← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال لأصحابه الأنصار: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْحَوْضِ» (١). رابعاً: المحافظة على الوضوء، روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة ﵁: أن النبي ﷺ عندما ذكر الحوض قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ» (٢). اللهم أوردنا حوض نبيك، واجعلنا من المتبعين لسنته، اللهم اسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا، اللهم احشرنا في زمرته، واجعلنا من أتباعه مع النبيين، والصديقين والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 492

الكلمة الثامنة والتسعون: شرح اسم من أسماء الله الحسنى (الشافي) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا، مِئَةً إِلَاّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة: «الشافي»، والشفاء يشمل شفاء الأبدان، وشفاء الصدور من الشبه والشهوات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا عاد مريضًا يقول: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَاّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغادِرُ سَقَمًا» (٢). وفي هذا الحديث طلب الشفاء من جميع الأمراض، وليس من ذاك المرض الذي أصيب به المريض، ويشرع للمسلم أن يقول: «يا

стр. 493

شافي اشفني» فالله يشفي من أمراض القلوب كالغل، والحسد، والشهوات، ويشفي من أمراض الأبدان، ولا يُدعى بهذا الاسم سواه. ومن آثار الإيمان بهذا الاسم: أولاً: أن الله تعالى هو الشافي، ولا شافي إلا هو، ولا شفاء إلا شفاؤه، ولا يرفع المرض إلا هو، سواء كان مرضًا بدنيًا أو نفسيًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. ثانيًا: أن الله تعالى هو الشافي، لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء، وله أسباب، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً، إِلَاّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (١). ومن الأسباب التي جعلها الله شفاء: الدعاء: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، روى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَاّ عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» (٢). ومنها القرآن العظيم: قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].

стр. 494

وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وكان النبي ﷺ يزور المرضى، ويدعو لهم، ويرقيهم بكتاب الله تعالى، كما كان يرقي نفسه بالقرآن، كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵄: أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: «بِسْمِ اللهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (١)، «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» (٢). ومنها العسل: قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. ومنها الحبة السوداء: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَاّ السَّامَ»، قال ابن شهاب: «وَالسَّامُ الْمَوْتُ» (٣). ومنها الحجامة: روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (٤). ومنها ماء زمزم: روى ابن ماجه في سننه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٥)، وقد جربت أنا وغيري

стр. 495

من الإستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر، ولا يجد جوعاً، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مراراً (١). وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (٢). ومنها ما أنزله الله في الأرض من ترابها، ومياهها، وأشجارها، وثمارها، وغير ذلك مما خص الله بعلمه من شاء من عباده. ثالثًا: أن هذا الشفاء قد يتأخر لحكمة إلهية، رفعًا لدرجات المريض، وتكفيرًا لسيئاته: قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]، ذكر بعض المفسرين أنه لبث في مرضه ثمانية عشر عامًا ابتلاء من الله لنبيه، روى الترمذي في سننه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ» (٣). ومما نبه عليه بعض أهل العلم أن بعض المرضى إذا أصيبوا بمرض تعلقت قلوبهم بالأسباب، كالمستشفيات، والأطباء، والواجب أن يكون

стр. 496

تعلق القلب بالذي أنزل الداء، ولا يرفعه إلا هو. وعلى المريض أن يحذر من اليأس، وإن استعصى مرضه، ففرج الله قريب، يذكر لي أحد الإخوة وقد أصيب بحادث سيارة أنه مكث في غيبوبة أربعة أشهر، ووالدته تقرأ عليه القرآن في سرير المستشفى، وتدعو له، ثم استيقظ من هذه الغيبوبة، وقد شفاه الله، وهو حي يرزق، فسبحان الله الشافي، ورجل آخر أصيب بمرض السرطان، وقرر الأطباء أن ليس له علاج، فاستمر على العسل والحبة السوداء مع خلطهما ببعض الأعشاب لعدة أشهر، فشفاه الله وعافاه، فسبحان الله العزيز الحكيم. ويذكر أحد المسؤولين في الحرم المكي أن ناسًا من هؤلاء المرضى، الذين قرر الأطباء أن ليس لهم علاج ممن أصيبوا بأمراض مستعصية، أنهم اعتكفوا في المسجد الحرام يشربون من ماء زمزم، ويدعون ربهم، ويتضرعون إليه، فإنه لا ملجأ منه إلا إليه، فشفاهم الله الشافي، والقصص في هذا كثيرة، وما ذكرته غيض من فيض، وقليل من كثير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 497

