← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وهذا الصنف من الناس هم أشد أعداء الله ورسوله، ولهذا كان جزاؤهم أعظم من جزاء الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. وقد فضحهم الله تعالى في القرآن الكريم في أكثر من موضع، ووصفهم بأنهم كذابون يصدون عن سبيل الله، وأنهم يستكبرون، كما وصفهم بأنهم لا يفقهون ولا يعلمون، ولا يعقلون. ومن أبرز سماتهم - قاتلهم الله - موالاتهم للكفار، وعقدهم اللقاءات معهم في العلن تارة، وفي السر تارات، قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَاتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨]. قال الشنقيطي ﵀ في تعليقه على الآية الكريمة: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... ﴾: هم المنافقون، يعتذرون عن موالاة الكفار من اليهود بأنهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر، أي دول الدهر الدائرة من قوم إلى

стр. 667

قوم، كما قال الشاعر: إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ ... كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا يعنون إما بقحط فلا يميروننا، ولا يتفضلون علينا، وإما بظفر الكفار بالمسلمين، فلا يدوم الأمر للنبي ﷺ وأصحابه، زعمًا منهم أنهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين على صداقتهم، فينالون منهم ما يؤمل الصديق من صديقه، وأن المسلمين يتعجبون من كذبهم في إقسامهم بالله جهد أيمانهم إنهم لمع المسلمين، وبين في هذه الآية أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود، أنها لا تدور إلا على اليهود والكفار، ولا تدور على المسلمين، بقوله: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَاتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]. وعسى من الله نافذة؛ لأنه الكريم العظيم الذي لا يُطمع إلا فيما يعطي، والفتح المذكور قيل هو فتح المسلمين لبلاد المشركين، وقيل الفتح الحكم، كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وعليه فهو حكم الله، بقتل مقاتلة بني قريظة، وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير، وقيل: هو فتح مكة، وهو راجع إلى الأول (١). وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] قال بعض العلماء: إنها نزلت في المنافقين، وقال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، وإن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم

стр. 668

في بعض الأمر، وهو عداوة النبي ﷺ ، والتثبيط عن الجهاد، ونحو ذلك. والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله (١). القسم الثاني: النفاق العملي، وهو خمسة أنواع: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، وقال مسلم في صحيحه: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» مكان «إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (٢). وقد ذكر ابن رجب أن من النفاق العملي أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك (٣). ولقد كان الصحابة ﵃ لسعة علمهم، وعميق إيمانهم، يخشون على أنفسهم من النفاق، قال البخاري ﵀ في صحيحه، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَاّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا». وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ»، وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: مَا خَافَهُ إِلَاّ مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَاّ مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ

стр. 669

يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] (١). وروي عن الحسن أنه كان يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو: ما مضى مؤمن قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. اهـ (٢). وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقول لحذيفة: أسألك بالله يا حذيفة هل عدّني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا ولا أزكي أحدًا بعدك (٣). فعمر ﵁ لم يقل ذلك رياءً، ولكن العبد كلما ازداد علمًا زاد خوفه من ربه، والصحابة لعظم خوفهم من ربهم، وسعة علمهم لم يكونوا يحتقرون الذنوب، بل كانوا يستعظمونها، ويخافون عواقبها، ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ» (٤). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ. وفي صحيح البخاري من حديث زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه: قال أناس لابن عمر: «إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ

стр. 670

إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا» (١). وإن من صور النفاق ما يطالب به بعض الناس الذين هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويدعون أنهم يريدون إصلاح المجتمع، ونفع الأمة، ويرددونه بين الفينة والأخرى من هتك للحجاب، والدعوة للتبرج والسفور واختلاط الشباب بالفتيات في الأعمال، ومقاعد الدراسة، وأن في قوامة الرجل على المرأة كبتًا لحريتها، فيطالبون بالمساواة، زعمًا منهم أن فيها إنصافًا وعدلاً بينها وبين الرجل، وإلى نشر الموسيقى في المدارس والمراحل التعليمية الأخرى، وإلى تقليص المواد الدينية، وتخفيضها، وإلى قيادة المرأة للسيارة. ومن صوره كذلك مطالبتهم للناس بالاعتماد على البنوك الربوية في بيعهم وشرائهم، وقروضهم، وسائر شؤونهم، وأن ما تأخذه البنوك من فوائد إنما هو لمصلحة المجتمع، ويدعم اقتصاده، وينشرون هذا عبر الصحف والمجلات، ووسائل الإعلام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢]. إلى غير ذلك من المطالب والأساليب الماكرة التي يخططون لها ليلاً ونهارًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 671

الكلمة المئة واثنتان وثلاثون: الظلم وعواقبه الوخيمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن الذنوب العظيمة التي حرمها الله على عباده، ورتب عليها العقوبة في الدنيا والآخرة الظلم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه أنه قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (١). والظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ظلم العبد نفسه بالكفر والشرك والنفاق، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن

стр. 672

مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (١). فهذا النوع من الظلم لا يغفر الله لصاحبه إذا مات عليه، بل هو ملعون مطرود من رحمة الله في كتاب الله، وعلى لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. القسم الثاني: ظلم بين العبد وبين الناس، وله صور كثيرة منها: أكل أموال الناس بالباطل ظلمًا وعدوانًا، مثل أكل مال اليتيم، أو عدم إعطاء العمال رواتبهم، أو بخسها، أو السرقة، أو الغش، أو الربا، وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). ومنها الاعتداء على أراضي المسلمين، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٣). ومعنى طوقه: أي يجعل طوقًا في عنقه، يحمله، لا من أرض واحدة، بل من السبع الأرضين، نسأل الله العافية. ومنها ظلم الناس بالقتل والسجن والضرب والشتم والتعذيب،

стр. 673

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِن أَهْلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ، يَضْرِبُوْنَ بِهَا النَّاسَ ... » (١). وما يفعله اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة، بإخواننا المسلمين في فلسطين من قتل وتشريد وانتهاك للحرمات لهو من أعظم الظلم وأشنعه، ولا غرابة في ذلك، فهم قتلة الأنبياء ﵈، قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]. ومنها: اتهام الآخرين ورميهم بما ليس فيهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. ومنها: مطل الغني، أي منع قضاء ما استحق أداؤه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٢). فمن كان مديونًا لرجل، واستطاع السداد فلا يجوز المماطلة؛ لأن هذا من الظلم. ومنها: ظلم المرأة حقها من صداق ونفقة وكسوة، أو الاستيلاء على مالها، وغير ذلك من الأحوال، فمن وقع في شيء من الظلم فليسارع بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى، ولا يغتر بإمهال الله له، فإنه يمهل ولا يهمل. روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»

стр. 674

ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بكرة: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ ﵎ الْعُقُوبَةَ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» (٢). قال ابن تيمية ﵀: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ويروى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة» (٣). ودعوة المظلوم مستجابة كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (٤). قال الشاعر: لا تَظْلِمَنَّ إِذَا ما كُنْت مُقْتَدِراً ... فَالظُّلمُ مَرتَعُهُ يُفْضِي إلى النَدَم تَنَامُ عَيْنُكَ وَالمَظلُومُ مُنْتَبِهٌ ... يَدعُو عَلَيكَ وَعَينُ اللهِ لم تَنَم ونحن نرى في هذه الأيام تساقط هؤلاء الظلمة الطغاة واحدًا تلو الآخر، قد ذهب عزهم، وزال سلطانهم، وأصبحوا في حالة يُرثى

стр. 675

لها، وصدق الله إذ يقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. القسم الثالث: ظلم العبد نفسه بالمعاصي والذنوب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال تعالى عن نبيه موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]. وهذا النوع من الظلم - وهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والذنوب التي دون الشرك - فإن صاحبه تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وستره. روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» (١). ويجب على المؤمن أن يحرص على براءة ذمته من حقوق الآخرين، وأن يتحلل منهم قبل يوم القيامة، حيث لا درهم ولا دينار،

стр. 676

وإنما هي الحسنات والسيئات. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 677

الكلمة المئة وثلاث وثلاثون: تحريم الإسبال الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]. فاللباس نعمة عظيمة من نعم الله الكثيرة على عباده لستر العورات، ووقاية من الحر والبرد وسائر الآفات، وقد جاءت الشريعة بأحكامه مفصلة، مبينة، وبينت القدر الواجب ستره، والمستحب من اللباس، والمحرم والمكروه والمباح مقدارًا وكيفية. ومما وردت به تحريم ما نزل عن الكعبين من كل ما يلبس من إزار أو ثوب أو بشت أو سروال أو بنطال إلى غير ذلك، مما يلبسه الرجال، فقد روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١)، وأحاديث النهي عن الإسبال بلغت مبلغ التواتر المعنوي في الصحاح والسنن والمسانيد، وغيرها، برواية جماعة من الصحابة ﵃، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود،

стр. 678

وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم، وجميعها تفيد النهي الصريح، نهي التحريم، لما فيها من الوعيد الشديد، ومعلوم أن كل متوعد عليه بعقاب من النار، أو غضب، أو نحوها، فهو محرم، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، ولا يقبل النسخ، ولا يُرفع حكمه، بل هو من الأحكام الشرعية المؤبدة في التحريم. والإسبال فيه عدة محاذير: أولاً: مخالفة السنة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى عَضَلَةِ سَاقَيْهِ (١)، ثُمَّ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، ثُمَّ إِلَى كَعْبَيْهِ، فَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي النَّارِ» (٢) وفي رواية أخرى: «فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَا حَقَّ لِلإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ» (٣)، والكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي مفصل الساق من القدم. ثانيًا: الوعيد الشديد لمن أسبل إزاره تحت الكعبين، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ» (٤). ثالثًا: أنه من الخيلاء التي تورث في النفس العجب، والترفع، والكبر، ونسيان نعمة الله على عبده، وكل هذا من موجبات مقت الله للمسبل، ومقت الناس له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].

стр. 679

رابعًا: التشبه بالنساء، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (١). خامسًا: تعريض الملبوس للنجاسة والقذر، والمؤمن مأمور باجتناب النجاسات، والبعد عنها، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. ولهذا أمر عمر ﵁ الرجل الذي زاره وهو على فراش الموت برفع إزاره، وقال له: هُوَ أَنقَى لِثَوبِكَ، وَأَتقَى لِرَبِّكَ (٢). سادسًا: تعريض عبادته لعدم القبول، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ» (٣) (٤).

стр. 680

سابعًا: إن الإسبال من الكبائر، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر الغفاري: أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ»، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ثَلَاثٍ مِرَارٍ. قَالَ أَبُوْ ذَرٍّ: خَابُوْا وَخَسِرُوَا، مَنْ هُمْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ» (١)، قال الشيخ بكر أبو زيد: «فلهذه الوجوه السابقة (٢)، ورد النهي مطلقًا عن الإسبال في حق الرجال، وهذا بإجماع المسلمين إن كان لخيلاء، فإن كان لغير الخيلاء فهو محرم مذموم»، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر مرفوعًا: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ» (٣). وظاهره أن مجرد الإسبال يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس ذلك، إضافة إلى أن النبي ﷺ أنكر على المسبل إسباله دون النظر في قصده الخيلاء أم لا، فقد أنكر على ابن عمر، وجابر بن سليم، وعلى عمرو الأنصاري، فرفعوا أُزرهم إلى أنصاف سوقهم، وهذا يدل بوضوح على أن الوصف بالخيلاء، وتقييد النهي به في بعض الأحاديث إنما خرج مخرج الغالب، والقيد إذا خرج مخرج الأغلب، فإنه لا مفهوم له عند عامة الأصوليين كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ويستثنى من هذا

стр. 681

الأصل ثلاث حالات: الحالة الأولى: من لم يقصد الإسبال لعارض من نسيان أو استرخاء مع تعاهد له برفعه، كما جاء في حديث أبي بكر المشهور. الحالة الثانية: من أسبل لمرض في قدميه، وللضرورة أحكامها. الحالة الثالثة: النساء فقد رخص النبي ﷺ لهن بإرخاء ذيول ثيابهن لستر القدمين، وهما من عورة النساء (١). ومما سبق يتبين أن الإسبال في حق الرجال منهي عنه مطلقًا، وأنه في ذاته خيلاء، وان المسبل مرتكب لمحرم وكبيرة من كبائر الذنوب، معرض نفسه لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 682

الكلمة المئة وأربع وثلاثون: فوائد من حديث خبيب بن عدي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ، وَهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِئَتَيْ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَاكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَأَىهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَؤُوا إِلَى فَدْفَدٍ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا. فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا أَنَا فَوَاللهِ لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ، وَابْنُ دَثِنَةَ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لأُسْوَةً، يُرِيدُ الْقَتْلَى، وَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى، فَقَتَلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقِيْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ

стр. 683

ابْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ بِنْتَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ، فَأَخَذَ ابْنًا لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ. وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَاكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: ذَرُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا، اللهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَىِّ شِقٍّ كَانَ لِلهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَا ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّع فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ، فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا، فَاسْتَجَابَ اللهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ، وَمَا أُصِيبُوا، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعُوا مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا (١). هذا الحديث اشتمل على فوائد كثيرة، ذكر كثيرًا منها الحافظ ابن

стр. 684

حجر في كتابه فتح الباري (١). أولاً: جاء في الحديث أن عاصم بن ثابت قد قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، قال ابن حجر: لعله عقبة بن أبي معيط، وفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة قال: «كان عاصم بن ثابت أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا»، وفي رواية أنه قال: «إني أحمي لك اليوم دينك، فاحم لي لحمي»، فأرسل الله هذه الزنابير أو النحل فحمته من المشركين. قال عمر ﵁ لما بلغه خبره: «يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في حياته». ثانيًا: أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أن يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالعزيمة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن. ثالثًا: الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله. رابعًا: الدعاء على المشركين بالعموم، والصلاة عند القتل، وفي الحديث أن خبيب بن عدي أَوَّلُ مَن سَنَّ صَلَاةَ الرَّكْعَتَيْنِ عِندَ القَتلِ. خامسًا: فيه إنشاء الشعر وإنشاده عِندَ القَتلِ، ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه. سادسًا: أن الله تعالى يبتلي عبده المسلم بما شاء، كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ

стр. 685

الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. سابعًا: فيه استجابة دعاء المسلم، وإكرامه حيًا وميتًا، وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. ثامنًا: فيه ما كان عليه مشركو قريش من تعظيم الحرم والأشهر الحرم. تاسعًا: فيه أن الغدر والخيانة من صفات الكفار، فقد قتلوا عبد الله بن طارق، وباعوا زيدًا وخبيبًا على قريش، من أجل دراهم معدودة. عاشرًا: كرامة الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، فإن خبيبًا قد رزقه الله العنب وما بمكة من ثمرة، وهو موثق بالحديد عند عدوه، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وغير ذلك من الفوائد والعبر عند التأمل. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 686

الكلمة المئة وخمس وثلاثون: تحريم التصوير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن المنكرات التي انتشرت بين الناس، وابتلي بها كثير من المسلمين التصوير، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في الصحاح والمسانيد والسنن دالة على تحريم تصوير كل ذي روح، آدميًا كان أو غيره، وهتك الستور التي فيها الصور، والأمر بطمس الصور، ولعن المصورين، وبيان أنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة، ففي الصحيحين من حديث أبي زرعة قال: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، فَرَأَى أَعْلَاهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» (١). وفيهما عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (٢). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (٣).

стр. 687

وفي الصحيحين من حديث القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَأَىهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ » فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وَقَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» (١). وفي صحيح مسلم من حديث علي ﵁: أنه قال لأبي الهياج الأسدي: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَلَاّ تَدَعَ تِمْثَالاً إِلَاّ طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَاّ سَوَّيْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَاّ طَمَسْتَهَا» (٢). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: وهذه الأحاديث وما في معناها دلالة ظاهرة على تحريم التصوير لكل ذي روح، وأن ذلك من كبائر الذنوب المتوعد عليها بالنار، وهي لأنواع التصوير، سواء كان للصورة ظل أم لا، وسواء كان التصوير في حائط أو ستر أو قميص أو قرطاس أو غير ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يفرق بين ما له ظل ولا غيره، ولا بين ما جعل في ستر أو غيره، بل لعن المصور وأخبر أن المصورين أشد الناس عذابًا يوم القيامة، وأن كل مصور في النار، وأطلق ذلك، ولم يستثن شيئًا، قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ

стр. 688

يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١). وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: ولا يجوز للمسلم أن يقتني الصور في بيته، ولا يحتفظ بها، إلا الصور الضرورية التي يحتاجها، كصورة حفيظة النفوس، وجواز السفر، وإثبات الشخصية، فهذه أصبحت ضرورية، وهي لا تتخذ من باب محبة التصوير، وإنما تتخذ للضرورة والحاجة، أما ما عدا ذلك من الصور فلا يجوز الاحتفاظ بها للذكريات، ولا الاطلاع عليها، وما أشبه ذلك، ويجب على الإنسان أن يتلف الصور، وأن يخلي بيته منها مهما أمكنه ذلك، وإذا كان في منزله صور معلقة على الحيطان، أو منصوبة، سواء كانت تماثيل أو كانت رسومًا على أوراق من صور ذوات الأرواح، كالبهائم والطيور والآدميين، وكل ما فيه روح، فإنه يجب إزالته، فقد غضب النبي ﷺ حينما رأى سترًا وضعته عائشة على الجدار فيه تصاوير. اهـ (٢). وقال الشيخ ناصر الدين الألباني وهو يرد على من فرق بين التصوير الشمسي والتصوير باليد: وقريب من هذا تفريق بعضهم بين الرسم باليد، وبين التصوير الشمسي بزعم أنه ليس من عمل الإنسان! وليس من عمله فيه إلا إمساك الظل فقط، كذا زعموا، أما ذلك الجهد الجبار الذي صرفه المخترع لهذه الآلة حتى استطاع أن يصور في لحظة ما لا يستطيعه بدونها في ساعات فليس من عمل الإنسان عند هؤلاء! وكذلك توجيه المصور للآلة وتسديدها نحو الهدف المراد تصويره، وقبيل ذلك تركيب ما يسمونه بالفلم، ثم بعد ذلك تحميضه، وغير ذلك

стр. 689

مما لا أعرفه، فهذا أيضًا ليس من عمل الإنسان عند أولئك أيضًا! (١) سئل الشيخ ابن عيثمين ﵀ عن عرض الصور الكبيرة والصغيرة في المحلات التجارية وهي صور إما لممثلين عالميين أو أناس مشهورين وذلك للتعريف بنوع أو أصناف من البضائع كالعطورات وغيرها. وقال السائل: عند إنكارنا على أصحاب المحلات يجيبون بأنهم اطلعوا على فتوى لفضيلتكم بأن التصوير المجسم هو الحرام وغير ذلك فلا؟ فأجاب ﵀: من نسب إلينا أن المحرم من الصور هو المجسم وأن غير ذلك غير حرام فقد كذب علينا ونحن نرى أنه لا يجوز لبس ما فيه صورة سواء كان من لباس الصغار أو من لباس الكبار وأنه لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة والله الموفق (٢). وسئلت اللجنة الدائمة عن التصوير الذي تستخدم فيه كاميرا الفيديو هل يقع حكمه تحت التصوير الفوتوغرافي؟ فأجابت: نعم حكم التصوير بالفيديو حكم التصوير الفوتوغرافي بالمنع والتحريم لعموم الأدلة (٣). ومن مفاسد الصور: أولَا: فيها مضاهاة لخلق الله، وادعاء المشاركة لله في خلقه، الذي اختص به، فإنه هو الخالق البارئ المصور، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.

стр. 690

ثانيًا: إن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، فأول ما حدث الشرك في الأرض كان بسبب التصوير، لما صور قوم نوح رجالاً صالحين ماتوا في عام واحد، فتأسفوا عليهم، فجاء الشيطان وألقى إليهم أن يصوروا تصاويرهم، وينصبوها على مجالسهم حتى يتذكروا بها العبادة، ففعلوا ذلك، ولما مات هذا الجيل جاء الشيطان إلى من بعدهم وقال: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلا ليستقوا بها المطر، وليعبدوها، فعبدوها من دون الله ، ومن ثم حدث الشرك في الأرض بسبب التصوير. ثالثًا: أنه سبب في فساد الأخلاق، وذلك إذا صورت الفتيات في المجلات والصحف، والقنوات الفضائية، أو صورت للذكريات، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا يجر إلى الافتتان بتلك الصور، وبالتالي يوقع في القلب المرض والشهوة، ولهذا اتخذ المفسدون التصوير مطية ووسيلة لإفساد الأخلاق بتصوير النساء في الأفلام والمجلات، والأدوات المنزلية، والدعايات، وغيرها (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 691

الكلمة المئة وست وثلاثون: الموت وعظاته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن المنهمك في الدنيا المكب على شهواتها وملذاتها يغفل قلبه عن ذكر الموت فلا يذكره، وإن ذكره كرهه ونفر منه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]. وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وأما العارف بربه، فإنه يذكر الموت دائمًا، أخذًا بوصية رسول الله ﷺ عندما قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ - يعني الموت -» (١). وروى ابن ماجه في سننه من حديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ

стр. 692

ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ» (١). قال الحسن البصري ﵀: «فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لب فيها فرحًا، وما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عليه، وهان عليه جميع ما فيها». قال الشاعر: لا طِيبَ للعيْشِ ما دامَت لذاتُهُ ... مُنْغَصةً بادِّكَار المَوتِ وَالهَرم وقال عمر بن عبد العزيز: إذا غفل قلبي عن ذكر الموت ساعة فسد، وقال بعضهم: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والكسل في العبادة. والموت له سكرات وكربات، وهي تعتري كل مخلوق، وقد يهونها الله على بعض عباده، كالشهداء؛ لأن الشهيد «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَاسِهِ فِتْنَةً»، كما في الحديث الصحيح (٢). وقد تشدد هذه السكرات على بعض العباد تخفيفًا من الذنوب، ورحمة وزيادة في الدرجات، كالأنبياء ﵈، وفي مقدمتهم خاتمهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فإنه قد لقي من الموت شدة، وهو أحب الخلق إلى الله. ففي صحيح الإمام البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا

стр. 693

وَجْهَهُ وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ»، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «اللهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ (١). وحينما ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: وَاكَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» (٢). حتى إنه من شدة كربه قال: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ» (٣). وكان كلما اغتسل ﵊، وهم بالصلاة مع الناس يغمى عليه ... - ثلاث مرات - (٤). وَتَقُولُ عَائِشَةُ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي (٥) وَذَاقِنَتِي (٦) فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ (٧). وتشدد هذه السكرات على الكفار، وكذلك على عصاة المسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا

стр. 694

كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ : «وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ - وفي رواية: الفَاجِرَ - إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ - غِلَاظٌ شِدَادٌ - سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ (١) مِنَ النَّارِ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَاسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ: اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ، قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ - الْكَثِيرُ الشِّعْبِ - مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ - فَتُقَطَّعُ مَعَهَا الْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ» (٢) .. الحديث. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، إما مُحسِنٌ فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ خَيْراً، وإمَّا مُسِيءٌ لَعَلَّهُ يَستعْتِبُ» (٣). وروى الشيخان من حديث أنس: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (٤).

стр. 695

وحق على كل إنسان أن يستعد للموت قبل نزوله، وذلك بالمبادرة بالعمل الصالح قبل حلول الأجل. لقد حثنا ربنا أعظم الحث، ودعا إلى اغتنام الفرص في زمن المهلة، وأخبرنا أن من فرط في ذلك تمناه، وقد حيل بينه وبينه، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَاءِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩ - ١٠]. قال الشاعر: إِذَا أَنْت لم تَزْرَع وأَبْصرتَ حَاصِداً ... نَدِمتَ على التفرِيطِ في زَمَن البذْر روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: «إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاح، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» (١). وفي رواية للترمذي: «وَعُدَّ نَفْسَكَ مِن أَهْلِ الْقُبُورِ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ غَدًا» (٢).

стр. 696

قال الشاعر: تَفَانَوا جَمِيعاً فما مُخْبِرٌ ... وَمَاتُوا جَمِيعاً وَمَاتَ الخَبَرْ تَرُوحُ وَتَغْدُو بَنَاتُ الثَّرى ... وَتُمحى مَحَاسِنُ تِلكَ الصّورْ فَيَا سَائِلي عن أُناسٍ مَضَوا ... أَمَا لك فِيما تَرَى مُعْتَبَرْ؟ وقال آخر: ولو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموتُ غايةَ كلِّ حيّ ولكنَّا إذا متنا بُعثنا ... ونسأل بعدها عن كل شيّ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 697

الكلمة المئة وسبع وثلاثون: مقتطفات من سيرة أبي بكر الصديق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر. هذا الصحابي شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، فشهد بدرًا وأحدًا والخندق، وغيرها من معارك المسلمين الفاصلة، ولم يفارق النبي ﷺ لا في حضر ولا سفر، ولد بعد حادثة الفيل بسنتين وستة أشهر، صلى بالناس إمامًا في مرض النبي ﷺ الذي مات فيه، وهو من أحب الناس إلى النبي ﷺ ، وقد تزوج النبي ﷺ ابنته، وهو أول من أسلم من الرجال، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو رفيق النبي ﷺ في الغار، وقد نال شرف صحبته في ذلك، وقد أنزل الله فيه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِلَاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]. قال عمر بن الخطاب: «لَو وُزِنَ إِيمَانُهُ بِإِيمَانِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ إِيمَانُهُ». إنه صِدِّيق هذه الأمة أبو بكر، واسمه عبد الله بن أبي قحافة

стр. 698

عثمان بن عامر بن عمرو القرشي، وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصديق؛ لأنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ، وقد وصفته ابنته عائشة فقالت: «كان أبي أبيض نحيفًا خفيف العارضين، منحني الظهر قليلاً، غائر العينين. وقد وردت أحاديث تدل على فضله ومكانته، وأنه أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، فمن ذلك قوله ﵊ كما في الصحيحين من حديث عائشة في مرضه الذي مات فيه: «ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكَ وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَابَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَاّ أَبَا بَكْرٍ» (١). قال العلماء: وفي هذا الحديث دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بإمامة المسلمين. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَاّ خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَا لأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَاّ وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي

стр. 699

بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ» (١). وقد أنفق ﵁ بعد إسلامه أربعون ألفًا على الصدقات، وإعتاق العبيد من المسلمين. روى الترمذي في سننه من حديث عمر بن الخطاب قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالاً، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ » قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ » قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: وَاللهِ لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا» (٣). وروى الترمذي في سننه من حديث أنس: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلَاّ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» (٤). وقد تولى الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ ، وكانت خلافته سنتان وسبعة أشهر، وعندما ارتدت العرب واشرأب النفاق، وانحازت

стр. 700

الأنصار، قالت عائشة ﵂: «فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها»، وقال كلمته المشهورة: «لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ» (١). يقول العلماء: حفظ الله الدين، برجلين: أبو بكر في حروب الردة، وأحمد بن حنبل في فتنة الجهمية. وجمع القرآن في عهده، يقول علي بن أبي طالب: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر. وكان ﵁ شديد الورع، روى البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه (٢). قال ابن حجر: أشار بذلك أنه كان كسوباً لمؤنته ومؤنة عياله بالتجارة من غير عجز تمهيداً على سبيل الاعتذار عما يأخذه من مال المسلمين إذا احتاج إليه، فقد روى ابن سعد وابن المنذر بإسناد صحيح عن مسروق عن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، قالت: فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وناضح كان يسقي بستاناً له، فبعثنا بهما إلى عمر، فقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده (٣). تقول عائشة ﵂: كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين

стр. 701

لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، ودخل عليه الصحابة في مرضه، فقالوا: ألا ندعو لك طبيبًا ينظر إليك؟ فقال: قد نظر إلي، فقالوا: ما قال؟ قال: إني فعال لما أريد، تقول عائشة ﵂: لما ثقل أبي تمثلت بهذا البيت: لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ فكشف عن وجهه وقال: ليس ذلك يا بنية، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] (١). روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سَحُوليةً، ليس فيها قميصٌ وَلَا عمامةٌ. وقال لها: في أي يومٍ تُوفِيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالت: يومَ الاثنَينِ. قال: فأَيُّ يومٍ هذا؟ قالت: يومُ الاثنينِ. قال: أَرجُو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوبٍ عليه كان يُمَرَّضُ فيه، به ردعٌ من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها. قلت: إن هذا خَلَقٌ؟ قال: إن الحَيَّ أَحَقُّ بالجديد من الميتِ، إنما هو للمهلة. فلم يتوفَّ حتَّى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفِنَ قبل أن يُصبِحَ (٢). رضي الله عن أبي بكر، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 702

الكلمة المئة وثمان وثلاثون: مقتطفات من سيرة عمر بن الخطاب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر. هذا الصحابي شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وغيرها من معارك المسلمين الفاصلة، ولد بعد حادثة الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من السابقين إلى الإسلام، قال فيه النبي ﷺ في الحديث المخرج في مسند الإمام أحمد: «إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ» (١). وقال عنه ﷺ كما في الحديث المخرج في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا، إِلَاّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (٢). كان إسلامه فتحًا على المسلمين، وفرجًا لهم من الضيق، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمارته رحمة، تزوج النبي ﷺ من ابنته، وهو أحد

стр. 703

العشرة المبشرين بالجنة، وفي عهده سقطت دولتي فارس والروم، قال عنه عبد الله بن مسعود: «ما عُبِدَ اللهُ جَهرَةً حَتَّى أَسلَمَ هَذَا الرَّجُلُ». إنه فاروق هذه الأمة، عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، أبو حفص، كان إسلامه ﵁ قد تحقق ببشارة النبي ﷺ فيما رواه الترمذي في سننه من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «اللهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيهِ عُمَرُ (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ» (٢). قال ابن عباس: «أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب»، وصفه أهل السير بأنه كان رجلًا طويلًا جدًّا، ومن طوله إنه إذا ركب الفرس تخط رجلاه بالأرض، ومع طوله فإنه كان ضخمًا عريض المنكبين، مفتول الساعدين، أبيض مشربًا بالحمرة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على فضله ومكانته، فمن ذلك ما رواه الترمذي في سننه من حديث عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» (٣)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ أَغَارُ؟ ! (٤)

стр. 704

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ» (١). وقد كان ﵁ رجلاً ملهمًا، نزل القرآن الكريم في موافقته في عدد من آرائه، ففي الصحيحين من حديث عمر أنه قال: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وَآيَةُ الْحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ؟ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (٢). وكذلك وافقه في أسارى بدر، وفي ترك الصلاة على المنافقين، وفي غيرها من المواضع، وكان ﵁ من أعلم الصحابة وأفقههم، قال عبد الله بن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان، ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح بهم علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم (٣).

стр. 705

تولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وكان تقيًا ورعًا زاهدًا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد كثرت الفتوحات في عهده، وسقطت دولتي فارس والروم، وكانت هذه من أعظم الإنجازات في عهده، وأصيب الناس في إحدى سنوات عهده بمجاعة شديدة، أجدبت الأرض، واسودت، وانقطع المطر، وسمي ذلك العام عام الرمادة، فكان يأكل الخبز والزيت، ويقول: لن أشبع حتى يشبع أطفال المسلمين، وكان يقول: لو أن بغلة عثرت في طريق العراق لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة. وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن ميمون الأنصاري أنه قال: «شَهِدتُ عُمَرَ قَبلَ مَوتِهِ بِأَيَّامٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللهُ لأَدَعَنَّ أَرَامِلَ الْعِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا، فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ رَابِعَةٌ إِلَاّ وَأُصِيبَ» (١). وقد أكرمه الله بالشهادة، فكان قتله على يد الغادر الشقي أبي لؤلؤة المجوسي في سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو يؤم الناس لصلاة الفجر، طعنه بسكين ذات شقين. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب الناس على المنبر يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر رسول الله ﷺ وذكر أبا بكر ثم قال: رأيت رؤيا لا أُرَاهَا إلا لحضور أجلي، رأيت كأن ديكاً نقرني نقرتين، قال: وذُكِرَ لي أنه ديكٌ أحمرُ، فقصصتها على أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر ﵄ فقالت: يقتُلُكَ رَجُلٌ مِنَ العَجَمِ (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين حفصة أنه كان يقول: «اللهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ
следующие страницы →