← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

هابوه واحترموه؛ فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيَّض اللَّه له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود؛ فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء، كاده اللَّه ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه اللَّه منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سَمَّه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه اللَّه به وحماه منه (١). اهـ. ومن الأمثلة على حفظ اللَّه لرسوله ﷺ : ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ (٢)، قال فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأَطَأَنَّ على رقبته، أو لأعَفِّرَنَّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسولَ اللَّه ﷺ وهو يصلي، زعم لِيَطَأَ على رقبته، قال: فما فَجِئَهم منه إلا وهو يَنكِصُ على عقبيه (٣)، ويتقي بيديه، قال فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهَوْلاً وأجنحةً. فقال رسول اللَّه ﷺ : «لَو دَنَا مِنِّي لَاختَطَفَتهُ المَلَائِكَةُ عُضوًا عُضوًا» (٤). ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي بكر الصديق ﵁ في قصة الهجرة النبوية، قال: فارتَحَلنا بعدما مالت الشمس، واتَّبَعَنا

стр. 877

سراقةُ بن مالك، فقلت: أُتِينا يا رسول اللَّه، فقال: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، فدعا عليه النبي ﷺ فارتَطَمَت به فرسه إلى بطنها - أُرى - في جَلَدٍ من الأرض - شك زهير - فقال: إني أراكما قد دعوتُما عَلَيَّ، فادعُوَا لي، فاللَّه لكما أن أردَّ عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقَى أحدًا إلا قال: قد كَفَيتُكم ما هنا، فلا يلقَى أحدًا إلا ردَّه، قال: ووَفَى لنا (١). ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ حُنينًا، فلما واجَهْنا العدوَّ تقدَّمتُ فأَعلُو ثنيَّةً، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني فما درَيتُ ما صنع! ونظرتُ إلى القوم فإذا هم قد طلَعوا من ثنيَّةٍ أخرى، فالتَقَوا هم وصحابة النبي ﷺ ، فولَّى صحابة النبي ﷺ وأَرجِع منهزِمًا وعَلَيَّ بُردَتان مُتَّزِرًا بإحداهما مُرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتُهما جميعًا، ومررتُ على رسول اللَّه ﷺ منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول اللَّه ﷺ : «لَقَد رَأَى ابنُ الأَكوَعِ فَزَعًا» فلما غَشُوا رسول اللَّه ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: «شَاهَتِ الوُجُوهُ»؛ فما خلق اللَّه منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فوَلَّوا مدبرين، فهزمهم اللَّه ، وقسم رسول اللَّه ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٢).

стр. 878

ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ قال: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَاسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ قَالَ، فَشَامَ (١) السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ» ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). فهذه الأمثلة وغيرها تفيد كما سبق حفظه سبحانه لنبيه محمد ﷺ وذلك تصديقًا لوعده سبحانه: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، حتى يبلغ هذه الدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون (٩)﴾ [الصف]، فصلوات اللَّه وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار. والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 879

الكلمة التاسعة عشرة: البشارة وفضائلها الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فحديثنا لهذا اليوم عن البشارة، قال بعضهم: البشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب (١). قال الرازي: والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيَّدة به، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم (٣٤)﴾ [التوبة]. اهـ (٢). وقد وردت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة: فيها بشائر عظيمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (٦٤)﴾ [يونس]. وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ

стр. 880

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُون (٢٥)﴾ [البقرة]. روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ -: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ ﷺ : «لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» (١). والكفار والمنافقون مبشَّرون بعذاب اللَّه، قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم (٣)﴾ [التوبة]. والمسلم إذا مر بقبر الكافر بشره بالنار؛ روى ابن ماجه في سننه من حديث سالم عن أبيه: أن النبي ﷺ قال لأعرابي: «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ»، قَالَ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَبًا: مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ (٢).

стр. 881

قال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: «وفي هذا الحديث فائدة هامة أغفلتها عامة كتب الفقه ألا وهي مشروعية تبشير الكافر بالنار إذا مرَّ بقبره، ولا يخفى ما في هذا التشريع من إيقاظ المؤمن وتذكيره بخطورة جرم هذا الكافر، حيث ارتكب ذنباً عظيماً تهون ذنوب الدنيا كلها تجاهه ولو اجتمعت، وهو الكفر باللَّه والإشراك به. وإن الجهل بهذه الفائدة مما أدى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما أراد الشارع الحكيم منها فإننا نعلم أن كثيراً من المسلمين يأتون بلاد الكفار لقضاء بعض المصالح الخاصة أو العامة، فلا يكتفون بذلك حتى يقصدوا زيارة بعض قبور من يسمونهم بعظماء الرجال من الكفار! ويضعون على قبورهم الأزهار والأكاليل ويقفون أمامها خاشعين محزونين، مما يشعر برضاهم عنهم، وعدم مقتهم إياهم» (١). وقد بشَّر اللَّه المؤمنين الخائفين بالمغفرة والأجر العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم (١١)﴾ [يس]. وبشَّر اللَّه المؤمنين الصابرين بالصلوات والرحمة، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِين (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾ [البقرة].

стр. 882

وأمر النبي ﷺ بعض أصحابه أن يبشر الناس بالخير؛ روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ بعثه ومعاذاً إلى اليمن فقال: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا» (١). والأعمال الصالحة التي يعملها المؤمن، ويحمده الناس عليها: بشرى من اللَّه له؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه قال: «تِلكَ عَاجِلُ بُشرَى المُؤْمِنِ» (٢). والمؤمن الذي يمشي إلى المساجد في ظلمات الليل: مبشَّر بالنور التام يوم القيامة. روى أبو داود في سننه من حديث بُرَيدَة الأسلميِّ ﵁: عن النبيِّ ﷺ قال: «بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ: بِالنُّورِ التَّامِّ يَومَ القِيَامَةِ» (٣). وبشَّر النبي ﷺ من مات من أمته لا يشرك باللَّه شيئًا: بأن مصيره إلى الجنة؛ روى البخاري ومسلم من حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ذَاكَ جِبْرِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٤).

стр. 883

وبشَّر النبي ﷺ أمته بأنهم أكثر أهل الجنة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد (٢)﴾ [الحج]»، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ أَلْفًا، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ»؛ ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ: فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ» (١). والرؤيا الصالحة بشرى من اللَّه تعالى للمؤمن؛ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ المَرءُ نَفْسَهُ» (٢). ومن فوائد البشارة: أولاً: استحباب التبشير بالخير؛ قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين (٢٢٣)﴾ [البقرة]، وفي الصحيحين في قصة توبة كعب بن

стр. 884

مالك ﵁: قال له النبي ﷺ : «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» (١). ثانيًا: فضل الأعمال المبشَّر بها مثل الصبر، والخوف من اللَّه، والمشي إلى المساجد في ظلمات الليل، وغيرها مما سبق ذكره. ثالثًا: البشارة تجلب الطمأنينة، وسكون النفس، وترفع الروح المعنوية، وتجلب السعادة والسرور. رابعًا: تعود البشارة بالنفع العاجل للمبشَّر، كما في حديث كعب بن مالك: عندما بشَّره الرجل الذي صعد الجبل، وصاح بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك، قال كعب: فنزعت له ثوبي? ، فكسوتهما إياه ببشارته، واللَّه ما أملك غيرهما (٢). خامسًا: فضل المبشِّرين الذين يبشِّرون الناس بالخير، ولذلك جاء في الحديث السابق: أن النبي ﷺ قال لبعض أصحابه: «بَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا» (٣). سادسًا: حب المبشَّر لمن يبشِّره، واستئناسه به؛ روى البخاري ومسلم - في قصة نزول الوحي على النبي ﷺ ، في أول نزوله في غار حراء -: فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده، فقال: «يَا خَدِيجَة، لَقَد خَشِيتُ عَلَى نَفسِي»؛ فقالت: كلا، أبشر! فواللَّه لا يخزيك اللَّه أبدًا،

стр. 885

إنك لتَصِل الرحم، وتَصدُق الحديث، وتَحمِل الكَلَّ. الحديث (١). فَسُرَّ النبي ﷺ بكلامها، واطمَأَنَّ قلبه؛ وكان ﷺ يحبها ويكثر من ذكرها، حتى بعد وفاتها؛ وقد بشَّرها ببيت في الجنة من قَصَب (٢): لا صَخَب (٣) فيه، ولا نَصَب (٤) (٥). والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 886

الكلمة العشرون: تأمُّلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم: لتدبُّره والعمل به، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]. وعملاً بهذه الآية الكريمة: فلنستمع إلى آية من كتاب اللَّه، ونتدبَّر ما فيها من العظات والعِبر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون (٣١) نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم (٣٢)﴾ [فصلت]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال ابن كثير: أي أخلصوا العمل للَّه، وعملوا بطاعة اللَّه تعالى على ما شرع لهم (١). قال الزهري: تلا عمر هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا

стр. 887

واللَّه للَّه بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب (١). روى مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن عبد اللَّه الثقفي ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه، قل لي في الإسلام قولاً: لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ» (٢). ولا يكون العبد على طريق الاستقامة: حتى تكون إراداته وأعماله وأقواله، وفق ما شرعه اللَّه، وعلى سنة رسول اللَّه ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] فقال: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ ولم يقل: كما أردت؛ فالمهتدي حقيقة: هو من كان سويًّا في نفسه، ويسير على الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٢٢)﴾ [الملك]. قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: يعني عند الموت، قائلين: ﴿أَلَاّ تَخَافُوا﴾: أي مما تُقدِمون عليه من أمر الآخرة، فإن للآخرة أهوالاً عظيمة تبدأ من القبر: فهو أول منازل الآخرة، فهناك القبر وظلمته وضمته ووحشته، والنفخ في الصور، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان، كل هذه الأهوال يهوِّنها اللَّه على أهل الاستقامة. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: أي على ما خلفتموه من أمر الدنيا: من ولد وأهل ومال ودين، فإنا نخلفكم فيه.

стр. 888

قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون (٣٠)﴾ [فصلت]: فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ» (١). وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى ثابت: أنه قرأ سورة حم السجدة، حتى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، فوقف فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه اللَّه من قبره يتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا تحزن؛ فيؤمِّنُ اللَّه خوفه ويقر عينه، فما من عظيمة يخشى الناس منها يوم القيامة، إلا وهي للمؤمن قرَّة عين: لما هداه اللَّه، ولما كان يعمل له في الدنيا (٢). قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال له: إن ربك يقرئك السلام، وقال محمد بن كعب: يقول له ملك الموت: السلام عليك يا ولي اللَّه، اللَّه يقرأ عليك السلام، ثم تلا: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ

стр. 889

تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل]؛ وقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث، قال ابن كثير: وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًّا وهو الواقع (١). قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١]، أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم أي قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر اللَّه، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُون (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُون (١٠٣)﴾ [الأنبياء]. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون (٣١)﴾ [فصلت] أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون، قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُون (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِين (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُون (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُون (٧١)﴾ [الزخرف].

стр. 890

قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون (٣١)﴾ [فصلت]، أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم. قوله تعالى: ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم (٣٢)﴾ [فصلت]؛ أي ضيافة وعطاء وإنعامًا من غفور لذنوبكم، رحيم بكم، رؤوف حيث غفر وستر، ورحم ولطف؛ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (١)، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٧)﴾ [السجدة]. ومن فوائد الآيات الكريمات: ١ - أن الإيمان والاستقامة سببان لدخول الجنة. ٢ - أن الملائكة تبشر المؤمن عند الاحتضار، وفي قبره، ويوم القيامة، وعلى أبواب الجنة، قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار (٢٤)﴾ [الرعد]. ٣ - إن العامل ينبغي أن يبشَّر بما يستحق من الثواب، فإن ذلك أبلغ في نشاطه، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين (٢٢٣)﴾ [البقرة]. ٤ - إن المؤمنين إنما يدخلون الجنة بفضل اللَّه ورحمته لا

стр. 891

بأعمالهم؛ روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (١). ٥ - إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة أُعطوا ما يريدون: مما تشتهيه نفوسهم وتلذ به أعينهم، بل وزيادة على ذلك، قال تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق]، وقال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 892

الكلمة الحادية والعشرون: رؤية الله تعالى الحمدُ للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن أعظم نعيم لأهل الجنة: رؤية اللَّه تعالى، وهي الغاية التي شمَّر لها المشمِّرون وتنافس فيها المتنافسون، وحُرِمَها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون؛ قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، قال ابن عباس ﵄ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾: «تنظر إلى ربها » (١). وقال تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد﴾ [ق]، قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ﵄: «المزيد: هو النظر إلى اللَّه » (٢)، وقال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والحُسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسَّرها بذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ روى مسلم في صحيحه من حديث صهيب ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ»، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا

стр. 893

أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ » (١). وزاد: ثم تلا هذه الآية ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وكذلك فسرها الصحابة ﵃؛ روى ذلك ابن جرير عن جماعة منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس ﵃ (٢). وقال تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]، احتج بها بعض السلف على الرؤية لأهل الجنة. قال الشافعي: في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية كما دلَّ عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، وكما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة (٣). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وعذاب الحجاب من رب العالمين المتضمن لسخطه وغضبه عليهم هو أعظم عليهم من عذاب النار، ودل مفهوم الآية على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات، ويبتهجون

стр. 894

بخطابه ويفرحون بقربه، كما ذكر اللَّه ذلك في عدة آيات من القرآن، وتواتر فيه النقل عن رسول اللَّه ﷺ (١). اهـ. قال في شرح الطحاوية: وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة: رواها أصحاب الصحاح والمسانيد، وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيًّا، ومن أحاط بها يقطع بأن الرسول ﷺ قالها؛ بل في هذه الأحاديث - مع إثبات الرؤية -: أنه يكلِّم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي الخلق لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُدَ كما يسمع من قَرُبَ، وأنه يتجلَّى لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي ثبتت بالكتاب والسنة (٢). اهـ. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ » قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ» (٣). وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁: عن النبي ﷺ قال: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ: آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ: آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ: إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى

стр. 895

وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (١). وقد ورد في حديث صهيب المتقدم: ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى: الحجاب، وأنه سبحانه يكشفه لأهل الجنة إكرامًا لهم فيرونه سبحانه. من الأسباب الموجبة لرؤية اللَّه تعالى: أولاً: الإيمان باللَّه وتوحيده، قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والإحسان أعلى مراتب الإيمان. ثانيًا: المحافظة على صلاة الفجر وصلاة العصر؛ روى البخاري ومسلم من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: كنا جلوساً عند رسول اللَّه ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا» يعني العصر والفجر؛ ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] (٢). ثالثًا: الابتعاد عن المعاصي والذنوب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر الغفاري ﵁: عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا

стр. 896

وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (١). رابعاً: الدعاء قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون﴾ [البقرة]. روى النسائي في سننه من حديث عمار بن ياسر ﵄: أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى؛ وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (٢). والحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 897

الكلمة الثانية والعشرون: سترة المصلي الحمدُ للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الصلاة هي عماد الدين، والركن الثاني من أركانه، وهي أول ما يُسأَل عنه العبد يوم القيامة؛ لذلك وجب على المسلم: أن يحرص على أدائها، كما أمره النبي ﷺ وبيَّن صفتها لأمته. روى البخاري في صحيحه من حديث مالك بن الحويرث ﵁: أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١). وروى الطبراني في الأوسط من حديث عبد اللَّه بن قرط ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ: الصَّلَاةُ، فَإِن صَلَحَت صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِن فَسَدَت فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (٢). وهناك أخطاء يقع فيها بعض المصلين: أحببت التذكير بها أداء لحق اللَّه تعالى، وقيامًا بواجب النصيحة؛ فمن الأخطاء:

стр. 898

عدم الاهتمام بالسترة، التي وردت النصوص الشرعيَّة الكثيرة بالأمر بها؛ فروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَاهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهل بن أبي حثمة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، مَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» (٢). ومن فوائد هذه السترة: أولاً: أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة، والحمار، والكلب الأسود؛ كما صح بذلك الحديث. ثانيًا: منع المرور بين يدي المصلي وإفساد خشوعه. ثالثًا: أن السترة تمنع الشيطان من المرور بين يدي المصلي، كما جاء في الحديث: «لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ». رابعًا: أن السترة تمنع المصلي من إطلاق نظره فيما أمامه: مما يذهب عليه خشوعه، وغير ذلك من الحكم الأخرى؛ وقد كان السلف الصالح يحرصون على السترة في صلاتهم، وكانوا ينكرون على من يصلي لغير سترة.

стр. 899

روى البخاري في صحيحه: أن عمر ﵁ رأى رجلاً يصلي بين أسطوانتين، فأدناه إلى سارية فقال: صل إليها (١)؛ قال ابن حجر: أراد عمر بذلك أن تكون صلاته إلى سترة (٢) اهـ. فما فعله عمر يدل على أن السترة أمر مؤكد جدًّا؛ قال ابن مسعود: أربع من الجفاء - ذكر منها -: أن يصلي الرجل إلى غير سترة، أو يسمع المنادي لا يجيبه. وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ أنه قال: لقد رأيت كبار أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب (٣)، وفي رواية: أنها الركعتان اللتان قبل المغرب (٤). فالصحابة ﵃ كانوا يحرصون على السترة في المسجد - مع ضيق الوقت -؛ روى ابن أبي شيبة من حديث نافع قال: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد، قال لي: ولِّني ظهرك (٥)؛ وروى ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع: أنه كان ينصب أحجارًا في البرية، فإذا أراد أن يصلي صلى إليها (٦)؛ وهذا يدل على أنه لا فرق في السترة بين العمران والصحاري، كما يظهر من الأحاديث السابقة وفعل الصحابة ﵃.

стр. 900

قال العلامة السفاريني: «واعلم أنه يستحب صلاة المصلي إلى سترة اتفاقًا، ولو لم يخش مارًّا» (١). أما مقدار السترة المجزئة التي تستر المصلي، وتدفع عنه ضرر المار: فهي طول مؤخرة الرحل؛ روى مسلم في صحيحه من حديث طلحة ﵁ قال: كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: سئل رسول اللَّه ﷺ عن سترة المصلي، فقال: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ: الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» (٤). والرحل مقداره ذراع كما صرح بذلك بعض السلف: مثل عطاء وقتادة والثوري، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد. قال ابن قدامة: والظاهر أن هذا على سبيل التقريب لا التحديد، لأن النبي ﷺ قدَّرها بآخرة الرحل، وآخرة الرحل تختلف في الطول

стр. 901

والقصر، فتارة تكون ذراعًا، وتارة أقل منه؛ فما قارب الذراع أجزأ الاستتار به، واللَّه أعلم؛ فأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد له نعلمه، فإنه يجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي ﷺ كان يستتر بالعَنَزَة، وهي ما بين الرمح والعصا وبه زج؛ قال أبو سعيد: كان يستتر بالسهم والحجر في الصلاة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: «سُتْرَةُ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ السَّهْمُ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ بِسَهْمٍ» (١) (٢). تنبيهات: أولاً: ما يفعله بعض الناس من اتخاذ الخط سترة في الصحراء لا يصلح، والحديث الوارد في ذلك ضعفه جمع من أهل العلم: كابن الصلاح والعراقي وغيرهم. ثانيًا: أن المأموم لا تجب عليه سترة، والسترة في صلاة الجماعة من مسؤولية الإمام، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: «أقبلتُ راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول اللَّه ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك أحد» (٣). ثالثًا: تحريم المرور بين يدي المصلي: لقول النبي ﷺ في

стр. 902

الحديث المخرَّج في الصحيحين - من حديث أبي جهيم -: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ؟ ! لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (١). الخلاصة: أن السترة سنة مؤكدة وقال بعض أهل العلم بوجوبها وهو قول قوي، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحرص عليها وسواء كان ذلك في المسجد، أو البيت، أو الصحراء: ما دام يصلي منفردًا أو إمامًا، وعليه أن يمنع من مر بين يديه، ويجزئه من السترة مقدار مؤخرة الرحل (٢). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 903

الكلمة الثالثة والعشرون: سيرة مصعب بن عمير الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فهذه سيرة عَلَم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها: صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر. هذا الصحابي كان من السابقين إلى الإسلام ممن شهد بدرًا وأُحُدًا، وكان حامل اللواء فيها، وممن هاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة؛ أسلم على يديه العشرات، وكان أول سفير في الإسلام، ويقال: إنه أول من صلى الجمعة في المدينة. إنه الشهيد البطل: مصعب بن عمير بن هشام البدري القرشي العبدري، قال ابن سعد في طبقاته: لما بلغ مصعب بن عمير أن رسول اللَّه ﷺ يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم، دخل عليه فأسلم وصدَّق به، وخرج فكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه؛ وكان يأتي إلى رسول اللَّه ﷺ سرًّا، وقد أسلم في السنوات الثلاث الأولى من الدعوة قبل أن يصدع النبي ﷺ بالدعوة، لكن الواشين من المشركين - لما علموا بإسلامه -، سارعوا إلى الوشاية به عند أمه وقومه؛ قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾

стр. 904

[النساء: ٨٩]. فغضبوا عليه وحبسوه وأوثقوه، فلم يزل محبوسًا حتى فرَّ بدينه وهاجر إلى الحبشة (١). كان مصعب بن عمير فتى مكة المدلَّل، وكانت أمه من أغنى أهل مكة: تكسوه أحسن الثياب، وأجمل اللباس، وكان أعطر أهل مكة؛ فلما أسلم انخلع من ذلك كله، وأصابه من التعذيب والبلاء ما غيَّر لونه، وأنهك جسمه؛ روى البخاري في صحيحه من حديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَاسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ؛ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (٢). قال ابن اسحاق: بعث رسول اللَّه ﷺ مصعب بن عمير مع النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى يفقِّه أهلها ويقرئهم القرآن، فكان منزله على أسعد بن زرارة وكان إنما يسمى بالمدينة: المقرئ؛ يقال: إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة وأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد ابن معاذ، وهما سيدا قومهما وكفى بذلك فخرًا وأثرًا في الإسلام (٣). اهـ.

стр. 905

وروى البخاري في صحيحه من حديث البراء ﵁ قال: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلَالٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَاتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ فِي سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ (١). ولما وقعت معركة أحد في العام الثالث من الهجرة النبوية، شارك فيها مصعب بن عمير مشاركة الأبطال، وأبلي فيها بلاء المؤمنين الصابرين، وحمَّله المصطفى ﷺ راية المسلمين، وثبت مصعب بن عمير مع القلة المؤمنة التي أحاطت بالنبي ﷺ ودافعت المشركين عنه لما تخلخلت صفوف المسلمين، وأصبحت الجولة للمشركين، وبقي اللواء في يد مصعب بن عمير يمسكه بقوة وثبات ويدافع عن النبي ﷺ ؛ وتدافع المشركون نحو اللواء، وأقبل ابن قمئة - عليه من اللَّه ما يستحق - فشدَّ على مصعب بن عمير، فضرب يده اليمنى فقطعها، ومصعب يردد قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين (١٤٤)﴾ [آل عمران].ثم أخذ اللواء بيده اليسرى حتى لا يقع، فضرب ابن قمئه يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه إلى صدره، ووقع مصعب بن عمير شهيدًا

стр. 906

مضرَّجًا بدمائه، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣)﴾ [الأحزاب]. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي وائل قال: عُدْنَا خَبَّابًا فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَاخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً؛ فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَاسَهُ بَدَتْ رجلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَاسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ إِذخِرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا (١). فارق مصعب بن عمير الدنيا شهيدًا لم يخلف وراءه شيئًا من متاع الدنيا، ترك المال والجاه والنعيم، وآثرما عند اللَّه، قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة وأبي الدهماء أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للَّهِ ، إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» (٢). رضي اللَّه عن مصعب، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته: مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 907

الكلمة الرابعة والعشرون: السحر والمس والعين الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، يُبتلَى فيها المؤمن بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والشهوات والشبهات؛ قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون (٣٥)﴾ [الأنبياء]. أي نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم تارة أخرى فننظر من يشكر ومن يكفر ومن يقنط ومن يصبر، ومن هذه الابتلاءات التي يصاب بها الناس: السحر والعين والمس وهي ثابتة بالشرع والحس، وقد كثر المتشكون منها في هذه الأزمان، وهذه الأمراض لها أسباب أذكر بعضًا منها: ١ - ابتلاء من اللَّه وهذا قد يحصل لبعض الصالحين والصالحات، وقد وقع ذلك للنبي ﷺ وهو سيد البشر، كما روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رسول اللَّه ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَما يَفْعَلُهُ، حَتَّى جاءه الملكان وأخبراه

стр. 908

بموضع السحر، فَأَمَرَ بِه فَدُفِنَ (١). والسحر الذي أصابه ﷺ كان مرضاً من الأمراض عارضاً شفاه اللَّه منه، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما، فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء فقد أُغمي عليه ﷺ في مرضه ووقع حين انفكت قدمه، وجُحش شقه وهذا من البلاء الذي يزيده اللَّه به رفعة في درجاته ونيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس فليس ببدع أن يُبتلى النبي ﷺ من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتُلِيَ بالذي رماه فشجه، وابتُلِي بالذي ألقى على ظهره السلى وهو ساجد، وغير ذلك فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند اللَّه (٢). ٢ - المعاصي والذنوب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير (٣٠)﴾ [الشورى]. وقال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. قال بعض السلف: إني لأعصي اللَّه فأرى ذلك في نفسي ودابتي. ٣ - الغفلة عن ذكر اللَّه: قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين (٣٦)﴾ [الزخرف]. روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا

стр. 909

دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» (١). ٤ - الحسد، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» (٢). والعائن والحاسد يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذاه، فالعائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته، والحاسد يحصل له ذلك عند غيبه المحسود وحضوره أيضاً، ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده من جماد أو حيوان أو زرع أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه وربما أصابت عينُهُ نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق، مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين. وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١]: إنه الإصابة بالعين، فأرادوا أن يُصيبوا بها رسول اللَّه ﷺ فنظر إليه قوم من العائنين وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حجته، وكان طائفة منهم تمر بهم الناقة والبقرة السمينة فَيَعِينُها ثم يقول لخادمه: خذ المِكتَلَ والدِّرهم وائتنا

стр. 910

بشيء من لحمها، فما تبرح حتى تقع فَتُنْحَرَ (١). روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «العَينُ حَقٌّ» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول اللَّه إن بني جعفر تصيبهم العين، أفنسترقي لهم؟ قال: «نَعَمْ، فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَضَاءَ، لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» (٣). وروى ابن عدي في الكامل من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ العَينَ لَتُدخِلُ الرَّجُلَ القَبرَ، وَتُدخِلُ الجَمَلَ القِدرَ» (٤). وأرشد النبي ﷺ المؤمن إذا رأى شيئًا أن يبرك أي يقول: اللَّهم بارك عليه. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهل بن حنيف ﵁: أن النبي ﷺ قال: «عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ » (٥). ومن أسباب الحفظ والوقاية من السحر أو العين أو غيرها: أولاً: التوكل على اللَّه فهو أعظم ما تدفع به الآفات وأنفع ما تحصل به المطالب، فمن توكل على اللَّه كفاه أموره كلها، قال تعالى:

стр. 911

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ثانيًا: امتثال أوامر اللَّه واجتناب نواهيه، فمن حفظ اللَّه في أوامره ونواهيه حفظه اللَّه في دينه ودنياه وأهله وماله، قال تعالى: ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٦٤)﴾ [يوسف]. روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» (١). ثالثًا: كثرة ذكر اللَّه عند دخول المنزل وعند الخروج وفي الصباح والمساء؛ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (٢). رابعًا: تعويذ الصبيان؛ فقد روى البخاري من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» (٣). خامسًا: أن يتصبح المؤمن بسبع تمرات عجوة، وهو نوع من تمر المدينة؛ روى البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁:

стр. 912

أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (١). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: يرجى أن يعم ذلك جميع أنواع التمر، فإن المعنى موجود فيه (٢). سادساً: المحافظة على صلاة الفجر جماعة مع المسلمين في المساجد، روى مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ» (٣)، ومن كان في ذمة اللَّه لم يكن للشيطان عليه سبيل. سابعاً: قراءة سورة البقرة في البيت، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة الباهلي أن النبي ﷺ قال: «اقرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَركَهَا حَسرَةٌ، وَلَا تَستَطِيعُهَا البَطَلَةُ» (٥)، قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة. ثامناً: المحافظة على قراءة المعوذتين في الصباح والمساء، وقد أوصى النبي ﷺ عقبة بن عامر ﵁ بهما وقال له: «تَعَوَّذْ بِهِمَا

стр. 913

فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (١)، قال ابن القيم ﵀: حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس (٢). تاسعاً: الإكثار من التعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق، في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البنيان أو الصحراء أو الجو أو البحر، روى مسلم في صحيحه من حديث خولة السلمية أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» (٣). عاشراً: قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي مسعود أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (٤). الحادي عشر: قراءة آية الكرسي عند النوم، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَن قَرَأَهَا إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقرَبُهُ شَيطَانٌ حَتَّى يُصبِحَ» (٥). الثاني عشر: إمساك الصبيان ساعة الغروب، روى البخاري

стр. 914

ومسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» (١). الثالث عشر: تطهير البيت من الصلبان والتماثيل وصور ذوات الأرواح والكلاب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ» (٢)، وفي رواية: «تَمَاثِيلَ» (٣). وتطهيره من آلات اللهو والمعازف فإن الغناء مزمار الشيطان. قال ابن القيم ﵀: ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها أي الفاتحة آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارًا ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع (٤). اهـ. ومن السور التي يُرقى بها: الفاتحة والمعوذتان وسورة الكرسي، ومن الأدعية المأثورة قوله ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أذْهِبِ الْبَاسِ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٥).

стр. 915

ومنها قوله ﷺ للمريض: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (١) (٢). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →