أخذ عن الفقيه الحاج أحمد والد سيدي أحمد بابا بن الفقيه الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت، عن سيدي محمد بركات، عن سيدي محمد الحطاب، رحمهم الله تعالى. وأخذ عنه شيخ الشيوخ سيدي أحمد أبو القاسم الحاجي.
ولم أقف على تاريخ وفاته ولا وفاة تلميذه هذا، ولم أر له ترجمة أكثر من هذا.
١٨ - [أحمد بن القاسم الوداني الحاجي اليعقوبي]
سيدي أحمد بن القاسم بن سيدي أحمد بن علي بن يعقوب الواداني الحاجي اليعقوبي رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى أستاذا فاضلا جليلا فقيها، أخذ الفقه عن الفقيه الجليل سيدي أحمد الفزازي بن محمد بن محمد بن يعقوب الواداني الحاجي، عن الفقيه الجليل أبي العباس أحمد المسك، والد سيدي أحمد بابا التنبكتي، عن سيدي محمد بركات، عن سيدي محمد الحطاب شارح المختصر بسنده المذكور في أول شرحه على مختصر خليل، إلى مؤلفه الشيخ خليل ابن إسحاق، إلى الإمام مالك رحمهم الله تعالى. وأخذ عنه الشيوخ الآجلة الكرام، أخذ عنه الفقيه الجليل سيدي أبو محمد الحاج عبد الله بن الفقيه محمد الشنجيطي، والفقيه النبيل أبو العباس سيدي أحمد بن أحمد بن الحاج الشنجيطي رحمه الله تعالى.
أخذ الفقه قراءة عن شيوخ بلده، وعن الفقيه الجليل سيدي أحمد بن أبي القاسم الواداني، عن الفقيه أحمد بن محمد بن محمد بن يعقوب الواداني، عن الفقيه أبي العباس أحمد المسك والد سيدي أحمد بابا، عن الحطاب شارح المختصر؛ وأخذ عنه الفقيه سيدي محمد بن المختار بن الأعمش وغيره، رحمهم الله تعالى. له فتاوى في الفقه سلك فيها طريق الاختصار.
стр. 37
توفي رحمه الله تعالى في العام السادس والثمانين والألف.
١٩ - [أحمد بن الاوتاد الحنشي التشيتي]
سيدي أحمد أبو الأوتاد الحنشي التشيتي رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى أستاذا عالما فقيها فاضلا، وهو الذي أتى بمختصر خليل لتشيت. أخذ عن (ابن) شيخ الشيوخ سيدي أحمد أبو القاسم الحاجي رحمهما الله تعالى، وأخذ عنه الفقيه أبو بكر بن أحمد بن الشغ (٢٥) المسلمي رحمهم الله تعالى.
لم أقف على تاريخ وفاته، ولم أقف له على ترجمة أكثر من هذا.
٢٠ - [أحمد الولي بن أبي بكر المحجوبي الولاتي]
سيدي أحمد الولي بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الله المحجوبي الولاتي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى في زمنه قاضي ولاتة وإمامها ومدرسها، وكان ماهرا في القرآن، فقيها نحويا لغويا، يحفظ مقامات الحريري، مشهورا بالصلاح والورع، جمع بين العلم والعمل، أحد أيمة المسلمين والعلماء العاملين، وأولياء الله الصالحين. وهو أول من ولي الإمامة من بني الفقيه عثمان، وكانت قبل ذلك في الإمامات، وكان رحمه الله تعالى يفسر لبعض تلاميذه ويعرض عليه آخر القرآن، ويحفظ حساب الكيل لاضيافه في ساعة واحدة.
أخذ عنه الفقيه الحاج الحسن بن آغبد، وسيدي عثمان بن عمر الولي، رحمهما الله تعالى، والفقيه عمر بن بابا وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
стр. 38
مولده لثلاث بقين من رمضان في الرابع والثلاثين والألف، وتوفي ﵀ في الخامس والتسعين.
٢١ - [أحمد بن علي بن الوافي الغلاوي]
الحاج سيدي أحمد بن علي بن الولي التقي سيدي الطالب الوافي الغلاوي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عالما فقيها صالحا وليا تقيا، معظما عند الخاصة والعامة، له مكاشفات. أخذ عنه شيخنا الطالب الأمين بن الطالب الحبيب، وقبره بالساحل في موضع يقال له أجّفار (٢٦) وهو خرج (٢٧) يتبرك به، يضع عنده أهل تلك البلاد الأمتعة فتحفظ حتى يأتيها صاحبها.
ويعرف عند بني دليم بقبر الغلاوي.
مولده في العام الموفي سبعين بعد الألف، وتوفي رحمه الله تعالى في العام الخامس والعشرين بعد المائة والألف.
٢٢ - [أحمد التواتي بن محمد بن عمر]
الطالب سيدي أحمد التواتي بن محمد بن عمر من بني [علي بن] (٢٨) عبد الله، ثم من بني عيسى بن محمد، ثم من بني حمان، ثم من انتسابه الشهير بالتواتي، رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى ونفعنا به أحد الأولياء العارفين، وعباد الله الصالحين، صالحا متعبدا مواظبا على العبادات، معمر الأوقات، مداوما على الأوراد، ورده كل يوم فدية الذكر سبعون ألفا من لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، يخرج إلى الخلوة ضحى حتى يكمّله، فإذا كمله رجع إلى بيته وطالع كتبه ثم تحدث مع أهله ونام، مشتغلا بالتصوف، فترى في
стр. 39
خزانته كثيرا من كتب التصوف ونحوها. أخذ طريق الصوفية الناصرية والغازية، والورد عن شيخه سيدي أحمد بن عبد القادر عن الشيخ سيدي محمد بن ناصر الدرعي إلى أول الأقطاب أبي الحسن سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ ونفعنا به دنيا وأخرى آمين. وأخذها عنه شيخنا وبركتنا سيدي الطالب الأمين بن الطالب الحبيب، وشيخنا الفقيه سيدي محمد بن الطالب عمر البرتلي، رحمهما الله تعالى آمين، وغيرهما مما لا يكاد يعد، والله تعالى أعلم.
توفي بتشيت رحمه الله تعالى عام ثمانية وثلاثين (٢٩) ومائة وألف.
٢٣ - [أحمد بن أند عبد الله الولاتي المحجوبي]
الحاج أحمد بن أند عبد الله بن علي بن الشيخ الولاتي ثم المحجوبي.
كان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين على التحقيق التام، حسن التصنيف. ألف عقيدة منظومة في علم الكلام، ونظما في المناسك، ونظم فرائض خليل، وألف في الصلاة عليه، ﵊، تأليفا ضمنه من خصائصه ﵊ نبذة مفيدة، ونظم أسماء النبي ﷺ التي في دلائل الخيرات. وكان في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، مقداما في الأمور العظام، إليه انتهت رياسة الفتوى والقضاء والنوازل بولاتة، لا يثبت على باطل، ذا همة عالية وشهامة ونخوة، تاما إدراكه. وله حظ في علم التحقيق يدل عليه قوله في رائيته:
فبشرى إلا هي الصّابرين بما لهم ... تلاشى بلاد إذبه بان لي سرّي
فكّل بلاد سرّه وصف طرفه ... فإن ساخطا سخط وإن راضيا بري
وغير ذلك من ألفاظه الرائقة، المفصحة عن أحواله الفائقة. وكان
стр. 40
مهتما بتحصيل الكتب، فتحصل منها بالشراء والاستكتاب ما لم يحصل غيره من أبناء جنسه، وعم النفع بها ولله الحمد، لأنه لا يمسكها عن مستعير، كثير الأفضال لا يرد سائلا، قائما بأمور المسلمين ظاهرا وباطنا.
وبالجملة عم نفعه جاها ومالا وكتبا وعلما. حج في ركب من أهل بلده، ولقي رجالا من صناديد العلماء أخذ عنهم، وعفا اقتداء برسول الله ﷺ حين قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وبالجملة فهو كثير التحمل للإيذاء، ومداراة الأعداء والأحباء، وفي ذلك يقول في قصيدة له:
إذا لبس الأصحاب ثوبا من الحبا ... لبست لهم ثوبا من الصبر مسدلا
إلى أن قال في آخر القصيدة:
وأستغفر الرحمان لي ولمن بغى ... عليّ من الإخوان مني تفضلا
وهذا البيت فيه دليل على علو مقامه وكماله، وفيه يقول القائل:
كم بدع أضحت به سقيمه ... وسنن صارت به قويمه
راعي الذّمام لين الكلام ... صعب المرام في حمى الإسلام
المحتمي للجار والغريب ... والحاسد الكاشح والحبيب
المنفق العمر لنفع المسلمين ... محتسبا لقاء رب العالمين
وتوفي رحمه الله تعالى تاسع ربيع النبوي عام أربعين ومائة وألف.
ورمز إلى وفاته شيخنا الفقيه سيدي أحمد بقوله:
ونجل أند عبد الله قطب ولاتة ... لما شقّ ما يخفى عليها بمحفل
والرمز في شق والميم. والله أعلم. هكذا عرفه الفقيه محمد بن علي بن الطالب بن أبي بكر بن علي ابن الشيخ رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم آمين.
стр. 41
٢٤ - [أحمد الشواف بن حبيب الله الوداني الحاجي الوتيدي]
سيدي أحمد الشواف بن حبيب الله بن أحمد بن حبيب الله بن الأوتيدي الواداني الحاجي الوتيدي، رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فقيها محدثا صالحا، على نهج الدين القويم الكامل. نجيبا. له مكاشفات، منها إخباره في وادان بموت أمير المؤمنين مولاي إسماعيل، وأرّخوه فوجدوه توفي في ذلك اليوم، وما وطئ نجاسة قط في الطريق، مع ضرارة بصره، وغير ذلك.
أخذ المصافحة والمشابكة مسلسلة عن شيخه أحمد بن محمد بن خالد الجرسيفي قائلا: كما صافحني وشابكني وأضافني بالأسودين الماء والتمر شيخنا المرابط الخير والكوكب المنير سيدي أحمد بن أبي القاسم بن سيدي عبد الله الجرسيفي، قال: صافحني وشابكني وأضافني سيدي سعيد بن عبد الله التملي، قال: صافحني وشابكني وأضافني شيخنا الفقيه الإمام الخطيب سيدي عبد الرحمان بن محمد التلمساني نزيل تارودانت قاعدة سوس الأقصى. قال: صافحني وشابكني وأضافني سيدنا الإمام القدوة المقدس أبو الفضل يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي المناني، قال: صافحني وشابكني وأضافني الولي الصالح المحدث الرحال أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن أذفل السوساني ثم الدرعي، قال: صافحني وشابكني وأضافني أستاذي مولانا محمد بن مولانا محمد البكري الصدّيقي القطب بن القطب، وهو رحمه الله تعالى صافحه والده، وهو صافحه شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري المصري. قال شيخ الإسلام: صافحني الحافظ مفيد الدين رضوان المستملي رحمه الله تعالى قال: صافحني الشريف أبو الطاهر الربعي، قال: [صافحني أبو إسحاق القفصي، وأنا في الربعة، قال: صافحني النجيب أبو عبد الله
стр. 42
الجوني، قال] (٣٠) صافحني أبو الجد القريني، قال: صافحني أبو محمد عبد الملك بن محمد بن عبد الكريم البغوي، قال: صافحني أبو القاسم عبد بن حميد بن عبدان المنحي (٣١) بحلب، قال صافحني خلف بن تميم، قال دخلنا على أبي هريرة ﵁ نعوده، فصافحني وقال: صافحت بكفي هذه كف النبي ﷺ تسليما. فبينه وبين النبي ﷺ عشرون شيخا فيهم صحابيان.
ولد ليلة الأحد بعد صلاة العشاء ليلة ست وعشرين من ذي الحجة الحرام عام ثلاثة وخمسين وألف، وتوفي رحمه الله تعالى في العام الموفي أربعين بعد المائة والألف. وأخذ المصافحة عنه شيخنا الفقيه سيدي أحمد بن الفقيه سيدي محمد بن موسى بن إيجل الزيدي، ونظم وفاته ووفاة الحاج أحمد بن أند عبد الله، ووفاة الصالح الولي الحاج سيدي ابن الأمين بن محمد بن الشغ (٣٢) المسلمي رحمهم الله تعالى في روي الفشتالية بقوله:
ونجل أند عبد الله قطب ولاتة ... لما شق ما يخفى عليها بمحفل
وفي عامه هذا من الحاجّ سيّدي ... تصدّع ركن للتقي والتبتّل
ومثلهما الشيخ الودانيّ أحمد ... الإمام الضرير ذو السنا المتهلل
ثلاثة أعوام مضوا لسبيلهم ... وكانوا على الدّين القويم المكمل
والرمز في شق وميم ما: والله أعلم.
٢٥ - [أحمد بابا الحجبي]
أحمد بابا أبحجبي (٣٣). كان رحمه الله تعالى فقيها مشهورا، مدرسا
стр. 43
يدرس مختصر خليل، مشهورا بمعرفته، ترده التلاميذ لقرائته، ويحصلون وينتفعون منه. وهو من العلماء العاملين الصالحين، لم أقف على شيخه في خليل ولا تاريخ وفاته.
٢٦ - [أحمد بن محمد بن الطيب الجماني]
الطالب أحمد بن محمد بن الحاج الطيب بن الطالب صديق الجماني رحمهم الله تعالى. كان رحمه الله تعالى نبيها رئيسا نجيبا، من الفقهاء الأتقياء، والصلحاء النجباء. له فتاوي تدل على وسع باعه في الفقه.
أخذ عن الفقيه الحاج الحسن بن اغبد الزيدي رحمهما الله تعالى. قيل إنه خرج من تشيت يحفظ ثلاثة عشر نصا، والله أعلم.
توفي رحمه الله تعالى في الحادي والخمسين بعد المائة والألف.
٢٧ - [أحمد بن فاضل]
الشريف أحمد بن فاضل الشريف رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم آمين. وحيد دهره وفريد عصره، أحد الأخوين الفاضلين السيدين الكاملين الكريمين.
كان رحمه الله تعالى فاضلا نجيبا، رئيسا، نبيلا، نبيها، وجيها، كبير الشأن رفيع الدرجة، عالي الهمة، ديّنا حسن الخلق والخلق فقيها نحويا، لغويا، قارئا. له حظ عظيم في القراءة والحديث، متفننا يقول الشعر ويجيده، إماما عالما ذا فضل ودين. وكان المفزع إليه وإلى أخيه في الفتيا، وكانت النوازل ترد عليه فيجيب عنها بأحسن جواب وأبينه وأوضحه. وبرع وتقدم في العلم وأفتى ودرس، وانتفع الناس به كأخيه وطلب العلم من العلماء المحققين والأيمة المتفننين. وكان سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي انطوى يثني عليه ويمدحه ويراسله، وكفى به مثنيا. إعتنى بالفقه والعربية حتى صار بارعا فيهما.
стр. 44
وكان رحمه الله تعالى أحد أوعية العلم، ومن أهل الفقه والأدب والفهم، أخذ الفقه من الفقيه الحاج الحسن بن أغبد الزيدي، وأخذ عنه الشريف حمى الله بن أحمد بن الإمام أحمد وغيره، وله ولأخيه فتاوي مجموعة في غاية الجودة والحسن.
توفي رحمه الله تعالى عام ثلاثة وخمسين بعد المائة والألف، ورمز شيخنا سيدي أحمد بن سيدي محمد بن موسى بن إيجل عام وفاته بقوله:
وأحمد ذا المجد الشريف بن فاضل ... نقش أب من طراز مكمّل (كذا)
والرمز في قوله نقش أب.
٢٨ - [أحمد بن الأمين (التواتي)]
الحاجّ أحمد بن الحاج الأمين الملقب بالتواتي الغلاوي.
كان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تهابه اللصوص وتخافه الظلمة، وانتفع على يديه كثير من المهاجرين، التائبين من المغافرة، ناصر السنة حتى كاد أن يقيم الحدود في بلده لأنه مسموع الكلمة عند أهل بلده. وكان رحمه الله تعالى من أهل الهمم العالية. حج مرات بيت الله الحرام، وهو شيخ الركب من أرضنا حتى يصل إلى توات فيكون الأمر لأبي نعامة رحمهما الله تعالى.
ولما قدم من المشرق حدّ مسافة القصر في بلد كنديك من كل جهة، فأخذ الحبال وذرعها حتى بينها. وكان نزيه النفس عن طعام الظلمة، أرسل له يوما أبو بكر بن هنون الكور على ألف من الزرع، وقال له أنها من عمل يده، فقال للرسول: قل له: كثير يأخذ زرعه غير أحمد. وترك عنده بعض الظلمة عكتين (٣٤) فلما أتاه قال له: أنت يا ابن الكلب تركت عندي شيئا؟ إنما تركت عندي مال المساكين والفقراء، فدفعته لهم، فانصرف ولم يقل
стр. 45
له شيئا. ومن همته أنه بنى قصر السلام، وأول ما بني المسجد، ثم دارا له ودار الإمام ودار التلاميذ.
وخطب رجل من أهل الوجاهة امرأة خيبها فسمع بذلك فقال له: لا تبت هذه الليلة في بلدتنا هذه وإلاّ فعلت لك وفعلت، فهرب الرجل وترك المرأة والله أعلم. وله شرح عجيب مفيد على نظم ابن سعيد السوسي سماه بكشف الغمة في نفع الأمة، التزم فيه العرض غالبا إلا فيما كثر قائله، فإنه صح عن سفيان الثوري أنه قال: إن نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصّدق في العلم وشكره، وإن السكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره، انتهى.
وكنت أحسب أنه شرح الأخضري، ولكن توقفت في ذلك حتى أجد من يخبرني به.
فائدة جيدة، نقلها صاحب الترجمة رحمه الله تعالى في كتابه كشف الغمة في نفع الأمة، ونصها: قال الوليّ الصالح سيدي أحمد بن علي السوسي في كتاب إشراق البدر على عدد أهل بدر: ومما يلحق بهذا الفضل أيضا أضحيته عنه ﷺ . قال الإمام أبو عبد الله الفلالي في مختصره: ويتأكد أضحية عنه ﷺ ، قال الإمام السيوطي: نص على ذلك ابن العربي من المالكية، وأبو الحسن الغمادي، والقفال من الشافعية، ولا يأكل المضحى منها شيئا.
قال ابن العربي: إن الذابح لم يتقرب بها عن نفسه بل عن غيره، فلم يجز له أن يأكل من حق الغير. وكذا قال الترمذي عن ابن المبارك، فإن صح فلا يأكل ويتصدق بكلها.
وذكر أن عليا ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ أن أضحي عنه فلا أدعها.
стр. 46
توفي رحمه الله تعالى عام سبعة وخمسين ومائة وألف بفزّان، وقبره بها بعد هبوطه من المشرق، وإلى رمز وفاته أشار سيدي المختار بن الطالب سيد أحمد في روي الفشتالية بقوله:
لأحمد نجل الحاج عدّت مناقب ... بفزان قد دست بزطة مرجل.
والرمز من الزاي إلى ميم مرجل، والله أعلم.
٢٩ - [أحمد بن سالم المسوفي]
أحمد بن سالم المسومي رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى يدرس مختصر خليل. أخذ عنه سيدي المختار بن الطالب بن الشواف صاحب الحذف، ينظم ولكن نظمه نظم الفقهاء، ولم أقف على تاريخ وفاته رحمه الله تعالى.
٣٠ - [أحمد بن أك الشيخ بن الشيخ السوفي]
سيدي أحمد بن آك، الشيخ ابن الشيخ، السوفيّ رحمهما الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فقيها نحويا لغويا محدثا أصوليا بيانيا، منطقيا متفننا. أخذ عن شيخه العلامة المحدث الفقيه الصالح سيدي محمد بغيع الونكري التنبكتي صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وكتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، ﷺ ، والموطا والخصائص الكبرى، والصغرى للسيوطي، وأخذ عنه شيخنا سيدي أحمد بن سيدي محمد بن إيجل الزيدي، والقاضي سنبير بن القاضي سيدي الوافي جميع مروياته من الحديث والفقه وغيرهما، بشرط الوقوف عندما أشكل، والمراجعة لما أعضل.
وأخذ عنه الشيخ أحمد بن سيدي صالح البلاغة والمنطق وعلم الأصول وعلم الحكم والحديث وعلم التفسير؛ وأخذ عنه الشيخ سيدي
стр. 47
محمد الأمين ابن الفقيه سيدي أحمد السوفي رحمه الله تعالى. ولم أقف على تاريخ وفاته.
٣١ - [أحمد بن محمد بن موسى بن إيجل الزيدي]
سيدي أحمد بن سيدي محمد بن موسى بن إيجل الزيدي.
كان رحمه الله تعالى فقيها نبيها فطنا متفننا. ذو تواليف، منهم نظمه في الجمل المسمى بالأدوات. ولم أقف على تاريخ وفاته رحمه الله تعالى.
٣٢ - [أحمد بن أحمد (الشريف)]
الشريف أحمد بن أحمد بن الإمام، أكبر الإخوة الثلاثة الفقهاء النجباء الأدباء الذين اشتهروا علما ودينا وأدبا ومروءة بهذا القطر.
كان رحمه الله تعالى فقيها نحويا محققا متفننا عاقلا لبيبا سيدا، يقرأ مختصر الشيخ خليل وألفية ابن مالك قراءة تحقيق، ويجيب عن النازلة جواب توفيق، من أهل الفضل والعلم والعمل والدين محافظا على السنة والمروءة والصيانة، اعتنى بالعلم طول عمره.
أخذ عن خاليه الفقيهين النجيبين الشريف أبي عبد الله سيدي محمد بن الشريف أبي العباس، وسيدي أحمد، ابني فاضل الشريف.
وهما أخذا عن الفقيه الحاج الحسن بن أغبد الزيدي، رحمهم الله تعالى جميعا آمين.
توفي رحمه الله تعالى عام ثمانية وسبعين ومائة وألف.
٣٣ - [أحمد بن محمد بن أبي بكر]
الطالب أحمد بن محمد بن الفقيه أبي بكر بن أحمد بن الشغ بن محمد بن محمد بن مسلم.
стр. 48
كان رحمه الله تعالى محدثا فقيها قارئا نحويا عابدا كثير الصيام، وليا مشهور الولاية، رحمه الله تعالى، في تشيت، كثير الرؤية في المنام للنبي ﷺ ، قارئا قرأ بنافع والمكي والبصري على بعض تلامذة الشيخ سيدي التنواجيوي (٣٥) له حظ في الحديث، قرأ الفقه على ابني فاضل الشريف والفقيه أبي بكر بن الأمين بن الشغ بن أحمد بن الشغ.
توفي ﵀ في يوم أربعة وعشرين من رمضان عام تسعة وسبعين ومائة وألف.
٣٤ - [أحمد بن عثمان بن مولود الغلاوي]
سيدي أحمد بن سيدي عثمان بن مولود الغلاوي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عالما فقيها معتنيا بالعلم محصلا، ذا بحث ومطالعة، لا تراه إلا وكراسه في يده يطالعها، كثير النقل للمسائل، مجتهدا في تحصيلها، خطه من أحسن الخط، كثير النظم للمسائل والنظائر في الفقه، جمع من المسائل ما بين أجوبته وأنظامه في الفقه ما لو جمع ورتب على ترتيب أبواب الفقه، لكان تأليفا مستقلا. منها نظمه تراجع الحملاء الستة، ومن مستحسنات نظمه قوله في دخول الدور يوم الفطر ويوم الأضحى.
يا طالبا بالوصل نيل الأجر ... ليس بوصل العيد غير الوزر
أمّا دخول الدّور يوم الفطر ... فليس ممدوحا بهذا القطر
لأنّه يوم تبرّج النّسا ... فمن يبحه للورى فقد أسا
إلاّ لمن غضّ عن المحارم ... طرفا ولم يصغ لقول آثم
فكم نساء قد رأيتم ورجال ... يبغون بالعيدين ممنوع الوصال
وليس ذا يحتاج للشّهود ... لأنّه من أوضح المعهود
стр. 49
كفى من الحجّة قوله علا ... لا تدخلوا بيوتا غير، فاعقلا
فقد منعن من زيارة القبور ... خوف افتتانهنّ في عصر البدور
ولا يبيح عارف الحقوق ... زيارة العيد لذي الفسوق
لإنّ ما أدّى إلى الحرام ... يحرم في قواعد الإسلام
نظمتها سدّا لهذا الباب ... لست مباليا بذي عتاب.
أخذ عن خاله الفقيه سيدي محمد بن الحاج أبي بكر رحمهم الله تعالى، توفي رحمه الله تعالى عام تسعة وسبعين ومائة وألف.
٣٥ - [أحمد بن الأمين بن الحبيب الحرشي]
أحمد بن شيخنا الطالب الأمين بن الطالب الحبيب الحرشي، رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فقيها فاضلا عاقلا عاملا بعلمه، صالحا تقيا أديبا لبيبا برّا سنيا سليل الصالحين، نتيجة الأولياء العارفين، قرأ الرسالة على والده، وجلس في مجلسه لإقرائها وتدريسها لما توفي والده رحمهما الله تعالى، فكان يقرئها قراءة بحث وتحقيق. وكان رحمه الله تعالى صبورا على تعليم العلم للتلاميذ، يبيت يذاكرهم فيما قرأوا مع شدة ابتلائه بالمرض، وانتفع الطلبة بعلمه، رفيقا بالجهال، يربّيهم بصغار العلم قبل كباره، وفتح الله تعالى لهم من بركته. فلقد رأيت شيخا كبير السن أشيب الرأس قرأ عليه الرسالة بعد كبر سنه ففتح الله له حتى ختمها وعرفها، لرفقه بالتلاميذ والجهال. ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وإذا أراد أن ينهى أحدهم عن منكر يجمعهم ويعمهم بالنهي سترا على المأمور منهم. وكان رحمه الله تعالى حسن الصوت بالقرآن والمدح حسن الأخلاق، جميل العشرة، يمازح أهله وإخوانه وتلامذته لإدخال السرور في قلوب المؤمنين. ولقد دعا له والده فقال رحمه الله تعالى: اللهم
стр. 50
اجعله من أهل الخير والرشد والصلاح والفلاح، وأجب دعوته، فكان ذلك كله فيه والحمد لله.
مولده ليوم أو يومين خليا من شهر الله تعالى رمضان عام أربعين ومائة وألف.
وتوفي رحمه الله تعالى عام تسعة وسبعين (٣٦) ومائة وألف.
٣٦ - [أحمد بن البشير بن محمد الكلسوكي]
الطالب سيدي أحمد بن البشير بن محمد بن محمد (٣٧) بن موسى الكلسوكي رحمه الله تعالى.
نشأ ﵀ في بلد السوقيين بلاده، ثم قدم أروان وهو ابن خمس وعشرين سنة. وسبب خروجه عن بلده أنه خرج يطلب رجلا صالحا اسمه سيدي أحمد الهكاري (٣٨) وهو معلم عند أهل رأس الماء، وله أولاد ثمت يعرفهم أهل رأس الماء. فلما قدم عليه أمره أن يتوجه لأروان، وذكر له أنه يدرك الخير ثمة، ثم إنه توجه لأروان ونزل عند كاهية البلد، وأخذ الورد عن سيدي أحمد بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن محمد الرقادي، وأخذ القراءات السّبع عن الشيخ سيدي الأمين بن حبيب الجكني، وسيدي إبراهيم بن الإمام العلوي رحمهما الله تعالى، وأجازاه. وأخذ روايات البخاري ومسلم والشفاء والخصائص إلى غير ذلك عن القاضي سيدي الوافي بن طالبن الأرواني؛ وأخذ التفسير أيضا في أروان، وكان أكثر ما يستعمل من الكتب التفاسير والأحاديث والقراءات، وقد كان رحمه الله تعالى قليل الكلام فيما لا يعنيه، ولا يكاد يفتر عن الذكر ليلا ونهارا، ولا تراه إلا يقرأ أو يقرئ أو يذكر، وكثيرا ما يرتل
стр. 51
القرآن بقالون، ولا يكاد يترك من يتكلم حذاءه، ويأمره أن يذكر الله.
وكثيرا ما يسرد للعوام المواعظ، ويعظ كل واحد ويسرد لهم الترغيب والترهيب، وكتاب السمرقندي والعلوم الفاخرة في أمور الآخرة، وشرح الصدور في أحوال الموتى والقبور، وتنبيه المغترين.
وذكر رحمه الله تعالى: أنه ذكر له بعض الصالحين قبل أن يبلغ خمسين عاما أن الصالحين اجتمعوا وجعلوه من أهل التصريف، وذكر أيضا رحمه الله تعالى أنه مرض عام تيكر، فكان أصحاب التآليف المشهورون لدينا يأتونه يعودونه في مرضه ذلك، وآخر من يقوم من عنده الإمام الحطاب، وسألوه عن ذلك فقال: إني كنت أدعو لهم.
وذكر أيضا رحمه الله تعالى أنه رأى أبا بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه في المنام وقال له: إن بيني وبينك رحما، وكان رحمه الله تعالى يعظم أهل الله وآل النبي ﷺ وذرية أشياخه، وكانت بنت شيخه عند بعض الرفافدة، فكان يعطي الزوج كثيرا من الأباكير وكسوة البنت والإنفاق عليها.
وكان رحمه الله تعالى سخيا كثير العطاء حتى إنه بين (٣٩) دارين في البادية أعطى ثلاثين ناقة، وكان عنده نحو ابلين [أبى سرحين] (٤٠) فأعطى واحدة منهما وجلس راعي تلك الابل، وكان رحمه الله تعالى كثيرا ما يقول: إن بعض أشياخه أمره بالانفاق وقال له: أنفق فإنك جالس على كنز، وكان رحمه الله تعالى حسن العهد في العوام واللصوص فكيف بأهل الله، قال ابنه محمد الأمين.
وذكر لي من أثق به أنه سمع من سيدي محمد الطاهر بن سيدي علي أنه قال له: ما رأيت مثل شيخي سيدي أحمد الكلسوكي، قال لي إذا
стр. 52
اختلفت مع الطلبة في كلمة وأخذنا ننظر في الكتب لا أود أن أغلب، ولكن إنما أود معرفة الحق والإصابة غلبت أو غلبت.
مولده رحمه الله تعالى رأس القرن الثاني عشر، يعني، بعد مائة وألف ونحوها.
توفي رحمه الله تعالى ضحوة الأحد لأربعة وثمانين ومائة وألف (كذا) ودفن بإزاء المسجد الجبهي. ومما اشتهر به بعد دفنه أنه كان يسمع تسبيحه في قبره بالتواتر من الناس، وكثيرا كان يجلس في حياته في الموضع الذي دفن فيه رحمه الله تعالى. وعمره أربعة وثمانون لولادته على رأس القرن الثاني عشر.
٣٧ - [أحمد بن صالح بن الوافي]
الشيخ سيدي أحمد بن سيدي صالح بن الوافي بن سيدي أحمد بن آدر (٤١) رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى من الأولياء المتقين، والعلماء الصالحين المبرزين، فقيها نحويا لغويا، عالما وليا صالحا، بارعا في العلم ورعا، من جلة العلماء، منقبضا متفننا في علوم شتى عالما بتعبير الرؤيا، من أهل علم الباطن، ذاكرا لكلام أهل التصوف، يطرز مجلسه بأخبارهم، مشهورا بالصلاح والبركة والعبادة، له كرامات، مقبلا على العلم والعبادة، فاضلا إماما في الأدب والعربية والتعبير.
٣٨ - [أحمد بن خليفة بن أحمد العلوي الشنجيطي]
أحمد بن خليفة بن أحمد بن أحمد بن الحاج العلوي الشنجيطي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى شيخا فقيها محدثا مدرسا نحويا، قارئا بالسبع، متفننا، مكث نحو خمسين سنة يدرس العلم في شنجيط. أخذ
стр. 53
عنه سيدي مالك بن الحاج المختار صحيح البخاري، وكتاب الشفاء للقاضي عياض. وأخذ عنه حرمة بن عبد الجليل بن محمد بن القاضي العلوي، وشيخي سيدي المختار ابن الطالب [الوافي] (٤٢) الغلاوي، وعمار بن محمد بن الإمام العلوي، رحمهم الله تعالى. وأخذ الإجازة [في الحديث] (٤٣) عن أبيه عن شيخه شيخ الشيوخ الفقيه سيدي المختار هو ابن الأعمش.
توفي - رحمه الله تعالى - عام ثمانية وثمانين ومائة وألف.
٣٩ - [أحمد بن حمى الله]
أحمد بن الحاج حمى الله رحمهما الله تعالى (٤٤).
قال فيه ابنه عبد الله الفقيه النحوي اللغوي: كان والدي - رحمه الله تعالى - رجلا صالحا عابدا سرا (كذا) زاهدا جدا، أوتي مالا ما لبس منه قط وجمالا ولا ركب جمالا (٤٥) إنما كان يلبس لباس العبيد عبيده، ويسعى في مرضاة معبوده. رأته امرأة صالحة في المنام طالعا السماء فقالت وقد رأت رجليه وساقيه وفخذيه ذهبا، فقالت بم نال هذا؟ فقال لها قائل بعبادة السر (٤٦). وكان لا يصلي في الصف الأول متمذهبا بمذهب بعض أشياخ الطريق القائل إنه لا يصلي فيه إلا من يستوي عنده طبق ذهب وطبق تراب، ثم صار يصلي فيه فقيل له: لم صليت فيه؟ فقال: استويا عندي. وكان يضرب به المثل في العقل والفعل واللسان. قال: كان أزهد الناس، وكان يحفظ الجامع الصغير عن ظهر قلب، وبلغ الغاية في علم التفسير والنحو وعلم القضاء، وكان متوسطا في غير ذلك. له تواليف
стр. 54
عديدة مفيدة، منها معينته (٤٧) في المحمول والموضوع، وكتاب تشابه القرآن، وفوائد من الإتقان، وكتاب في الصلاة على رسول الله ﷺ .
وكان صاحب نوازل، ولا يبارى في الأدب ولا في علم التصوف، وكان صاحب مكاشفات. أخذ عن شيوخ، منهم أحمد بن الشيخ سيدي أحمد بن الشيخ سيدي أحمد بن الوافي، وسيدي عبد الله بن محمد بن القاضي. ومحمد بن مولود. ومعتمدة شيخ الحقيقة والطريقة الفقيه محمد بن أحمد بن عبد الرحمان الغلاوي المساوي. فقال ابنه المذكور:
مشى بي أبي إليه في الوحي، ولم أكن كتبت التهجي، فكتب في لوحي الفاتحة حتى كتب آمين، فقالت أمي - رحمها الله تعالى -: امح هذا حتى يعرف حروف التهجي، فقال والله لا امحو أبدا ما كتب شيخي، فنلت منه ولله الحمد بركة عظيمة حتى بلغت سورة الفتح، فأفرد لي ضميرا بعد جمع فتفطنت له وقلت ما هذا وهذا؟ وكان يغلبني التعبير ولم يفهم، فتحير ولم أزد على الإشارة بما هذا وهذا حتى فهم وضربني ضربا وجيعا. وسمعته ليلة يقول: ربّنا أخرجنا من هذه القرية، يعني شنجيط، فقلت لا أحب الدعاء بآية بعدها أخشوا (كذا) فضربني ضربا أوجع من ذلك حرصا عليّ وعلى إخفاء فهمي، انتهى من خط ابنه عبد الله بن أحمد بن الحاج حمي الله.
وتوفي صاحب الترجمة - رحمه الله تعالى - في رجب الفرد، عام ١١٩٣. [ألف ومائة وثلاث وتسعين] (٤٨).
٤٠ - [أحمد بن عمر بن الوافي الحضري]
الطالب أحمد بن عمر بن الوافي المحضري، رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر،
стр. 55
ناصحا للمسلمين، لا يدع النصيحة حتى لأعدائه وحساده، قوالا للحق لا يخاف في الله لومة لائم. قال له أخوه يوما: حقك لم يترك لك صديقا، فقال له: الصديق الذي وجدت الحق مكانه لا وجدته. يقرأ الصغرى ودليل القائد قراءة بحث وتحقيق، ويقرأ الجزائرية والإضائة، والحكم العطائية. وأخذت عنه دليل القائد وما بعده: أخذ عن شيخنا الفقيه الطالب الأمين وأخذت، وانتفع الناس بعلمه، فكان رحمه الله تعالى ذا صبر عظيم على التعليم، وعلى إيضاح الفوائد للبليد بلا ملل ولا ضجر، حتى يمل حاضره (٤٩) وهو لا يمل من التعليم، فتراه يعلم التلميذ نجيبا أو بليدا النهار كله والليل حتى يغلبه النوم. وله فراسة لا تكاد تخطئ، ينظر بنور الله. كثير الصدقة سرا والمعروف والانفاق في الله تعالى.
وتوفي رحمه الله تعالى ونفعنا به ليلة الأحد آخر ذي القعدة الحرام عام أربعة وتسعين ومائة وألف.
٤١ - [أحمد بن محمد زاز التنواجيوي]
الطالب أحمد بن محمد رار التنواجيوي رحمهما الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عابدا زاهدا صالحا تقيا، ذا خلق حسن، صاحب انفاق في سبيل الله، فقيها نحويا منطقيا بيانيا قارئا بالسبع، أكثر عبادته إقراء القرآن العظيم وتعليم الناس العلم، انتفع به كثير من الطلبة، وأخذ عنه الفقيه التقي السني محمد الأمين بن عبد الوهاب الفلالي وغيره، كان معمر الأوقات بالتعليم، ربما يقرئ التلاميذ قبل صلاة الصبح، ثم بعد الصلاة يشتغل بأوراده إلى حل النفل، ويصلي ركعتي الضحى ثم يجلس للتعليم إلى قرب الزوال، فينام نوما خفيفا، ثم بعد الصلاة (٥٠)
стр. 56
يشتغل بالتعليم إلى صلاة العصر، ثم يشتغل به بعدها إلى أذان المغرب، ثم يصلي النوافل بعد صلاة المغرب إلى العشاء، ويتنفل بعد العشاء أمام بيته. وإذا كان ثلث الليل الأخير يقوم فيركع، ويشتغل بالتعليم إلى الصبح، نفعنا الله تعالى به. وتعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة ودرجة عظيمة، قال في جواهر العقدين في فضل الشرفين: وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تعلّم العلم فإنّ تعلّمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنّه معالم الحلال والحرام، سبيله الجنّة، وهو الانس في الوحشة، والصّاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والسّلاح على الأعداء، والزّين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأيمّة يقتفى آثارهم ويقتدى بهم وينتهى إلى رأيهم. انتهى المراد منه.
وكان فهما نجيبا، سمع ليلة رجلا ينشد قصيدة فحفظها بالسمع.
وإذا حضر إلى تفسير لوح لا يحتاج له إلى شيخ، وإذا كتب لوحا حفظه، وإذا قرأ شيئا لا يحتاج أن ينظره في كتاب، وما لم يقرأ فهمه بالنظر في الكتاب. وكان مقتديا بما قاله الشيخ خليل، ولا يلتفت إلى شرح ولا إلى نص غيره، ويقول ما قال الفقيه سيدي أحمد بابا التنبكتي: نحن أناس خليليون إن ضلّ ضللنا. وكان ملازما للطهارة، يدخل في الآبار ليلا لأجل أخذ ماء الطّهارة، وقد رحل أهله من دار فيها الماء المطلق، فصار يسري إليها حتى يغتسل فيها.
وكان رحمه الله تعالى سخيا. ومن سخائه أن بعض تلامذته تزوج وأمسك أصهاره زوجته حتى يدفع لهم حالّ الصداق وليس عنده ما يدفع لهم، فأعطاه عشرين بقرة دفعها لهم، وهو قليل ذات اليد. ولقد صدق فيه قول الشاعر.
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
стр. 57
وكان متواضعا، فإذا رأيته لا تميز بينه وبين تلامذته، ويركب على الفرس بلا سرج قائما بمصالح أهله. يحضر لحفر الآبار، ويتبع البقر إذا سرح، ولا يقوم بأرض جدبة خوفا من حقّ البهائم.
وكان كثيرا فيه لا أدري، وكان حسن الخلق كثير التبسم قليل القهقهة، ولا يزجر التلاميذ على أمر غير حرام، بل يصبر عليهم، ويتغافل عن أولاده فلا يأمرهم بالقراءة. وكان زاهدا في الدنيا، فإذا كان عنده بقرات قلائل يرد زكاة الفطر ولا يقبلها، وإذا قبلتها امرأة له يطلقها.
وصام سنة مجاهدا للنفس لما طلق امرأة يحبها. وكان التلاميذ عنده سواء من يعطيه منهم ومن لا يعطيه، بل جميع الناس عنده سواء، ولا يبالي بالظلمة ولا يقوم لأحد منهم. وإذا صافحه يمدّ له رؤوس أصابعه زاهدا فيه. ووصله مرة بعض أمراء المغافرة وأعطاه شيئا من العين وأرسلها مع تلميذ له للغرب لشراء الكتب، وندم بعد ذلك على تلك الغيبة.
أخذ القراءات السبع عن سيدي محمد بن عبد الله بن بابا التنواجيوي ابن سيد القراء في بلدنا سيدي عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي، والفقه عن الشيخ سيد المختار بن الطالب، عن ابن الشواف الجكاني صاحب الحذف، والفقيه أحمد بن سالم المسومي (٥١). ألف رحمه الله تعالى معينا مشهورا مفيدا على مختصر خليل، وله معين على أم البراهين، ومعين على ألفية ابن مالك.
توفي رحمه الله تعالى آخر جمادي الآخرة أو أول رجب عام عشرة بعد مائتين وألف.
٤٢ - [أحمد بن العاقل الديماني]
أحمد بن الفقيه العاقل الديماني رحمهما الله تعالى.
стр. 58
كان رحمه الله تعالى بارعا مبرزا في علم الكلام والفقه والمنطق والحساب، أعني حساب الأعداد لا حساب التنجيم، أحسب أهل زمانه، ومتوسطا في الحديث والأصول، ومساغا (٥٢) في النحو والبيان. والأصول أغلب عليه من الفروع، فلا يذكر في النازلة فرعا إلاّ أتى بأصله معه، وإذا كان يقرئ الفروع فربما يخرج إلى الأصول. بيته بيت علم وصلاح، زاهدا في الدنيا لا يمسك منها شيئا ولا يقربها إلا إذا أتى القارب ذهب ليأتي أهله بشيء من متاعه، وما أخذ منه من متاع إذا لم يكن معه من يحفظه لا يصل إلى بيته بشيء منه لأنه لا يمسك الدنيا، والله أعلم. وما اشتغل بالعلم إلا بعد التزويج، واصلح الله له تعالى زوجه، وكانت عونا له على تعليمه العلم، ومكث نحو عشر سنين يشتغل بالعلم لم يقف فيها على فم البير لأجل اشتغاله بالعلم واجتهاده في العلم.
[سنة تأليف هذا الكتاب هي ١٢١٤ هـ.]
ومرض بعض أقاربه في هذه السنين لم يعلم بمرضه، وهو الآن في عامنا هذا عام أربعة عشر بعد مائتين وألف بقيد الحياة. أطال الله حياته ونفعنا به آمين.
٤٣ - [الأمين بن أحمد بن محمد]
الفقيه الأمين بن أحمد (٥٣) بن محمد رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فقيها نحويا تصريفيا لغويا، له حظ في معرفة الصحابة، وكان لسانه رطبا بذكر الله تعالى، ولا يسميه السيد محمد عريان الرأس إلاّ بالأمين الذاكر، وحدّث بعض أهل ستكري عن والده وهو شيخ معمر، أنه قال: أدركت أهل سنكري والاسلاف الصالح متوافرون فيه، فلم أرحال الفقيه الأمين فيهم في حسن الإسلام. وحكى صاحب
стр. 59
تاريخ السودان قال: كنا جماعة نعرض على شيخنا الفقيه الأمين دلائل الخيرات، والنسخ تختلف في إثياب لفظة سيدنا واسقاطها، فسألناه عنه فقال: كنا نعرضه على الشيخ العلامة الفقيه محمد بغيع فسألته عنه كذلك فقال: ليس في ذلك الاختلاف باس لا يضر شيئا. وسألناه أيضا عن قول المؤلف: وأن تغفر لعبدك فلان بن فلان، فقال: كنا نعرضه أيضا على الفقيه عبد الرحمان بن الفقيه محمود فسألناه عنه فقال مجيبا وأن تغفر لعبدك عبد الرحمان ولم يذكر والده انتهى.
مولده عام سبعة وخمسين وتسعمائة، وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الثلاثاء لعشر بقين من شوال عام واحد وأربعين وألف.
٤٤ - [أميننا مينحن بن مالك]
الفقيه أميننا مينحن بن الفقيه مالك رحمهما الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى أستاذا فاضلا جليلا فقيها نحويا لغويا أديبا شاعرا مجيدا. ولسيدي عبد الله بن محمد بن القاضي العلوي ممازحا له يصف برذونة له:
لسيدنا مينحن برذونة إذا ... خطت أخطأت سير المراضي (٥٤) الأمالح
تباشر الأعراف منها ذوابة ... على نافع ابن التونسيّ بن صالح
فأجابه أميننا مينحن رحمه الله تعالى بقوله:
لئن كان عبد الله قد عاب عرفها ... وأخطأها سير المراخي الأمالح
فقد زانها تبغيلها واصطلاؤها ... إذا ارتكبت يوما أمام الملالح
عليها فتى لا ينثني لكريهة ... وليس بذي سيف وليس برامح
والأمالح جمع ملاح. وأشار بقوله وليس بذي سيف الخ إلى أن قوته
стр. 60
تبقى لله تعالى لا بالسلاح، والله أعلم. كان في حدود الأربعين بعد المائة والألف.
٤٥ - [الأمين بن محمدي بن عيسى التاقاطي]
الفقيه الأمين بن محمدي بن عيسى التاقاطي (٥٥) نسبا، المالكي مذهبا، الأشعري اعتقادا، المستوطن في بلاد بني الزناقية.
كان رحمه الله تعالى حيا عام ستة وأربعين ومائة وألف.
٤٦ - [الأمين بن الحبيب الحرشي]
شيخنا الفقيه الطالب الأمين بن الطالب الحبيب الحرشي.
