لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» (١).
وكان النبي ﷺ يتعوذ بالله من شر البصر الذي يؤدي إطلاقه إلى كل شر، فروى البخاري في الأدب المفرد من حديث شكل بن حميد ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، علمني دعاءً أنتفع به. قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَلِسَانِي، وَقَلْبِي، وَشَرِّ مَنِيِّي» (٢).
قوله: «وَبَصَرِي»: كي لا أنظر إلى محرم، وفي هذا الحديث الالتجاء إلى الله تعالى بالمعافاة من شر السمع والبصر واللسان والقلب، والمني؛ لأن هذه الحواس والأشياء خلقت للطاعة (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 632
الكلمة المئة وخمس وعشرون: تحريم حلق اللحية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فمن المعاصي التي انتشرت بين صفوف الناس، وابتلي بها كثير من المسلمين حلق اللحية.
روى مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث جرير ﵁ قال: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي: «فِيمَا اسْتَطَعْتَ»، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٢).
وعملاً بهذا التوجيه النبوي الكريم كانت هذه الكلمة للتذكير بتحريم حلق اللحية.
واللحية اسم جامع للشعر النابت على العارضين والخدين والذقن، وقد وردت النصوص الشرعية بالتحذير من حلقها، أو أخذ جزء منها، وذلك من عدة وجوه:
стр. 633
أولاً: أنه تغيير لخلق الله، قال تعالى حاكيًا عن إبليس لعنه الله: ﴿وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الأَنْعَامِ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩].
فالواجب على المسلم أن لا يتعرض لشيء مما خلقه الله بالتغيير، إلا ما أذن الشرع في أخذه، مثل شعر الرأس، والشارب، والإبطين، والأظافر، وغير ذلك مما أذن فيه الشرع، وإذا كانت المرأة التي تقوم بنتف الحاجبين، وتفليج الأسنان للحسن، قد لعنها رسول الله ﷺ كما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» ما لي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله (١).
وعلة ذلك أنها غيرت خلق الله، مع أنه مباح لها الزينة، فالرجل من باب أولى، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
ثانيًا: أن اللحية من سنن الفطرة، روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ ... وذكر منها: قَصَّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ» (٢).
ثالثًا: أن في حلقها مخالفة للأحاديث الصحيحة الموجبة لإعفائها، وهي كثيرة، ومقتضى الأمر الوجوب ما لم يأت صارف عن هذا الأمر، فدل على أن إعفاءها أمر واجب على كل مسلم، قال
стр. 634
تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
ومن هذه الأحاديث ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ - يعني: حُفُّوا الشَّوَارِبَ -، وَأَعْفُوا اللِّحَى» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر: عن النبي ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ (٢)، وقد عد النووي الألفاظ التي وردت في اللحية، فبلغت خمسًا، وهي: أعفوا، وأرخوا، وأوفوا، وأرجوا، ووفروا، وهذه تدل على ترك اللحية وافرة، وعدم التعرض لها بشيء من الحلق أو النتف أو التقصير (٣).
رابعًا: أن في حلقها تشبهًا بالمشركين والمجوس واليهود والنصارى، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديثه: أن النبي ﷺ قال: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٥). وذلك أن المجوس يطيلون الشوارب، ويقصون اللحى، وبعضهم يحلقها تمامًا، فنهانا النبي ﷺ عن التشبه بهم في هذا وذاك، وفي الحديث الذي رواه ابن
стр. 635
جرير، وابن سعد في الطبقات في قصة رسولي كسرى حينما رآهما النبي ﷺ وقد حلق كل واحد منهما لحيته، ووفرا شاربيهما، فأعرض عنهما النبي ﷺ وقال: «وَيلَكُمَا، مَن أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ »، فقالا: أمرنا ربنا، يعنيان كسرى، فقال لهما النبي ﷺ : «وَلَكِن رَبِّي أَمَرَنِي أَن أُعفِيَ لِحيَتِي، وَأَن أَقُصَّ شَارِبِي» (١).
فإذا كان النبي ﷺ أنكر على هذين الرجلين، مع العلم بأنهما كافران من المجوس، فالمسلم من باب أولى.
إضافة إلى أن اللحية زينة وجمال للرجل.
خامسًا: إن في حلقها مخالفة لسنة النبي ﷺ والأنبياء قبله، والخلفاء الراشدين والصحابة من بعدهم، قال تعالى حاكيًا عن هارون وهو يخاطب موسى: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَاخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَاسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤].
قال الشنقيطي ﵀: إذا ضمت هذه الآية إلى آية الأنعام التي ذكر فيها الأنبياء، ثم قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. دلت على لزوم إعفاء اللحية وهذا دليل من كتاب الله.
