← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. ٥ - أن الله - سُبْحَانَهُ -: جبروته رحمة وعدل، لأنه بجبروته قهر الجبابرة وأذل الأكاسرة والفراعنة، وأنصف المظلومين من الظلمة، ونصر جنده على المعاندين والكفرة الفجرة. وقد توعد الله الجبابرة بالعذاب والنكال، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَاءِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ [سورة إبراهيم، آيات رقم: ١٥ - ١٧]. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ» (١). وفي رواية أخرى: «يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدِهِ» وَقَبَضَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا، «ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟» (٢).

стр. 4307

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ -وفي آخر الحديث- قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي» (٢). ٦ - الأرض كلها خبزة بيد الجبار - سُبْحَانَهُ - يوم القيامة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَكُونُ الأرْضُ يَومَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ» (٣). ٧ - كان النبي ﷺ يدعو بين السجدتين فيقول: «اللَّهُمَّ

стр. 4308

اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي، وفي رواية: وعافني وَاهْدِنِي» (١) (٢). قال ابن الأثير ﵀: واجبرني أي: أغنني، من جبر الله مصيبته، أي: رد عليه ما ذهب منه وعوضه، وأصله من جبر الكسر (٣). وكان النبي ﷺ يعظم ربه بهذا الاسم في ركوعه وسجوده فيقول: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (٤). ٨ - أنه ينبغي للمؤمن أن يكون متواضعًا وأن يبتعد عن صفة التكبر والتجبر، قال تعالى- ذامًّا لهذه الصفة عن نبي الله هود وهو يخاطب قومه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ [سورة الشعراء، آية رقم: ١٣٠]، وقال تعالى عن نبي الله عيسى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [سورة مريم،

стр. 4309

آية رقم: ٣٢]، روى البخاري ومسلم من حديث المسور بن مخرمة ﵄ أن أباه مخرمة قال له: يا بني إنه بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها، فاذهب بنا إليه، فذهبنا فوجدنا النبي ﷺ في منزله، فقال لي: يا بُني ادع لي النبي ﷺ ، فأعظمت ذلك فقلت: أدعو لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ، فَدَعَوْتُهُ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ، فَقَالَ: «يَا مَخْرَمَةُ، هَذَا خَبَأْنَاهُ لَكَ» فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ (١). ٩ - أنه يشرع للمؤمن أن يسأل ربه من خير الدنيا والآخرة ويتضرع بهذا الاسم الجبار فيقول: يا جبار السموات والأرض أصلح لي شأنه كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4310

الكلمة الثانية والستون: شرح اسم الله: «الستير» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في السنة الستير، فروى أبو داود في سننه من حديث يعلى ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (٢).

стр. 4311

وللستير روايتان، إحداهما كسر السين وتشديد التاء مكسورة، وذلك في قوله ﷺ : ««إِنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ» (١). والثانية: فتح السين وكسر التاء مخففة (٢). قال البيهقي: الستير يعني أنه ساتر على عباده كثيرًا ولا يفضحهم في المشاهد، وكذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم، واجتناب ما يشينهم، والله أعلم (٣). وقال ابن الأثير: ستير فعيل بمعنى فاعل، أي من شأنه وإرادته حب الستر والصون (٤)، قال ابن القيم ﵀: وَهُوَ الحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ ... عِنْدَ التَّجاهُرِ مِنْهُ بِالعِصْيَانِ لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْرَهُ ... فَهُوَ السِّتِّيرُ وَصَاحِبُ الغُفرَانِ وقال المناوي: ستير بالكسر والتشديد، أي تارك لحب القبائح، ساتر للعيوب والفضائح، فعيل بمعنى فاعل (٥).

