← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ومن الأعمال الصالحة في أيام العشر: حج بيت الله الحرام، وهو من أفضل الأعمال والقربات، قال تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١). وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي المَعِيشَةِ، يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ، لَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ» (٢). ومنها: الصيام، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقال تعالى بعدما ذكر المسارعين إلى الخيرات من الرجال والنساء: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (٣). وروى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

стр. 737

لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» (١). ومنها: الصدقة: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (٣). ومنها: ذكر الله. قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذكُرُنِي، فَإِن ذَكَرَنِي فِي نَفسِهِ ذَكَرتُهُ فِي نَفسِي، وَإِن ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرتُهُ فِي مَلإٍ هُم خَيرٌ مِنهُم» (٤). قال ابن القيم ﵀: «ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها، لكفى

стр. 738

بها فضلاً وشرفًا» (١). والذكر عمومًا، والتكبير خصوصًا من شعائر هذه الأيام، قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]. وتقدم حديث: «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ التَّهْلِيلَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّحْمِيدَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا (٢). وكان السلف يحرصون على إحياء هذه الشعيرة في أيام العشر، وصفة التكبير: «اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ». وغير ذلك من أبواب الخير العظيمة التي فتحها الله لعباده. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 739

الكلمة المئة وخمس وأربعون: طلب العلم الشرعي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أفضل العبادات، وأجل الطاعات التي حث عليها الشرع طلب العلم الشرعي، والمقصود بالعلم الشرعي، علم الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. روى البخاري ومسلم من حديث معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١). قال بعض أهل العلم: «من لم يفقه في الدين لم يرد به خيرًا»، وروى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ

стр. 740

الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١). قال الأوزاعي: «الناس عندنا هم أهل العلم، ومن سواهم فلا شيء»، وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «حاجة الناس إلى العلم الشرعي أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب». قال سفيان الثوري: من أراد الدنيا والآخرة فعليه بطلب العلم، وقال أبو جعفر الطحاوي: كنت عند أحمد بن أبي عمران فمر بنا رجل من بني الدنيا فنظرت إليه وشغلت به عما كنت فيه من المذاكرة، فقال لي: كأني بك قد فكرت فيما أُعطي هذا الرجل من الدنيا، قلت له: نعم، قال: هل أدلك على خلة؟ هل لك أن يحول الله إليك ما عنده من المال ويحول اليه ما عندك من العلم فتعيش أنت غنياً جاهلاً ويعيش هو عالماً فقيراً؟ فقلت: ما أختار أن يُحَوِّلَ اللهُ ما عندي من العلم إلى ما عنده فالعلم غنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وسلطانٌ بلا رجال، وفي ذلك قيل: العلمُ كَنزٌ وذخرٌ لا نفادَ لهُ ... نِعْم القرينُ إذا ما صَاحبَ صَحبا قد يجمعُ المرءُ مالاً ثُمَّ يُحرَمُهُ ... عما قليلٍ فيَلقَى الذلَّ والحَربَا وجامِعُ العلمِ مغبوطٌ به أبداً ... ولا يحاذرُ منه الفَوتَ والسَلبَا يا جامعَ العلمِ نِعمَ الذُّخرُ تَجمَعُهُ ... لا تَعْدلَنَّ به دُراً ولا ذَهَبَا (٢) ومن فضائل هذا العلم: أنه يبقى أجره بعد انقطاع أجل صاحبه، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال:

стр. 741

«إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَاّ مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١). ومنها: أن أهل العلم هم القائمون بأمر الله حتى تقوم الساعة، روى البخاري ومسلم من حديث معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ اللهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (٢)، روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال عن هذه الطائفة: «إن لم يكونوا من أهل الحديث فلا أدري من هم». قال عبد الله بن داود: سمعت سفيان الثوري يقول: إن هذا الحديث عز، فمن أراد به الدنيا وجدها ومن أراد الآخرة وجدها ... وكان الشافعي إذا رأى شيخاً سأله عن الحديث والفقه، فإن كان عنده شيء وإلا قال له: لا جزاك الله خيراً عن نفسك ولا عن الإسلام، قد ضيعت نفسك وضيعت الإسلام (٣). ومنها: أنه طريق عظيم إلى الجنة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (٤). ومنها: أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ

стр. 742

أَهْلِ الأَرْضِ؟ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ؟ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ » (١). ومنها: أن الله تعالى يقذف لأهل العلم الربانيين هيبة ومحبة، وتقديرًا في قلوب الناس، فتجد الألسن تتابع في الثناء عليهم، والقلوب تتفق على احترامهم وتقديرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. ومنها: أن طلب العلم خير للمرء من متاع الدنيا، روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة ابن عامر ﵁ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَاتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ » فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَعْلَمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ» (٢). ووسائل طلب العلم كثيرة، كحضور الدروس العلمية للعلماء والمشايخ، والمحاضرات العامة، والكلمات في المساجد، وقراءة الكتب النافعة، والاستماع إلى الأشرطة المفيدة، وسؤال أهل العلم عما أشكل، وحفظ كتاب الله فهو رأس العلوم كلها. ولله دَرُّ الشافعي عندما قال: كل العُلُومِ سِوَى القُرآنِ مَشغَلَةٌ ... إِلَاّ الحديثَ وعِلمَ الفِقْهِ فِي الدِّين

стр. 743

العلمُ ما كان فيه قال حدثنا ... وما سِوى ذَاكَ وسْوَاسُ الشَّياطِين وقد أخبر النبي ﷺ أن من علامات الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا» (١). وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع، روى النسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان من دعاء النبي ﷺ : «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ» (٢). وروى ابن ماجة من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَلُوا اللهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» (٣). ويجب على المسلم أن يطلب العلم الشرعي خالصًا لوجه الله، لا من أجل منصب، أو مال، أو عرض من الدنيا، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَاّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، يَعْنِي: رِيحَهَا (٤). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ

стр. 744

الْكَثِيرِ، أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَاسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 745

الكلمة المئة وست وأربعون: معنى لا إله إلا الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن كلمة الإخلاص هي كلمة (لا إله إلا الله)؛ لأنها تعني إخلاص العبادة لله تعالى، وإفراده بها؛ لأن معناها: لا معبود حقًا إلا الله، وهي كلمة عظيمة، من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وفي سبيل تحقيقها أمر الله المؤمنين بالجهاد، وجردت السيوف ورُكبت الجياد، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وكان كل رسول أول ما يدعو قومه إليها، فيقول كما قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣]، وقد كان الكفار الذين بعث فيهم الرسول ﷺ مقرون بأنه لا خالق إلا الله، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]، غير أن هذا الإقرار لا يكفي في تحقيق التوحيد، إذ لا بد من المعرفة والعلم المستلزم لإفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا ما أراده ربنا ، إذ يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ﴾ [محمد: ١٩]، ولقد فهم كفار قريش وغيرهم أن هذا هو المعنى الذي تضمنته هذه الكلمة العظيمة، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، ومن المسلمين من يقول هذه الكلمة، ويصلي ويصوم ويحج ويتصدق ومع ذلك يصرف شيئًا

стр. 746

من أنواع العبادة لغير الله تعالى، كالاستغاثة بالأولياء والصالحين، أو النذر لهم، أو دعائهم من دون الله، فهؤلاء لم يحققوا معنى لا إله إلا الله، وأنه إفراد الله بالعبادة، وصرف جميع أنواعها له، وأن من صرف شيئًا منها لغيره فهو مشرك، وإن قال لا إله إلا الله، وصلى، وصام، وزعم أنه مسلم، فإن العبد لا يكون مسلمًا حقًا، ولا ينجو من الخلود في نار جهنم إلا بالإيمان الخالص الذي لا يخالطه شرك، ولا يناقضه كفر، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، ومن عبد الله، وعبد معه غيره لم تنفعه تلك العبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقد ذكر أهل العلم أن معنى لا إله إلا الله يتضمن شروطًا لا يتم إلا بها. وشروط هذه الكلمة ثمانية: أولاً: العلم بمعناها، المراد منها، وما تنفيه، وما تثبته، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]. روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). وكثير من الناس ينطق بها بلسانه، ولا يعلم شيئًا من معناها، ولهذا يقع في الشرك. ثانيًا: اليقين المنافي للشك بأن يكون قائلها متيقنًا بما تدل عليه، فإذا كان في قلبه شك بما تدل عليه لم تنفعه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ

стр. 747

الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَاّ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ثالثًا: الإخلاص المنافي للشرك، فلا يقولها رياء ولا سمعة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» (٢). رابعًا: الصدق المنافي للكذب، فيقول لا إله إلا الله صادقًا من قلبه، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَاّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (٣)، فاشترط الصدق في هذا الحديث. خامسًا: المحبة المنافية للبغض، فيحب هذه الكلمة، وما تدل عليه، وأهلها العاملين بمقتضاها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. سادسًا: الانقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك، فيجب الانقياد لما تدل عليه لا إله إلا الله من الأعمال الظاهرة والباطنة، قال تعالى:

стр. 748

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، والاستسلام هو الانقياد لأوامر الله. سابعًا: القبول المنافي للرد، فيجب القبول لما اقتضته هذه الكلمة من عبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، فمن قالها، ولم يقبل ذلك ويلتزم به، كان ممن قال فيهم سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]. ثامنًا: الكفر بما يعبد من دون الله من الطواغيت، وإثبات العبادة لله وحده، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ» (١). وقد نظم بعضهم فقال: عِلْمٌ، يَقينٌ، وإخلاصٌ، وَصِدْقُكَ مع ... محبةٍ وانقيادٍ والقبولُ لَهَا وزِيدَ ثامِنُهَا الكفرانُ مِنكَ بما ... سِوَى الإِلهِ مِنَ الأندادِ قد أُلِّهَا ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة: أولاً: أنه يُفْتَحُ لقائلها أبواب الجنة الثمانية، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» (٢).

стр. 749

ثانيًا: أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم، فإنهم لا بد أن يخرجوا منها، ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁: عن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ الله : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي! لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ» (١). وروى الطبراني في المعجم الأوسط من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنْ دَهْرِهِ، أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ» (٢). ثالثًا: أن من قالها قبل أن يموت، فمات عليها، دخل الجنة، روى أبو داود في سننه من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 750

الكلمة المئة وسبع وأربعون: سورة الفلق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر، سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَاسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (٢).

стр. 751

وروى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾» (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾. أي ألجأ وألوذ وأعتصم برب الفلق، أي الإصباح، ويجوز أن يكون أعم من ذلك؛ لأن الفلق كل ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]. قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. أي: من شر جميع المخلوقات، حتى من شر النفس؛ لأن النفس أمارة بالسوء وفي الحديث: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن شر ما خلق يشمل شياطين الإنس والجن، والهوام، وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: الغاسق، قيل إنه الليل، وقيل إنه القمر، والصحيح أنه عام لهذا وهذا، أما كونه الليل فلأن الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. والليل تكثر فيه الهوام والوحوش؛ فلذلك استعاذ من شر الغاسق أي الليل، وأما القمر فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه من حديث عائشة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: «اسْتَعِيذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ» (٢).

стр. 752

لأن سلطانه يكون في الليل، وإذا وقب: أي إذا دخل، فالليل إذا دخل بظلامه غاسق، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسق، ولا يكون ذلك إلا بالليل. قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾: هن الساحرات، يعقدن الحبال وغيرها، وتنفث بقراءة مطلسمة فيها أسماء الشياطين على كل عقدة تعقد، ثم تنفث، ثم تعقد ثم تنفث، وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصًا معينًا، فيؤثر هذا السحر بالنسبة للمسحور، وذكر الله النفاثات دون النفاثين لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السحر هن النساء، فلهذا قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾، ويحتمل أن يقال: إن النفاثات يعني الأنفس النفاثات، فيشمل الرجال والنساء، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: (لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ)، قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، دَعَا ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَاسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَاسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ، أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَاسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ (١)، قَالَ: لَبِيدُ ابْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ (٢)، قَالَ:

стр. 753

وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ (١)، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ»، قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾: الحاسد هو الذي يكره نعمة الله على غيره، فتجده يضيق ذرعًا إذا أنعم الله على هذا الإنسان بمال أو جاه أو علم أو غير ذلك، فيحسده. والحساد نوعان: نوع يحسده ويكره في قلبه نعمة الله على غيره، لكن لا يتعرض للمحسود بشيء، تجده مهمومًا مغمومًا من نعم الله على غيره، والشر والبلاء إنما هو بالحاسد إذا حسد، ولهذا قال ﴿إِذَا حَسَدَ﴾، ومن حسد الحاسد العين التي تصيب المعان؛ لأنها لا تصدر غالبًا إلا من حاسد شرير الطبع، خبيث النفس، والعين كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «العَينُ حَقٌّ، وَلَو كَانَ شَيءٌ سَابِقٌ القَدَرَ سَبَقَتهُ العَينُ» (٣). وروى ابن عدي في الكامل من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ العَينَ لَتُدخِلُ الرَّجُلَ القَبرَ، وَالجَمَلَ القِدْرَ» (٤).

стр. 754

قال المناوي: أي تقتله فيدفن في القبر، وتدخل الجمل القدر، أي إذا أصابته، أو أشرف على الموت ذبحه مالكه، وطبخه في القدر، وهذا يعني أن العين داء، والداء يقتل، فينبغي للعائن أن يبادر إلى معالجته بالبركة، فتكون رقية منه (١). روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ (٢). وذكر الله الغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، والحاسد إذا حسد؛ لأن البلاء كله في هذه الأحوال الثلاثة يكون خفيًا، وعلى المؤمن أن يعلق قلبه بربه، ويفوض أمره إليه، ويحقق التوكل عليه، ويستعمل الأوراد الشرعية التي بها يحصن نفسه ويحفظها من شر هؤلاء السحرة والحساد، وغيرهم (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 755

الكلمة المئة وثمان وأربعون: آداب الطعام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أسرار عظمة هذا الدين أنه ما ترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وتناوله بالبيان والإيضاح، ومن هذه الجوانب التي تناولها هذا الدين آداب الطعام، ومن تلك الآداب: أولاً: التسمية قبل البدء بالطعام أو الشراب، روى البخاري ومسلم من حديث عمرو بن سلمة: أن النبي ﷺ قال له: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (١). وإذا نسي أن يسمي عند أول الطعام فليسم إذا ذكر، روى الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» (٢). ثانيًا: الأكل والشرب باليمين، فلا يجوز للمسلم أن يأكل أو يشرب بشماله، روى مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع، أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلْ بِيَمِينِكَ»، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَاّ الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا

стр. 756

رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَاكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَاكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» (٢). ثالثًا: الأكل بثلاثة أصابع، روى مسلم في صحيحه من حديث كعب بن مالك أنه حدثهم: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَاكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا» (٣). رابعًا: لعق الأصابع وصحفة الطعام، فإذا أكل الإنسان الطعام، وبقي شيء يسير منه، لا يضره تناوله، أو بقي أثر للطعام في الصحفة، فالسنة أن يلعقها، لأن الإنسان لا يدري أين البركة، وكذلك السنة لعق الأصابع، روى مسلم في صحيحه من حديث كعب بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَاكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا» (٤)، وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ؟ » (٥). خامسًا: أكل ما تناثر من الطعام: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَاخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، وَلْيَاكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» (٦).

стр. 757

سادسًا: الأكل مع الغير مِنْ زوجة، أو أولاد أو ضيف غيرهم: روى أبو داود في سننه من حديث وحشي بن حرب عن أبيه عن جده ﵁: أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَاكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ » قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» (١). سابعًا: النهي عن التنفس في الإناء: روى البخاري في صحيحه من حديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (٢). ومثله النفخ في الطعام والشراب، روى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري قال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ (٣). ثامنًا: النهي عن الأكل من أعلى الصحفة، أو أوسطها: وينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون الطعام واحد بمعنى أن الذي في الصحفة طعام من نوع واحد، فالسنة أن يأكل مما يليه، لقول النبي ﷺ في الحديث السابق: «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (٤)، ولقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ، وَلَا تَاكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» (٥). الثاني: أن يكون الطعام أنواعًا، فلا بأس بالأكل من أعلى الصحفة،

стр. 758

وجوانبها، ويدل لذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَىِ الصَّحْفَةِ» (١). تاسعًا: النهي عن الشرب قائمًا: لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» (٢). عاشرًا: الاقتصاد في أكل الطعام: روى الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (٣). فائدة: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعَ شِيَاةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ» (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 759

الكلمة المئة وتسع وأربعون: وقفة مع قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله ﴿أَمْوَاتًا﴾ أي لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفُقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا، والتمتع بزهرتها الذي يحذر من فواتها، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة، بل قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم أحياء عند ربهم في دار كرامته، ويرزقون بأنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه إلا من أنعم به عليهم. اهـ (١). روى مسلم في صحيحه من حديث مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ

стр. 760

رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ... [آل عمران: ١٦٩]؟ قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَاوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ! نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ، تُرِكُوا» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَإِنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، غَيْرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ» (٢). قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله، أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم. ففي الصحيحين من حديث أنس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله ﷺ

стр. 761

يدعو على الذين قتلوهم، قَالَ أَنَسٌ: فَقَرَانَا فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمِّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ، «بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا، أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا، وَأَرْضَانَا» (١). قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١]، أي يهنئ بعضهم بعضًا بأعظم شيء، وهو نعمة ربهم وفضله وإحسانه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، مالا يصل إليه سعيهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أولاً: إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ (٢) نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (٣). قال ابن كثير: وكأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم، وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن، بأن روحه تكون في الجنة، تسرح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، فإن الإمام أحمد رواه عن محمد بن إدريس الشافعي، ورواه الشافعي عن

