا جميعًا منها وحلت فيها البركة.
١٣ - حسن خلق النبي ﷺ وإجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه، وإجراؤهم على العادة البشرية في الاحتياج إلى الزاد في السفر.
١٤ - فيه منقبة لأبي بكر الصديق ﵁ دالة على قوة يقينه بإجابة دعاء رسول الله ﷺ عندما أشار إليه بذلك، وعلى حسن نظره للمسلمين.
١٥ - فيه جواز المشورة على الإمام بالمصلحة وإن لم يُطلب منه الاستشارة (٢).
١٦ - أن النبي ﷺ كغيره من البشر لا يعلم إلا ما علمه الله، ولهذا لما ضلت ناقته لم يعرف مكانها حتى دله الله عليها وأرسل من يأتي بها.
١٧ - جواز ائتمام الفاضل بالمفضول، وهذا حصل عندما صلى النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف الركعة الأولى من
стр. 4360
صلاة الفجر ثم أتم الثانية وحدَهُ.
١٨ - فيها منقبة لأبي ذر ﵁ عندما أبطأ به بعيره فأخذ متاعه وحمله على ظهره ثم خرج ماشيًا حتى أدرك النبي ﷺ في الطريق.
١٩ - فيها منقبة لأبي قتادة ﵁ وذلك بحرصه على حراسة النبي ﷺ ودعائه ﷺ له.
٢٠ - أن من نام عن صلاة أو نسيها فكفارته أن يصليها إذا ذكرها، وليس في النوم تفريط. كما حصل للنبي ﷺ في الغزوة عندما تأخر عن صلاة الفجر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف ﵁.
٢١ - ظهور معجزات أخرى في هذه الغزوة المباركة، فقد عطش الناس وشربوا من غمر (١) النبي ﷺ وهم جمع كثير حتى ارتووا.
٢٢ - فيما جرى لأبي خيثمة ﵁ من ندمه على تخلفه عن رسول الله ﷺ ثم استدراكه للأمر ووصوله إلى تبوك بيان أن المؤمن إذا وقع منه التقصير سرعان ما يتنبه ويستدرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [سورة الأعراف، آية رقم: ٢٠١].
стр. 4361
٢٣ - أن ساقي القوم آخرهم شربًا، لقول أبي قتادة: فشربت وشرب رسول الله ﷺ .
٢٤ - من معجزاته ﷺ في هذه الغزوة إخباره ببعض الأمور الغيبية، كقوله لمعاذ: «يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا» (١).
٢٥ - أن النبي ﷺ كان يُحرس كل ليلة من أصحابه خشية العدو.
٢٦ - حرص النبي ﷺ ورحمته لأصحابه وذلك بقوله لهم: «أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ» (٢)، وكذلك ينبغي للأمير والقائد التحذير من المخاطر والأضرار.
٢٧ - كانت غزوة تبوك شاقة في بدايتها، ولكن كانت عاقبتها حميدة لما تحقق فيها من ظهور عزة الإسلام، ودخول الرعب في قلوب الأعداء، وما حصل من مكاسب سياسية من عقود، ومعاهدات، ومكاسب مالية، حصلت بالصلح والالتزام بدفع الجزية فتحقق بذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢١٦].
стр. 4362
٢٨ - أن المنافقين يكيدون المكائد والمؤامرات للفتك برسول الله ﷺ وقتله، ولا أدل على ذلك مما فعلوه بالعقبة حين هموا بطرح رسول الله ﷺ منها، فنجاه الله منهم. وذلك يوجب أخذ الحذر منهم والاحتياط لما يتوقع من كيدهم.
٢٩ - أن فيها منقبة لحذيفة بن اليمان ﵁ صاحب سر رسول الله ﷺ فإن النبي ﷺ أخبره بأسماء هؤلاء المنافقين الذين تآمروا على قتله واستكتمه ذلك.
٣٠ - أن الذي منع النبي ﷺ من قتل هؤلاء المنافقين هو خشية أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه فتحصل بذلك مفسدة تنفر الناس من الإسلام، وهذا من الأدلة للقاعدة المشهورة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
٣١ - حب النبي ﷺ الشديد للمدينة ولجبل أحد، ولهذا قال: «هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (١).
٣٢ - أن من حبسه العذر عن العمل الصالح كتب له أجره كاملًا فضلًا من الله.
٣٣ - مشروعية استقبال القادم من السفر وإظهار الفرح والسرور بمقدمه.
стр. 4363
٣٤ - مشروعية هجر أصحاب المعاصي إذا كان الهجر يؤدي إلى رجوعهم وفيه مصلحة.