الكلمة التاسعة والتسعون: خطر الدش الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فحديثنا اليوم عن فتنة دخلت بيوت كثير من المسلمين، وحصل منها الكثير من الشرور والمفاسد، إنه الدش؛ والكلام عنها يكون في العناصر التالية: أولاً: المخالفات الشرعية، ثانيًا: أقوال العلماء، ثالثًا: شبهات والجواب عنها، برنامج ستار أكاديمي وخطورته. فمن تلك المخالفات ما يتعلق بأمور العقيدة، وهو أخطر ما يكون، فهو يعرض صور الكفار وحضارتهم بطريقة تدعو إلى الإعجاب والميل لهم، وبالتالي يضعف جانب البراءة من المشركين والكفار المأمور به في الآيات الكريمات، والأحاديث الشريفة، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضُ فِي اللهِ» (١). ومنها: إظهار بعض الشعائر الإسلامية بصورة كريهة، كوضع

стр. 498

اللحية على رجل ناقص العقل، وتمثيل تعدد الزوجات على أنه خيانة زوجية، ولمز الصالحين، وأهل الخير، ونحو ذلك مما هو استهزاء صريح بشعائر الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. ومنها: تصوير الاختلاط بين الرجال والنساء على أنه لا حرمة فيه، عن طريق المسلسلات، وقصص الحب والغرام، وهذا يؤدي إلى نشر الفاحشة والرذيلة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. والمؤمن مأمور بغض البصر عن النساء الأجنبيات، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله قال: «سَأَلْتُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» (١)، فكيف بمن يتعمد النظر في النساء الكاسيات العاريات، وهن بكامل زينتهن على شاشات القنوات الفضائية، وكذلك رؤية النساء للرجال الأجانب وهم بكامل زينتهم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ومنها: الغناء المصحوب بالمعازف، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]، وأكثر المفسرين كابن عباس، وابن مسعود فسروه بالغناء، وكان ابن مسعود يحلف على ذلك، روى البخاري في

стр. 499

صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ قال: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ» (١)، فإخبار النبي ﷺ على أنهم يستحلونها معنى ذلك أنها في الأصل حرام. ومنها: قتل الغيرة عند المسلمين، وكيف يرضى المسلم الغيور أن تجلس زوجته وبناته أمام شاشات القنوات الفضائية ينظرن إلى الشباب والشابات، وهم في أوضاع جنسية سيئة يندى لها الجبين، ويتفطر لها القلب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ ! لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» (٢)، قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «شاع في هذه الأيام بين الناس ما يسمى بالدش، أو بأسماء أخرى، وأنه ينقل جميع ما يبث في العالم من أنواع الفتن والفساد، والعقائد الباطلة، والدعوة إلى أنواع الكفر والإلحاد، مع ما يبثه من الصور النسائية، ومجالس الخمر والفساد، وسائر أنواع الشر الموجود في الخارج، وثبت لدي أنه قد استعمله كثير من الناس، وأن آلاته تباع وتصنع في البلاد، فلهذا وجب علي التنبيه إلى خطورته، ووجوب محاربته والحذر منه، وتحريم استعماله، في البيوت وغيرها، وتحريم بيعه وشرائه، وصنعه أيضًا، لما في ذلك من الضرر العظيم، والفساد الكبير، والتعاون على الإثم والعدوان، ونشر الكفر والفساد بين المسلمين، والدعوة إلى ذلك بالقول والعمل ...... إلى آخر ما قال» (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ

стр. 500

يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَاّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (١). وهذه الرعاية تشمل الرعاية الكبرى، والرعاية الصغرى، وتشمل رعاية الرجل في أهله، لقول النبي ﷺ : «الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهلِهِ، وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ» (٢)، وعلى هذا فمن مات وقد خلف في بيته شيئًا من صحون الاستقبال، فإنه قد مات وهو غاش لرعيته، وسوف يحرم من الجنة كما جاء في الحديث، ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا الدش الذي ركبه الإنسان قبل موته فإن عليه وزرها بعد موته، وإن طال الزمن، وكثرت المعاصي. فاحذر أخي المسلم أن تخلف بعدك ما يكون إثمًا عليك في قبرك، وما كان عندك من هذه الدشوش فإن الواجب عليك أن تكسره؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا على وجه محرم غالبًا، ولا يمكن بيعه؛ لأنك إذا بعته مكنت المشتري من استعماله في معصية الله، وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، وكذلك إذا وهبته، فإنك معين على الإثم والعدوان، ولا طريق للتوبة من ذلك قبل الموت، إلا بتكسير هذه الآلة «الدش» التي حصل فيها من الشر والبلاء ما هو معلوم اليوم للعام والخاص، فاحذر يا أخي أن يأتيك الموت فجأة، وفي بيتك هذه الآلة الخبيثة، فإن إثمها ستبوء به، وسوف يجري عليك بعد موتك» (٣). ومن الشبهات قول بعضهم: «إنه يشاهد في هذا الدش البرامج الدينية، وأخبار العالم، فيقال: إن هذا موجود في إذاعة القرآن الكريم وأفضل منه، وقد نصح الشيخ ابن باز ﵀ بالاستماع إليها، وغيرها من البدائل الأخرى».

стр. 501

سئلت اللجنة الدائمة عن برنامج تعرضه إحدى القنوات الفضائية المسمى باستار أكاديمي، وما يشابهه من البرامج، وبعد دراسة الموضوع رأت اللجنة تحريم بث هذه البرامج، ومشاهدتها، وتمويلها، والمشاركة فيها، والاتصال عليها للتصويت، أو إظهار الإعجاب بها، وذلك لما اشتملت عليه تلك البرامج من استباحة للمحرمات المجمع على تحريمها والمجاهرة بها، ففي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري: قال النبي ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ» (١). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَاّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (٢). وأي مجاهرة بالمحرمات والفواحش تفوق ما تبثه هذه البرامج، التي اشتملت على جملة من المنكرات العظيمة؟ ! من أهمها: أولاً: الاختلاط بين الجنسين من الذكور والإناث، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (٣). فكيف بهذه البرامج التي تقوم فكرتها الرئيسية على خلط الجنسين من

стр. 502

الذكور والإناث، وإزالة الحواجز فيما بينهم مع ما عليه الإناث من التبرج والسفور، وإظهار المفاتن مما يسبب الشر والبلاء، قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]. ثانيًا: الدعوة الصريحة للفاحشة، ووسائلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. ثالثًا: الدعوة إلى إماتة الحياء، وقتل الغيرة في قلوب المسلمين بألفة مشاهدة هذه المناظر التي تهيج الغرائز، وتبعد عن الأخلاق والفضائل، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي مسعود البدري: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى، إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (١)، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ ! لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (٢). ولا يكفي في ذلك أيها المسلم أن تترك المشاركة في هذه البرامج والنظر إليها، بل يجب عليك النصح والتذكير لمن تعلم أنه يشارك فيها بأي وجه من الوجوه، لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان (٣). اهـ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 503

الكلمة المئة: «فضل صلاة الفجر» الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن نعم الله علينا كثيرة لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ومن بين هذه النعم العظيمة: نعمة النوم التي امتن الله بها على عباده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩]، فسكون العبد ساعات بالليل بعد حركة النهار المتواصلة مما يساعد على حياة المسلم وبقاء نمائه ونشاطه؛ ليؤدي وظائفه التي خلقه الله من أجلها، ومن بين هذه الوظائف: صلاة الفجر جماعة في المسجد، وهي صلاة فاضلة عظيمة. وإليك أخي المسلم البشائر والفضائل العظيمة لمن أدى صلاة الفجر مع الجماعة: أولاً: أنه في ذمة الله، أي في ضمان الله، وحفظه ورعايته في الدنيا والآخرة، روى مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ

стр. 504

فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (١). ثانيًا: أنها نجاة للعبد من النار، روى مسلم في صحيحه من حديث عمارة بن رويبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» يَعْنِي: الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ (٢). ثالثًا: أنها سبب لدخول الجنة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣). رابعًا: شهادة الملائكة لهذه الصلاة، قال تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (٤). خامسًا: النور التام يوم القيامة، روى ابن ماجة في سننه من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن النبي ﷺ قال: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٥). سادسًا: أنه يكتب له قيام ليلة، روى مسلم من حديث عثمان بن عفان: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ

стр. 505

اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» (١). سابعًا: الأمن من النفاق، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (٢)، وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَاّ مْنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يَتَهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ» (٣)، وقال ابن عمر: «كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الإنْسَانَ فِي العِشَاءِ، وَفِي الفَجْرِ، أَسَانَا بِهِ الظَّنَّ» (٤). ثامنًا: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٥)، فإذا كانت سنة الفجر خير من الدنيا وما فيها من أموال وقصور، وأنهار، وزوجات، وغير ذلك من الشهوات والملذات، فكيف إذن بصلاة الفجر؟ ! تاسعًا: رؤية الله وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتسابق إليها المتسابقون، روى البخاري ومسلم من حديث جرير البجلي ﵁ قال: «كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيلَةً - يَعنِي البَدرَ - فَقَالَ: إِنَّكُم سَتَرَوْنَ رَبَّكُم، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُم

стр. 506

أَلَاّ تُغْلَبُوْا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوْبِهَا فَافْعَلُوْا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]» (١). عاشرًا: أن المحافظ على صلاة الفجر من أطيب الناس عيشًا، وأنشطهم بدنًا، وأنعمهم قلبًا، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَاسِ أَحَدِكُم إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيْلٌ فَارْقُدْ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيْطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَاّ أَصْبَحَ خَبِيْثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (٢). وقد وردت نصوص كثيرة فيها التحذير الشديد لمن تهاون في صلاة الفجر؛ فمن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (٣). قال بعض أهل العلم: «إن النبي ﷺ ما همَّ بذلك إلا أن هؤلاء المتخلفين عن صلاة الجماعة قد ارتكبوا ذنبًا عظيمًا، وجرمًا كبيرًا». ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قال: ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيلَهُ حَتَّى أَصبَحَ. قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ، أَوْ قَالَ: فِي أُذُنِهِ» (٤)، وحسب من كان كذلك خيبةً وخسارةً وشرًّا.

стр. 507

ومنها أن المتخلف عن صلاة الفجر يعرض نفسه لعقوبة الله في قبره، ويوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وفي صحيح البخاري قصة رؤيا النبي ﷺ الطويل، وجاء فيه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُثْلَغُ رَاسُهُ بِالحَجَرِ، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَاخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوْبَةِ» (١). وسئلت اللجنة الدائمة برقم (٥١٣٠) عن شخص لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس فما حكم صلاته؟ وهل يؤثر على الصيام؟ فكان الجواب: تركه لصلاة الصبح من غير نوم ولا نسيان بل تكاسلاً عنها حتى تطلع الشمس كفر أكبر على الصحيح من أقوال العلماء، وعلى هذا القول صيامه غير صحيح. اهـ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 508

الكلمة المئة وواحد: السعادة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن كل إنسان في هذه الحياة يسعى إلى السعادة، وهي مطلب حقيقي لجميع الناس، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والغني والفقير، كلهم يريدون السعادة ولكنهم يختلفون في نظرتهم لها، فمنهم من يراها في جمع المال والدرهم، وآخر يراها في الحصول على المناصب الرفيعة، وآخر يراها في الحصول على الشهادات العالية، ومنهم من يراها في غير ذلك. والحق أن هذه الأمور جزء من السعادة، وليست السعادة كلها، فهي سعادة وقتية تزول بزوالها، فصاحب المال قد يفقد ماله، وصاحب المنصب قد يزاح من منصبه، بل إن هذا المال الذي هو عصب الحياة إذا لم يستخدمه صاحبه في طاعة الله يكون وبالاً عليه، قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]. قال الشاعر: ولسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْع مَالٍ ... ولَكِنَّ التَقِيَّ هُو السَّعيدُ ليسَ السَعيدُ الذي تُسْعِدُهُ دُنياهُ ... إن السَعيدَ الذي ينجُو من النَار كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ

стр. 509

يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. روى ابن حبان في صحيحه من حديث سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالمَسْكَنُ الوَاسِعُ، وَالجَارُ الصَّالِحُ، وَالمَرْكَبُ الهَنِيءُ» (١)، وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٢). ووصفت هذه المرأة الصالحة في حديث آخر رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «سُئل رَسُول اللهِ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيْعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» (٣). وذكر الشيخ السعدي ﵀ أن من أسباب السعادة: أولاً: الإيمان بالله والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، قال ابن عباس: الحياة الطيبة هي الحياة السعيدة (٤)، وهذه السعادة شعور يضعه الله في قلوب عباده الصالحين وإن كانوا في ضيق الدنيا. قال ابن القيم ﵀ وهو يتحدث عن شيخه ابن تيمية ﵀: «ومع ما كان فيه من ضيق السجن إلا أنه كان من أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم عيشًا، وأنعمهم قلبًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا ضاقت بنا الأرض، واشتد بنا الكرب، أتيناه فما هو إلا أن نسمع كلامه ونراه، حتى

стр. 510

ينقلب ذلك قوة وثباتًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من طيبها وريحها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن في الدنيا لجنَّة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» (٢). وقال أيضًا عندما قيل له: إن السلطان قد أمر بنفيك إلى قبرص أو قتلك، أو سجنك، فقال: «والله إن بي من الفرح والسرور ما لو قسم على أهل الشام لوسعهم، والله إني كالغنم لا تنام إلا على صوف، إن نفيت إلى قبرص دعوت أهلها إلى الإسلام». ويقول أحد السلف: «إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب»، ويقول آخر: «لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف». ثانيًا: من أسباب السعادة الإيمان بقضاء الله وقدره، فإن الإنسان إذا آمن بالقضاء والقدر، أحس براحة نفسية، وانشراح صدر بما وقع له، وإن كان مما يكره، فقد أخبر النبي ﷺ أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان الستة. روى أبو داود في سننه من حديث ابن الديلمي عن أُبي بن كعب أنه قال: «لو أن الله عَذَّبَ أَهْل سَماواته وأَهلَ أَرْضه عَذَّبَهُم وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحمهُم كَانَت رَحْمَتُهُ خيراً لهم من أعْمالهم، ولو أنْفَقت مِثْلَ أُحدٍ ذَهباً في سبيل اللهِ مَا قَبِلَهُ الله مِنْك حتى تُؤْمن بالقدر، وتَعلَم أن ما أصابَك لم يكن لِيُخْطِئكَ وأن ما أَخطأك لم يكُن ليُصيبك فلو مُتَّ على

стр. 511

غير هذا لَدَخَلْتَ النارَ»، قال: ثم أتيت عبدالله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ بمثل ذلك (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال له: «إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، واعْلم أنَ الأُمَةَ لو اجْتَمعُوا على أن يَنْفَعُوكَ، لم يَنْفَعُوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَه الله لكَ، ولو اجتمعوا على أن يضرُوكَ لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتبَهُ الله عليكَ، رُفِعَت الأقلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (٢). قال عمر ﵁: «أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر». قال عبيد الله بن عتبة: واصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَحْتُوم وارْضَ به ... وإن أَتَاكَ بمَا لا تَشتهي القدرُ فَما صَفَا لامرئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بهِ ... إلا سَيَتْبَعُ يوْماً صَفْوَهُ كَدَرُ ثالثاً: ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردّها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال وأن ذلك حمق وجنون، فيجاهد قلبه عن التفكر فيها وكذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله مما يتوهمه من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته، فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهول ما يقع فيها من خير وشر وآمال وآلام، وأنها بيد العزيز الحكيم، ليس بيد العباد منها شيء إلا

стр. 512

السعي في تحصيل خيراتها، ودفع مضراتها، ويعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره، واتكل على ربه في إصلاحه، واطمأن إليه في ذلك؛ إذا فعل ذلك اطمأن قلبه، وصلحت أحواله، وزال عنه همه وقلقه (١). رابعاً: الإكثار من ذكر الله ، فإن له سرًا عجيبًا، في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وذكر ابن القيم مئة فائدة للذكر. منها: أن الذكر يطرد الهم والحزن، ويجلب الفرح والسرور وطيب العيش. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. خامساً: القناعة برزق الله، فإن من قنع بما قسم الله سبحانه له انشرح صدره، وارتاحت نفسه، روى مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَم، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» (٢). سادساً: أن يعلم المؤمن علم اليقين أن السعادة الحقيقية في الآخرة، وأن الدنيا دار المصائب والنكد والأحزان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]. وقال تعالى حاكيًا عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ

стр. 513

قال: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (١). ولما سئل الإمام أحمد ﵀: متى يرتاح المؤمن؟ قال: أول ما يضع قدمه في الجنة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 514

الكلمة المئة واثنان: فتنة الدجال الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن الفتن العظيمة التي حذر النبي ﷺ أمته منها في آخر الزمان فتنة الدجال، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَأَثنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَاّ وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (١). قال الإمام السفاريني ﵀: «وينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدجال بين الأولاد والنساء والرجال، لا سيما في زماننا الذي اشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنن فيه كالبدع، والبدعة شرع يتبع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٢). والدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة، وردت بها الأحاديث لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره حتى إذا خرج عرفه المؤمنون،

стр. 515

فلا يفتنون به. ومن صفاته أنه رجل أحمر، قصير، أفحج، جعد الرأس، ممسوح العين اليمنى، كأنها عنبة طافية، وعينه اليسرى عليها ظفرة غليظة، أي لحمة تنبت في مقدمة العين، ومكتوب بين عينيه (كافر) يقرؤها كل مسلم، كاتب أو غير كاتب، وهو عقيم لا يولد له. ويخرج الدجال من جهة المشرق من خراسان، ويتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، قال ابن كثير: «فيكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة بها يقال لها اليهودية، وينصره من أهلها سبعون ألف يهودي، عليهم الأسلحة والسيجان، وهي الطيالسة الخضر، وكذلك ينصره سبعون ألفًا من التتار، وخلق من أهل خراسان، فيظهر أولاً في صورة ملك من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم، والطغام من الرعاع والعوام، ويخالفه ويرد عليه من هداه الله من عباده الصالحين، وحزب الله المتقين، فيفر الناس منه إلى الجبال، ويسيرون في الأرض، فلا يترك بلدًا إلا دخله، إلا مكة والمدينة، فقد حرم الله عليه دخولهما؛ لأن الملائكة تحرسهما (١). وفتنة الدجال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم، وذلك بسبب ما يجريه الله معه من الخوارق العظيمة، التي تبهر العقول، وتحير الألباب، فقد ورد أن معه جنة ونارًا، وجنته نار، وناره جنة، وأن معه أنهار الماء، وجبال الخبز، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض. ويقطع الأرض بسرعة عظيمة كسرعة الغيث، استدبرته الريح، إلى غير ذلك من الخوارق، كل ذلك وردت به الأحاديث الصحيحة، محنة من الله واختبارًا، ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن،

стр. 516

روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ، أَحَدُهُمَا رَايَ الْعَيْنِ، مَاءٌ أَبْيَضُ، وَالآخَرُ رَايَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ، فَلْيَاتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَاطِئْ رَاسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث النواس بن سمعان في ذكر الدجال أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ»، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَاتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَامُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَاتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَاطَأَ رَأَسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ

стр. 517

إِلَاّ مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَاتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ» (١). أما الوقاية من فتنة الدجال، فقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدجال، ومن ذلك: أولاً: التمسك بالكتاب والسنة، ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى التي لا يشاركه فيها أحد، فيعلم أن الدجال بشر يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزه عن ذلك، وأن الدجال أعور، والله ليس بأعور، وأنه لا أحد يرى ربه حتى يموت، والدجال يراه الناس عند خروجه مؤمنهم وكافرهم. ثانيًا: التعوذ من فتنة الدجال، وخاصة في الصلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٢). ثالثًا: معرفة الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ التي بين فيها صفات الدجال، وزمن خروجه، ومكانه، وطريق النجاة منه، وقد ذكرت بعض ذلك، ومن أراد التوسع فليراجع النهاية لابن كثير، أو إتحاف الجماعة للشيخ التويجري، أو أشراط الساعة للشيخ الوابل، أو غيرها. رابعًا: حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النبي ﷺ بقراءة فواتح سورة الكهف على الدجال، وفي بعض الروايات خواتمها، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَفِظَ

стр. 518

عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (١)، وفي رواية: «مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ» (٢). قال النووي: سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن تدبرها لم يفتن بالدجال، وكذلك آخرها، قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٢] (٣). خامسًا: الفرار من الدجال، والابتعاد عنه، والأفضل سكنى مكة والمدينة، فقد أخبر النبي ﷺ أن الدجال لا يدخل مكة والمدينة، فينبغي للمسلم إذا خرج الدجال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة التي يجريها الله على يديه فتنة للناس، فإنه يأتيه الرجل وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات فيتبع الدجال، روى أبو داود في سننه من حديث عمران بن حصين: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَاتِيهِ وَهْوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، هَكَذَا قَالَ» (٤). نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 519

الكلمة المئة وثلاثة: شرح اسم الله (الحكيم) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَاّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في كتابه: «الحكيم»، والمراد: «الحكيم في أفعاله وأقواله وقدره، فيضع الأشياء في محالّها بحكمته وعدله» (٢). وللحكيم معنيان: أحدهما: الحاكم الذي له الحكم المطلق الكامل من جميع الوجوه، والخلق كلهم محكومون، له الحكم كله، وإليه يرجع الأمر كله، يحكم على عباده بقضائه وقدره، ويحكم بينهم بدينه وشرعه، ثم يوم القيامة يحكم بينهم بالجزاء بين فضله وعدله، فلا حاكم إلا الله، ولا يجوز تحكيم قانون ولا نظام سوى حكم الله، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ

стр. 520

الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]. وللحكيم معنى آخر، وهو ذو الحكمة، والحكمة ضد السفه، وهي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها. ولذلك كانت أحكام الله الكونية والشرعية والجزاء مقرونة بالحكمة ومربوطة بها، فلم يخلق سبحانه شيئًا عبثًا، ولم يترك خلقه سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون، فما أعطى الله شيئًا إلا لحكمة، ولا أنعم بنعمة إلا لحكمة، ولا أصاب بمصيبة إلا لحكمة، وما أمر الله بشيء إلا لحكمة، والحكمة في فعله والتزامه، ولا نهى عن شيء إلا لحكمة والحكمة في تركه واجتنابه. قال تعالى مقررًا هذه الصفة العظيمة صفة الحكمة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وللحكيم معنى ثالث وهو المحكم الذي أحكم كل شيء خلقه فما في خلق الرحمن من تفاوت ولا تناقض ولا خلل، صنع الله الذي أتقن كل شيء وليس في شرعه من تناقض ولا اختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (١). قال بعضهم: ذكر الحكيم في أكثر من تسعين مرة، اقترن في أكثرها بالعزيز والعليم، مما يدل على أن حكمته صادرة عن عزة وعلم، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيم﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ

стр. 521

دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقال أيضًا: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم: أولاً: أن الأحكام الشرعية في الإسلام من لدن حكيم خبير، وما جاءت إلا لإسعاد البشرية، فليس هناك أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. ثانيًا: أن الله حكيم في أقداره، فما يقدره الله تعالى على العباد من خير أو شر إنما هو لحكمة بالغة، وتدبير حكيم، قال تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]، قال ابن القيم ﵀ وهو يتحدث عن الحكمة: «وله سبحانه الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر، وطاعة ومعصية، وحكمة بالغة تعجز العقول عن الإحاطة بكنهها، وتكل الألسن عن التعبير عنها» (١). ثالثًا: أن كلام الله حكيم ومحكم، وكيف لا يكون بهذه الصفة وهو كلام أحكم الحاكمين ورب العالمين، وقد وصف الله القرآن العظيم، وهو كلامه المنزل على نبيه محمد ﷺ بأنه حكيم ومحكم في ثمان آيات منها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وقال تعالى: ﴿يس * وَالقُرْآَنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢].

стр. 522

فالقرآن حكيم في أسلوبه الرائع، حكيم في تشريعاته، حكيم في أمره ونهيه، حكيم في قصصه وأخباره، حكيم في كل ما اشتمل عليه. رابعًا: أن الله يؤتي الحكمة من يشاء، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وتنوعت عبارات المفسرين في المراد بالحكمة، وقد اختصرها بعضهم بقوله: «يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرًا كثيرًا». قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «لَا حَسَدَ إِلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١). خامسًا: خلق الله محكم، لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. سادسًا: أن الله سبحانه خلق الخلق لحكمة عظيمة، وهي عبادته سبحانه: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾

стр. 523

[الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. سابعًا: كراهة التكني بأبي الحكم، روى أبو داود في سننه من حديث هانئ بن يزيد: أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا! فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ. قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 524

الكلمة المئة وأربعة: نعمة الهداية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أعظم نعم الله على عباده نعمة الهداية لهذا الدين، قال تعالى عن الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تعالى ممتنًّا على نبيه بهذه النعمة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ قال للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَاّلاً فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ ! » (١). وامتن الله على أهل الجنة بهذه النعمة، فقال سبحانه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. والهداية على قسمين: ١ - هداية الدلالة والإرشاد والبلاغ، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي

стр. 525

إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعلي: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (١). ٢ - هداية التوفيق لقبول الحق والإعانة عليه، وهي التي تفرد بها سبحانه فقال لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ومن أنواع الهداية: أن يهدي الله العبد للقيام بالأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة مع الناس، روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي أيوب: أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَائِي وَذُنُوْبِي كُلَّهَا، اللَّهُمَّ أَنعِمْنِي، وَأَحْيِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِحِ الأَعْمَالِ وَالأَخْلَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَاّ أَنْتَ، وَلَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَاّ أَنْتَ» (٢). ومن أعظم أنواع الهداية أن يهدي الله العبد للقيام بالتوحيد، والبعد عن الشرك، فإن من قام بذلك نال الأمن في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ

стр. 526

مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وكان النبي ﷺ يسأل ربه الهداية، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (١)، وكان ﵊ يدعو لأصحابه بالهداية، وأرشد أمته إلى ذلك، روى البخاري ومسلم من حديث جرير بن عبد الله أنه قال: لقد شكوت إليه - أي النبي ﷺ أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري، وقال: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت، فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. قال: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «قُلْ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى، هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ، سَدَادَ السَّهْمِ» (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ، حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ، وَهْوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللهِ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

стр. 527

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا» (١) قال شيخ الإسلام: «والعبد مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، وهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء، فإنه لا نجاة من العذاب، ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله» (٢). قال ابن القيم ﵀: «إن العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملاً، وقبل أوامره، وصدق بأخباره كان ذلك سببًا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل فإن الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ» (٣)، قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وأخبر أن من أراد هدايته لهذا الدين فإنه يشرح صدره له، وعلى العكس من ذلك من أراد له الشقاء والغواية، فإنه يضيق بهذا الدين ذرعًا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ومن أسباب الثبات على الهداية: الدعاء: فقد روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال:

стр. 528

«نَعَمْ إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يَقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١). ومنها المسارعة إلى الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 529

الكلمة المئة وخمسة: الزكاة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وهي الركن الثالث من أركانه العظام، وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوَا أَن لَا إِلَه إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَيُقِيْمُوْا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوْا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ عَصَمُوْا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم إِلَاّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ» (٢). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن أعرابيًّا أتى

стр. 530

النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: «تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيْمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ المَفْرُوْضَةَ، وَتَصُوْمُ رَمَضَانَ» قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (١). وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها أو قصر في إخراجها، قال تعالى: ... ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. فكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَاّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (٢). وجاء في الحديث المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ ما خلاصته: أَنَّ صَاحِبَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ إِذَا لَم يُؤَدِّ حَقَّهَا، بُطِحَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَي: أَنَّه يُبْطَحُ عَلَى وَجْهِهِ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَاسِعَةٍ، ثُمَّ تَاتِي هَذِهِ البَهَائِمُ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَأَظْلَافِهَا،
следующие страницы →