← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين: أما بعد: فقد اطّلعت على الكتاب الموسوم بـ «الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة: دروس يومية» إعداد الشيخ الدكتور أمين بن عبد اللَّه الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. والشيخ أمين معروف لديّ وهو من الدعاة المعروفين بالعلم والبصيرة، وقد سمعتُ عدداً من كلماته التي يلقيها في المساجد. ولما تصفّحتُ الكتاب وجدتُه منوعاً يشمل موضوعات متعددة في العقيدة والتفسير والحديث والفقه، وفي العلم، والوصايا، والأدعية والأذكار، وآداب الطعام، والمحرمات، وصيانة الأعراض واللباس، والمواعظ والرقائق والفضائل والأخلاق، وقضايا اجتماعية كقضية المرأة وغيرها وتوجيهات عامة وغيرها. ولا شكّ أن هذه الموضوعات شاملة لقضايا متعددة من أمور الدين، الناس بحاجة إليها، فهذه الكلمات مفيدة لعامة الناس، وهي مفيدة للدعاة والخطباء وأئمة المساجد يقرؤونها على الناس دروساً يومية.

стр. 772

وإنني أوصي عموم المسلمين بقراءة هذا الكتاب والاستفادة منه، وأوصي أيضاً أئمة المساجد والخطباء والدعاة بالاستفادة من هذا الكتاب على شكل دروس يومية تقرأ على المصلين. والمؤلف - وفقه اللَّه - بذل جهده في اختيار الموضوعات المهمة، ودعمها بالأدلة من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين وأهل العلم المعتبرين، ورجع إلى كتب التفسير وكتب الفقه وكتب الحديث وكتب التاريخ والسِّير، فجاء هذا الكتاب - بحمد اللَّه - وافياً بالغرض نافعاً يجد فيه الباحث بغيته. وأسأل اللَّه أن ينفع بهذا الكتاب وبكلمات الشيخ أمين التي يلقيها في المساجد، وأن يجعلنا وإياه من الهداة المهتدين، وأن يرزقنا الإخلاص في العمل والصدق في القول، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه جواد كريم. وصلى اللَّه وبارك على عبد اللَّه ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين. كتبه عبد العزيز بن عبد الله الراجحي ١٢/ ٤ / ١٤٢٧ هـ

стр. 773

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المكرم الأخ الدكتور أمين بن عبد اللَّه الشقاوي - وفقه اللَّه -: سلام اللَّه عليكم ورحمته وبركاته. وبعد: أشكركم على هديتكم كتاب (الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة) وقد تصفحت سفركم الجميل وألفيته من الكتب النافعة في بابه ومناسباً في وقتنا هذا لما اشتمل عليه من موضوعات تهم العامة والخاصة، وتقرب كثيراً من المعاني إلى الأفهام وتصلح حال كثير من الناس بأسلوب لطيف وتأصيل شرعي مستمد من الكتاب والسنة وأقوال السلف. وفقكم اللَّه وجعلكم مباركين أينما كنتم. ونفع بعلمكم ورزقنا وإياكم حسن القصد والعمل. كتبه ناصر بن سليمان العمر الاثنين ١٢ ربيع الأول ١٤٢٧ هـ

стр. 774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد اطلعت على كتاب «الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة» الذي ألفه أخونا الشيخ أمين بن عبد اللَّه الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية - وفقه اللَّه -، فوجدته كتاباً نافعاً مناسباً لعموم المسلمين، وبخاصة الدعاة والخطباء وأئمة المساجد، فقد ضمَّنه مؤلفه مئة درس في موضوعات متعددة في العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والقضايا الاجتماعية والأسرية، وما يخص المرأة، وبعض القضايا المعاصرة، كما حرص المؤلف على تجنب الأحاديث الموضوعة والضعيفة ما أمكن، فنسأل اللَّه تعالى أن يجزل له المثوبة، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد. كتبه سعد بن عبد الله الحميد ٧ ربيع الأول ١٤٢٧ هـ