٣٥ - من فضائل هذه الغزوة أن الله تعالى أنزل فيها عامة سورة التوبة، فضح فيها المنافقين وكشف فيها أحوالهم، وكذلك كان يسميها بعض أهل العلم: الفاضحة.
٣٦ - أن لهذه الغزوة أعظم الأثر في بسط نفوذ المسلمين، وتقويته على جزيرة العرب، فقد تبين للناس أنه ليس لأي قوة أن تبقى في العرب سوى قوة الإسلام.
٣٧ - انكسار شوكة المنافقين بعد هذه الغزوة، فقد كانوا يعقدون الآمال بانتصار الروم وهلاك المسلمين فخيب الله آمالهم.
٣٨ - أن الله أمر بالتشديد على المنافقين بعد هذه الغزوة ونهى عن قبول صدقاتهم والصلاة عليهم والاستغفار لهم، وأمر بهدم مسجدهم الضرار، وأنزل فيهم آيات تفضحهم، وكأن الآيات قد نصت على أسمائهم.
٣٩ - من فضائل هذه الغزوة تتابع الوفود من قبائل العرب الذين دخلوا في الإسلام بعد ظهور قوة المسلمين كقوة عظمى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4364
الكلمة الثامنة والستون:
مقتطفات من سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁ -:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته الدروس والعبر. هو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أهل الشورى وأحد السابقين البدريين، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، إنه عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة ابن كلاب القرشي الزهري أبو محمد واسم أمه صفية ويقال- الصفاء، حكاه ابن منده، ويقال: الشفاء، وهي زهرية أيضًا أبوها عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، حكاه أبو عمر. ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وأخرج الزبير بن بكار من طريق سهلة بنت عاصم قالت: كان عبد الرحمن بن عوف أبيض أعين (١) أهدب
стр. 4365
الأشفار، أقنى، له جمة أسفل من أُذنيه، أعنق ضخم الكتفين.
قال إبراهيم بن سعد عن أبيه: كان طويلًا أبيض، مشربًا حمرة حسن الوجه، رقيق البشرة لا يخضب، وروى زيد البكائي عن ابن إسحاق قال: كان ساقط الثنيتين، أهتم، أعسر، أعرج، أصيب يوم أُحد فهُتِم، وجرح عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج، قال عثمان: ما يستطيع أحد أن يعتد على هذا الشيخ فضلًا في الهجرتين جميعًا، ولقد كانت لهذه الصحابي الجليل مواقف عظيمة تدل على بذله ونصرته لهذا الدين.
فمن ذلك أنه ﵁ أسلم قديمًا قبل دخول دار الأرقم، وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا وسائر المشاهد، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال عبد عمرو فغيره النبي ﷺ . وآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، فروى البخاري في صحيحه من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، قال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أُطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال: النبي ﷺ : «مَهْيَمْ؟»، قال: تزوجت، قال: «كَمْ
стр. 4366
سُقْتَ إِلَيْهَا؟»، قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب، شك إبراهيم (١).
وبعثه النبي ﷺ إلى دومة الجندل وأذن له أن يتزوج بنت ملكهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي ففتح عليه، فتزوجها وهي تماضر أم ابنه أبي سلمة، وعن عمرو بن وهب الثقفي قال: كنا مع المغيرة بن شعبة فسئل: هل أم النبي ﷺ أحد من هذه الأمة غير أبي بكر، فقال: نعم، فذكر أن النبي ﷺ توضأ ومسح على خفيه وعمامته وأنه صلى خلف عبدالرحمن بن عوف وأنا معه ركعة من الصبح، وقضينا الركعة التي سُبِقْنا (٢).
قال معمر عن الزهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، وكان أكثر ماله من التجارة. وقيل أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا.
ومن مناقبه أن النبي ﷺ شهد له بالجنة، وأنه من أهل بدر الذين قيل لهم: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةَ - أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٣).
стр. 4367
ومن أهل هذه الآية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
روى الإمام أحمد في مسنده والطحاوي في مشكل الآثار: أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضًا له من عثمان بن عفان بأربعين ألف دينار فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين، قال المسور: فدخلت على عائشة ﵂ بنصيبها من ذلك فقالت: من أرسل بهذا؟ قلت: عبد الرحمن، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي إِلَّا الصَّابِرُونَ»، سَقى اللَّهُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوفٍ مِن سَلْسَبِيلِ الجنَّةِ (١).
وروى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي مِنْ بَعْدِيِ»، قال قريش: فحدثني محمد بن عمرو بن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أباه وصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بعده بأربعين ألف دينار (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث شقيق قال: دخل عبد
стр. 4368
الرحمن بن عوف ﵁ على أم سلمة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين إني أخشى أن أكون قد هلكت، إني من أكثر قريش مالًا، بعت أرضًا لي بأربعين ألف دينار، فقالت: أنفق يا بني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لَا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَهُ»، فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَتَاهَا، فَقَالَ: بِاللَّهِ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا، وَلَنْ أُبَرِّئَ أَحَدًا بَعْدَكَ (١). قال أنس ﵁: رأيت عبد الرحمن بن عوف، قُسِم لكل امرأة من نسائه بعد موته مئة ألف.
ومن أفضل أعمال عبد الرحمن ﵁ عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابيًا فيها لأخذها لنفسه أو ولّاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.
قال إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده، سمع عليًّا يقول يوم مات عبد الرحمن بن عوف: اذهب يا ابن عوف! فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها، الرنق - الكدر. ولكن ﵁ مع كثرة ماله كان يخشى على نفسه من أن يكون انفتاح الدنيا استدراجًا من الله له وهذا من تواضعه وتقواه، فروى البخاري في صحيحه من
стр. 4369
حديث سعد بن إبراهيم عن أبيه: أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أُتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غُطي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطي رجلاه بدا رأسه - وأُراه قال: وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بسط- أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام (١).
ومما يدل على فضله ومكانته ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف ﵄ شيء، فسبه خالد - وفي رواية أنه قال له: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا (٢) بها! فقال رسول الله ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (٣)، وفي رواية: «لَوْ أَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ - أو مِثْلَ الجِبَالِ - ذَهْبًا مَا بَلَغْتُمْ أَعْمَالَهُمْ» (٤).
стр. 4370
ومما يدل على علمه وفقهه أن عمر ﵁ رجع لحديثه في سرع ولم يدخل الشام من أجل الطاعون، عندما أخبره بحديث النبي ﷺ الذي خفي على جمع من الصحابة، وهو في الصحيحين (١).
ورجع إليه كذلك عمر في أخذ الجزية من المجوس، وهو في البخاري (٢)، وقال عنه عمر: عبد الرحمن سيد من سادات المسلمين.
قال طلحة بن عبد الله بن عوف: كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف، ثلث يقرضهم، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا.
قال إبراهيم بن عبد الرحمن: غُشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه، حتى قاموا من عنده وجللوه، فأفاق يكبر، فكبر أهل البيت، ثم قال لهم: غُشي علي آنفًا؟ قالوا: نعم، قال: صدقتم! انطلق بي في غشيتي رجلان أجد فيهما شدة وفظاظة، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فانطلقا بي حتى لقيا رجلًا، قال: أين تذهبان بهذا؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين، فقال: ارجعا فإنه من الذين كتب لهم السعادة والمغفرة وهم في بطون أمهاتهم، وإنه
стр. 4371
سيمتع به بنوه إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهرًا.
وذكر البخاري في تاريخه من طريق الزهري قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدرًا بأربعمائة دينار فكانوا مائة رجل.
قال أبو عمر بن عبدالبر: كان مجدودًا في التجارة، خلف ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومئة فرس، وكان يزرع بالجرف (١) على عشرين ناضحًا.
قال الذهبي ﵀: هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف، وقد مات سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنين وهو الأشهر وعاش اثنين وسبعين سنة، وقيل خمسًا وسبعين وقيل ثمانية وسبعين، قال ابن حجر: والأول أثبت، ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان ويقال الزبير بن العوام (٢).
رضي الله عن عبد الرحمن بن عوف، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4372
الكلمة التاسعة والستون:
مقتطفات من سيرة سعيد بن زيد ﵁ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، هذا الصحابي شهد المشاهد كلها أُحدًا والخندق والحديبية، وضرب له النبي ﷺ بسهمه يوم بدر لأنه كان غائبًا بالشام، فقد أرسله النبي ﷺ في مهمة يأتي بها عن خبر القوم فلم يشهدها، وكان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم وشهد حصار دمشق وفتحها، فولَاّه عليها أبو عبيدة بن الجراح، فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الأمة، قد شهد ﵁ معركة اليرموك، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فبشره النبي ﷺ بالجنة وهو على قيد الحياة.
إنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي
стр. 4373
العدوي، كان طوالًا آدم (١) أشعر، وأمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية، وامرأته هي ابنة عمه أخت عمر بن الخطاب. وهو ممن ابتلي وعُذب في أول الإسلام، فروى البخاري في صحيحه من حديث قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن زيد ﵁ يقول للقوم: لو رأيتُني مُوثقي عمر على الإسلام، أنا وأخته وما أسلم، ولو أن أحدًا انقض لما صنعتم بعثمان لكن محقوقًا أن ينقضَّ (٢).