وإعفاء اللحية من السمت الذي أُمرنا به في القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، والعجب من الذين مسخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم
стр. 636
بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء، حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى، وهو اللحية، وقد كَانَ ﷺ كَثَّ اللِّحيَةِ، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة، والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها ليس فيهم حالق، نرجوا الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه (١). اهـ.
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ (٢)، وفي صحيح البخاري من حديث أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: «قُلْنَا لِخَبَّابٍ: أكان رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ» (٣)، وهذا دليل على أنه كان يعفيها ولا يأخذ منها شيئًا، وهكذا الصحابة جميعًا ولم يعرف حلق اللحية إلا في الأزمنة المتأخرة.
وبعض الناس يثير شبهة إذا نصحته بعدم حلق اللحية، فيقول: الإيمان بالقلب، وليست القضية تربية اللحية، فكم من إنسان حليق اللحية خدم الإسلام والمسلمين، وكم من إنسان أعفى لحيته وعليه من التقصير ما الله به عليم؟
فالجواب عن ذلك أن على المؤمن الالتزام بأوامر الله ورسوله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال ﷺ : «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٤).
стр. 637
وهذه شبهة باطلة، لو أخذنا بها لتركنا كثيرًا من الأوامر والنواهي التي جاء بها الشرع. ثم إن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، فلا يكفي التصديق بالقلب، بل لا بد من العمل، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ ... عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 638
الكلمة المئة وست وعشرون: كلمة توجيهية للمرأة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: قال تعالى: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
روى الترمذي في سننه من حديث أُمِّ عُمَارَةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂: أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: مَا أَرَى كُلَّ شَيْءٍ إِلَاّ لِلرِّجَالِ، وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ﴾ (١).
وهذه بعض الوصايا التي أوصي بها أخواتي المسلمات، وأسأل الله أن ينفع بها، قال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
стр. 639
الوصية الأولى: التمسك بالتوحيد، والحذر من الشرك، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢].
وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، أن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران عظيمان، وهما:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
فأمر الله تعالى نبيه أن يدعو أهل الكتاب إلى معنى (لا إله إلا الله) الذي دعا إليه العرب وغيرهم، والكلمة السواء هي (لا إله إلا الله)، أي لا معبود بحق إلا الله، فلا دعاء ولا استغاثة، ولا ذبح، ولا نذر، ولا غير ذلك من العبادات إلا لله سبحانه، وهذه هي دعوة الرسل ﵈.
الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله، فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا، وهو دين الرسل، أنذروا قومهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
والشرك محبط لجميع الأعمال، كبيرها وصغيرها، ولا يقبل الله من صاحبه صرفًا ولا عدلاً، ولا فرضًا ولا نفلاً، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
стр. 640
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (١).
وإن مما تقشعر منه القلوب والأبدان، وهو منذر بخطر عظيم يداهم الأمة في أفضل ما تملكه وتعتز به، ألا وهو ما يبثه الكفرة أعداء الإسلام عبر القنوات الفضائية، وغيرها من الوسائل من الدعايات الهدامة التي تسعى إلى تشكيك المسلمين في دينهم، وتدعوهم بمكر ودهاء إلى الانسلاخ منه، فالحذر الحذر، وهذا هو الخطر الأول.
أما الخطر الثاني: فمما يلاحظ انتشار الكهانة والسحر، وكثرة المرتادين لهم بعذر التداوي ونحوه، ولا يجوز للمسلمة الذهاب إلى هؤلاء الكهنة الذين يدّعون معرفة المغيبات، لتعرف منهم مرضها، كما لا يجوز لها أن تصدقهم فيما يخبرونها به، فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيب، أو يستحضرون الجن ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء حكمهم الكفر والضلال إذا ادعوا علم الغيب، روى مسلم في صحيحه من حديث صفية: عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٢).
وهناك الأخطار الكثيرة التي لا يمكن الخلاص منها إلا بما سبق ذكره من تحقيق التوحيد، والتمسك به، ومعرفة الشرك والكفر والحذر منهما، والبراءة من أهلهما.
الوصية الثانية: المحافظة على هذه الصلاة بأركانها وشروطها وواجباتها، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
стр. 641
وهي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، روى الطبراني في المعجم الأوسط من حديث عبد الله بن قرط: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِن صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (١).
وكان من آخر ما وصى به النبي ﷺ وهو يعالج سكرات الموت أن قال: «الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» (٣).
واعلمي أختي المسلمة أنه لا يكتمل إسلام المرأة إلا بالقيام بأركان الإسلام الخمسة، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ» (٤).
الوصية الثالثة: التفقه في الدين، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية ﵁: أن
стр. 642
النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١).
لذلك ينبغي للمرأة المسلمة أن تحرص على تعلم أمور دينها، كحضور الدروس والمحاضرات، والاستماع إلى الأشرطة المفيدة، وقراءة الكتب النافعة، ومن أهمها حفظ كتاب الله، فهو رأس العلوم كلها، ومنبع الحكم، ورياض الصالحين، والعصمة من الضلال لمن تدبره وعمل به، تقول عائشة ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (٢).
الوصية الرابعة: تقوى الله ومراقبته في السر والعلن، فإن تقوى الله وصية الله للأولين والآخرين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يوصي أصحابه بتقوى الله، وفي حديث العرباض بن سارية: أن النبي ﷺ قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ» (٣).
والحذر من المعاصي، كبيرها وصغيرها، فقد وعد الله تعالى من اجتنب الكبائر أن يكفر عنه الصغائر، وأن يدخله مدخلاً كريمًا، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
الوصية الخامسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:
стр. 643
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢].
وهذا خطاب لنساء النبي ﷺ ، صيانة لهن وسائر نساء المؤمنين مخاطبات بذلك. قال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
فعلى المرأة المسلمة أن تحرص على هذه الشعيرة العظيمة، خاصة في بيتها مع أولادها وأقاربها، وإذا رأت من أخواتها المسلمات تقصيرًا في طاعة الله في صلاتهن أو صيامهن، أو حقوق أزواجهن، أو غير ذلك، فعليها أن تنصحهن بالكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، مقتدية في ذلك بنساء الصحابة ﵅.
الوصية السادسة: الاتصاف بصفة الحياء، قال تعالى عن موسى ﵇ عندما سقى المرأتين: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥].
والملاحظ أن خلق الحياء أصبح ضعيفًا عند كثير من النساء، ومن صور ذلك خروج المرأة مع السائق بمفردها، أو لبس النقاب الذي يوضع على منتصف الأنف، فيستر ما تحت ذلك، ويظهر العينين والجبهة، أو لبس البنطال أمام النساء، أو وضع العباءة على الكتف، أو لبس الملابس الضيقة أو المفتوحة، أو العارية. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِن أَهْلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا ... وذكر أحدهما: نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيْلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلنَ الجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوْجَدُ
стр. 644
مِن مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا» (١).
فعلى المرأة المسلمة أن تنتبه لما يريده أعداء الله، فهم يريدون انحلالها، وأن تصبح سلعة رخيصة بأيديهم، ويريدون سلخها من إيمانها ودينها، وخروجها عن فطرتها التي فطرها الله عليها، فعليها أن تكون على حذر من ذلك.
الوصية السابعة: الإكثار من الصدقة، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ وعظ النساء، وقال: «أَكْثِرْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ» (٢).
قال ابن القيم ﵀: وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه ﷺ ، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه، وكان ﷺ يأمر بالصدقة، ويحث عليها، ويدعو إليها بماله وقوله، ولذلك كان ﷺ أشرح الخلق صدرًا، وأطيبهم عيشًا، وأنعمهم قلبًا، فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في انشراح الصدر. اهـ (٣).
ومن أفضل أنواع الصدقة التي تستمر للعبد بعد وفاته الصدقة
стр. 645
الجارية، كحفر الآبار، وبناء المساجد، وطباعة الكتب، والأوقاف الخيرية على الفقراء والمساكين، ونحو ذلك.
الوصية الثامنة: الابتعاد عن رفيقات السوء، فقد أخبر تعالى أن الإنسان يندم يوم القيامة على مصاحبته للجليس السوء الذي أضله وأبعده عن طريق الحق، قال تعالى: ... ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً * وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٣٠].
وقال تعالى: ﴿الأَخِلَاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» (١).
وكم من فتاة فشلت في دراستها بسبب رفيقات السوء، وكم من فتاة انتهك عرضها، وخسرت كرامتها بسبب رفيقات السوء، وكم من فتاة وقعت في المخدرات والمسكرات، وما ترتب على ذلك من مآسي كثيرة بسبب ذلك.
لذلك أوصي أخواتي المسلمات بالحرص على الرفقة الصالحة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 646
الكلمة المئة وسبع وعشرون: خطر التلفاز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فحديثنا هذا اليوم عن فتنة دخلت كل بيت إلا من رحم الله؛ إنه التلفاز، ولعل الكلام فيه يكون في العناصر التالية:
أولاً: المخالفات الشرعية فيه.
ثانيًا: أقوال العلماء فيه.
ثالثًا: شبهات والجواب عنها.
رابعًا: الحل.
فمن تلك المخالفات الشرعية: ما يتعلق بأمور العقيدة، وهو أخطر ما يكون، فهو يعرض صور الكفار وحضارتهم بطريقة تدعو إلى الإعجاب بهم، والميل إليهم، وبالتالي يضعف جانب البراءة من المشركين والكفار المأمور به في الآيات الكريمات، والأحاديث النبوية الشريفة، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
стр. 647
عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الإِيْمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ وَتُبْغِضَ فِي اللهِ» (١).
ومنها: إظهار بعض الشعائر الإسلامية بصور كريهة، كوضع اللحية على رجل ناقص العقل، وتشويه صورة الحجاب، ولمز الصالحين وأهل الخير، ونحو ذلك مما فيه استهزاء بشعائر الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
ومنها: ما يسمى بأفلام الكرتون، وتعرض هذه الأفلام بطريقة خبيثة يتلقى فيها الأطفال ما يخالف العقيدة الإسلامية، والآداب الفاضلة، من الكفر والضلال والعشق، فقد ذكرت الأخت طيبة اليحيى في كتابها «بصمات على ولدي»، بعد مشاهدتها لعدد من برامج الأطفال ما خلاصته: «أن هذه البرامج تحتوي على مخالفات شرعية كثيرة، مثل صور الصليب، والتبرج، والاختلاط، وسماع الموسيقى، وشرب الدخان»، وفيها يقول أحدهم وهو يخاطب زميله: كما كنت حين صنعتك، وكأنه الخالق الذي يخلق البشر، وقول آخر: «إن نظامهم يسيطر على كل المجرات في الكون ما خلا المجموعة الشمسية»، وهذا كفر، فنظام من ذلك الذي يسيطر على كل المجرات تلك السيطرة إلا ناموس الخالق جل وعلا. وينبغي على الآباء أن يعلموا الأبناء أن أكثر برامج التلفاز،
стр. 648
وخاصة المسلسلات والأفلام، وحتى الكارتونية منها مصدرها الدول الأجنبية (الكافرة) المعادية للإسلام والمسلمين، والتي لا شيء أحب إلى قلبها من إفساد المسلمين، وصرفهم عن دينهم وخلقهم وتراثهم الخير، حتى يبقوا دائمًا وأبدًا تحت سيطرتهم، مع إعلامهم أن اليهودية العالمية هي التي تسيطر على جميع وسائل الإعلام، والوكالات في الغرب، لذلك لا تقدم لنا إلا الشر بأثواب براقة خداعة (١).
وغير ذلك من المخالفات الكثيرة، مما يقدح في عقيدة الطفل وسلوكه وأخلاقه.
ومن المخالفات الشرعية الأخرى تصوير الاختلاط بين الرجال والنساء، على أنه أمر عادي لا حرمة فيه عن طريق المسلسلات، وقصص الحب والغرام، وهذا يؤدي إلى نشر الفاحشة والرذيلة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
والمؤمن مأمور بغض البصر عن النساء الأجنبيات، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].
روى مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله قال: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» (٢).
فكيف بمن يتعمد النظر إلى النساء العاريات وهن بكامل زينتهن على شاشة التلفاز، وكذلك رؤية النساء للرجال الأجانب وهم بكامل
стр. 649
زينتهم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
ومنها: الغناء المصحوب بالمعازف، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦].
وأكثر المفسرين كابن عباس وابن مسعود على أنه الغناء.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ» (١).
أقوال العلماء فيه: سئل المشايخ عبد الله بن حميد، وعبد العزيز ابن باز، وابن عثيمين ﵏ عن التلفاز، هل هو حرام أو حلال؟ فأجابوا بأن التلفاز آلة لا نستطيع أن نحرمها، تستخدم للخير أو الشر، فإن استخدم التلفاز في محرم، مثل الغناء الماجن، وإظهار صور فاتنة، وتمثيليات هابطة، فيها كذب وخيانات زوجية، واختلاط بين الرجال والنساء، ومسلسلات بوليسية إجرامية، فإنه حرام، وإن استعمل في الخير كقراءة القرآن، وإبانة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك جائز، وإن تساوى الأمران، أو غلب جانب الشر كما هو الحال الآن، فهو حرام (٢).
وسئلت اللجنة الدائمة عن التلفاز، فقالوا: إنه آلة تستخدم للخير والشر، بحسب الحال التي تستخدم فيه، ولكن الأحوط ترك إدخاله، لأنه
стр. 650
قد يكون وسيلة إلى سماع ما يحرم، وذريعة إلى رؤية ما تنشأ منه فتنة من الصور العارية، وحركاتها الفاتنة (١).
شبهات والجواب عنها:
قد يقول قائل: ما هو البديل للتلفاز؟
وهذا هو الخطأ الفادح، وهو مطالبة المسلم دائمًا بالبدائل في كل شيء منع منه، وحرم عليه، مع أن الواجب على المسلم أن يقول: سمعنا وأطعنا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
والبدائل كثيرة، منها: حلقات تحفيظ القرآن الكريم، أو المحاضرات القيمة التي تقام في المساجد أو المؤسسات الخيرية، أو شراء الكتب النافعة، أو الأشرطة المفيدة، أو المسابقات الثقافية، وغير ذلك من البدائل التي لا تخفى على الجميع.
ومن الشبهات كذلك: قول بعضهم: إنه يشاهد في هذا التلفاز الصلاة في الحرم المكي، والبرامج الدينية، والأخبار، فيقال: إن هذا موجود في إذاعة القرآن الكريم، وأفضل منه، وقد نصح الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بالاستماع إليها.
ومنها قول بعضهم: أعلم أن التلفزيون بوضعه الحالي لا يجوز بقاؤه في بيتي، ولكن إذا لم أحضره للأولاد ذهبوا يشاهدونه عند الجيران، أو في أماكن أخرى، فيقال:
أولاً: إن المنكر لا يزال بمنكر مثله، بل ينبغي أن تبين لهم أن
стр. 651
المشاهدة لتلك البرامج حرام هنا وعند الجيران.
ثانيًا: المنكر المترتب على اقتناء التلفزيون في البيت أعظم من المنكر المترتب على ذهابهم للمشاهدة عند الجيران؛ لأن ذهابهم عند الجيران سيقتصر على أوقات محدودة، أما وجوده في البيت فسوف يسهل لهم رؤية المنكرات في كل وقت.
أخيرًا: تذكر يا عبد الله أن الموت قد يأتيك بغتة، وهذا الجهاز في بيتك، واسمع إلى هذا الحديث الذي تفزع لهوله القلوب، وتشيب منه الرؤوس، وترتعد منه الفرائص: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معقل بن يسار ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَاّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 652
الكلمة المئة وثمان وعشرون: ذم الترف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].
المترف: هو المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها، والمعنى أن الله تعالى أمر هؤلاء المترفين بطاعته فلم يمتثلوا أمره، بل فسقوا وأفسدوا، فحق عليهم العذاب والدمار، وقد أخبر عن حال هؤلاء المترفين، وأنهم أتتهم آيات الله ونذره فأعرضوا عنها واستكبروا عليها، فأخذهم العذاب، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا اليَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤ - ٦٧].
وقد أخبر أن الترف من صفات الكفار، قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٥] أي منعمين مقبلين على الشهوات والملذات، وقد بين سبحانه أن عاقبة الترف وخيمة في الدنيا والآخرة، فقال عن نبيه صالح، وهو يخاطب قومه ثمود، وكانوا عربًا
стр. 653
يسكنون مدينة الحجر التي بين واد القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة، وتسمى الآن مدائن صالح: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ إلى أن قال ﴿فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٦ - ١٥٩]، قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى واعظًا لهم، ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكرًا بنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة، وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزرع والثمرات، ولهذا قال: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: إذا رطب واسترخى، وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين، قال ابن عباس وغير واحد: حاذقين، وفي رواية عنه: شرهين أشرين، وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهم، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم. اهـ (١).
الشاهد أنهم كانوا يعيشون حياة الترف، فكذبوا رسولهم، فكان عاقبتهم الهلاك في الدنيا والآخرة.
ولقد أخبر النبي ﷺ أن المترفين في الدنيا ينسون ما كانوا فيه من النعيم في الآخرة، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ
стр. 654
رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (١).
ولقد كان نبينا محمد ﷺ من أبعد الناس عن الترف، روى البخاري ومسلم من حديث عمر ﵁: أنه أتى النبي ﷺ ، فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس، وقال: «أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! » ثم قال ﷺ : «أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا» وفي رواية: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ ! » (٢).
ومن مظاهر هذا الترف في وقتنا الحاضر: الإغراق في الكماليات بشكل عجيب، فعلى سبيل المثال بعض الأسر تغير أثاث المنزل بشكل سنوي حتى لو كان بحالة جيدة، وتدفع في ذلك المبالغ الطائلة.
ومنها قيام بعض الأسر بشراء المأكولات والمشروبات بشكل يومي من المطاعم الغالية الثمن من غير حاجة إلى ذلك.
ومنها أن بعض النساء تقوم بتغيير ملابسها بشكل مستمر في كل مناسبة أو عرس، حتى لو كان هذا الثوب لم يستعمل إلا مرة واحدة، وتدفع في ذلك المبالغ الطائلة.
ومنها سفر بعض الناس للسياحة سنويًا، ويدفعون في ذلك المبالغ الطائلة حتى لو كانت هذه المبالغ بالدين، وغير ذلك من مظاهر الترف.
ومن المفاسد التي تنتج عن الترف:
стр. 655
أولاً: الأمراض الكثيرة في وقتنا الحاضر، كمرض السمنة، وأمراض القلب، والجلطات، وغيرها.
ثانيًا: أنه يؤدي إلى الكسل، والراحة، والتعلق بالدنيا، مما يسهل على الأعداء التسلط على الأمة، وإفساد عقيدتها، ونهب خيراتها، وثرواتها، وأمة الإسلام ينبغي أن تكون أمة مجاهدة قوية تعد نفسها للدعوة إلى الله ونشر هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها، وإخراج الناس من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد، ولا يكون هذا إلا بالعمل الجاد، وليس بالترفه والراحة، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
ثالثًا: أنه يؤدي إلى ضياع ثروات الأمة، ومقدراتها، فيما لا فائدة فيه، والأمة بأمس الحاجة إلى استغلال هذه الثروات، في بناء قوتها الاقتصادية، والعسكرية لتأخذ مكانتها بين الأمم، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
رابعًا: أن الترف يؤدي إلى ضعف الأمة، وحاجتها إلى مساعدة الآخرين، وعدم اعتمادها على شبابها ومقدراتها، وهذا يؤدي بدوره إلى تسلط الأعداء عليها، ونهب خيراتها، وإفساد دينها، وغير ذلك من المفاسد.
وهذا كله فيما إذا كان الترف مقتصرًا على التوسع والانبساط في المباح، فأما إذا تجاوز ذلك إلى الشهوات المحرمة فإن الأمر يكون قد وصل إلى مرحلة الخطر، ومنذر بالهلاك والدمار، كما مر في الآيات السابقة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 656
الكلمة المئة وتسع وعشرون: أخطاء في الطهارة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن الطهارة شرط من شروط الصلاة، التي لا تقبل إلا بها، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (٢).
وهناك أخطاء يقع فيها بعض المصلين تتعلق بالطهارة، أحببت التذكير بها أداء لحق الله تعالى، وقيامًا بواجب النصيحة.
أولاً: أن بعض الناس، أو كثير منهم يعبدون الله على جهل، فيقعون في أخطاء فاحشة، في الطهارة، والصلاة، والصيام، والحج، وغيرها من العبادات، بل قد يتعدى ذلك إلى الخطأ في أمور في التوحيد والأيمان، وللأسف قد يكون بعض هؤلاء ممن يزعمون أنهم من المثقفين، غير أن ثقافتهم ثقافة ضحلة لا تتعدى الجرائد والمجلات والقنوات الفضائية، والواجب على المسلم أن يعرف دينه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،
стр. 657
ويسأل أهل العلم عما أشكل عليه من ذلك، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
روى ابن ماجه في سننه من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (١).
وروى البخاري من حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢)، وكان يقول في حجته فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر: «لِتَاخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (٣)، وقد يبلغ الأمر ببعض الناس إلى الإعراض عن تعلم الدين، وفي هذا خطر عظيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ ... حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
ثانيًا: من الأخطاء ما يتعلق بالوضوء، فمن ذلك ترك إسباغ الوضوء، ومعنى الإسباغ إعطاء كل موضع من مواضع الوضوء حقه، وعلى المصلي أن ينتبه عند الوضوء إذا كان في يده ساعة أو خاتم أو غير ذلك، فلا بد أن يصل الماء إلى العضو، روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» (٤).
والعقب هو مؤخر القدم، روى مسلم في صحيحه من حديث
стр. 658
جابر ﵁، قال: أَخْبَرَنِي عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى (١).
ومنها: عدم إكمال غسل اليدين إلى المرفقين، والواجب عليه غسل يديه كلها من أطراف الأصابع إلى المرافق؛ لأن الكفين داخلان في مسمى اليد، وقد نبه على ذلك بعض أهل العلم من المعاصرين.
قال الشيخ ابن عثيمين وهو يتحدث عن صفة الوضوء: وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى المرافق مرة واحدة، ويجب أن يلاحظ المتوضئ كفيه عند غسل ذراعيه، فيغسلهما مع الذراعين، فإن بعض الناس يغفل عن ذلك، ولا يغسل إلا ذراعيه، وهو خطأ (٢).
ومنها: أن بعضهم عند غسل الوجه لا يغسل صفحة وجهه كاملة، بل تبقى أجزاء من الوجه، جهة الأذنين لم يمسها الماء، والصحيح أن حدود الوجه من منابت شعر الرأس إلى أسفل اللحيين والذقن طولاً، وعرضًا إلى أصول الأذنين.
ومنها: أن بعضهم يكتفي بمسح مقدم رأسه، أو يمسح إلى منتصف الرأس، والصحيح أن عليه أن يمسح جميع الرأس، فقد روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: ثُمَّ مَسَحَ رَاسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَاسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ (٣).
стр. 659
ومنها: عدم تخليل أصابع اليدين والرجلين، فقد روى أبو داود في سننه من حديث المستورد بن شداد ﵁ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ (١).
وروى الترمذي من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّاتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» (٢).
ومنها: الإسراف في الماء، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ (٣).
وقد نهى النبي ﷺ المؤمن أن يزيد على وضوئه ثلاث مرات، روى النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» (٤).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 660
الكلمة المئة وثلاثون: أخطاء في الصلاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن الصلاة هي عماد الدين، والركن الثاني من أركانه، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة؛ لذلك وجب على المسلم أن يحرص على أدائها، كما أمره النبي ﷺ ، وبين صفتها لأمته.
روى البخاري في صحيحه من حديث مالك بن الحويرث: أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١).
وروى الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن قرط: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِن صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (٢).
وهناك أخطاء يقع فيها بعض المصلين أحببت التذكير بها أداء لحق الله تعالى، وقيامًا بواجب النصيحة، فمن ذلك:
أولاً: عدم إقامة الصلب في الركوع أو السجود، روى النسائي في سننه وأحمد في مسنده من حديث أبي مسعود ﵁: أن
стр. 661
النبي ﷺ قال: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لأَحَدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» (١).
وقد جعل الرسول ﷺ لص الصلاة وسارقها شرًّا من لص الأموال، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَسْوَأُ النَّاسِ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا»، أَوْ قَالَ: «لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» (٢).
أما الركوع فإن بعض الناس يخفض ظهره أكثر من اللازم، أو يرفعه، وهذا خطأ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا رَكَعَ بَسَطَ ظَهرَهُ وَسَوَّاهُ (٣)، حَتَّى لَو صُبَّ المَاءُ عَلَيهِ لَاستَقَرَّ (٤).
وروى النسائي من حديث أبي حميد قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا رَكَعَ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يَنْصِبْ رَاسَهُ، وَلَمْ يُقْنِعْهُ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (٥).
وأما السجود فإن بعض المصلين إذا سجد لا يمكن جبهته من الأرض، وبعضهم يرفع قدميه عن الأرض، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث العباس بن عبد المطلب: أن النبي ﷺ قال: «أُمِرتُ أَن أَسجُدَ عَلَى سَبعَةِ أَعظُمٍ، الجَبهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنفِهِ،
стр. 662
وَاليَدَينِ، وَالرُّكبَتَينِ، وَأَطرَافِ القَدَمَينِ» (١).
وهذا الحديث يدل على أن أعضاء السجود سبعة، وأنه ينبغي للمصلي أن يسجد عليها كلها.
ومنها: عدم الطمأنينة في الصلاة، وهي ركن من أركان الصلاة، لا تصح بدونه، روى البخاري في صحيحه من حديث زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلاً لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَيهَا (٢).
وفي هذا دليل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وأن الإخلال بها مبطل للصلاة؛ لأنه قال له: ما صليت، وهو نظير قوله ﷺ للمسيء صلاته في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي ﷺ فرد، وقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ ، فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلِّمني! فقال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَا مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (٣).
ومنها: مسابقة الإمام، وقد جاء النهي الصريح من النبي ﷺ
стр. 663
عن ذلك. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالاِنْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَاسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَاسَهُ رَاسَ حِمَارٍ؟ ! » (٢).
وروى البخاري في صحيحه من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ (٣).
ومنها: أن بعضهم إذا سلم الإمام التسليمة الأولى، وعليه قضاء بعض الركعات لا ينتظر حتى يسلم الإمام التسليمة الثانية، وإنما يقوم مباشرة ليكمل ما تبقى من الركعات، وهذا خطأ. والأولى أن ينتظر حتى يسلم الإمام التسليمة الثانية (٤).
ومنها: الصلاة بثياب مسبلة، والإسبال منهي عنه على وجه العموم، لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، من
стр. 664
حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فِي النَّارِ» (٢).
وبعض أهل العلم يُشدد في الأمر إذا كان الإسبال في الصلاة؛ لأن من شروط الصلاة ستر العورة، والذي يصلي في الثياب المسبلة قد ستر عورته بثياب محرمة، ولذلك فإن صلاته في خطر.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 665
الكلمة المئة وإحدى وثلاثون: خطر النفاق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من أعظم الذنوب عند الله تعالى النفاق، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
والنفاق ينقسم إلى قسمين: اعتقادي وعملي، فأما الاعتقادي فهو على ستة أنواع: تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به، أو بغض الرسول ﷺ ، أو بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ ، أو الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ .
فالمنافق في هذا القسم مؤمن الظاهر، كافر الباطن. أما إيمانه الظاهر فإنه يشهد شهادة الحق، ويصلي ويصوم ويحج ويجاهد ويشارك المسلمين في شعائر الدين الظاهرة، كما هو حال المنافقين في عهد النبي ﷺ ، وفي كل زمن يكون فيه الحق منصورًا، وأما كفره باطنًا فما يخفيه من التكذيب بالحق، وإضمار العداوة لله ولرسوله وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
стр. 666
وهذا الصنف من الناس هم أشد أعداء الله ورسوله، ولهذا كان جزاؤهم أعظم من جزاء الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
وقد فضحهم الله تعالى في القرآن الكريم في أكثر من موضع، ووصفهم بأنهم كذابون يصدون عن سبيل الله، وأنهم يستكبرون، كما وصفهم بأنهم لا يفقهون ولا يعلمون، ولا يعقلون. ومن أبرز سماتهم - قاتلهم الله - موالاتهم للكفار، وعقدهم اللقاءات معهم في العلن تارة، وفي السر تارات، قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَاتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨].
قال الشنقيطي ﵀ في تعليقه على الآية الكريمة: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... ﴾: هم المنافقون، يعتذرون عن موالاة الكفار من اليهود بأنهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر، أي دول الدهر الدائرة من قوم إلى
стр. 667
قوم، كما قال الشاعر:
إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ ... كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا
يعنون إما بقحط فلا يميروننا، ولا يتفضلون علينا، وإما بظفر الكفار بالمسلمين، فلا يدوم الأمر للنبي ﷺ وأصحابه، زعمًا منهم أنهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين على صداقتهم، فينالون منهم ما يؤمل الصديق من صديقه، وأن المسلمين يتعجبون من كذبهم في إقسامهم بالله جهد أيمانهم إنهم لمع المسلمين، وبين في هذه الآية أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود، أنها لا تدور إلا على اليهود والكفار، ولا تدور على المسلمين، بقوله: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَاتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢].
وعسى من الله نافذة؛ لأنه الكريم العظيم الذي لا يُطمع إلا فيما يعطي، والفتح المذكور قيل هو فتح المسلمين لبلاد المشركين، وقيل الفتح الحكم، كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وعليه فهو حكم الله، بقتل مقاتلة بني قريظة، وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير، وقيل: هو فتح مكة، وهو راجع إلى الأول (١).
وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] قال بعض العلماء: إنها نزلت في المنافقين، وقال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، وإن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم
стр. 668
في بعض الأمر، وهو عداوة النبي ﷺ ، والتثبيط عن الجهاد، ونحو ذلك.
والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله (١).
القسم الثاني: النفاق العملي، وهو خمسة أنواع:
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، وقال مسلم في صحيحه: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» مكان «إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (٢).
وقد ذكر ابن رجب أن من النفاق العملي أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك (٣).
ولقد كان الصحابة ﵃ لسعة علمهم، وعميق إيمانهم، يخشون على أنفسهم من النفاق، قال البخاري ﵀ في صحيحه، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَاّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا». وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ»، وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: مَا خَافَهُ إِلَاّ مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَاّ مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ
стр. 669
يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] (١).
وروي عن الحسن أنه كان يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو: ما مضى مؤمن قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. اهـ (٢).
وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقول لحذيفة: أسألك بالله يا حذيفة هل عدّني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا ولا أزكي أحدًا بعدك (٣).
فعمر ﵁ لم يقل ذلك رياءً، ولكن العبد كلما ازداد علمًا زاد خوفه من ربه، والصحابة لعظم خوفهم من ربهم، وسعة علمهم لم يكونوا يحتقرون الذنوب، بل كانوا يستعظمونها، ويخافون عواقبها، ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ» (٤).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ.
وفي صحيح البخاري من حديث زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه: قال أناس لابن عمر: «إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ
стр. 670
إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا» (١).
وإن من صور النفاق ما يطالب به بعض الناس الذين هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويدعون أنهم يريدون إصلاح المجتمع، ونفع الأمة، ويرددونه بين الفينة والأخرى من هتك للحجاب، والدعوة للتبرج والسفور واختلاط الشباب بالفتيات في الأعمال، ومقاعد الدراسة، وأن في قوامة الرجل على المرأة كبتًا لحريتها، فيطالبون بالمساواة، زعمًا منهم أن فيها إنصافًا وعدلاً بينها وبين الرجل، وإلى نشر الموسيقى في المدارس والمراحل التعليمية الأخرى، وإلى تقليص المواد الدينية، وتخفيضها، وإلى قيادة المرأة للسيارة.
ومن صوره كذلك مطالبتهم للناس بالاعتماد على البنوك الربوية في بيعهم وشرائهم، وقروضهم، وسائر شؤونهم، وأن ما تأخذه البنوك من فوائد إنما هو لمصلحة المجتمع، ويدعم اقتصاده، وينشرون هذا عبر الصحف والمجلات، ووسائل الإعلام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].
إلى غير ذلك من المطالب والأساليب الماكرة التي يخططون لها ليلاً ونهارًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.