стр. 775

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد استمعت إلى بعض الكلمات والدروس التي كان يلقيها الشيخ: أمين بن عبد اللَّه الشقاوي، وكانت هذه الدروس والكلمات مفيدة وقيِّمة، فهي جامعة ومختصرة مع الاعتناء بالأدلة من الكتاب والسنة، والنقل عن أهل العلم. وقد قام - وفقه اللَّه - بجمع هذه الكلمات والدروس في كتاب أسماه: (الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة)، وهي شاملة لكثير من قضايا الشريعة من: التوحيد، والعقيدة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتفسير، والحديث، وغير ذلك من القضايا والمسائل. فبارك اللَّه فيه ونفع به الإسلام والمسلمين. كتبه عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد

стр. 776

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب]. فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فهذا هو المجلد الثاني من كتاب الدرر المنتقاة يشتمل على

стр. 777

الجزءين الرابع والخامس، حيث يحتوي كل جزء على خمسين كلمة وهو كسابقه قد التزمت ألا أورد فيه من الأحاديث إلا ما صحح فليطمئن قراء كتابي الأعزاء إلى ذلك، مع أني قد يسرت للقارئ الكريم الوصول إلى مصادر الكتب إذا أحب الرجوع إليها. وقد حرصت على ذكر بعض الموضوعات التي حدثت خلال السنوات الأخيرة، وقد قمت بضبط الأحاديث، وبعض الكلمات بالشكل ليتمكن القراء من القراءة الصحيحة، تلبية لطلبات قراء الكتاب. وأسأل اللَّه تعالى أن ينفع بهذا الكتاب جامعه وقارئه وناشره وسامعه، وأن يجزي كل من أعاننا على إخراجه خير الجزاء، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يقبله إنه جواد كريم. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تنويه: جاء في المجلد السابق في بعض المواضع عند ذكر علي وفاطمة قول: «﵇» والذي عليه عمل السلف الترضي عن أصحاب النبي ﷺ أهل البيت وغيرهم، وقد أدخلت هذه الكلمة بغير علمي حيث إن الكتاب طبع خارج المملكة ولم يُتنبه لها إلا بعد الطبع. المؤلف الرياض ١/ ٦ / ١٤٣٠ هـ

стр. 778

الكلمة الأولى: فوائد من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص: ]. وعملاً بهذه الآية الكريمة: لنستمع إلى آية من كتاب اللَّه، ونتدبر ما فيها من العظات والعِبر، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون (٣٨)﴾ [الأنعام]. قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾. قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تُعْرَفُ بأسمائها، وقال قتادة: الطير أمة والإنس أمة، والجن أمة، وقال السدي: ﴿إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ أي خلق أمثالكم (١). قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ أي الجميع علمهم عند اللَّه، لا ينسى واحدًا من جميعهم من رزقه وتدبيره، سواء كان

стр. 779

بريًّا أو بحريًّا، كقوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٦)﴾ [هود]، أي: مُفصِح بأسمائها وأعدادها ومظانِّها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٦٠)﴾ (١) [العنكبوت]، أي: لا تطيق جمعه وتحصيله، ولا تدَّخر شيئًا لغد، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، أي: اللَّه يُقَيِّض لها رزقها على ضعفها، وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه، حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾: روى ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: «حشرها: الموت». القول الثاني: إن حشرها هو بعثها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَت (٥)﴾ [التكوير] روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى شَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ»، قَالَ: لَا، قَالَ ﷺ : «لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» (٣). وروى عبد الرزاق بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾، قال: يحشر اللَّه الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم والدواب والطير،