ووالده زيد بن عمرو العدوي ممن فر إلى الله من عبادة الأصنام وساح في أرض الشام يتطلب الدين القيم، فرأى النصارى واليهود فكره دينهم، وقال: اللَّهم إني على دين إبراهيم، ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم ﵇ كما ينبغي، ولا رأى من يوقفه عليها، رأى النبي ﷺ ومات قبل بعثته.
روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أَنَّ زَيْدَ ابْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ اليَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَلَاَ أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ؟ فَهَلْ تَدُلُّنِي
وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف مع النبي ﷺ ، كانوا أمامه في القتال وخلفه في الصلاة. وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث رياح بن الحارث: أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر، وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاءه رجل يُدعى سعيد بن زيد، فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسب وسب، فقال: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: يسب علي بن أبي طالب، قال: يا مُغير بن شُعب يا مُغير بن شعب - ثلاثًا، ألا أسمع أصحابَ رسول الله ﷺ يُسبون عندك لا تنكر ولا تغير، فأنا أشهد على رسول الله ﷺ بما سمعت أُذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ ، فإني لم أكن أروي عنه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ، وَتَاسِعُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ»، لو شئت أن أُسميه لسميته، قال: فضج أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله! من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله، والله عظيم، أنا تاسع المؤمنين ورسول الله ﷺ العاشر، ثم أتبع ذلك يمينًا قال: والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله ﷺ أفضل من عمل أحدكم ولو عمر عُمُر نوح ﵇ (١).
стр. 4376
وكان ﵁ مستجاب الدعوة، فروى البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه: أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ! قال: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ»، فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: اللَّهم إن كانت كاذبة فعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت (١).
قال الذهبي ﵀: «لم يكن سعيدٌ متأخرًا عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة، وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقى له فيه شائبة حظ، لأنه ختنه وابن عمه، ولو ذكره في أهل الشورى لقالوا: حابى ابن عمه، فأخرج منها ولده وعصبته، فكذلك فليكن العمل لله.
قالت عائشة بنت سعيد: مات أبي بالعقيق فغسله سعد بن أبي وقاص وكفنه وخرج معه، توفي ﵁ سنة إحدى وخمسين
стр. 4377
وهو ابن بضع وسبعين سنة.
قال الذهبي ﵀: «فهذا ما تيسر من سيرة العشرة، وهم أفضل قريش وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الأمة في الدنيا والآخرة فأبعد الله الرافضة، ما أغواهم وأشد هواهم، كيف اعترفوا بفضل واحد منهم وبخسوا التسعة حقهم وافتروا عليهم بأنهم كتموا النص في علي أنه الخليفة، فوالله ما جرى من ذلك شيء، وأنهم زوروا الأمر عنه بزعمهم، وخالفوا نبيهم، وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم يتجر ويتكسب لا لرغبة في أمواله ولا لرهبة من عشيرته ورجاله، ويحك! أيفعل هذا من له مسكة عقل؟ ولو جاز هذا على واحد لما جاز على جماعة ولو جاز وقوعه من جماعة لاستحال وقوعه والحالة هذه من العرف من سادة المهاجرين والأنصار، وفرسان الأمة وأبطال الإسلام، لكن لا حيلة في برء الرفض فإنه داء مزمن، والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فلا قوة إلا بالله» (١). اهـ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4378
الكلمة السبعون:
شرح حديث: «من نفس عن مؤمن كربة» الحديث
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (١).
قوله ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا،
стр. 4379
نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، هذا يرجع على أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى، كقوله ﷺ : «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (١)، وقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ في الدُّنْيَا» (٢).
وقوله ﷺ : «وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣).
والكربة: هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها، مأخوذ من تنفيس الخناق، كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نفسًا، والتفريج أعظم من ذلك وهو: أن يزيل عنه الكربة فتنفرج عنه كربته ويزول همه وغمه.
فجزاء التنفيس: التنفيس، وجزاء التفريج: التفريج.
قوله: «كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، ولم يقل: من كرب الدنيا والآخرة كما في التيسير والستر، قيل في مناسبة ذلك:
стр. 4380
أن الكرب هي الشدائد العظيمة وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر، فإن أحدًا لا يكاد يخلو في الدنيا من ذلك ولو بتعسر بعض الحاجات المهمة، وقيل: لأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة لا شيء فادخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده لينفس به كرب الآخرة وشدائدها.
قوله ﷺ : «وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
هذا أيضًا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة، وقد وصف الله يوم القيامة بأنه «يوم عسير» فقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [سورة الفرقان، آية رقم: ٢٦].
والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين؛ إما بانظاره إلى الميسرة وذلك واجب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٨٠]، وتارة بالوضع عنه إن كان غريمًا، وإلا فبإعطائه ما يزول به إعساره، وكلاهما له فضل عظيم.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا