← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وكان النبي ﷺ يسأل ربه الهداية، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (١)، وكان ﵊ يدعو لأصحابه بالهداية، وأرشد أمته إلى ذلك، روى البخاري ومسلم من حديث جرير بن عبد الله أنه قال: لقد شكوت إليه - أي النبي ﷺ أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري، وقال: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت، فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. قال: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «قُلْ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى، هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ، سَدَادَ السَّهْمِ» (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ، حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ، وَهْوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللهِ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

стр. 527

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا» (١) قال شيخ الإسلام: «والعبد مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، وهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء، فإنه لا نجاة من العذاب، ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله» (٢). قال ابن القيم ﵀: «إن العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملاً، وقبل أوامره، وصدق بأخباره كان ذلك سببًا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل فإن الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ» (٣)، قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وأخبر أن من أراد هدايته لهذا الدين فإنه يشرح صدره له، وعلى العكس من ذلك من أراد له الشقاء والغواية، فإنه يضيق بهذا الدين ذرعًا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ومن أسباب الثبات على الهداية: الدعاء: فقد روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال:

стр. 528

«نَعَمْ إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يَقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١). ومنها المسارعة إلى الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 529

الكلمة المئة وخمسة: الزكاة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وهي الركن الثالث من أركانه العظام، وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوَا أَن لَا إِلَه إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَيُقِيْمُوْا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوْا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ عَصَمُوْا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم إِلَاّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ» (٢). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن أعرابيًّا أتى

стр. 530

النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: «تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيْمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ المَفْرُوْضَةَ، وَتَصُوْمُ رَمَضَانَ» قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (١). وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها أو قصر في إخراجها، قال تعالى: ... ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. فكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَاّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (٢). وجاء في الحديث المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ ما خلاصته: أَنَّ صَاحِبَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ إِذَا لَم يُؤَدِّ حَقَّهَا، بُطِحَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَي: أَنَّه يُبْطَحُ عَلَى وَجْهِهِ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَاسِعَةٍ، ثُمَّ تَاتِي هَذِهِ البَهَائِمُ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَأَظْلَافِهَا،

стр. 531

وَتَنْطَحُهُ بِقُرُوْنِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا رُدَّ عَلَيْه آخِرُهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِيْنَ أَلفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيْلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَلَا مِنْ صَاحِبِ مَالٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَاّ تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ» (٢). والشجاع: الحية الذكر، والأقرع الذي تمعط شعره لكثرة سمه، وقيل: الشجاع الذي يواثب الراجل والفارس ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحاري، يتبع صاحبه الذي منع الزكاة. والزكاة تجب في أربعة أصناف: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم، وهي التي ترعى في البراري، والذهب والفضة، وعروض التجارة، وهي السلع المعدة للبيع، ويدخل في ذلك الأراضي، والعمارات، والسيارات المعدة للبيع، وغير ذلك من أصناف السلع، ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود، لا تجب الزكاة فيما دونه، وله تفصيل معروف في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ . والزكاة حق لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعًا أو يدفع ضرًّا، ولا أن يقي بها ماله، أو يدفع بها

стр. 532

عنه مذمة، بل يجب على المسلم صرف زكاته لمستحقيها لكونهم من أهلها لا لغرض آخر، مع طيب النفس، والإخلاص لله في ذلك حتى تبرأ ذمته، ويستحقَّ جزيلَ المثوبَةِ والخَلَفَ، وقد أوضح الله سبحانه في كتابه الكريم أصناف المستحقين للزكاة فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. ولو أعطيت الزكاة لمستحقيها لما بقي فقير في الإسلام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 533

الكلمة المئة وستة: صلاة الجماعة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي أعظم الواجبات والفرائض بعد الشهادتين، وقد أثنى الله على عباده المحافظين على أدائها في المساجد فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَاّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَاّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَاهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ

стр. 534

أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» (١)، وفي رواية: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٢)، وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» (٣). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «وقد أكثر الله من ذكر الصلاة في كتابه الكريم، وعظم شانها، وأمر بالمحافظة عليها وأدائها في الجماعة، وأخبر أن التهاون بها والتكاسل عنها من صفات المنافقين، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وكيف يعرف الناس محافظة العبد عليها، وتعظيمه لها، وقد تخلف عن أدائها مع إخوانه، وتهاون بشأنها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] «فأوجب سبحانه أداء الصلاة في الجماعة في حال الحرب وشدة الخوف، فكيف بحال السلم؟ ولو كان أحد يسامح في ترك الصلاة في جماعة لكان المصافون للعدو المهددون بهجومه عليهم أولى بأن يسمح لهم في ترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك علم أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا يجوز لأحد التخلف عن ذلك» (٤). اهـ. والنصوص التي تبين وجوب صلاة الجماعة كثيرة، فمن ذلك ما

стр. 535

رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (١). قال بعض أهل العلم: «إن النبي ﷺ ما همَّ بذلك إلا أن هؤلاء المتخلفين عن صلاة الجماعة قد ارتكبوا ذنبًا عظيمًا، نسأل الله السلامة والعافية»، وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله: إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ» (٢). وفي رواية لأبي داود قال: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (٣). وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ، قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه أنه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى،

стр. 536

وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ أَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَاّ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَاّ مْنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ» (١). وأجاب العلماء عن حديث صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسًا وعشرين درجة، أن المراد بيان ثواب صلاة الجماعة، وأن أجرها أكثر، وليس حكم صلاة الجماعة، والأفضلية لا تدل على عدم الوجوب فقد ثبت الوجوب بآيات وأحاديث صحيحة عن النبي ﷺ . يُضاف إلى ذلك ما فيها من المصالح والمنافع العظيمة، التي تدل على أن الحكمة تقضي بوجوبها. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀، ومنها: أولاً: إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، وهي الصلاة؛ لأن الناس لو بقوا يصلون في بيوتهم ما عرف أن هناك صلاة. ثانيًا: التواد بين الناس؛ لأن ملاقاة الناس ومصافحتهم لبعضهم البعض توجب المحبة والمودة. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ

стр. 537

بَيْنَكُمْ» (١). ثالثًا: شعور الناس بالمساواة في عبادة الله، لأنه في هذا المسجد يجتمع أغنى الناس إلى جنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا فيشعر الناس بالمساواة؛ ولهذا أُمر بمساواة الصفوف، وكان النبي ﷺ يقول: «اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» (٢). رابعًا: ما يحصل من تفقد الأحوال، أحوال الفقراء والمرضى، والمتهاونين بالصلاة، فإن الفقير إذا علم بحاله جماعة المسجد تصدقوا عليه، وواسوه، وكذلك إذا تخلف عن صلاة الجماعة عرف الناس أنه مريض، فقدموا له المساعدة أو متهاونًا فبادروه بالنصيحة (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 538

الكلمة المئة وسبعة: مخالفات شرعية تتعلق بالنكاح الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من نعم الله العظيمة على عباده نعمة الزواج، وهو من سنن المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَاتِيَ بِآَيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]. وقد حث عليه الشارع لما يترتب عليه من مصالح دينية ودنيوية، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» (١). وتكثر في هذه الأيام حفلات الزواج، وهذا شيء طيب يبشر بالخير؛ إلا أنه مما ينافي شكر هذه النعمة، وقوع كثير من المخالفات، فمن ذلك: أولاً: المغالاة في المهور بما لا يطاق، والمشروع أن يكون قليلاً ميسرًا، روى الحاكم في المستدرك من حديث عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» (٢). وقال عمر ﵁: «أَلَا

стр. 539

لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ، لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ، عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً»، وَالأُوقِيَّةُ عند أهل العلم أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وثنتا عشرة أوقية، هو أربعمئة وثمانون درهماً (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة أنها سئلت: كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: «كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُ مِئَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأَزْوَاجِهِ» (٢). وفي زيادة المهور مفاسد كثيرة من أعظمها تأخر كثير من الرجال والنساء عن الزواج، أو تركه بالكلية، وفي ذلك ما لا يخفى من المفاسد. ثانيًا: دبلة الخطوبة، حيث يلبس الرجل دبلة تسمى دبلة الخطوبة، وهي عبارة عن خاتم يضعه في يده، وكثير من الناس يعتقد أن العقد مرتبط بهذه الدبلة، خاصة إذا كانت من الذهب، وقد حرم لبس الذهب على الرجال بأدلة كثيرة، منها ما رواه مسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ»، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله! لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ (٣). قال الشيخ الألباني: ووضع خاتم الخطوبة في يد العروس من

стр. 540

عادات النصارى، وقد أمرنا بمخالفتهم (١)، وقال النبي ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٢). ثالثًا: المنصة، وهي جلوس الزوج والزوجة في مكان عال بمرأى من جميع الحاضرات، قال الشيخ ابن باز ﵀: «ومن المنكرات العظيمة وضع منصة للعروسين أمام الحاضرات من النساء، فينظر الرجل إلى النساء الأجنبيات، وهن بكامل زينتهن، وقد يدخل معه بعض أقارب الزوج أو الزوجة، فيحصل الاختلاط والفتنة» (٣). روى البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُم وَالدُّخُوْلَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ» (٤). والحمو قريب الزوج، وفي هذا تحريك للغرائز والشهوات، وما ينتج عن ذلك من فتنة وفساد. رابعًا: التصوير، وهو من كبائر الذنوب، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» (٥). وخاصة إذا كان التصوير للنساء، فإن الفتنة بهن أعظم، وتقوم بعض النساء بتصوير الحاضرات في الحفل وهن بكامل زينتهن، وهذا من أعظم المفاسد، وهل يرضى أحد منا أن تلتقط صورة ابنته أو أخته وتنتشر بين الناس، فإلى الله المشتكى.

стр. 541

خامسًا: إحضار المغنيات ليغنين في حفلات الزواج مع الآلات والمعازف، ولا شك أن هذا من أعظم المنكرات، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَيَكُوْنَنَّ مِن أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّوْنَ الحِرَ وَالحَرِيْرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ» (١). وإنما أجاز الشارع الضرب بالدف عند النساء بشرط أن لا يصحبه غناء ماجن من قبل النساء. سادسًا: الإسراف في الولائم، واستئجار الفنادق، وقصور الأفراح بأموال طائلة، فينبغي الاقتصاد في ذلك، وترك الإسراف، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. سابعًا: لبس كثير من النساء في حفلات الزواج اللباس العاري، أو المفتوح، أو الضيق الذي يصف البشرة، أو الخارج عن الحياء، حتى لو كان عند النساء، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِن أَهْلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُوْنَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيْلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلنَ الجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوْجَدُ مِن مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا» (٢). وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حضور الحفلات المشتملة على المنكرات، فقال: حضورها واجب إذا كان الإنسان يستطيع بحضوره أن يغير المنكر، وأما إذا كان لا يستطيع تغييره فإن حضورها

стр. 542

منكر محرم عليه، ولا يجوز في ذلك طاعة الوالدين، ولا طاعة الزوج، حتى لو فرض أن الوالد والوالدة إذا لم يحضر الولد من ذكر أو أنثى هذه الحفلات حصل منهم غضب أو زعل، ولا يعد ذلك من العقوق؛ لأن هذا من طاعة الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ بِالمَعْرُوْفِ» (١). والمنكر لا طاعة فيه لأحد، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». اهـ (٢). ثامنًا: السهر حتى ساعة متأخرة من الليل، وربما في بعض الحفلات إلى قرب صلاة الفجر، وهذا يؤدي إلى إضاعة صلاة الفجر، فيحرم المسلم نفسه من الأجر والثواب، ويعرضها لعقوبة الله، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. روى مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: «مَن صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّة اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَن يَطْلُبْهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُم يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (٣). تاسعًا: من المنكرات التي ترتكب بمناسبة الزواج ذهاب الزوجين بعد زواجهما إلى بلاد الكفار، أو بلاد أخرى تماثلها في الفساد لقضاء شهر العسل زعموا، وفي ذلك مخالفة صريحة لأمر النبي ﷺ ، فقد روى الترمذي من حديث جرير بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: «أَنَا بَرِيْءٌ مِن

стр. 543

كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيْمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ المُشْرِكِيْنَ، لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» (١). وما ينتج عن ذلك السفر من مفاسد، وخلع للحجاب، واختلاط المرأة بالأجانب، وذهاب إلى أماكن اللهو والفساد، وغير ذلك من المفاسد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 544