стр. 780

وكل شيء فيبلغ من عدل اللَّه يومئذ؛ أن يأخذ للجمَّاء من القرناء، قال: ثم يقول: «كوني ترابًا، فلذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ]» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: «لَقَد تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يَتَقَلَّبُ فِي السَّمَاءِ طَائِرٌ، إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنهُ عِلمًا» (٢). ومن فوائد الآية الكريمة: أولاً: عدل اللَّه التام بين البهائم والطيور وسائر المخلوقات، وهذا العدل دقيق جدًّا حتى في مثقال الذرة الذي يحتقره الناس، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٣). ثانيًا: إن اللَّه قد تكفل برزق جميع الدواب والطيور والأسماك

стр. 781

وسائر المخلوقات، من كان منها في الأرض أو الجو أو البحار والأنهار، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٦)﴾ [هود]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٦٠)﴾ [العنكبوت]. قال حاتم بن الأصم: وَكَيْفَ أَخَافُ الفقرَ واللَّهُ رازِقِي ... ورازقُ هذا الخلقِ في العسرِ واليسرِ تَكَفَّل بالأرزاقِ للخلقِ كلهم ... وللضبِ في البيداءِ والحوتِ في البحرِ ثالثًا: أنه يجب على المؤمن أن يتوكل على اللَّه الرزاق الذي رزق جميع المخلوقات فإن رزقه سبحانه لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار (١)، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون (٢٢)﴾ [الذاريات]، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ: لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (٢). رابعًا: عِلْمُ اللَّه التام الشامل فلا يغيب عنه شيء، صغيرًا كان أو

стр. 782

كبيرًا، ولا ينسى أحدًا من خلقه، سواء كان إنسانًا أو دابة أو طيرًا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٦١)﴾ [يونس]. خامسًا: إن المؤمن إذا استشعر عظمة اللَّه وقدرته وإحاطته بكل شيء، حاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة، وأبرأ ذمته من حقوق العباد. قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]. سادسًا: إثبات الحشر لجميع المخلوقات حتى الدواب والطيور بنص الآية، والحديث. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 783

الكلمة الثانية: الذلة وأسبابها الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال أمير المؤمنين عمر ﵁: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا اللَّه بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا اللَّه به أذلنا اللَّه» (١). قال الراغب: «الذل متى كان من جهة الإنسان نفسه لنفسه فمحمود، نحو قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: (٥٤)]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٢٣)﴾ [آل عمران] (٢) اهـ، وفيما عدا ذلك يكون مذمومًا؛ لأن العزة للَّه ولرسوله وللمؤمنين». ومن أسباب الذل الذي جعله اللَّه عقوبة لمن عصاه، وخالف أمره وأمر رسوله ﷺ : أن من كفر به وحارب أولياءه أذلَّه اللَّه، قال تعالى عن اليهود: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ

стр. 784

مِّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُون (١١٢)﴾ [آل عمران]. قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه: أُلزم اليهود المكذبون بمحمد ﷺ الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها من بلاد المسلمين والمشركين ﴿إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي: السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده، قبل أن يُثْقَفُوا في بلاد الإسلام (١). وأخبر جل وعلا أنه كتب الذل والصَّغار عليهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِين (١٥٢)﴾ [الأعراف]. وقال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون (٢٩)﴾ [التوبة]. قال ابن كثير: «أي أذلاء حقيرون مهانون» (٢). ومن أسباب الذل والهوان: التكبر على أوامر اللَّه والاحتقار لعباد اللَّه: روى الترمذي في

стр. 785

سننه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ» (١). ومنها ترك الجهاد في سبيل اللَّه والاشتغال بالدنيا: روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (٢). ومنها النفاق: قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُون (٨)﴾ [المنافقون]، وكما أن الذل عقوبة في الدنيا، فهو كذلك عقوبة في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. وبالجملة فكل من عصى اللَّه، وخالف أمر رسوله ﷺ : أصابه الذل والصغار بقدر معصيته، كما قال النبي ﷺ : «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» (٣).