كان رحمه الله تعالى من أولياء الله تعالى، ونفعنا به غاية في علم التوحيد ومعرفة رسالة ابن أبي زيد، لم ير مثله فيها ولا سمع به في بلاد التكرور، مع الشفقة على المتعلم والرأفة والصبر على التعليم، يقرئ عقيدة السنوسي المعروفة بأم البراهين، والرسالة قراة بحث وتحقيق، ويقرئ المقدمة، وصغرى الصغرى للسنوسي، وإضاءة الدجنة، ومنظومة الجزائري، ودليل القائد، وجميع كتب التوحيد قراءة تحقيق إلا ابكبرى. وأما الوسطى فلا أدري هل يقرئها أم لا؟ ويقرئ حكم ابن عطاء الله في التصوف. وكان رحمه الله تعالى كثير التواضع والخشوع، يسمع لصدره أزيز، كثير التنهد في الصلاة، يبكي عند خطبة الجمعة، غاضا بصره حتى يظن من لا يعرفه أنه لا يبصر والله أعلم، مداوما على إحياء الليل بالصلاة، معمر الأوقات بالتفسير والنسخ، ومصالح المسلمين وعيادة مرضاهم، والمطالعة وإحياء الليل، ذا أوراد واجتهاد في العبادة، ولم يزل دؤوبا على الخير [من صغره حتى توفي رحمه الله تعالى، موافقا في الأفعال والأقوال مدة عمره، لم يزل دؤوبا] (٥٦) كثير الموافقة لجماعة أهل بلده، كثير الصدقة للأحباب وعيادة مرضاهم، إن أتاهم يسأل عن الكبير والصغير حتى تظن أنه مخالط
стр. 61
لهم من حسن خلقه الذي خصه الله به عن أهل زمانه، ويدعو الناس بأحب أسمائهم إليهم، ولا يدعو ذا لقب قبيح بلقبه، ولا يدعو على ظالم إلا أن يكون ضارّا للمسلمين فحينئذ يدعو عليه. وخطه من أحسن الخط وأبدعه، وانتفع الناس بكتبه، وأهل بلده يحبونه كلهم ومتوافقون على فضله ويمدحونه، بل كل من يعرفه أو سمعه، وبذلك جرت عادة الله تعالى مع عبادة المتقين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾. وقال بعض العلماء لمالك: إتق الله يحبك الناس وإن كرهوا. ويأتيه الناس يتبركون به عند كل صلاة ويسألونه أن يدعو لهم. وكان رحمه الله تعالى أبا لليتامى والضعفاء والمساكين والأرامل والغرباء شديد الرحمة والرأفة بهم. وكان قائما بأمور المسجد حتى قال بعض الناس يوم وفاته: اليوم تيتم المسجد. كثير القيام بالسنة، ولقد رأيته يوما خسفت الشمس وأرسل للناس يأتون للصلاة، فاعتذروا ولم يأته أحد فمضى وحده نحو المسجد يريد أن يصليها ومشيت معه، فلما دخلنا المسجد انجلت الشمس. ورأيته يخرج لصلاة الاستسقاء في بعض المرات ما معه إلاّ نحو رجلين أو ثلاثة، ويمر بالجماعة الكثيرة ويدعوها للصلاة فلا يقوم معه أحد، وربما قام معه واحد أو اثنان. ولم يقل من الشعر إلا نحو قصيدتين اتباعا للسنة، ولما قال ابن أبي زيد في الرسالة:
ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به. وكان أول دهره يصلي صلاة التراويح في بيته، حتى رآها ضعفت في المسجد فداوم عليها حتى قبضه الله تعالى. وكان لا يحضر مجلس الحديث حتى رأى قلة الجماعة لما مات بعض الأشياخ الذين كانوا يحضرونه، فداوم عليه حتى توفي رحمه الله تعالى. ويكره قراءة الجماعة للقرآن على الميت، ويكره طابة والشم أشد الكره. وقال يوما لبعض تلاميذه لما رآه يشم: إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها. وكان مشتغلا بما يعنيه وتاركا لما لا يعنيه، فلم ير قط جالسا في المجالس، ولا في الطرق إلا إذا أراد أن يقول لأحد كلاما
стр. 62
ربما قعد معه وأخبره ثم قام عندما تم الكلام. ويصلي على النبي ﷺ إذا جلس قبل أن يتكلم ليلاّ ينساها في ذلك المجلس فيقوم منه ولم يصلّ، امتثالا للحديث. ويخدم أهله بنفسه، ولا تراه جالسا لا يفعل شيئا قط، بل لا تراه إلا يفسر أو يكتب أو قائما في أمور المسلمين ومصالحهم، أو منتظر الصلاة يذكر الله تعالى. ولقد أعانه الله ووفقه حتى كان ليس له حركة ولا سكون ولا نفس من الأنفاس من ليل أو نهار إلا في طاعة الله، حتى توفاه الله تعالى على ذلك. ولا يدعو على ظالم في أمر إلا أن يكون ضارّا للمسلمين، فحينئذ يدعو عليه. وكان مبرزا فائقا على أقرانه في العدالة واتباع السنة. وكان أشياخنا إذا ذكروه في التعليم يقولون: المبرز فريد دهره ووحيد عصره بالاتفاق. ولقد قال لي الثقة بعدله الصالح محمد بن أحمد: ما رأيت مثل الطالب الأمين، وأنا أيضا ما رأيت مثله والله أعلم. ولا يأمر الناس بصدقة أو معروف إلا فعله قبلهم. وكان يظهر الصدقة ليلة سبع وعشرين من رمضان بعد ختم القرآن، وفي يوم الفطر والأضحى ليقتدى به.
أخذ علم التوحيد عن شيخه سيدي العارف بالله تعالى الماهر في التوحيد الطالب عمر بن محمد نضّ البرتلي (٥٧)، وقرأ القرآن على والده الطالب الحبيب، والرسالة على الشيخ الصالح الولي العابد سيدي الطالب محمد بن شل البلوي، والحاج سيدي بن علي بن ولي الله تعالى الطالب الوافي الغلاوي. وأخذ مختصر خليل عن الفقيه الحاج أبي بكر بن الحاج عيسى الغلاوي، وابن مالك وقطر الندى عن السيد النحوي عمر بن بابا، وحكم ابن عطاء الله عن السيد أحمد بن عمرو الشهير بالتواتي، وهو شيخه في الورد. وأخذ حديث المصافحة عن سيدي محمد بن موسى بن إيجل الزيدي مسندا إلى النبي ﷺ .
стр. 63
وأخذ عنه خلق كثير، كسيدي محمد بن سيدي عثمان بن سيدي عمر الولي، والفقيه محمد بن علي، والقاضي أند عبد الله بن أحمد، والإمام النحوي عمر بن محمد بن أبي بكر الولاتيّين، والفقيه محمد البشير بن الحاج بن (٥٨) الهادي، ومحمد بن الحاج محمود (٥٩) الديلبيين، والفقيه محمد الحاج أبي بكر بن (٦٠) عيسى الغلاوي، وسيدي علي بن الطالب عمر، والفقيه سيدي الحسن بن أحمد البرتليين، والفقيه عابد بن الطالب سيد الكلكمي وغيرهم مما لا ينعد كثرة. ألحق الأبناء بالآباء في الإقراء، أقرأ الناس قديما وحديثا وألحق الصغار بالكبار، وصارت تلامذته أيمة وأشياخا في حياته. وما أجد (٦١) من هو أعلم منه، وما انتفعت على شيخ كانتفاعي به، وبشيخي سيدي الحسن والإمام عمر (٦٢) أطال الله حياتهما للمسلمين.
قبضه الله تعالى إلى رحمته - إن شاء الله - بعد صلاة العصر، في يوم الثلاثاء، في يوم ستة وعشرين من شهر الله تعالى صفر الخر، عام ستة وستين ومائة وألف. تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، وأبقى علينا وعلى جميع المسلمين بركاته. ورآه تلميذه الإمام عمر بعد موته في النوم وسأله هل رأى ملكي السؤال، فقال له نعم، رأيتهما.
فقال له: ما قلت لهما؟ قال له: قلت لهما الذي كنت أقول. وهو مشهور عند من قرأ عليه. انتهى ولله الحمد والمنة.
٤٧ - [أحمد بن أحمد بن هيبة الكلكمي]
سيدي أحمد بن أحمد بن هيبة الكلكمي (٦٣) رحمه الله تعالى ونفعنا به.
стр. 64
كان رحمه الله تعالى من الأولياء العالمين، والعلماء العاملين، صالحا تقيا ورعا فائقا في الزهد متواضعا، من صدور الزهاد، مشهور الولاية والبركة، جمع بين العلم والعمل، محبوبا عند الخلق مهيبا معروف الصلاح ظاهر الزهد والورع والبر، متين الدين، لا نظير له من أهل زمانه في الزهد والورع، كثير الخوف والمراغبة لله تعالى. حكى عنه أنه غضب يوما على أمة فقال لها: أغمضي عينيك! فغمضتهما فرماها بملء يده من التراب على وجهها، فقالت له: تقوى الله صعب وعر! فقال لها:
صدقت. له كشف وكرامات، وتذكر عنه حكايات في ذلك والزهد والورع. ألّف - رحمه الله تعالى - مقدمة في نحو كذا من قالب الثمن في (بياض). وقبره عند الغمة مجرب الإجابة والبركة حرم مشهور، فمن أودع عنده متاعا لا يقرب إليه والله أعلم.
توفي رحمه الله تعالى في العام الحادي عشر أو الثاني عشر بعد المائتين والألف.
٤٨ - [أحمد البدوي، بن محمد، المجلسي اليعقوبي]
سيدي أحمد البدوي بن محمد بن أبي أحمد المجلسي أصلا ونسبا، اليعقوبي وطنا ومسكنا - رحمهم الله تعالى -
ألّف تأليفا حسنا في غزواته ﷺ ، يزيد على أربعمائة بيت وخمسين بيتا (٦٤) وآخر في أنساب العرب مفيدا. وهما يدلان على تبحره في السير والنسب.
توفي - رحمه الله تعالى - عام سبعة أو ثمانية ومائتين وألف، والحمد لله رب العالمين.
стр. 65
٤٩ - [الأمين بن أيد الأمين، الجكاني]
الفقيه سيدي الأمين بن أيد الأمين الجكاني رحمهما الله تعالى.
كان - رحمه الله تعالى - فقيها مدرسا يدرس مختصر خليل. أخذ عنه شيخنا الفقيه سيدي أحمد بن سيدي محمد بن موسى إبن إيجل الزيدي - رحمهم الله تعالى -
٥٠ - [الأمين بن الحبيب الجكاني]
الفقيه سيدي الأمين بن الحبيب الجكاني - رحمهم الله تعالى -.
كان - رحمه الله تعالى - شيخا عالما فقيها فاضلا أستاذا حاملا مدرسا قارئا للقرآن بالقراءات السبع. أخذ القراءات السبع عن الشيخ العالم الصالح التقي سيدي أحمد بن البشير الكلسوكي، وأجازه ﵀.
توفي ﵀ عام ثمانية ومائة وألف.
٥١ - [أبو القاسم التواتي]
سيدي أبو القاسم التواتي - رحمه الله تعالى -.
كان رحمه الله تعالى صالحا خيرا، وكان إمام المسجد الجامع في تينبكت، ذا كرامات وبركات، يطعم الطعام، وأكثر طعامه للمدّاحين، لشدة محبته للنبي ﷺ . وموضع المدح قريب من داره، ومتى سمعهم يمدحون خرج إليهم بالرغائف المسخونة (كذا) كأنما خرجن من الفرن في تلك الساعة، ولو كان في جوف الليل، حتى تبين للناس أن ذلك من كراماته. وهو الذي ابتدأ قراءة [الختمة في] (٦٥) المصحف بعد صلاة الجمعة، مع قراءة حرف من العشرينيات. وحبس أمير المؤمنين أسكيا الحاج تابوتا فيه ستون جزءا من المصحف على ذلك الجامع لأجل تلك الختمة.
стр. 66
توفي ﵀ أوائل العام الثاني والعشرين بعد تسعمائة. وقال صاحب تاريخ السودان: سيدي أبو القاسم توفي في العام الخامس والثلاثين بعد تسعمائة انتهى. وروي أن الناس ازدحموا على نعشه في ليلة مظلمة وتصادموا حتى سقطوا على الأرض جميعا، وبقي النعش في الهواء بقدرة البارئ سبحانه [حتى قاموا] (٦٥) ورأى الناس هنالك جماعة كثيرة غير معروفين، وذلك من كراماته. وهو الذي ابتدأ المقبرة الجديدة التي هي المقابر اليوم بعد ما امتلأت المقبرة القديمة التي حول المسجد وجعل عليها السور، ودفن في المقبرة الجديدة، ودفن فيها معه كثير من الصالحين. وقيل إن معه هنالك خمسين رجلا تواتيين أمثاله في الصلاح، والحمد لله رب العالمين.
٥٢ - [أحمد بن هكّ الكلادي]
سيدي أحمد بن هكّ الكلادي (٦٦) - رحمهما الله تعالى -.
كان - رحمه الله تعالى - يدرس الفقه والعربية والتفسير والحديث ومقامات الحريري درسا حسنا. بلغني أنه قرأ مختصر خليل ست مرات.
لقي من التقشف والتبتل وتجرع المرارات في طلب العلم ما لا مزيد عليه. حضرت دوله الثلاثة مرارا، أعني محمد بن محمد الأمين الكلادي، رحمه الله تعالى، الفقه والتفسير والعربية. وربما غلب عليه البكاء في مجلس التفسير فيقوم عن الناس ويذهب إلى الخلاء، وربما غلب عليه الخشوع أياما لا يحضر مجلس التفسير. وكان يوما يفسر وفي يده تفسير ذي الجلالين، فقال للطلبة: سقط هنا شيء. فقالوا له: إن الكلام مستقيم لم يسقط شيء، فأبى إلاّ أن يكون مسقط، فأخذوا نسخة أخرى فوجدوه كما قال، فقال لهم: إني أعرف تفقد كلمات هذا الكتاب
стр. 67
كمعرفتي بتفقد بقراتي. أفتي شيخنا وادايّ (٦٦) مرة في نازلة فتعقبه صاحب الترجمة فبلغ ذلك شيخنا، فأرسل يقول له في ذلك. فلما بلغه الرسول أتاه بنفسه من مسافة بعيدة حتى تمثل بين يديه، وكان شيخه، فجعل يعتذر إليه حتى أرضاه ثم قال له: يا سيدي وما أصنع بهذا العلم الذي عندي؟ يعني فما أصنع به إن لم أضعه في محله؟
أخذ عن شيخنا واداي عن (٦٧) القاضي مم بن أحلون وغيرهما، وهو الآن بقيد الحياة في عامنا، أعني عام أربعة عشر ومائتين وألف. والله أعلم.
٥٣ - [ابراهيم الزلفي]
إبراهيم الزلفي - رحمه الله تعالى -
أعد الله تعالى موضع قبره في جوار سيدي العالم الفقيه. فسلم الناس له حتى دفن، فهم الثلاثة في تلك الروضة. قال عبد الله بن عمران السعدي المؤلف تاريخ السودان - رحمهم الله تعالى -: كان للأستاذ الشيخ إبراهيم جاة عند أهل تينبكت يومئذ لاعتقادهم فيه، ولولا ذلك لما سلموا له في ذلك الموضع، والله أعلم.
٥٤ - [أحمد بن أبي بكر بن عبد الرحمان البرتلي]
الطالب أحمد بن أبي بكر بن الحاج عبد الرحمان البرتلي - رحمهم الله تعالى -. كان رحمه الله تعالى عالما أديبا فطنا طبيبا يدرس رسالة ابن أبي زيد كتدريس شيخه فيها الطالب الأمين بن الطالب الحبيب الحرشي، وله عليها شرح شاف سماه مفيد الطالبين، ويدرس خليل، وتحفة الحكام لابن عاصم كتدريس شيخه لها السيد الحسن بن الطالب أحمد البرتلي،
стр. 68
ويدرس نظم القواعد وجمع الجوامع ولامية الزقاق كتدريس شيخه لها الطالب البشير بن الحاج الهادي الادليبي (٦٨) وله شرح لطيف على لامية الزقاق، ويدرس عقيدة السنوسي أم البراهين، وإضاءة الدجنة، والجزائرية ودليل القائد وابن عاشر، والقرطبي. وله كرامات ظاهرة:
منهن أنه طبيب زمانه، وطبه معه بركة متفق على ظهورها، وكثير فيه إن أتاه العليل يخبره عن سبب مرضه ويجده كما قال. والمريض الذي لا يبرأ الغالب فيه لا يعالجه. ومنهن أنه محبوب في زمانه، ولم يجتمع أهل زمانه على حب غيره كحبهم له. ومنهن تسخير الخلق في حبه. ومن أدبه - رحمه الله تعالى - إن التقى مع أحد وتصافح معه لا يبتدئ بالمرور حتى يظهر له من مصافحه. وكان لا يتأنف عن مريض يعالجه ولو كان في أقبح ما يكون المريض فيه، ولو عبدا أو أمة. وكان حسن الخلق والخلق، وكان سريع الانقياد لمن ناداه.
توفي - رحمه الله تعالى - في خمسة وعشرين مضت من شهر الله تعالى جمادى الآخرة عام ثمانية بعد المائتين والألف، وعمره ثلاثة وستون سنة، أسكنه الله تعالى فسيح الجنة آمين.
стр. 69
حرف الباء
٥٥ - [أبو بكر بن علي بن الشيخ بن المحجوب]
الطالب أبو بكر بن علي بن الشيخ بن المحجوب [المحجوبي الولاتي] (١) - رحمهم الله تعالى. كان رحمه الله تعالى شيخا عالما فقيها نحويا لغويا فاضلا جليل القدر له حظ في الحديث والسير، هو أحد العلماء العاملين المعروفين، والفضلاء المشهورين، بيته بيت صلاح وجلالة وعلم ودين، وخطه من أحسن الخط وأبهاه. قيل إنه يحفظ مقامات الحريري في اللغة، وله قصيدة دالية في، مدح النبي ﷺ على حروف المعجم، والله أعلم.
توفي رأس القرن في العام الحادي والمائة والألف.
٥٦ - [أبو بكر بن أحمد بير، بن محمود]
أبو بكر بن أحمد بير (٢) بن ولي الله تعالى الفقيه محمود بن عمر - رحمهم الله تعالى -.
كان فاضلا تقيا صالحا خيرا بالصلاح، وشهد له بذلك أعمامه
стр. 70
الصالحون واتفقوا على تقديمه للصلاة بالناس حين مرض القاضي العاقب - رحمه الله تعالى -.
توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء عند طلوع الشمس في سادس عشر من رجب عام تسعة وثلاثين وألف.
٥٧ - [أبو بكر بن أحمد بن الشغ، المسلمي التشيتي]
أبو بكر بن حمد بن الشغ بن أحمد بن محمد بن محمد بن مسلم المسلمي التشيتي - رحمهم الله تعالى -.
كان رحمه الله تعالى ورعا فقيها صالحا زاهدا في الدنيا ملازما للمسجد، ما قصر الصلاة قط إلا مرة لأجل الأتيان بايد والحاج منانيوداش لما أخرجهم خبر نتاجه (كذا) الأسنى من تشيت والله أعلم. قرأ مختصر خليل على الفقيه سيدي أحمد أبي الأوتاد الحنشي الذي أتى بمختصر خليل لتشيت. ويقال إنه صار أعرف من شيخه للمختصر. وقرأ عليه الفقاري قاضي تشيت، وأخذ عن هذا الحاج الحسن بن أغبد الزيدي - رحمهم الله تعالى -. ولم أقف على تاريخ وفاته، ولم أقف على ترجمة أكثر من هذا. والله أعلم.
٥٨ - [أبو بكر بن أحمد بن الشغ، المسلمي التشيتي]
أبو بكر الطفيل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن ألشغ بن أحمد بن محمد بن محمد بن ألشغ بن محمد بن مسلم المسلمي التشيتي - رحمهم الله تعالى -.
كان رحمه الله تعالى فقيها نحويا منطقيا متفننا جيد الشعر حسن النظم نجيبا، حصل العلوم في تسع سنين أو عشر من يوم اشتغاله بها.
نظم قطر الندى لابن هشام نظما بديعا حسنا في نحو أربعمائة بيت، والله أعلم.
стр. 71
توفي رحمه الله تعالى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة بالعطش، عام ستة عشر ومائة وألف. ونظم شيخنا سيدي أحمد بن سيدي محمد بن موسى بن إيجل الزيدي - رحمهم الله تعالى - وفاته في روي الفشتالية بقوله:
وشوقي بدا إذلم ير لطفيلهم ... أبي بكر الأرضى شرابا بهوجل
والرمز في شوقي والهوجل.
٥٩ - [أبو بكر بن عيسى بن أبي هريرة الغلاوي]
الفقيه الحاج أبو بكر بن الحاج عيسى بن أبي هريرة الغلاوي - رحمهم الله تعالى -.
كان - رحمه الله تعالى - من صدور العلماء، وفخرا من مفاخر الفقهاء، قاضيا عدلا مسددا في أحكامه، صليبا في الحق، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، لا يستحي من الحق. أتاه يوما رئيس من رؤساء القبائل شاهدا على شيء فرد شهادته ولم يقبلها. وكان قوي القلب مقداما على الأمور العظام جسورا على الظلمة واللصوص، مجاب الدعوة فيهم، يهابونه ويخضعون له ويطيعون له (كذا) فيما يريد. وكان يقال له: مالك الصغير لشدة ثباته في القضاء وتسديده، وجوابه في النازلة إذا سئل عنها من أصح الأجوبة وأخصرها وأحسنها والله أعلم. درس مختصر خليل وكثر الآخذون عنه. وكان عارفا بالمنطق بصيرا به.
أخذ الفقه عن الفقيه الحاج عثمان المجاور، وهو أخذه عن شيخ الشيوخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن الهاشمي الغلاوي، وهو أخذه عن الفقيه العلامة أبي عبد الله سيدي محمد بن المختار بن الأعمش العلوي - رحمهم الله تعالى -.
وأخذ عنه خلق كثير وانتفعوا به، كشيخنا الطالب الأمين بن الطالب
стр. 72
الحبيب الحرشي، والفقيه محمد بن علي الولاتي، والفقيه القاضي سنبيز ابن القاضي سيدي الوافي الأرواني، وشيخنا الفقيه البشير بن الحاج الهادي البيلي وغيرهم. وأخذ المنطق، وهو ماهر فيه، عن الفقيه سيدي محمد بن موسى بن ايجل الزيدي - رحمه الله تعالى -.
ولد - رحمه الله تعالى - في الخامس والسبعين والألف وحج في الحادي والعشرين بعد المائة والألف، وصحب في سفره هذا الحاج سيدي أحمد بن الشيخ سيدي محمد بن ناصر الدرعي - رحمهم الله تعالى - وأخذ عنه الورد. وكان يشرب تبغ، فأمره الشيخ بتركها، وكان هو يصلي بالشيخ في صحبته معه للحج والله أعلم.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في السادس والأربعين بعد المائة والألف، لخمس خلون من شوال، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
٦٠ - [أبو بكر بن عبد الله الأنصار البرتلي (والد المؤلف)]
أبو بكر والد المؤلف بن عبد الله بن محمد بن الطالب علي بنان بن إبراهيم بن يحيى بن علي بن إبراهيم بن تكرنض (٣) بن علي بن أدريس بن عيسى بن أدغوغ بن ركرك (٤) الأنصاريّ البرتلي - رحمهم الله تعالى -.
كان رحمه الله تعالى عالما عاملا صالحا تقيا سنيا، نشأ في طاعة الله من صغره، صدوق اللهجة لا يحلف بالله تعالى من صغره. ولما بلغ وكان اليوم الآخر من شعبان وتوجه لصوم رمضان دخل في ديار أهله وتغافر معهم ليلا يدخل في دار بعد التكليف تأهبا لما كلفه الله تعالى به. أخذ عن شيخنا الطالب الأمين بن الطالب الحبيب رحمهما الله تعالى، وعن الفقيه الحاج أبي بكر بن الحاج عيسى - رحمهما الله تعالى - ولم تشغله - رحمه
стр. 73
الله تعالى - آخرته عن دنياه، ولا دنياه عن آخرته. وكان ملازما لقراءة القرآن، يصلي كل ليلة بسبع القرآن في الحضر والسفر. وكان إذا خرج إلى الزقاق كأنه يرى القرآن مكتوبا على الجدرات لملازمته له وحضوره في قلبه.
توفي شهيدا بالطاعون - رحمه الله تعالى - وكان آخر كلامه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.﴾
مولده يوم الخميس في يوم خمسة وعشرين من شوال عام اثنى عشر ومائة وألف. وتوفي في الثامن أو التاسع والأربعين ومائة وألف.
٦١ - [أبو بكر بن محمد بن عمر البرتلي]
الحاج أبو بكر بن الفقيه الطالب محمد بن الطالب عمر (٥) البرتلي - رحمهم الله تعالى -
كان رحمه الله تعالى عالما فقيها نحويا صالحا تقيا سنيا جمع بين العلم والعمل، موفقا في دينه ودنياه، متبعا للشرع في أقواله وأفعاله، ذا سمت حسن ووقار، بيته بيت علم وصلاح، حسن الدراية، جيد الفهم والنظر، فإذا سئل عن مسألة من عويصات المسائل المشكلات فتحها وسهلها لمن سأل عنها.
وقرأ بنافع على السيد عمر بن أحمد بن بوه الأيديلبي. وقرأ الرسالة عن شيخنا سيدي الطالب الأمين، [ابن الطالب الحبيب] (٦) وألفية ابن مالك على شيخ أشياخنا سيدي مخير (٧) ابن حبيب الله التشمشاوي، ولامية الأفعال على سيدي محمد بن أبي. برع في التصريف وشارك في غيره.
стр. 74
يقرئ الرسالة ومختصر خليل وألفية ابن مالك ولأمية الأفعال قراءة تحقيق، ويقرئ البرية (٨) في قراءة نافع وغير ذلك. له حظ من علم الحديث والعروض وغير ذلك من الفنون إلا نادرا، والله أعلم. حج عام سبعة وخمسين ومائة وألف، وأتى بخزانة كتب نفيسة. قرأت عليه وأفادني وانتفعت بعلمه وكتبه، وهو من أشياخي.
توفي - رحمه الله تعالى - عام تسعة وسبعين ومائة وألف.
٦٢ - [البشير بن الهادي (الايديلي)]
الطالب البشير بن الحاج الهادي [الايديلبي] (٩) ﵀ هو الشيخ الفقيه العالم المتفنن المقرئ، سيخنا عالم بلاد التكرور وفقيهها ومدرسها ومفتيها بلا مدافع، حريصا على العلم استفادة وإفادة، ولا يأنف على أخذه عن أقرانه، أفنى عمره في طلب العلم، أسهر جفونه في النظر، وأحيي ليله في تحصيله بالسهر، يعمر الأوقات فيه، فنهاره في التدريس والشرح والإفتاء، وليله في المطالعة، وكان على غاية اجتهاد، فكان يرى في عمامته أثر الدخان (١٠) لكثرة مطالعته بالليل. كان - رحمه الله تعالى - شيخا جوادا كريم الخلق حسن العشرة، حافظا حق الجار، [حسن الجواب] (١١) حسن الفهم، سريع القلم، حسن الخط، مجتهدا في تحصيل الكتب كثير الاعتناء بها، حتى حصل منها بالنسخ والاستكتاب ما يحتاج إليه من كل فن، حتى حصل شرح كل كتاب قرأه، وإذا استعار كتابا اجتهد فيه حتى يقضي حاجته منه ويرده في أقرب مدة. أحيي العلم في بلاده من كثرة طلبة الفقه عنده، فصاروا علماء، واشتهر عمله في البلاد وطار صيته فيها شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، فكانت النوازل والأسئلة
стр. 75
ترد عليه من كل مكان، فيجيب عنها بالنصوص الصريحة والنقول الواضحة. حفظ القرآن وهو صغير، ثم صرف همته العلية وفكرته الزكية في تحصيل فنون العلم، يقرئها فنافنا حتى مهر فيها واشتهر. قرأ بالسبع على الشيخ العالم المقرئ الطالب عمر بن محمد بن بوه الايديلبي. وكان يحصل الشاطبية حفظا، مستحضرا لها يستشهد بها لحضورها عنده، ويقرئها الناس. ويقرأ الدّرر اللوامع لابن بري ويقرأ عليه السبع، وله ورد في القرآن، وهذا الفن عنده من أطيب فنونه وأوضحها، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقرأ دليل القائد والجزائرية والإضاءة والألفية في أوراق وأيمته (١٢) على الشيخ سيدي أحمد بن سيدي الصالح - رحمه الله تعالى - وقرأ الفقه على الفقيه الحاج عيسى، وهو أخذه عن الفقيه الحاج عثمان المجاور، وهو أخذه عن شيخ الشيوخ الفقيه أبي عبد الله سيدي محمد بن أبي بكر بن الهاشمي الغلاوي، وهو أخذه عن الفقيه العلامة أبي عبد الله سيد محمد بن المختار بن الأعمش العلوي - رحمهم الله تعالى -. يقرأ الرسالة ومختصر خليل وعلوم أصول الدين وأصول الفقه، ويقرأ لامية الزقاق والقواعد أعني المنهج، وأكثر ما يقرئ الناس مختصر خليل والألفية، فاشتغل باقرائهما عن إقراء فنون العلم غيرهما التي هي بقبضة يده - رحمه الله تعالى - ويقرئ ألفية العراقي الأثرية في علم الحديث. وقرأت عليه في المسجد وسمعت ممن أثق به من تلامذته أنه يحفظ ثلاثة أرباع من صحيح البخاري - رحمه الله تعالى - وقرأ الحكم العطائية على شيخنا الطالب الأمين، ويقرئ السلم في المنطق. وكان يقول ﵀:
أنا نحوي نحو الفقهاء، وما ذلك إلا تواضعا منه، وأما هو فكان يقرئ الألفيتين في النحو ألفية ابن مالك وألفية السيوطي، وكفى بهما نحوا.
وقرأ من اللغة بانت سعاد لكعب بن زهير - رضي الله تعالى عنه - وتخميس