стр. 762

مالك بن أنس، ومالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» (١). وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان (٢). ثانياً: الترغيب في الجهاد، والزهد في الدنيا ومتاعها الزائل، روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (٣). ثالثاً: فضل الجهاد ومكانته العظيمة، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ قَالَ: فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» (٤). رابعاً: أن فيها تسلية للأحياء عن قتلاهم، وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله، والتعرض للشهادة، روى البخاري في صحيحه: أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ بِنْتَ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي

стр. 763

عَنْ حَارِثَةَ؟ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ - أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ (١) - فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. قَالَ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» (٢). خامساً: أن هذا الفضل الوارد في الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة لا يكون إلا لمن قاتل لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٣). أما من قاتل تحت راية عمية ينصر قومية، أو وطنية، أو حرية، أو غيرها من الشعارات الزائفة فهو كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ (٤)، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» (٥). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 764

الكلمة المئة وخمسون: سورة الفاتحة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من سور القرآن العظيم التي نقرؤها في كل صلاة فرضًا ونفلاً: سورة الفاتحة، وهي أعظم سور القرآن، روى البخاري في صحيحه من حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ ثُمَّ قَالَ لِي: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ: لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الَّذِي أُوتِيتُهُ» (١). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي بن كعب: أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ

стр. 765

الَّذِي أُعْطِيتُهُ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس قال: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَاسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَاّ الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَاّ الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَاّ أُعْطِيتَهُ (٢). قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ﴾ الحمد هو الثناء، على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه. و﴿رَبِّ العَالَمِينَ﴾ الرب هو المتولي جميع العالمين، وهو الذي أوجد الخلق من العدم، وأنعم عليهم بالنعم العظيمة التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى، قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣]. والرب هو المالك المتصرف، ويُطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، ولا يستعمل الرب لغير الله إلا بالإضافة، تقول: رب الدار، ولا تقول الرب على غير الله. قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها الله للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن

стр. 766

عداهم فلهم نصيب منها، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (١). قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: هو المتصرف في ذلك اليوم، وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، فهو مالك الدنيا والآخرة، وإنما أضيف الملك إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ﴾ [الإنفطار: ١٧ - ١٩]. وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غافر: ١٥ - ١٦]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» (٢). قال ابن عباس: «لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا، قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة،

стр. 767

يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه»، وكذا قال غيره من الصحابة والتابعين. قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالعبادة كمال المحبة، وكمال الخضوع، والخوف والذل، وقدم المفعول - وهو إياك - وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، ولذلك قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالأول التبرؤ من الشرك، والثاني: التبرؤ من الحول والقوة. بل إن الصلاة لا تصح لمن لم يقرأ بهذه السورة، روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١). قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فهذا هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله بعد الفتح بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]. والهداية ههنا التوفيق والإرشاد، فليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم النافع، والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله. و ﴿الصِّرَاطَ﴾ هو الطريق الواضح والمستقيم الذي لا عوج فيه، والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ

стр. 768

فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وأنت دائمًا في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم، وعليك من الفرائض أن تصدق الله أن طريقه هو المستقيم، وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة فليس بمستقيم، بل معوج، وهذه أول الواجبات من هذه الآية، واعتقاد ذلك بالقلب، وليحذر المؤمن من خدع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملاً وتركه مفصلاً، فإن أكثر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله ﷺ على الحق، وأن ما خالفه باطل، فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم، فكما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠]. وأما قوله: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون العاملون بلا علم، فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى، وكثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم، وأن النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات، فيا سبحان الله، كيف يعلمه الله، ويختار له، ويفرض عليه أن يدعو به دائمًا، مع أنه لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله، هذا من ظن السوء بالله (١). ويستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين، ومعناها: اللهم استجب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَامِينُهُ

стр. 769

تَأمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). اللهم اجعل هذا القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، واجعله شافعًا وحجة لنا يوم القيامة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 770

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة دروس يومية (١٥٠) درسًا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين إعداد د. أمين بن عبد الله الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد «الجزء الرابع»

стр. 771

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين: أما بعد: فقد اطّلعت على الكتاب الموسوم بـ «الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة: دروس يومية» إعداد الشيخ الدكتور أمين بن عبد اللَّه الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. والشيخ أمين معروف لديّ وهو من الدعاة المعروفين بالعلم والبصيرة، وقد سمعتُ عدداً من كلماته التي يلقيها في المساجد. ولما تصفّحتُ الكتاب وجدتُه منوعاً يشمل موضوعات متعددة في العقيدة والتفسير والحديث والفقه، وفي العلم، والوصايا، والأدعية والأذكار، وآداب الطعام، والمحرمات، وصيانة الأعراض واللباس، والمواعظ والرقائق والفضائل والأخلاق، وقضايا اجتماعية كقضية المرأة وغيرها وتوجيهات عامة وغيرها. ولا شكّ أن هذه الموضوعات شاملة لقضايا متعددة من أمور الدين، الناس بحاجة إليها، فهذه الكلمات مفيدة لعامة الناس، وهي مفيدة للدعاة والخطباء وأئمة المساجد يقرؤونها على الناس دروساً يومية.

стр. 772

وإنني أوصي عموم المسلمين بقراءة هذا الكتاب والاستفادة منه، وأوصي أيضاً أئمة المساجد والخطباء والدعاة بالاستفادة من هذا الكتاب على شكل دروس يومية تقرأ على المصلين. والمؤلف - وفقه اللَّه - بذل جهده في اختيار الموضوعات المهمة، ودعمها بالأدلة من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين وأهل العلم المعتبرين، ورجع إلى كتب التفسير وكتب الفقه وكتب الحديث وكتب التاريخ والسِّير، فجاء هذا الكتاب - بحمد اللَّه - وافياً بالغرض نافعاً يجد فيه الباحث بغيته. وأسأل اللَّه أن ينفع بهذا الكتاب وبكلمات الشيخ أمين التي يلقيها في المساجد، وأن يجعلنا وإياه من الهداة المهتدين، وأن يرزقنا الإخلاص في العمل والصدق في القول، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه جواد كريم. وصلى اللَّه وبارك على عبد اللَّه ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين. كتبه عبد العزيز بن عبد الله الراجحي ١٢/ ٤ / ١٤٢٧ هـ

стр. 773

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المكرم الأخ الدكتور أمين بن عبد اللَّه الشقاوي - وفقه اللَّه -: سلام اللَّه عليكم ورحمته وبركاته. وبعد: أشكركم على هديتكم كتاب (الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة) وقد تصفحت سفركم الجميل وألفيته من الكتب النافعة في بابه ومناسباً في وقتنا هذا لما اشتمل عليه من موضوعات تهم العامة والخاصة، وتقرب كثيراً من المعاني إلى الأفهام وتصلح حال كثير من الناس بأسلوب لطيف وتأصيل شرعي مستمد من الكتاب والسنة وأقوال السلف. وفقكم اللَّه وجعلكم مباركين أينما كنتم. ونفع بعلمكم ورزقنا وإياكم حسن القصد والعمل. كتبه ناصر بن سليمان العمر الاثنين ١٢ ربيع الأول ١٤٢٧ هـ

стр. 774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد اطلعت على كتاب «الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة» الذي ألفه أخونا الشيخ أمين بن عبد اللَّه الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية - وفقه اللَّه -، فوجدته كتاباً نافعاً مناسباً لعموم المسلمين، وبخاصة الدعاة والخطباء وأئمة المساجد، فقد ضمَّنه مؤلفه مئة درس في موضوعات متعددة في العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والقضايا الاجتماعية والأسرية، وما يخص المرأة، وبعض القضايا المعاصرة، كما حرص المؤلف على تجنب الأحاديث الموضوعة والضعيفة ما أمكن، فنسأل اللَّه تعالى أن يجزل له المثوبة، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد. كتبه سعد بن عبد الله الحميد ٧ ربيع الأول ١٤٢٧ هـ

стр. 775

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد استمعت إلى بعض الكلمات والدروس التي كان يلقيها الشيخ: أمين بن عبد اللَّه الشقاوي، وكانت هذه الدروس والكلمات مفيدة وقيِّمة، فهي جامعة ومختصرة مع الاعتناء بالأدلة من الكتاب والسنة، والنقل عن أهل العلم. وقد قام - وفقه اللَّه - بجمع هذه الكلمات والدروس في كتاب أسماه: (الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة)، وهي شاملة لكثير من قضايا الشريعة من: التوحيد، والعقيدة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتفسير، والحديث، وغير ذلك من القضايا والمسائل. فبارك اللَّه فيه ونفع به الإسلام والمسلمين. كتبه عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد
следующие страницы →