стр. 4312

من آثار الإيمان بهذا الاسم (الستير): ١ - أن الله تعالى ستير يحب الستر والصون، فيستر على عباده الكثير من الذنوب والمعاصي. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن رجلًا سأله: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ ويَسْتُرُهُ، فيَقولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فيَقولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حتَّى إذَا قَرَّرَهُ بذُنُوبِهِ، ورَأَى في نَفْسِهِ أنَّه هَلَكَ، قالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنَا أغْفِرُهَا لكَ اليَومَ، فيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ» (٢). قال المهلب: «في الحديث تفضل الله على عباده بستره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم» (٣).

стр. 4313

٢ - أن الله أمر بالستر وكره المجاهرة بالمعصية، ومحبة نشرها بين الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [سورة النور، آية رقم: ١٩]. فإذا كان مجرد الحب صاحبه مهدد بالعذاب، فكيف بمن يجهر وينشر ويساعد على هذه الفواحش والمنكرات؟ بل ويسن القوانين لحمايتها. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إلَّا المُجَاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» (١). قال ابن بطال ﵀: «في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم. وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذل أهلها، ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حدًّا، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه

стр. 4314

في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك (١). ٣ - إن الله يحب الستر فإذا تلبس المؤمن بشيء من هذه القاذورات فعليه التوبة وأن يستر ذلك ويكثر من الأعمال الصالحة. روى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، وَلْيُتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لْنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ » (٢). ٤ - أن الله تعالى نهى عن تتبع عورات المسلمين وحث على الستر عليهم فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَبَّعُوا عَوَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوَرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن

стр. 4315

عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: « ... وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). قال النووي ﵀: «المراد بالستر؛ الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب ألا يُستر عليه، فيرفع أمره إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر عليه يطمعه في الإيذاء والفساد» (٢). ٥ - كان من دعائه ﷺ طلب الستر من الله، روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي، - وقال عثمان: عَوْرَاتِي- وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (٣). قال أبو داود، قال

стр. 4316

وكيع: يعني: الخسف (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4317

الكلمة الثالثة والستون: شرح اسم الله: «الملك المالك المليك» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة الملك، والمالك، والمليك، وقد ورد ذكر الملك في عدة مواضع، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [سورة طه، آية رقم: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [سورة الجمعة، آية رقم: ١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [سورة الناس، آيتان رقم: ١ - ٢]،

стр. 4318

وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [سورة غافر، آية رقم: ١٦]، وقد ورد ذكر المليك مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [سورة القمر، آيتان رقم: ٥٤ - ٥٥]، وقد ورد ذكر اسم المالك مرتين في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [سورة الفاتحة، آية رقم ٤]، وفي قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٢٦]. قال الزجاج: وقال أصحاب المعاني: «الملك؛ النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره أو تصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والملاك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى» (١). وقال الخطابي ﵀: «الملك هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات» (٢). «فأما المالك فهو الخاص الملك» (٣).

стр. 4319

أما المليك الذي ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [سورة القمر، آية رقم: ٥٥]، قال ابن كثير ﵀: «أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون» (١). وقال ابن القيم ﵀: «إن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العز وإذلال من يليق به الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [سورة آل عمران، آيتان رقم: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [سورة الرحمن، آية رقم: ٢٩]، يغفر ذنبًا ويفرج كربًا، ويكشف غمًا وينصر مظلومًا، ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيًا، ويغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويشفي مريضًا، ويقيل عثرة ويستر عورة، ويعز ذليلًا، ويذل عزيزًا، ويعطي سائلًا، ويذهب بدولة، ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها

стр. 4320

ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه، ونفذ حكمه، وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده، تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك، لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان، والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك» (١). من آثار الإيمان بهذا الأسماء: ١ - تفرد الله تعالى بالملك لا شريك له دليل ظاهر على وجوب إفراده وحده بالعبادة، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [سورة المؤمنون، آية رقم: ١١٦]» (٢). وأن عبادة من سواه ممن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا حياة ولا موتًا ولا نشورًا أعظم الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ٦٧].

стр. 4321

٢ - اختصاصه بالملك - سُبْحَانَهُ - يوم القيامة، قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [سورة الفاتحة، آية رقم: ٤]، إنما اختص الله نفسه بأنه مالك يوم الدين مع أنه مالك الدنيا والآخرة لأمرين اثنين: (أ) أن الله يبدل الأرض في ذلك اليوم غير الأرض والسموات غير السموات، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [سورة إبراهيم، آية رقم: ٤٨]. (ب) أن البشر لهم شبهة ملك في الحياة الدنيا، فهم يملكون الضياع والقصور والبساتين والذهب والفضة، ولكنهم بين خيارين، إما أن يزول عنهم ما يملكونه في الدنيا، وإما أن يزولوا عنه ويخلفوه وراءهم، فهو ملك زائل وعارية مسترجعة. وفي يوم الحساب والجزاء لا يملكون شيئًا، فالناس في ذلك اليوم يحشرون حفاة عراة غرلًا بهمًا، كما قال - سُبْحَانَهُ -: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [سورة الأنعام، آية رقم: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [سورة الفرقان، آية رقم: ٢٦]. ٣ - أن الله تعالى الملك له القدرة العظيمة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو على كل شيء قدير، قال تعالى:

стр. 4322

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [سورة فاطر، آية رقم: ٤٤]. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يَا أبَا الْقَاسِمِ! أَبَلَغَكَ أَنَّ اللهَ يَحْمِلُ الخَلَائِقَ عَلَى إصْبَعٍ، وَالسَّمَاوَاتِ عَلَى إصْبَعٍ، والأرَضِينَ عَلَى إصْبَعٍ، والشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ، والثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ؟! فَضَحِكَ النبيُّ ﷺ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فأنزلَ الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١). وفي رواية: يقول الله ﵎: «أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟» (٢). وروى أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ٦٧]، وَرَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ أَنَا الْجَبَّارُ أَنَا الْمُتَكَبِّرُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْعَزِيزُ أَنَا الْكَرِيمُ»، فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرَّن به (٣).

стр. 4323

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود ﵁ في قصة الرجل - الذي هو آخر من يدخل الجنة - وجاء فيه أن الله يقول له: «اذْهَب فَادْخِلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهَا، فيَ قُولُ: تَسْخَرُ مِنِّي - أوْ: تَضْحَكُ مِنِّي - وَأَنْتَ المَلِكُ»، فَلقَدْ رَأَيْتُ رَسولَ الله ﷺ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ (١)، وفي رواية: «إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (٢). ٤ - تحريم التسمِّي بملك الملوك، وأن الله يبغض من تسمَّى بذلك، أو حاكم الحكام أو سلطان السلاطين، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَخْنَى الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ» (٣). زاد ابن أبي شيبة في روايته: «لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ » (٤). قال الأشعتي: قال سفيان: مثل شاهان شاه. وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو عن أخنع؟ فقال: أوضع.

стр. 4324

وفي رواية مسلم: «أغْيَظُ رَجُلٌ علَى اللَّهِ يَومَ القِيامَةِ، وأَخْبَثُهُ وأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ، رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ، لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ» (١). قال ابن حجر ﵀: واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعيد الشديد، ويلتحق به ما في معناه مثل: خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء (٢). وقال ابن القيم ﵀: وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا «قاضي القضاة»، وقال: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي بالحق وهو خير الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون (٣). ٥ - أن النبي ﷺ كان يمجد ربه ويُثني عليه بهذا الاسم: الملك، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ،

стр. 4325

وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... » (١) الحديث. وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسى قال: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»، قال الحسن: فحدثني الزبيد أنه حفظ عن إبراهيم في هذا: «لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ»، وإذا أصبح قال ذلك أيضًا: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4326

الكلمة الرابعة والستون: شرح اسم الله: «القوي المتين» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. فروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في كتاب الله: القوي المتين. أما القوي فقد جاء ذكره في القرآن في عدد من المواضع، قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ [سورة الأنفال، آية رقم: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ

стр. 4327

عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [سورة الحج، آية رقم: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [سورة هود، آية رقم: ٦٦]. وأما المتين فقد ورد مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [سورة الذاريات، آية رقم: ٥٨]. قال ابن جرير ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إن الله قوي لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، ينفذ أمره، ويمضي قضاءه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه (١). وقال الخطابي ﵀: «القوي قد يكون بمعنى القادر، ومن قوي على شيء فقد قدر عليه، ويكون معناه: التام القوة الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والمخلوق وإن وصف بالقوة فإن قوته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة» (٢). وقال الشيخ السعدي ﵀: «القوي المتين، هو في معنى العزيز، والعزيز الذي له العزة كلها، عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر

стр. 4328

جميع الموجودات، ودانت له الخليقة، وخضعت لعظمته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد. ومن قوته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوته أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى وعصفت بهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي المتين» (١). أما المتين، فقد قال ابن قتيبة: «الشديد القوي» (٢)، وقال الخطابي: المتين الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة ولا يمسه لغوب (٣). وفي المقصد: القوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة لله تعالى (٤). قال ابن القيم ﵀: وَهُوَ القَوِيُّ لَهُ القُوَى جَمعًا ... تعَالَى اللَّهُ ذُو الأَكْوَانِ وَالْأَزْمَانِ

стр. 4329

من آثار الإيمان بهذين الاسمين: ١ - أن القوة لله جميعًا وحده لا شريك له، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، فالعزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله الله، قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [سورة المجادلة، آية رقم: ٢١]. فينبغي التعلق بالله والالتجاء إليه وحده، وطلب النصر منه إيمانًا ويقينًا بحصول النجاة مما يخاف والامتناع مما يضر والدفع لكل مكروه، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة، آية رقم: ٢١]. ٢ - قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [سورة مريم، آية رقم: ١٢]، قال ابن كثير ﵀: أي بجد وحرص واجتهاد (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [سورة القصص، آية رقم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال: آية رقم: ٦٠]، تضمن هذان الاسمان

стр. 4330

الكريمان صفتين عظيمتين وهما القوة والمتانة، وقد وهب الله تعالى لعباده من هاتين الصفتين ما يليق بهم. وقد وردت النصوص تحث على الاتصاف بهما، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وإنْ أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١). ٣ - أنه يشرع للمؤمن أن يسأل ربه بهذا الاسم: القوي المتين، أن يرزقه ويشفيه ويعطيه من خير الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [سورة الذاريات، آية رقم: ٥٨]، روى مسلم في صحيحه والترمذي من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: أَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ». قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ (٢). ٤ - أنه لا قوة للعبد على طاعة الله إلا بقوة الله تعالى

стр. 4331

وتوفيقه، ولا حول له على اجتناب المعاصي إلا بالله تعالى، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن قيس ﵁ أن النبي ﷺ قال له: يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة (١) هي من كنوز الجنة: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (٢)، قال النووي ﵀: قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر (٣). وقيل: معناه: «لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله». ٥ - الإيمان بهاتين الصفتين في الدنيا يفضي بصاحبه إلى أنه لا يتعلق إلا بالله، ولا يعتمد إلا على الله تعالى، ويتخلى عن كل ما دونه لعلمه أن ما دون الله ضعيف لا قوة له ولا حول. وهذه الحقيقة تنكشف يوم القيامة لمن تعلق بغير الله في الدنيا ولكن لا ينفعهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٦٥].

стр. 4332

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4333

الكلمة الخامسة والستون: وقفات مع قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢١٦] «هذه الآية فيها فرض القتال في سبيل الله، بعدما كان المؤمنون مأمورين بتركه لضعفهم وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وكثر المسلمون وقووا، أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس لما فيه من التعب والمشقة، وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا فهو خير محض لما فيه من الثواب العظيم، والتحرز من العقاب الأليم، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم، وغير ذلك مما هو مُرب على ما فيه من الكراهة. قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وذلك مثل القعود عن

стр. 4334

الجهاد لطلب الراحة فإنه شر لأنه يعقبه الخذلان، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب. وهذه الآيات عامة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحبها النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك، وأما أحوال الدنيا فليس الأمر مطردًا، ولكن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا أحب أمرًا من الأمور فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خيرُ له، فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله، ويعتقد الخير في الواقع لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾. فاللائق بكم أن تمشوا مع أقداره سواء سرتكم أو ساءتكم» (١). قال ابن القيم ﵀: في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد: فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرةُ من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ لعدم علمه بالعواقب؛ فإن الله يعلمُ منها ما لا يعلمهُ العبدُ.

стр. 4335

أوجب له ذلك أمورًا: (أ) امتثال الأمر: منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر، وإن شق عليه في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيراتٌ ومسراتٌ ولذاتٌ وأفراحٌ، وإن كرهته نفسه فهو خيرٌ لها وأنفعُ. وكذلك لا شَيءَ أضر عليه من ارتكاب النهي، وإن هويته نفسه ومالت إليه؛ فإن عواقبه كلها آلامٌ وأحزانٌ وشرورٌ ومصائبُ، وخاصية العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعْقبها من الألم العظيم والشر الطويل. فنظرُ الجاهل لا يجاوزُ المباديَ إلى غاياتها، والعاقل الكيس دائمًا ينظر إلى الغايات من وراء ستور مباديها، فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي كطعام لذيذٍ قد خُلط فيه سم قاتلٌ، فكلما دعته لذاته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم، ويرى الأوامر كدواءٍ كريه المذاق مُفض إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول. ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تُدرك به الغايات من مباديها، وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما

стр. 4336

يؤمل عند الغاية؛ فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك، وإذا قوي يقينه وصبره هان عليه كل مشقةٍ يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة. (ب) التفويض إلى الله: ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له، لما يرجو فيه من حُسن العاقبة. ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم؛ فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم! فلا يختار على ربه شيئًا، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك. ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه، ورضي بما يختاره له؛ أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حُسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه، بما يختاره هو لنفسه. (ج) تفريغ القلب من الشواغل: ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتبعة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبةٍ

стр. 4337

وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قُدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمودٌ مشكورٌ ملطوفٌ به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذمومٌ غير ملطوفٍ به فيه؛ لأنه مع اختياره لنفسه. ومتى صح تفويضه ورضاه؛ اكتنفه في المقدور العطف عليه، واللطف به، فيصير بين عطفه ولُطفه، فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره. إذا نفذ القدرُ في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده، فلا أنفع له من الاستسلام له والرضى به (١)! ومن فوائد الآية الكريمة: ١ - فرضية الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾. ٢ - أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه؛ لا كراهته من حيث أمر الشارع به، ولكن كراهته من حيث الطبيعة؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به. ٣ - أن البشر لا يعلمون الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.

стр. 4338

٤ - أن الله قد يحكم حكمًا شرعيًا، أو كونيًا على العبد بما يكره وهو خير له. ولذلك جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «أَسْلِمْ»، قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي كَارِهًا، قَالَ: «وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا» (١) (٢). في غزوة بدر خرج النبي ﷺ وأصحابه من أجل أخذ العير التي تحمل بضائع قريش فصرفهم الله إلى ما يكرهون، قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ [سورة الأنفال، آية رقم: ٥]، فكان اختيار الله لهم خير من اختيارهم لأنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [سورة الأنفال، آيتان رقم: ٧ - ٨]. ٥ - كما ذكر تعالى أن الإنسان قد يحب ما هو شر له ويكره ما هو خير له وبين سبب ذلك والدليل عليه، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.

стр. 4339

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4340

الكلمة السادسة والستون: غزوة تبوك أو العسرة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. كانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع للهجرة، وهي آخر غزوات رسول الله ﷺ . روى البخاري ومسلم من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: لم أتخلف عن النبي ﷺ في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك .. وهي آخر غزوة غزاها (١). وكانت هذه الغزوة في وقت حار جدًّا وقحط، وضيق شديد

стр. 4341

في النفقة والظهر (١) والماء؛ ولذلك سميت بالعسرة (٢). وقد اختلف في سبب هذه الغزوة، فروى ابن سعد في طبقاته أن رسول الله ﷺ بلغه أن هرقل ملك الروم جمع جموعًا كثيرة من الروم والغساسنة وقبائل العرب الموالية له، فعلم رسول الله ﷺ بهم فخرج إليهم (٣). ويشهد لهذا قول عمر بن الخطاب ﵁ الذي يروي قصة هجر رسول الله ﷺ أزواجه، قال عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ فينزل يومًا وأنزل يومًا. فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عشاء، فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: قد حدث اليوم أمر عظيم، قلت له: ما هو؟ أجاء غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأهول طلق

стр. 4342

رسول الله ﷺ نساءه (١). قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب يعني من سنة تسع، ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها، إلا ما كان من غزوة خيبر، وغزوة تبوك، فغزوة خيبر، فلأن الله تعالى وعد رسول الله ﷺ بفتحها، وأما غزوة تبوك فلبعد الشقة (٢) (٣)، وشدة الزمان، إذ كان ذلك في شدة الحر، حين طابت الظلال وأينعت الثمار، وحبب إلى الناس المقام، وكثرة العدو، والمسافة بعيدة والطريق وعرة صعبة. وكان لهذه العوامل أثرها في تثاقل بعض الناس عند النفرة، فبدأت الآيات تنزل في سورة التوبة لتعالج هذا الأمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ

стр. 4343

وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [سورة التوبة، الآيات: ٣٨ - ٤٠]. وأسرع المسلمون يتجهزون للخروج، وأخذت القبائل تقدم المدينة من كل حدب وصوب، منها غفار، وأسلم، وجهينة، وأشجع، وبنو كعب من خزاعة. ولم يرض أحد من المسلمين أن يتخلف عن هذه الغزوة إلا الذين في قلوبهم مرض وإلا ثلاثة نفر - تاب الله عليهم في آخر الأمر - حتى كان يجيء أهل الحاجة والفاقة يستحملون رسول الله ﷺ ليخرجوا إلى قتال الروم، قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ٩٢]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ العُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْء»، وَوَافَقْتُهُ، وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ

стр. 4344

فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً، إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ القَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ -، فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ» (١) الحديث. كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال، وبذل الصدقات، فهذا عثمان بن عفان ﵁ كان قد جهز عيرًا للشام، مائتي بعير بأقتابها (٢) وأحلاسها (٣) ومائتي أوقية، فتصدق بها ثم تصدق بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره ﷺ ،فكان رسول الله ﷺ يقلبها ويقول: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» (٤). قال الزهري: جهز عثمان بن عفان جيش المسلمين في تبوك بستعمائة وأربعين بعيرًا وستين فرسًا.

стр. 4345

وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله وكانت أربعة آلاف درهم، وهو أول من جاء بصدقته. وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد ابن سلمة، كلهم جاءوا بمال، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها حتى كان منهم من أنفق مدًّا أو مدين ولم يكن يستطيع غيرها، وبعثت النساء ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتم، ولم يمسك أحد يده، ولم يبخل بماله إلا المنافقون وكانوا يؤذون المؤمنين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [سورة التوبة، آية: ٧٩]. وهكذا تجهز الجيش، واستعمل رسول الله ﷺ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل: سباع بن عرفطة. وخلف على أهله علي بن أبي طالب وأمره بالإقامة فيهم، وغمض عليه المنافقون فخرج فلحق رسول الله ﷺ فرده إلى المدينة وقال: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي» (١).
следующие страницы →