← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِين (٤٦)﴾ أي بسلامة من كل داء وآفة، وآمنين: أي من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج، ولا انقطاع شيء من النعيم الذي أنتم فيه أو نقصانه، كالموت، والنوم، والمرض، والحزن، والهم، وسائر المكدرات، كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود (٣٤)﴾ [ق]؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: أن النبي ﷺ قال: «يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأعراف]» (١)؛ والأمن مطلب لجميع الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك قال تعالى عن أهل الجنة: آمنين، حتى تكتمل السعادة والفرحة. قال أميه بن الصلت: وَحَلَّ المُتَّقُونَ بِدَارِ صِدْقٍ ... وَعَيْشٍ ناعمٍ تَحْتَ الظِّلَالِ لَهُمْ مَا يَشْتَهُون ومَا تَمَنَّوا ... مِنَ الأَفْرَاحِ فِيهَا والكَمَالِ قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (٤٧)﴾ [الحجر]، الغل: هو الحقد والعداوة، فبيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه نزع ما في صدور أهل الجنة من الغل في حال كونهم إخوانًا، وبيَّن هذا المعنى وزاد أنهم تجري من تحتهم

стр. 842

الأنهار في نعيم الجنة، وذلك في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأعراف]. قال ابن كثير: وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ» (١). ولما دخل عمران بن طلحة على علي ﵁ بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وأدناه وقال: إني لأرجو أن يجعلني اللَّه وأباك من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (٤٧)﴾ [الحجر]، والحكمة في نزع الغل: حتى تكتمل السعادة والفرحة، فإن الغل يفسد القلوب ويضيق به الصدر، ولذلك شرح اللَّه صدر نبينا محمد ﷺ ، وأرسل اللَّه له في صغره ملَكَين، ونزعا ما في صدره من الغل والحقد وغسلا قلبه؛ قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (٤٧)﴾ السرر: جمع سرير مثل جديد وجدد، وقيل: هو من السرور فكأنه مكان رفيع ممهد للسرور، قال ابن عباس: على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر. السرير ما

стр. 843

بين صنعاء إلى الجابية وهي قرية بالشام، وما بين عدن إلى أيلة وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام، وقد وصف اللَّه هذه السرر بأنها منسوجة بقضبان الذهب وهي: (الموضونة)، فقال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِين (١٣) وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِين (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَة (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِين (١٦)﴾ [الواقعة]. وقيل الموضونة: المصفوفة، كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِين (٢٠)﴾ [الطور]. وأيضًا هذه السرر مرفوعة، قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَة (١٣)﴾ [الغاشية]، وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَة﴾ [الواقعة]، وقال سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَان (٧٦)﴾ [الرحمن]. قوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِين﴾: أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وذلك دليل على تزاورهم واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم، في كون كل منهم مقابلًا للآخر لا مستدبرًا له، متكئين على تلك السرر المزينة بالفرش واللؤلؤ وأنواع الجواهر. قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِين (٤٨)﴾ [الحجر]: بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة لا يمسهم فيها نصب وهو التعب والإعياء، و ﴿نَصَبٌ﴾: نكرة في سياق النفي فتعم كل نصب، فدلت الآية على سلامة أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة، وأكد هذا المعنى سبحانه، فقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب (٣٥)﴾

стр. 844

[فاطر]؛ لأن اللغوب هو التعب والإعياء، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أَتَى جِبرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَد أَتَت، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَو طَعَامٌ أَو شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتكَ فَاقرَأ ﵍ مِن رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِين (٤٨)﴾: بيَّن تعالى أن أهل الجنة لا يخرجون منها، فهم دائمون في نعيمها أبدًا بلا انقطاع، وأوضح سبحانه هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (١٠٨)﴾ [الكهف]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَاد (٥٤)﴾ [ص: ]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿نَبِّاءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيم (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم (٥٠)﴾ [الحجر]، هذه الآية موازية لقوله ﷺ ، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ؛ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (٢). فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائمًا بين الخوف والرجاء والرغبة والرهبة، ويكون الخوف في الصحة أغلب عليه منه في المرض، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه أحدث له ذلك الرجاء

стр. 845

والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها؛ فالقنوط من رحمة اللَّه يأس، والرجاء مع التقصير إهمال، وخير الأمور أوساطها (١). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 846

الكلمة الثالثة عشرة: الغرور الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من الصفات الذميمة التي نهى اللَّه ورسوله عنها: الغرور، قال الراغب: الغَرُورُ هو كل ما يَغُرُّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وغير ذلك (١)، وقال الكفوي: كل من غر شيئاً فهو غَرُورُ بالفتح والغُرُورُ بالضم الباطل (٢)، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُور (١٨٥)﴾ [آل عمران]. وقد حذر سبحانه من الغرور فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُور (٥)﴾ [فاطر]، أي: لا يغرنكم الشيطان فيقول لكم: إن اللَّه يتجاوز عنكم ويغفر لكم لفضلكم أو رئاستكم وغناكم أو سعة رحمته لكم، فتسرعوا في المعاصي، وأخبر سبحانه أن الغرور من عمل الشيطان، فقال: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَاّ غُرُورًا (٦٤)﴾ [الإسراء].

стр. 847

قال ابن القيم ﵀: فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان نحو: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دول: ستكون لك كما كانت لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه، ويمنيه الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها؛ والفرق بين وعده وتمنيته: أنه يعد الباطل ويمنِّي المحال، والنفس المهينة التي لا قدر لها تغتذي بوعده وتمنيته، كما قال القائل: مُنًى إن تكن حقًّا تكن أحسن المُنَى ... وإلا فقد عِشنا بها زمنًا رغدًا (١) قال حسان بن ثابت: دَلَاّهم (٢) بغرورِ ثم أَسْلَمَهُم ... إِنَ الخبيثَ لِمَنْ وَالاه غَرَّارُ وقالَ إِنِّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُم ... شَرَّ المَوَارِدِ فِيهِ الخِزيُ والعارُ والغرور على أقسام: القسم الأول: «غرور الكفار فمنهم من غرَّته الحياة الدنيا بشهواتها وملذاتها، قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وهم الذين قالوا: النقد خير من النسيئة، فالدنيا نقد والآخرة نسيئة، فإِذَن: الدنيا خير منها ولا بد من إتيانها؛ وقالوا: اليقين خير من الشك، ولذَّات الدنيا يقين ولذات

стр. 848

الآخرة شك، فلا نترك اليقين بالشك؛ ويرد عليهم بقوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وبقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى]. القسم الثاني: غرور العصاة من المؤمنين بقولهم: إن اللَّه كريم وإنا نرجو عفوه، واتكالهم على ذلك، وإهمالهم الأعمال، وتحسين ذلك بتسمية تمنيهم واغترارهم: رجاء، وظنهم أن هذا هو الرجاء المحمود في الدَّين، وهذا جهل بالفرق بين الرجاء والغرة؛ وقد قيل للحسن: قوم يقولون: نرجو اللَّه، ويضيعون العمل! فقال: هيهات هيهات، تلك أمانيهم يترجحون (١) فيها، من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه. اهـ. وقد بين اللَّه الرجاء المحمود فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾ [البقرة]. القسم الثالث: «غرور طوائف لهم طاعات ومعاص، إلا أن معاصيهم أكثر، وهم يتوقعون المغفرة، ويظنون أنهم بذلك تترجح كفة حسناتهم، مع أن ما في كفة السيئات أكثر، وهذا غاية الجهل؛ فترى الواحد يتصدق بدراهم من الحلال والحرام، وما يأكله من أموال المسلمين أضعاف ذلك، ويظن أن إنفاق عشرة في الصدقة يكفر عنه مائة من مشبوه المال، وذلك غاية في الجهل والاغترار» (٢)؛

стр. 849

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» (١)، وروى البخاري في صحيحه من حديث خولة الأنصارية ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢)؛ قال عبد اللَّه بن المبارك: «لأن أردَّ درهمًا واحدًا من شبهة، أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف». وقد أخبر سبحانه أن الغرور من شأن الظالمين والكفار، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَاّ غُرُورًا (٤٠)﴾ [فاطر]. فمن الناس من إذا أعطي مالًا أو منصبًا أو جاهًا، ظن أن هذا دليل على إكرام اللَّه له ورضاه عنه، وأن هذا المنصب أو المال: إنما حصل عليه باجتهاده وتعبه؛ وهذا يشبه قارون عندما قال عن ماله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨]، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَن (١٦) كَلَاّ﴾ [الفجر]، أي: ليس الأمر كذلك؛ وآخرون إذا أعطي أحدهم نصيبًا من العلم الشرعي أو الدعوة أو العبادة: اغتر بذلك، وأعجب بعمله، وترفعت نفسه عن الآخرين، بل إن بعضهم يرى أن إخوانه ينبغي أن يخدموه ويوقروه، تقديرًا لعلمه أو

стр. 850

لنشاطه في الدعوة، أو لعبادته: وهذا هو الغرور. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبان قال: أتيت عثمان بن عفان ﵁ بطهور وهو جالس على المقاعد فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ وهو في هذا المجلس، فأحسن الوضوء ثم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، قال: وقال النبي ﷺ : «لَا تَغْتَرُّوا» (١). قال الزهري: «من استطاع ألا يغتر فلا يغتر؛ ولما حضرت عبدالعزيز ابن مروان الوفاة وكان واليًا على مصر قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: مالي كثير وما أخلف من الدنيا إلا هذا، ثم ولى ظهره وبكى وقال: أف لك من دار! إن كان كثيرك لقليل! وإن كان قليلك لكثير! وإن كنا منك لفي غرور» (٢). وبالجملة فالناس على صنفين: الأول: غرور أهل الدنيا بدنياهم حيث تلهيهم أموالها ومناصبها وزينتها وزخارفها، حتى يدركهم الموت وهم غافلون، قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر (٢) كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُون (٣) ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُون (٤) كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم (٦)

стр. 851

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِين (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم (٨)﴾ [التكاثر]. الثاني: غرور أهل العبادة والطاعة، وسببه إعجابهم بأعمالهم، فالواجب على العبد: أن يحمد اللَّه على توفيقه، وأن يخلص له وأن يصدق معه، وأن يعلم أن المنة للَّه وحده، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَاّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (١٧)﴾ [الحجرات]. والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 852

الكلمة الرابعة عشرة: قسوة القلب الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أعظم العقوبات التي يبتلى بها العبد: قسوة القلب، قال ابن منظور: القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه (١). وقال القرطبي: القسوة الصلابة والشدة واليُبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات اللَّه تعالى (٢). قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون (١٦)﴾ [الحديد]. قال ابن كثير: «يقول تعالى في هذه الآية: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه، أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له وتطيعه» (٣)، قال ابن عباس ﵄: «إن اللَّه استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة

стр. 853

من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية» (١). روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللَّه بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، إلا أربعُ سنين» (٢). فإذا كان اللَّه قد حذر الصحابة، وهم خير القرون وأهل قيام الليل وصيام النهار والجهاد في سبيل اللَّه، والوحي ينزل عليهم ليلاً ونهارًا، فكيف بنا نحن في هذا الزمن الذي تعلَّق فيه الكثير منا بالدنيا وانتشرت الفتن، وأصبح الواحد منا يعيش غربة الدين! لقد نهى اللَّه المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدَّلوا كتاب اللَّه الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلَّدوا الرجال في دين اللَّه، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه، فعند ذلك: قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد (٣). وذكر أهل التفسير: أن سبب توبة الفضيل بن عياض - وكان من قطاع الطريق - أنه عشق جارية فواعدته ليلًا، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾؛ فرجع القهقهرى وهو يقول: بلى واللَّه قد آن! فآواه

стр. 854

الليل إلى خربة (١) وفيها جماعة من السابلة (٢)، وبعضهم يقول لبعض: إن فضيلاً يقطع الطريق، فقال الفضيل: أوَّاه! أراني بالليل أسعى في معاصي اللَّه، قوم من المسلمين يخافونني: اللَّهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام (٣). وقد توعَّد اللَّه أصحاب القلوب القاسية بالعذاب الأليم، وبيَّن أن قسوة القلب سبب للضلال وانغلاق القلب، فلا يخشع ولا يعي ولا يفهم، قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وهذه الآية كقوله : ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. قال الشاعر: إذا قسا القلبُ لم تنفعهُ موعظة ... كالأرض إن سَبِخَت لم ينفَعِ المطرُ قال مالك بن دينار: ما ضُرِب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب اللَّه على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم. وقد ذم اللَّه في كتابه قسوة القلب، وأخبر أنها مانع عن قبول الحق والعمل به، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا

стр. 855

يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (٧٤)﴾ [البقرة]. قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ -: «أي من الحجارة لألين من قلوبكم، عمَّا تدعون إليه من الحق فلا تستجيبون» (١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون (٤٢)﴾ [الأنعام]؛ أي الفقر والضيق في العيش، والضراء: وهي الأمراض والأسقام والآلام، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون﴾: أي لعلهم يتضرعون إليه ويخشونه ويدعونه. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأنعام]؛ أي فهلاً إذا ابتليناهم بذلك: تضرعوا إلينا، وتمسكنوا لدينا! ﴿وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أي ما رقَّت ولا خشعت، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾: أي من الشرك والمعاندة والمعاصي. وكان نبينا ﷺ من أرق الناس قلبًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. روى البخاري في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: أن عطاء بن يسار سأله أن يخبره عن صفة رسول اللَّه ﷺ في التوراة، قال: أجل واللَّه إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته

стр. 856

في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأمِّيِّين، أنت عبدي ورسولي سمَّيتك المتوكِّل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخَّاب (١) في الأسواق؛ ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه اللَّه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلفًا (٢). وفي الصحيحين من حديث عبد اللَّه - ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «اقرَأ عَلَيَّ» قلت: يا رسول اللَّه آقرأ عليك وعليك أُنزل؟ ! فقال النبي ﷺ : «نَعَم»؛ فقرأتُ سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء]؛ قال: «حَسْبُكَ الآنَ»، فالتفتُّ إليه: فإذا عيناه تذرفان (٣). ومن أسباب لين القلب: الإكثار من ذكر اللَّه وقراءة القرآن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب (٢٨)﴾ [الرعد]. وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]. ومنها إطعام المسكين ومسح رأس اليتيم، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ

стр. 857

فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَاسَ الْيَتِيمِ» (١). وكذلك زيارة المقابر والمرضى، والزهد في الدنيا وتذكُّر الموت والآخرة، روى مسلم في صحيحه وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ» (٣) يعني الموت، وفي رواية «فَمَا ذَكَرَهُ عَبدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ عَلَيهِ، وَلَا ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي سِعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهُ عَلَيهِ» (٤). قال الشاعر: دواءُ قَلْبِكَ خمسٌ عِنْدَ قَسْوتِهِ ... فَادْأَبْ عَلَيها تَفُزْ بالخيرِ والظفرِ خَلاءُ بَطنِ وقرآنٌ تَدَبَّرُه ... كَذَا تَضَرُّعُ باكٍ ساعةَ السَّحَرِ ثُمَّ التهجدُ جُنْحَ الليلِ أوْسَطَهُ ... وأن تُجَالِسَ أَهْلَ الخَيْرِ والخَبَرِ والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 858

الكلمة الخامسة عشرة: العُجب الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من عظائم الأمور وكبائر الذنوب التي تهلك صاحبها، وتفسد عليه أعماله: تلك الخصلة الذميمة: العُجب (١)؛ قال الراغب الأصفهاني: العجب ظن الإنسان في نفسه استحقاق منزلة هو غير مستحق لها، قال بعضهم: هو استعظام النعمة والركون إليها، مع نسيان إضافتها إلى المنعِم . قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين (٢٥)﴾ [التوبة]، وقال تعالى عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُون (٧٨)﴾ [القصص]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾ [الكهف].

стр. 859

فلما أعجب بما عنده نسي أن هذا فضل اللَّه عليه، وأن الذي أعطاه قادر على أن يأخذه فيعود فقيرًا كما كان، فكانت عاقبته ما ذكره اللَّه: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾ [الكهف]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ (١)، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ (٢) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٣). وروى البزار من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ لَمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ، لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ: الْعُجْبَ» (٤). وروى البزار من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» (٥). ورُوِيَ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «الهلاك في شيئين: العُجب والقنوط» (٦). قال ابن قدامة ﵀: واعلم أن العُجب يدعو إلى الكِبر لأنه أحد أسبابه فيتولد من العُجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة وهذا مع

стр. 860

الخَلْق؛ فأما مع الخالق: فإن العُجب بالطاعات نتيجة استعظامها، فكأنه يَمُنُّ على اللَّه تعالى بفعلها وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها، ويعمى عن آفاتها المفسدة لها؛ وإنما يتفقد آفات الأعمال من خاف ردَّها دون من رضيها وأُعجب بها، والعُجب إنما يكون بوصف كمال من علم أو عمل؛ فإن انضاف إلى ذلك أن يرى حقًّا له عند اللَّه إدلالاً، فالعُجب يحصل باستعظام ما عُجب به، والإدلال يوجب توقع الجزاء، مثل أن يتوقع إجابة دعائه وينكر ردَّه (١). اهـ. وَعِلَّةُ العُجب: الجهل المحض، وعلاجه: المعرفة المضادة لذلك الجهل، أي معرفة بأن ذلك الذي أثار إعجابه نعمة من اللَّه عليه من غير حق سبق له، ومن غير وسيلة يُدلي بها، ومن ثم ينبغي أن يكون إعجابه بجود اللَّه وكرمه وفضله؛ وإذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملاً ولم يُعجب به، لأن اللَّه هو الذي وفقه إليه، وإذا قيس بالنعم لم يَفِ بمعشار عُشرها، هذا إذا سلم من شائبة وسلم من غفلة، فأما والغفلات تحيط به، فينبغي أن يُغلِّب الحذر من رده، ويخاف العقاب على التقصير فيه: هذا في علاج العُجب إجمالاً؛ أما علاج حالاته تفصيلاً: فإن ذلك يختلف باختلاف ما يحدث به العُجب، فإن كان ناشئًا عن حالة البدن وما يتمتع به صاحبه من الجمال والقوة ونحوهما، فعلاجه التفكر في أقذار باطنه، وفي أول أمره وآخره، وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة، كيف تمرغت في التراب وأنتنت في القبور حتى استقذرتها الطباع! وإن كان العُجب بكثرة الأموال والأولاد والخدم والأقارب

стр. 861

والأنصار، فعلاجه أن يعلم ضعفه وضعفهم، وأَنَّ للمال آفات كثيرة وأنه غادٍ ورائح ولا أصل له. ومر بالحسن البصري شاب عليه بزة له حسنة، فدعاه فقال له: «ابن آدم مُعجب بشبابه، محب لشمائله، كأن القبر قد وارى بدنك، وكأنك قد لاقيت عملك، ويحك داوِ قلبك فإن مراد اللَّه من العباد صلاح قلوبهم»؛ وقال مسروق: «كفى بالمرء علمًا أن يخشى اللَّه، وكفى بالمرء جهلاً أن يُعجب بعلمه» (١). قيل للحسن البصري: من شر الناس؟ قال: من يرى أنه أفضلهم، وقال بعضهم: الكاذب في نهاية البعد من الفضل والمرائي أسوأ حالاً منه لأنه يكذب بفعله وقوله، والمعجب أسوأ حالاً منهما فإنهما يريان نقص أنفسهما ويريدان إخفاءه، والمعجب عمي عن مساوئ نفسه ورآها محاسن وسُر بها، وقد قال إبليس: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لا أطالبه بغيرها: إذا عجب بنفسه، واستكثر عمله، ونسي ذنوبه (٢). والخلاصة: «أن العجب آفة كبيرة، ومرض خطير من أمراض القلوب، وإن لم يتداركه صاحبه فإنه يهلكه، ويكون سبباً في بطلان عمله وسقوطه من عين ربه». والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 862

الكلمة السادسة عشرة: شرح اسم الله الفتَّاح الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن الأسماء الحسنى التي وردت في كتابه العظيم: الفتَّاح، وللفتَّاح معنيان: الأول: يرجع إلى معنى الحكم الذي يفتح بين عباده، ويحكم بينهم بشرعه: بإثابة الطائعين، وعقوبة العاصين في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم (٢٦)﴾ [سبأ]؛ وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين (٨٩)﴾ [الأعراف]، قال ابن كثير: «أي افصل بيننا وبين قومنا، وانصرنا عليهم. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين﴾: أي خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور أبدًا» (٢).

стр. 863

فالآية الأولى فتحه بين العباد يوم القيامة، وهذا في الدنيا بأن ينصر الحق وأهله، ويذل الباطل وأهله، ويوقع بهم العقوبات. الثاني: فتحة لعباده جميع أبواب الخيرات والبركات، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] الآية. يفتح لعباده منافع الدنيا والدين، فيفتح لمن اختصهم بلطفه وعنايته أقفال القلوب، ويدُرُّ عليها من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية ما يصلح أحوالها وتستقيم به على الصراط المستقيم، ويفتح لعباده أبواب الرزق وطرق الأسباب؛ ويهياء للمتقين من الأرزاق وأسبابها ما لا يحتسبون، ويعطي المتوكلين فوق ما يطلبون ويؤملون، وييسِّر لهم الأمور العسيرة، ويفتح لهم الأبواب المغلقة (١). ومن ذلك الفتح: ما يفتح اللَّه على نبيه يوم القيامة من أنواع المحامد، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَاسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ» (٢). ومنها فتحه سبحانه لعباده باب التوبة: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ

стр. 864

اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (١). ومنها فتحه سبحانه أبواب السماء لنزول البركات وإجابة الدعوات، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٩٦)﴾ [الأعراف]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيلِ البَاقِي، يَهبِطُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، ثُمَّ تُفتَحُ أَبوَابُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَبسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: هَل مِن سَائِلٍ يُعطَى سُؤلَهُ؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطلُعَ الفَجرُ» (٢). ومنها ما يفتح اللَّه على العبد المؤمن قبل موته بعمل صالح، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي عنبة الخولاني ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا عَسَلَهُ» قِيلَ: وَمَا عَسَلَهُ (٣)؟ قَالَ: «يَفتَحُ اللَّهُ لَهُ عَمَلاً صَالِحًا قَبلَ مَوتِهِ، ثُمَّ يَقبِضُهُ عَلَيهِ» (٤). ومن فوائد الإيمان بهذا الاسم العظيم: أولاً: أن الفتح والنصر لا يكون إلا من اللَّه؛ فهو الذي يفتح على

стр. 865

عباده، فينصر من يشاء ويخذل من يشاء، وقد نسب اللَّه الفتح لنفسه: لينبِّه عباده على طلب النصر والفتح منه لا من غيره، وأن يعملوا بطاعته ليفتح لهم وينصرهم على أعدائهم، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١)﴾ [الفتح]. وقال تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]. روى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (١). ثانيًا: ما يفتح اللَّه سبحانه على عباده بأنواع الخيرات استدراجًا لهم: إذا تركوا ما أُمروا ووقعوا فيما نُهُوا عنه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ»، ثم تلا رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام] (٢).

стр. 866

ثالثًا: ما يفتحه اللَّه على من يشاء من عباده: من الحكمة والعلم والفقه في الدين، بحسب التقوى والإخلاص والصدق، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٨٢)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين (٢٢)﴾ [الزمر]. رابعًا: ما ينبغي للمؤمن أن يسأل ربه أن يفتح عليه أبواب رحمته. روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ؛ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (١). خامسًا: إن اللَّه بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض، قال سبحانه: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٢)﴾ [الشورى]، فما يفتحه من الخير للناس لا يملك أحد أن يغلقه عنهم، وما يغلقه فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم، كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢)﴾ [فاطر]. فلو فتح اللَّه المطر على الناس، فمن ذا الذي يحبسه عنهم? ! حتى لو أدى المطر إلى إغراقهم: مثل ما حدث لقوم نوح، فقد وصلت المياه إلى رؤوس الجبال؛ ولو حبس عنهم المطر سنين عديدة، ما

стр. 867

استطاعوا أن يفتحوا ما أغلقه اللَّه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَاتِيكُم بِمَاء مَّعِين (٣٠)﴾ [الملك]. وقال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَأَدَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. والخلاصة: إن الفتاح اسم عظيم من أسماء اللَّه تعالى، ومعناه: الحكم الذي يفتح بين عباده ويحكم بينهم بشرعه، ويفتح لعباده أبواب الخيرات والبركات؛ وينبغي للمؤمن أن يسأل ربه بهذا الاسم العظيم، فيقول: يا فتاح افتح علي بالعلم، يا فتاح افتح لي أبواب رحمتك، يا فتاح افتح لي أبواب رزقك. والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 868

الكلمة السابعة عشرة: خطورة الكذب الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من الصفات المذمومة التي حرمها اللَّه ورسوله، وتوعد صاحبها بالعذاب الأليم في الآخرة: الكذب، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُون (٦٢)﴾ [النحل]. وأخبر سبحانه أن الكذب من صفات الكفار والمنافقين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون (١٠٧)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُون (١٧)﴾ [يونس]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (١).

стр. 869

وبيَّن النبي ﷺ أن الكذب يقود صاحبه إلى النار. روى البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (١). والكذاب يُعَذَّبُ في قبره قبل يوم القيامة. روى البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁: أن النبي ﷺ قال في حديث الرؤيا الطويل: «فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَاتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَاهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَاهُ إِلَى قَفَاهُ» قال: «ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ الْأَوَّلُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِ الْمَرَّةَ الْأُولَى» فسأل عنه النبي ﷺ فقيل له: «إِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذِبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ» (٢). ورتب النبي ﷺ الثواب العظيم لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا. روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ

стр. 870

كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» (١). قال الإمام أحمد بن حنبل: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل (٢)، وقال أيضاً: يطبع المسلم على الخصال كلها إلا الخيانة والكذب (٣). وقال ابن القيم ﵀: الكذب متضمن لفساد نظام العالم، ولا يمكن قيام العالم عليه لا في معاشهم ولا في معادهم، بل هو متضمن لفساد المعاش والمعاد ومفاسد الكذب اللازمة له معلومة عند خاصة الناس وعامتهم، كيف وهو منشأ كل شر، وفساد الأعضاء لسان كذوب، وكم أزيلت بالكذب من دول وممالك، وخربت به من بلاد، واستلبت به من نعم، وتقطعت به من معايش، وفسدت به مصالح، وغرست به عداوات، وقطعت به مودات، وافتقر به غني، وذل به عزيز، وهتكت به مصونة، ورميت به محصنة، وخلت به دور وقصور، وعمرت به قبور، وأزيل به أنس، واستجلبت به وحشة، وأُفسد به بين الابن وأبيه، وغاض بين الأخ وأخيه، وأحال الصديق عدواً مبيناً ورد الغني العزيز مسكيناً. وهل ملئت الجحيم إلا بأهل الكذب الكاذبين على اللَّه وعلى رسوله وعلى دينه، وعلى أوليائه، المكذبين بالحق حمية وعصبية جاهلية (٤).

стр. 871

قال الشاعر: الكَذِبُ عار وخَيْرُ القَولِ أصْدَقُهُ ... والحَقُّ مَا مَسَّهُ مِنَ بَاطِلٍ زَهَقَا وقال آخر: وَدَعِ الكَذُوبَ فَلَا يكُنْ لَكَ صَاحِباً ... إِنِّ الكَذوبَ لَبِئْسَ خِلًّا يُصْحَبُ وكان النبي ﷺ يكره الكذب ويشتد إنكاره على فاعله، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: مَا كَانَ خُلُقٌ أَبغَضَ إِلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الكَذِبِ، وَلَقَد كَانَ الرَّجُلُ يَكذِبُ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الكِذبَةَ، فَمَا يَزَالُ فِي نَفسِهِ عَلَيهِ حَتَّى يَعلَمَ أَنَّهُ قَد أَحدَثَ مِنهَا تَوبَةً (١). وذكر العلماء ﵀: أن أعظم الكذب: ما كان كذبًا على اللَّه أو على رسوله ﷺ ؛ قال الذهبي ﵀: ولا ريب أن تعمد الكذب على اللَّه ورسوله، في تحليل حرام أو تحريم حلال: كفر محض (٢). قال الذهبي: «إن الكذب في الحالتين السابقتين كبيرة: أي الكذب على اللَّه أو على رسوله، وأن الكذب في غير ذلك أيضًا من الكبائر في أغلب أقواله» (٣). والصدق منجاة للعبد في الدنيا والآخرة؛ ففي الصحيحين

стр. 872

في قصة الإفك عند قبول توبة كعب بن مالك بشره النبي ﷺ بذلك، قال: يا رسول اللَّه إن اللَّه إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيت، قال: فواللَّه ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه اللَّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني اللَّه به، واللَّه! ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقي (١)، وأنزل اللَّه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين (١١٩)﴾ [التوبة]. وقد استثنى العلماء ﵏: الكذب إذا كان لإصلاح بين متخاصمين، والكذب في الحرب، والكذب إذا كان لدفع الظلم؛ فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وأخفى ماله وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها فإنه يكذب لإخفائها، والأحوط أن يُوري ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب؛ وقد استدل العلماء على جواز الكذب في هذا الحال: بما رواه البخاري ومسلم من حديث أم كلثوم ﵂: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا». زاد مسلم: قال ابن شهاب ﵀: «ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقولُ الناسُ كَذِبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته،

стр. 873

وحديث المرأة زوجها» (١). ومما ينبغي التنبيه عليه: أن النكت وهي قصص مكذوبة يقصد بها إضحاك الآخرين داخلة في الكذب المنهي عنه. روى الترمذي في سننه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» (٢). والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 874

الكلمة الثامنة عشرة: عصمة النبي ﷺ الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن سنة اللَّه في خلقه أن الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِين (٣٤)﴾ [الأنعام]. روى البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄: أن هرقل ملك الروم، سأل أبا سفيان عن النبي ﷺ : هل قاتلتموه؟ فقال: إن الحرب بيننا وبينه سجال، فقال هرقل: وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة (١). ولقد لقي النبي ﷺ من أعدائه كثير الأذى وعظيم الشدة، منذ أن جهر بدعوته المباركة امتثالاً لقول اللَّه تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين (٩٤)﴾ [الحجر]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقد كان النبي ﷺ يُحرس من قبل بعض أصحابه قبل نزول

стр. 875

الآية الكريمة، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ»، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟ » قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا جَاءَ بِكَ؟ » قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَامَ، قالت عائشة ﵂: فنام رسول اللَّه ﷺ حتى سمعت غطيطه (١) (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ» (٣). قال ابن كثير: ومن عصمة اللَّه لرسوله ﷺ حفظه له من أهل مكة وصناديدها، وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يخلقه اللَّه من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة؛ فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق اللَّه في قلبه محبة طبيعية لرسول اللَّه ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر

стр. 876

هابوه واحترموه؛ فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيَّض اللَّه له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود؛ فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء، كاده اللَّه ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه اللَّه منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سَمَّه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه اللَّه به وحماه منه (١). اهـ. ومن الأمثلة على حفظ اللَّه لرسوله ﷺ : ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ (٢)، قال فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأَطَأَنَّ على رقبته، أو لأعَفِّرَنَّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسولَ اللَّه ﷺ وهو يصلي، زعم لِيَطَأَ على رقبته، قال: فما فَجِئَهم منه إلا وهو يَنكِصُ على عقبيه (٣)، ويتقي بيديه، قال فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهَوْلاً وأجنحةً. فقال رسول اللَّه ﷺ : «لَو دَنَا مِنِّي لَاختَطَفَتهُ المَلَائِكَةُ عُضوًا عُضوًا» (٤). ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي بكر الصديق ﵁ في قصة الهجرة النبوية، قال: فارتَحَلنا بعدما مالت الشمس، واتَّبَعَنا

стр. 877

سراقةُ بن مالك، فقلت: أُتِينا يا رسول اللَّه، فقال: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، فدعا عليه النبي ﷺ فارتَطَمَت به فرسه إلى بطنها - أُرى - في جَلَدٍ من الأرض - شك زهير - فقال: إني أراكما قد دعوتُما عَلَيَّ، فادعُوَا لي، فاللَّه لكما أن أردَّ عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقَى أحدًا إلا قال: قد كَفَيتُكم ما هنا، فلا يلقَى أحدًا إلا ردَّه، قال: ووَفَى لنا (١). ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ حُنينًا، فلما واجَهْنا العدوَّ تقدَّمتُ فأَعلُو ثنيَّةً، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني فما درَيتُ ما صنع! ونظرتُ إلى القوم فإذا هم قد طلَعوا من ثنيَّةٍ أخرى، فالتَقَوا هم وصحابة النبي ﷺ ، فولَّى صحابة النبي ﷺ وأَرجِع منهزِمًا وعَلَيَّ بُردَتان مُتَّزِرًا بإحداهما مُرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتُهما جميعًا، ومررتُ على رسول اللَّه ﷺ منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول اللَّه ﷺ : «لَقَد رَأَى ابنُ الأَكوَعِ فَزَعًا» فلما غَشُوا رسول اللَّه ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: «شَاهَتِ الوُجُوهُ»؛ فما خلق اللَّه منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فوَلَّوا مدبرين، فهزمهم اللَّه ، وقسم رسول اللَّه ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٢).

стр. 878

ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ قال: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَاسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ قَالَ، فَشَامَ (١) السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ» ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). فهذه الأمثلة وغيرها تفيد كما سبق حفظه سبحانه لنبيه محمد ﷺ وذلك تصديقًا لوعده سبحانه: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، حتى يبلغ هذه الدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون (٩)﴾ [الصف]، فصلوات اللَّه وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار. والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 879

الكلمة التاسعة عشرة: البشارة وفضائلها الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فحديثنا لهذا اليوم عن البشارة، قال بعضهم: البشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب (١). قال الرازي: والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيَّدة به، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم (٣٤)﴾ [التوبة]. اهـ (٢). وقد وردت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة: فيها بشائر عظيمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (٦٤)﴾ [يونس]. وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ

стр. 880

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُون (٢٥)﴾ [البقرة]. روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ -: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ ﷺ : «لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» (١). والكفار والمنافقون مبشَّرون بعذاب اللَّه، قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم (٣)﴾ [التوبة]. والمسلم إذا مر بقبر الكافر بشره بالنار؛ روى ابن ماجه في سننه من حديث سالم عن أبيه: أن النبي ﷺ قال لأعرابي: «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ»، قَالَ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَبًا: مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ (٢).
следующие страницы →