الكلمة المئة وثمان: شرح حديث (مَن أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فقد روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عبيد الله بن محصن الخطمي: أن النبي ﷺ قال: «مَن أَصْبَحَ مِنْكُم آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوْتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيْزَتْ (١) لَهُ الدُّنْيَا» (٢). قوله: «أَصْبَحَ» أي: أصبح في ذلك اليوم، وفيه إشارة إلى أن المؤمن عليه ألا يحمل هم المستقبل، فإن أمره بيد الله، وهو الذي يدبر الأمور، ويقدر الأقدار، وعليه أن يحسن الظن بربه، ويتفاءل بالخير. قوله: «آمِنًا فِي سِرْبِهِ»، قيل: المعنى: في أهله وعياله، وقيل: في مسكنه وطريقه، وقيل: في بيته، فهو آمن أن يقتله أحد، أو يسرق بيته، أو ينتهك عرضه. والأمن من أعظم نعم الله على عباده بعد نعمة الإيمان والإسلام، ولا يشعر بهذه النعمة إلا من فقدها، كالذين يعيشون في البلاد التي يختل فيها النظام والأمن، أو الذين عاصروا الحروب الطاحنة التي تهلك الحرث والنسل، فهم ينامون على أزيز الطائرات وأصوات

стр. 545

المدافع، ويضع الواحد منهم يده على قلبه ينتظر الموت في أي لحظة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقد وعد الله المؤمنين بالأمن إن حققوا التوحيد وأخلصوا الإيمان، وعملوا الصالحات، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. قوله: «مُعَافًى فِي بَدَنِهِ»، أي: صحيحًا سالمًا من العلل والأسقام، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ وَالجُنُوْنِ وَالجُذَامِ، وَمَن سَيِّئِ الأَسْقَامِ» (١). وكان النبي ﷺ يسأل ربه صباحًا ومساءً هذه العافية في دينه ودنياه ونفسه وأهله وماله، وأمر أصحابه بذلك، روى الإمام أبوداود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: لَم يَكُنْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِيْنَ يُمْسِي وَحِيْنَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي دِيْنِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي ... » الحديث (٢).

стр. 546

وروى الترمذي في سننه من حديث معاذ بن رفاعة عن أبيه قال: قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: «سَلُوْا اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَم يُعْطَ بَعْدَ اليَقِيْنِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ» (١). وأخبرالنبي ﷺ أن الكثير من الناس مفرط ومغبون في هذه النعمة، روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُوْنٌ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (٢). وأرشد النبي ﷺ أمته إلى اغتنام الصحة قبل المرض، روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «اغْتَنِم خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ ... وَذَكَر مِنْهَا: صِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ» (٣). وكان ابن عمر ﵄ كما في صحيح البخاري يقول: «إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَخُذ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِن حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» (٤). والذي يزور مستشفيات المسلمين ويرى ما ابتلي به إخوانه من الأمراض الخطيرة التي عجز الطب الحديث عن علاج بعضها ليحمد الله صباحًا ومساءً على نعمة العافية، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ

стр. 547

الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. قوله: «عنده قوت يومه»، أي: قدر ما يغديه ويعشيه، والطعام من نعم الله العظيمة، قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤]. وكان ﵊ يتعوذ بالله من الجوع، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِن الجُوْعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ» (١). ولقد كان النبي ﷺ يسأل ربه الكفاف، أي مقدار ما يكفيه، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوْتًا» (٢). ومما تقدم يتبين أن من اجتمعت له هذه الخصال الثلاث في يومه، فكأنما ملك الدنيا كلها، وقد اجتمع لكثير من الناس أضعاف أضعاف ما ذكر في هذا الحديث، ومع ذلك فهم منكرون لها، محتقرون ما هم فيه، فهم كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]. ودواء هذا الداء أن ينظر المرء إلى من حرم هذه النعم، أو بعضها، كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «انْظُرُوْا إِلَى مَن أَسْفَلَ مِنْكُم،

стр. 548

وَلَا تَنْظُرُوْا إِلَى مَن هُوَ فَوْقَكُم، فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَاّ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ» (١). قال ابن جرير وغيره: هَذَا حَدِيْثٌ جَامِعٌ لأَنْوَاعٍ مِنَ الخَيْرِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا رَأَى مَن فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَت نَفْسُهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِن نِعْمَةِ اللهِ، وَحَرَصَ عَلَى الازْدِيَادِ لِيَلحَقَ بِذَلِكَ، أَو يُقَارِبَهُ. هَذَا هُوَ المَوْجُوْدُ فِي غَالِبِ النَّاسِ، وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُوْرِ الدُّنْيَا إِلَى مَن هُوَ دُوْنَهُ فِيْهَا، ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَةُ اللِه تَعَالَى عَلَيْهِ، فَشَكَرَهَا، وَتَوَاضَعَ وَفَعَلَ فِيْه الخَيْرَ. اهـ (٢). وأختم بهذا الحديث الذي يبين أن كثيراً من الناس يعيشون عيشة الملوك: روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَالَ: أَلَسْنَا مِن فُقَرَاءِ المُهَاجِرِيْنَ؟ فَقَال عَبْدُ اللهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَاوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ. قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ: فَأَنْتَ مِن المُلُوْكِ (٣). قال الشاعر: إذا اجتمع الإسلامُ والقُوتُ للفَتَى ... وأضْحَى صحيحاً جسمُهُ وهو في أمن فقد ملَكَ الدُنيا جميعاً وحازها ... وَحَقَّ عليه الشكرُ لله ذي المَنّ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 549

الكلمة المئة وتسع: تفسير آية الكرسي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة، والصفات الكريمة، فلقد كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردًا للإنسان في أوقاته صباحًا ومساءً، وعند نومه، وأدبار الصلوات المكتوبات. اهـ (١). وتُسمى آية الكرسي لذكر الكرسي فيها. قوله: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وهو الحي في نفسه، الذي لا يموت أبدًا،

стр. 550

القيم بغيره، ومن تمام حياته وقيوميته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، والسِّنَةُ هي النعاس، وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَه أَن يَنَامَ، يَخفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّوْرُ لَو كَشَفَهُ لأَحْرَقَت سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلقِهِ» (١). قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده، وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَاّ آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥]. وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾، هذا من عظمته وجلاله، وكبريائه أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَاذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وفي حديث الشفاعة الطويل قال ﷺ : «فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِن مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَم يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَع رَاسَكَ، وَسَل تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» (٢).

стр. 551

وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ﴾ قال ابن كثير: أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ، وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (١). قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾؛ روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: «الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، وَالعَرْشُ لَا يَقدِرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ» (٢). وهذا يدل على كمال عظمة الله وسعة سلطانه، فإذا كان هذا حال الكرسي، أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، فكيف بالعرش الذي هو أعظم من الكرسي؟ ! قال الطحاوي: والعرش والكرسي حق، قال ابن أبي العز الحنفي: العرش سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو كالقبة على العالم (٣)، وهو سقف المخلوقات، قال عبدالله بن رواحة: شَهِدتُ بأَنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرينَا

стр. 552

وَأَنَّ العَرشَ فَوْقَ الماءِ طَافٍ ... وَفَوقَ العَرشِ ربُّ العَالمِينَا وتَحْمِلهُ مَلائِكةٌ شِدَادُ ... مَلائِكةُ الإلَهِ مُسَوَّمِينَا (١) روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبدالله أن النبي ﷺ قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾، أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، وهو العلي بذاته، فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته، العظيم الذي يتضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة. ومن فوائد الآية الكريمة: أولاً: أنها أعظم آية في القرآن، وقد وردت نصوص كثيرة في فضلها، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِن كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ » قَالَ: قُلتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِن كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ » قَالَ: قُلتُ: «اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّوْمُ»، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «لِيَهْنِكَ العِلمُ أَبَا المُنْذِرِ» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 553

وَكَّلَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لأَرَفَعَنَّكَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الحَدِيْثَ فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَن يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوْبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» (١). ثانيًا: سعة علم الله وإحاطته بكل شيء، فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ثالثًا: عظمة الله سبحانه، وسعة سلطانه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. رابعًا: أن الله تعالى لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض، بل ذلك سهل يسير عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 554

الكلمة المئة وعشرة: حفظ اللسان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من نعم الله العظيمة على الإنسان، نعمة اللسان، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ٩]. وهذا اللسان إن لم يستخدم في طاعة الله، كان وبالاً على صاحبه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. وقد وردت نصوص شرعية كثيرة تحث على حفظ اللسان، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. روى الترمذي في سننه من حديث معاذ ﵁: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَن عَمَلٍ يُقَرِّبُهُ إِلَى الجَنَّةِ وَيُبَاعِدُهُ مِنَ النَّارِ؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَاسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ » قُلتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُوْن بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ

стр. 555

يَا مُعَاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوْهِهِم - أَو: عَلَى مَنَاخِرِهِم - إِلَاّ حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِم؟ ! » (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيْهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» (٢). قوله: «مَا يَتَبَيَّنُ فِيْهَا»، أي لا يدري هل هي في طاعة الله أو معصيته؟ وروى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: «مَن يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (٣). وروى الترمذي في سننه من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَليَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيْئَتِكَ» (٤). وروى الترمذي في سننه من حديث سفيان الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به؟ قال: «قُلْ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ»، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: «هَذَا» (٥). وقال عبد الله بن مسعود: «أنذرتكم فضول الكلام، بحسب أحدكم

стр. 556

ما بلغ حاجته» (١). قال محمد بن واسع لمالك بن دينار: «يا أبا يحيى، حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم» (٢). وقال الأوزاعي: «كتب إلينا عمر بن عبد العزيز ﵀ برسالة لم يحفظها غيري وغير مكحول: أما بعد، فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا ينفعه» (٣). وقال عبد الله بن مسعود: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ، مَا شَيْءٌ أَحْوَجَ إِلَى طُولِ سَجْنٍ مِنْ هَذَا اللِّسَانِ» (٤). قال الإمام النووي ﵀: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء. اهـ (٥). وشر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضر ما يكون على العبد. قال ابن القيم: ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر،

стр. 557

ومن النظر الحرام، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ والاحتراز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، ينزل في النار بالكلمة الواحدة أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يقطع ويذبح في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي بما يقول. اهـ (١). وإذا أردت أن تعرف ذلك فتأمل ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله: أن النبي ﷺ حدَّث أنَّ رجلاً قال: «وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَن ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَاّ أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَد غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (٢). أو كما قال. قال أبو هريرة ﵁: تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ، وتكلم رجل في حق رجل، فقال له صاحبه: أغزوت الروم؟ قال: لم أفعل. قال: سلم منك النصارى، ولم يسلم منك أخوك المسلم! وقال بعضهم: تسعة أعشار الذنوب من اللسان. قال الشاعر: احفظْ لِسَانَكَ أيُّها الإنسانُ ... لا يلدَغَنَّك إنهُ ثُعبانُ كَمْ في المَقابِرِ من قتيلِ لِسانِه ... كانت تَهابُ لقاءهُ الشجعانُ قال بعض أهل العلم: في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى، آفة السكوت عن الحق، أو آفة الكلام بالباطل، وقد تكون كل منهما أعظم من الأخرى في وقتها، فالساكت عن

стр. 558

الحق شيطان أخرس عاص لله، مراء، مداهن، إذا لم يخف على نفسه مثل من يرى المنكرات أمام عينيه مع قدرته على التغيير ولا يفعل. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَن رَأَى مِنْكُم مُنْكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ» (١). الآفة الثانية: التكلم بالباطل، وهو شيطان ناطق عاص لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط هم أهل الصراط المستقيم، كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا يرى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلاً عن أنها تضره في آخرته يوم القيامة، عندما يأتي بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكره الله وما اتصل به. اهـ (٢). والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 559

الكلمة المئة وإحدى عشرة: الحور العين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أعظم نعيم الجنة الذي وعد الله به المؤمنين، مما تشتاق إليه النفوس، وتهفو إليه القلوب، الحور العين، فقد وصفهن الله بأحسن الصفات، وحلاهن بأجمل الحلي، وشوق الخطّاب إليهن، حتى كأن المؤمنين يرونهن رأي العين، قال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٦ - ٥٨]. قال الحسن وعامة المفسرين: «في صفاء الياقوت، وبياض المرجان» (١). وقال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَانَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٨]. والحور جمع حوراء، وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء، شديدة سواد العين، قالت عائشة ﵂: «البياض نصف

стр. 560

الحسن». وقال عمر ﵁: «إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها، فقد تم حسنها». والعرب تمدح المرأة بالبياض، قال الشاعر: بيضٌ أَوَانسُ ما هممن بريبةٍ ... كظِباءِ مكةَ صيدُهنَ حرامُ يُحسبن مِن لِين الحديثِ زوانيا ... ويَصدُهنَ عن الخَنَا الإسلامُ قوله: ﴿عُرُبًا﴾ في الآية الكريمة، العرب جمع عروب، وهي التي جمعت إلى حلاوة صورتها، حسن التأني والتبعل والتحبب إلى الزوج بدلها وحديثها، وحلاوة منطقها، وحسن حركاتها. وذكر المفسرون في تفسير العرب بأنهن العواشق المتحببات، الغنجات، الشكلات، المتعشقات، الغلمات، المغنوجات، كل ذلك من ألفاظهم (١). قوله ﴿أَتْرَابًا﴾: قال ابن عباس: وسائر المفسرين: مستويات على سن واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة (٢). وقد أودع سبحانه في الحور العين من حسن الخَلق والخُلُق، وجمال الصورة، ورقة البشرة ما يبهر العقول، وتعجز الألسن عن وصفه. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُوْرَتُهُم عَلَى صُوْرَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَا يَبْصُقُوْنَ فِيْهَا، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُم فِيْهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُم مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوْقِهِمَا مِن وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ،

стр. 561

لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُم وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوْبُهُم قَلبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُوْنَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يَعنِي الخِمَارَ - عَلَى رَاسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٢). والحور العين مطهرات من كل أذى وقذر ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. قال جمع من المفسرين: المطهرة من طهرت من الحيض والبول، والنفاس، والغائط، والمخاط، والبصاق، وكل قذر وأذى مما يكون في نساء الدنيا (٣). قال ابن القيم ﵀: فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى

стр. 562

غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ (١). وإن من أعظم ما أتحف الله به عباده في دار كرامته، زواجهم من الحور العين، فبهذا الزواج تتحقق السعادة وتكتمل اللذة، قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٦]. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵃ وغيرهم: «شغلهم افتضاض الأبكار» (٢). روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلمُؤْمِنِ فِي الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِن لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّوْنَ مِيْلاً، لِلمُؤْمِنِ فِيْهَا أَهْلُوْنَ، يَطُوْفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُم بَعْضًا» (٣). وهذه الخيام غير الغرف والقصور التي في الجنة، فذاك نعيم آخر، روى الطبراني في المعجم الصغير من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قِيَلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، هَل نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الجَنَّةِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي اليَوْمِ إِلَى مِئَةِ عَذْرَاءَ» (٤). والحور العين يشتقن إلى أزواجهن من المؤمنين، فتدعو الواحدة منهن على من يتعرض لزوجها في الدنيا، فكيف إذا قدم عليها وبشرت

стр. 563

بذلك، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل ﵁: عن النبي ﷺ قال: «لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَاّ قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا» (١). وعرائس الجنان من الحور العين لا يزددن مع مرور الدهور والأحقاب إلا حسنًا وجمالاً، وحبًا وتوددًا لأزواجهن في الجنة. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَاتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً» (٢). والصالحون في هذه الدار بعدما علموا ما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم في شأنهن - أي الحور العين - يكونون في أشد الشوق والحب إليهن، مما له أكبر الأثر في إقبالهم على طاعة مولاهم، وأن يقر أعينهم بهن، قال ربيعة بن كلثوم: نظر إلينا الحسن ونحن شباب، فقال: يا معشر الشباب، أما تشتاقون إلى الحور العين؟ (٣). قال ابن القيم ﵀: يا خَاطِبَ الحُور الحسانِ وطالبًا ... لوصَالهن بِجنةِ الحيوان لو كُنتَ تدْري من خَطَبتَ ومن طلبْـ ... ـتَ بذلتَ ما تَحوي مِن الأثمان

стр. 564

أو كُنْتَ تدري أينَ مسكنها جَعْـ ... ـلت السعيَ مِنكَ لها على الأجفان ولَقدْ وصفتُ طريقَ مسكَنِها فإن ... رُمت الوِصَالَ فلا تكن بالوانِي أَسْرع وحُث السيرَ جهدَكَ إنما ... مَسْراكَ هذَا ساعةُ لزمان فاعْشق وحدثْ بالوصالِ النفسَ ... وابذلَ مهرَهَا ما دمتَ ذا إمكان واجْعل صيامَكَ قَبل لُقياها ويـ ... ـومَ الوصلِ يومَ الفطرِ من رمضان واجْعل نُعوتَ جَمَالها الحادي وِسر ... تلْقى المخَاوفَ وهيَ ذات أمان والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 565

الكلمة المئة واثنتا عشرة: الابتلاء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، يبتلى فيها المؤمن بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والشهوات والشبهات، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. أي نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم تارة أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، قال ابن عباس: «﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: أي نبتليكم بالشر والخير، أي بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال» (١). ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: فنجازيكم على مواقفكم من هذه الأحوال، فمن وقف موقف المؤمن واتقى الله في كل حالة نال المثوبة، ومن أساء نال العقوبة. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ
следующие страницы →