стр. 786

قال ابن المبارك: رأيتُ الذنوبَ تُميتُ القلوبَ ... وقد يُورثُ الذُّلَّ إدمانُها وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ ... وخيرٌ لنفسِكَ عصيانُهَا وأهل المعصية يجدون الذل في قلوبهم، وإن حاولوا إخفاءه. قال الحسن البصري ﵀: «إنهم وإن طقطقت بهم البغال (١)، وهملجت (٢) بهم البراذين (٣)؛ إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى اللَّه إلا أن يذل من عصاه» (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (١٨)﴾ [الحج]. وقد علَّمنا النبي ﷺ أن نستعيذ باللَّه من الذل، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ» (٥). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَمِنْ ضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (٦). والعزة لمن أطاع اللَّه، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ

стр. 787

جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٦)﴾ [آل عمران]، أي: تعز من تشاء بطاعتك، وتذل من تشاء بمعصيتك، كما قال المفسرون. والمؤمن هو العزيز وإن قل ماله أو جاهه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وكان من دعاء السلف: «اللَّهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك» (١). والمؤمنون أعزة وإن قلُّوا، واللَّه ناصرهم إذا صدقوا في إيمانهم وطاعة ربهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٢٣)﴾ [آل عمران]. وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال للأنصار: «أَلَمْ تَكُونُوا أَذِلَّةً فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ؟ ! » (٢). والذل له عدة معان: التواضع: قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤].

стр. 788

القلة: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. السهولة: قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤)﴾ [الإنسان]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لا بد من أذى لكل من كان في الدنيا، فإن لم يصبر على الأذى في طاعة اللَّه بل اختار المعصية، كان ما يحصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]؛ ومن احتمل الهوان والأذى في طاعة اللَّه على الكرامة والعز في معصية اللَّه، كما فعل يوسف ﵇ وغيره من الأنبياء ﵈ والصالحين، كانت العاقبة له في الدنيا والآخرة» وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيماً وسروراً، كما أن ما يحصل لأرباب الذنوب من التنعم بالذنوب ينقلب حزناً وثبوراً. فيوسف ﷺ خاف اللَّه من الذنوب، ولم يخف من أذى الخلق وحبسهم إذا أطاع اللَّه بل آثر الحبس والأذى مع الطاعة على الكرامة والعز وقضاء الشهوات ونيل الرياسة والمال مع المعصية، فإنه لو وافق امرأة العزيز نال الشهوة، وأكرمته المرأة بالمال والرياسة وزوجها في طاعتها، فاختار يوسف الذل والحبس، وترك الشهوة والخروج عن المال والرياسة مع الطاعة على العز والرياسة والمال وقضاء الشهوة مع المعصية (١)، قال وهب بن منبه: لما مر يوسف على

стр. 789

امرأة العزيز بعدما أصبح عزيز مصر قالت: الحمد للَّه الذي جعل العبيد ملوكًا بطاعته، والملوك عبيدًا بمعصيته (١). وأخبر النبي ﷺ أن المستقبل لهذا الدين، وأن اللَّه سيوصله إلى الناس كافة، ولو كره الكافرون. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، وَبِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ». وكان تميم الداري ﵁ يقول: «قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية» (٢). والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 790

الكلمة الثالثة: العقوبات الإلهية وأسباب رفعها الحمدُ للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمما ابتليت به مجتمعات المسلمين في هذه الأزمان كثرة المعاصي والذنوب، وانتشار المنكرات على اختلاف أنواعها وهذا نذير شر وهلاك للأمة، وقد تُبتلى بعقوبات في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى عن الأمم السابقة: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٤٠)﴾ [العنكبوت]، روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا

стр. 791

الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (١). فبيَّن النبي ﷺ بعضًا من العقوبات التي تصاب بها أمته في آخر الزمان، إذا وقعوا في المحرمات وجاهروا بها. والذي يتأمل في أحوال الناس في هذه الأيام يجد أن العقوبات قد حصلت بالفعل، فما النكبات المالية التي وقعت وتقع على الدول والأفراد، وانتشار الأمراض الخطيرة في الإنسان والحيوان، وغلاء الأسعار، ونزع البركات، وقلة الأمطار والجو الخانق والغبار، والزلازل، والبراكين، والآثار الناتجة عن إشعال الحروب والفتن هنا وهناك، إلا دليل واضح وبرهان ساطع لمن تدبر وعقل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير (٣٠)﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (٤١)﴾ [الروم]، فإن سألت عن الدواء النافع والعلاج الناجع، فإليك بعضًا مما دل عليه القرآن والسنة: من الأسباب الواقية من هذه الشرور. أولاً: الإقلاع عن المعاصي والتوبة الصادقة إلى اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٩٦)﴾ [الأعراف].

стр. 792

قال بعض السلف: «لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طريقها بالمعاصي». قال الشاعر: نحنُ ندعُو الإلَهَ فيِ كلِّ كربٍ ... ثمَّ ننساهُ عِنْدَ كَشْفِ الكروبِ كيفَ نرجُو إجابةً لدعاءٍ ... قدْ سدَدْنَا طريقَهَا بالذنوبِ قال علي ﵁: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة». وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٣١)﴾ [النور: ٣١]. قال أبو العتاهية: لَهَوْنا لعمرُ اللَّهِ حتى تتابَعتْ ... ذنوبٌ على آثارهن ذنوبُ فيا ليتَ أن اللَّهَ يغفرُ ما مضَى ... ويَأذَنُ في توباتِنَا فنتوبُ ثانيًا: كثرة الاستغفار فهو سبب للإمداد بالأمطار والأموال والبنين ورغد العيش، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح]. قال الفضيل بن عياض: «استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين». روى مسلم في صحيحه من حديث الأغر المزني ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ» (١)،

стр. 793

فإذا كان هذا حال سيد الأولين والآخرين، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بنا نحن المذنبين المقصرين؟ ! ثالثًا: البعد عن المال الحرام، ومن أعظمه: الربا الحرام الذي هو حرب على اللَّه ورسوله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُون (٢٧٩)﴾ [البقرة]. وللأسف: إن كثيرًا من الناس يُودِعون أموالهم في هذه البنوك، ويأخذون عليها ربا يسمونه فوائد، أو يقترضون بزيادة ربوية، أو يشترون ويبيعون بأسهم البنوك الربوية. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم (٥١)﴾ [المؤمنون]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ! » (١). فبيَّن النبي ﷺ أن أكل المال الحرام مانع من قبول الدعاء.

стр. 794

رابعًا: الابتعاد عن الشبهات ومنها الأسهم التي تهافت الناس عليها، وهي أشبه ما تكون بالقمار، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ: أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ؟ » (١). قال ابن المبارك: «لأن أرد درهمًا واحدًا من شبهة أحب إليّ من أن أتصدق بمئة ألف، وقال عمر: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام» قال بعض أهل العلم: إذا اشتبه عليك شيء هل هو من الحلال أو من الحرام فانظر إلى ثمرته ونتيجته، فإن الخير يأتي بالخير والشر لا ينتج عنه إلا شرًّا. قال ﷺ : «استَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ» (٢). خامسًا: إخراج الزكاة في وقتها، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام. روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (٣). وما أكثر الذين يمتنعون عن الزكاة أو يتحايلون على عدم إخراجها، وقد جاء في الحديث السابق ذكره قوله ﷺ : «وَلَمْ

стр. 795

يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (١). قال الشاعر: وأحسبُ الناسَ لو أَعْطَوا زكاتَهمُ ... لَمَا رأيتَ بَني الإعدامِ شاكينا وكذلك الصدقة والإنفاق على الفقراء والمساكين والأقارب والمحتاجين، فإن اللَّه يدفع بذلك شرورًا عظيمة، قال ﷺ : «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (٢). سادسًا: إخراج القنوات الفضائية السَّيِّئة التي تنشر الرذائل وتدعو إليها وتحارب الفضائل وتقلل من شأنها فكم هُتِكَتْ من أعراض، وكم ضُيِّعَتْ من صلوات بأسبابها؟ ! قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (٣). وهذه الرعاية تشتمل الرعاية الكبرى والرعاية الصغرى، وتشمل رعاية الرجل في أهله؛ يقول النبي ﷺ : «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (٤)؛ وعلى هذا فمن مات وقد خلف في بيته شيئًا من صحون الاستقبال، «فإنه قد مات وهو غاش

стр. 796

لرعيته وسوف يحرم من الجنة، كما جاء في الحديث، ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا (الدش) الذي ركبه الإنسان قبل موته، فإن عليه وزرها بعد موته، وإن طال الزمان وكثرت المعاصي» (١). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 797

الكلمة الرابعة: أخطاء في الصلاة (٢) الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الصلاة عماد الدين والركن الثاني من أركانه، وهي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، ولذلك وجب على المسلم أن يحرص على أدائها: كما أمره النبي ﷺ بذلك، وبيَّن صفتها لأمته. روى البخاري في صحيحه من حديث مالك بن الحويرث ﵁: أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» (١). وروى الطبراني في الأوسط من حديث عبد اللَّه بن قرط ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِن صَلَحَت صَلَحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِن فَسَدَت فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (٢). وهناك أخطاء يقع فيها بعض المصلين: أحببت التذكير بها أداءً لحق اللَّه تعالى، وقيامًا بواجب النصيحة؛ فمن ذلك: أولاً: الصلاة بالثياب الضيقة أو البنطال الضيق، قال بعض أهل العلم: والمحذور في ذلك أن اللباس الضيق يجسِّم العورة، وهذا

стр. 798

على العموم منهي عنه، فكيف إذا كان في الصلاة? ! قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. ثانيًا: الصلاة في الثياب الشفافة: فكما يحرم الصلاة في اللباس الضيق لأنه يجسِّم العورة ويصف شكلها وحجمها، فكذلك تَحْرُمُ الصلاة في الثياب الرقيقة التي تشفُّ عما وراءها من البدن. قال الفقهاء في شروط صحة الصلاة: مبحث ستر العورة، ويشترط في الساتر: أن يكون كثيفًا، فلا يجزئ الساتر الرقيق (١). وهذا يحدث في الصيف: نجد أن بعض الناس يلبس الثياب الشفافة مع السراويل القصيرة، ثم يصلي فيها. ثالثًا: الصلاة في ملابس النوم أو (البيجامات) أو ملابس العمل، وقد تكون متسخة وبها روائح كريهة تؤذي المصلين، والسبب يعود إلى الكسل: فيتكاسل عن تغييرها؛ بينما لو أراد أن يزور مسؤولاً أو رجلاً له مكانته، لاستعدَّ لذلك؛ فربُّ العالمين أولى بالتجمُّل، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب (٣٢)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. رابعًا: الإسبال في الصلاة ويشمل الثوب و «البشت» والبنطال، والإسبال منهي عنه على وجه العموم، لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قال:

стр. 799

فقرأها رسول اللَّه ﷺ ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول اللَّه؟ قال: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ» (٢). فإذا كان هذا الوعيد الشديد لعموم المسبلين، ففي الصلاة أشد وأعظم؛ فقد روى أبو داود في سننه من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ» (٣). خامسًا: المواظبة على صلاة النافلة في المسجد وهذا خلاف السنة، والمستحب أن تكون صلاة النافلة في البيت؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حيث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا» (٥). وروى ابن ماجه في سننه من حديث عبد اللَّه بن سعد ﵁

стр. 800

قال: سألت رسول اللَّه ﷺ أيُّما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: «أَلَا تَرَى إِلَى بَيْتِي مَا أَقْرَبَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ ! فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً» (١)، ولا بأس أن يصلي النافلة في المسجد أحياناً إلا أن السنة الغالبة صلاتها في البيت وهو أفضل كما دلت على ذلك الأحاديث المتقدمة. سادسًا: رفع بعض المصلين أصواتهم في القراءة السرية أو في بعض أذكار الصلاة، وهذا يشوش على الباقين صلاتهم، وقد ورد النهي عن ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١١٠)﴾ [الإسراء]. روى مالك في الموطأ من حديث البياضي ﵁: أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلُّون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» (٢). سابعًا: إدخال بعض المصلين أجهزة الجوال إلى المساجد: وبها نغمات موسيقية، وهذه النغمات لا تجوز خارج المسجد، فكيف بالمسجد? ! قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب (٣٢)﴾ [الحج]. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁:

стр. 801

أن النبي ﷺ قال: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ» (١). وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة بتحريم النغمات الموسيقية الصادرة من هذه الجوالات (٢)، ولا شك أن إدخالها إلى هذه المساجد انتهاك صريح لحرمتها، إضافة إلى إيذاء المصلين وإفساد صلاتهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب]. ثامنًا: الصلاة في الملابس التي فيها صور، والصور منهي عنها على وجه العموم، فكيف بالمسجد? ! روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ، لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي الهياج الأسدي: أن عليًّا ﵁ قال له: ألا أبعثك على ما بعثني رسول اللَّه ﷺ ؟ «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا» (٤). والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 802

الكلمة الخامسة: شرح اسم الله الخالق المصوِّر إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِئَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» (١)، وفي رواية: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (٢). وقد ورد اسم اللَّه الخالق المصوِّر في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آل عمران: ٦].

стр. 803

وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَك (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَك (٨)﴾ [الانفطار]. قال بعضهم: المصوِّر هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، وهيئات متباينة من الطول والقصر، والحسن والقبح، والذكورة والأنوثة: كل واحد بصورته الخاصة، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين (١٤)﴾ [المؤمنون]. ومن آثار الإيمان بهذين الاسمين العظيمين: أولاً: إن اللَّه تعالى هو الخالق وحده وما سواه مخلوق، قال تعالى: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (١٦)﴾ [الرعد]، وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، فكل ما سوى اللَّه مخلوق محدَث، وكل المخلوقات سبقها العدم؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان]. ثانيًا: إن اللَّه تعالى لم يزل خالقًا كيف شاء ومتى شاء ولا يزال، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء﴾ [النور: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج]. ثالثًا: إن اللَّه تعالى ذكره خالق كل شيء، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ [غافر: ٦٢]. رابعًا: خلق اللَّه عظيم، فلا يستطيع مخلوق أن يخلق مثله، فضلاً عن أن يخلق أفضل منه، قال سبحانه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا

стр. 804

خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِين (١١)﴾ [لقمان: ١١]. وفي هذا تحدٍّ لجميع الخلق من الجن والإنس وغيرهم. وقد أثبت اللَّه عجزهم عن خلق ضعيف حقير: كالذباب، ولو اجتمعوا على ذلك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب (٧٣)﴾ [الحج]. خامسًا: إن اللَّه حرَّم على عباده أن يصوِّروا الصور ذوات الأرواح، لما فيها من مضاهاة لخلق اللَّه، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ ! فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً وَليَخْلُقُوا ذَرَّةً» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (٢)، وفي رواية: «يُقَالُ لَهُم: أَحْيُوا ما خَلَقْتُم» (٣)؛ وفي هذا دليل على تعذيب المصوِّر: وهو أن يكلَّف نفخ الروح في الصورة التي صوَّرها، وهو لا يقدر على ذلك، فيستمر تعذيبه. سادسًا: خلق اللَّه العظيم، فهو الذي خلق السماوات

стр. 805

والأرض، وهما أعظم من خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٥٧)﴾ [غافر]، ومن عظمة خلق اللَّه: أن الكرسي وهو موضع القدمين - كما قال ابن عباس ﵄ وسع السماوات والأرض جميعًا، والعرش أعظم من ذلك، واللَّه تعالى مستوٍ على عرشه، وهو أعظم وأكبر من كل شيء. سابعًا: إن اللَّه تعالى ما خلق هذا الخلق عبثًا، وإنما لغاية عظيمة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم (١١٦)﴾ [المؤمنون]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِين (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَاّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِين (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون (١٨)﴾ [الأنبياء]. قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق: أي بالعدل والقسط ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم]، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لهوًا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار (٢٧)﴾ [ص: ] (١). ثم بين سبحانه الحكمة في الخلق فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ

стр. 806

وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُون (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات] (١). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 807

الكلمة السادسة: شرح حديث: «لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسِهِ» الحمدُ للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١). هذا الحديث الشريف من الأحاديث العظيمة التي عليها مدار الدين، ولو عمل الناس به لقضى على كثير من المنكرات والخصومات بين الناس، ولعَمَّ المجتمع الأمن والخير والسلام، وهذا يحصل عند كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله ويتفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك: وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه اللَّه من الخير، من غير أن ينقص عليه من ذلك شيء (٢). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ ﵁: أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن أفضل الإيمان، قال: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ

стр. 808

وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ» قال: وماذا يا رسول اللَّه؟ قال: «وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَأَنْ تَقُولَ خَيْرًا أَوْ تَصْمُتَ» (١). وهذا من خصال الإيمان العظيمة، ولذلك رتَّب النبي ﷺ دخول الجنة على العمل بها، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث يزيد ابن أسد القسري ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : «أَتُحِبُّ الْجَنَّةَ? » قلت: نعم، قال: «فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: عن النبي ﷺ قال: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَاتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَاتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؛ لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» (٤). وإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه، وهو ﷺ يحب هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولَّى أمور الناس لأن اللَّه قوَّاه على ذلك، وأمره بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولَّى سياسة دينهم ودنياهم. وكان محمد بن واسع يبيع حمارًا له، فقال له رجل: أترضاه لي?

стр. 809

قال: لو رضيته لم أبعه؛ وهذا إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه، وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين، التي هي من جملة الدين. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة ﵁ قال: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا! فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ، مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ ﷺ : «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ » قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»؛ قَالَ ﷺ : «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ » قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»؛ قَالَ ﷺ : «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ » قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»؛ قَالَ ﷺ : «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ»: قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»؛ قَالَ ﷺ : «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ»: قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ» قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١). قال ابن رجب: وينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية، ولهذا أُمر أن ينظر في الدين إلى من فوقه، وأن يتنافس في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون (٢٦)﴾ [المطففين]؛ ولا يكره أن أحدًا يشاركه في ذلك، بل

стр. 810

يحب للناس كلهم المنافسة فيه، ويحثهم على ذلك، وهذا من تمام أداء النصيحة للإخوان؛ فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية، اجتهد على لحاقه، وحزن على تقصير نفسه وتخلفه عن لحاق السابقين: لا حسدًا لهم على ما آتاهم اللَّه، بل منافسة لهم وغبطة وحزنًا على النفس، لتقصيرها وتخلفها عن درجات السابقين؛ وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرًا عن الدرجات العالية مستفيدًا بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها، والنظر إلى نفسه بعين النقص؛ وينشأ من هذا: أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه، لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه، بل هو يجتهد في إصلاحها. وقد قال محمد بن واسع لابنه: أَمَّا أبوك فلا كثَّر اللَّه في المسلمين مثله، فمن كان لا يرضى عن نفسه، فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله مع نصحه لهم؟ ! بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرًا منه، ويحب لنفسه أن يكون خيرًا مما هو عليه (١). اهـ. قال ابن عباس ﵄: «إني لأَمُرُّ على الآية من كتاب اللَّه، فأَوَدُّ أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم». وقال الشافعي ﵀: «وددت أن الناس تعلَّموا هذا العلم، ولم يُنسَب إليَّ منه شيء». والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →