← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17606

وسائل معالجة الفقر في العهد النبوي (أهل الصفة أنموذجا)

ماجد بن مشعان الموقد

Полный текст (121 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

وسائلُ معالجةِ الفقرِ في العهدِ النبويِّ (أهلُ الصُّفَّةِ أنموذجًا) مشروعٌ بحثيٌّ لإكمال متطلَّبات الحُصولِ على درجة العالميَّة (الماجستير) إعداد الطالب: ماجد بن صالح بن مشعان الموقد إشراف الأستاذ الدكتور: عز الدين بن مالك الطيب محمد العام الجامعي ١٤٣٥ ــ ١٤٣٦ هـ

стр. 2

- د - ملخَّص البَحث هذا بحثٌ تَكميليٌّ معدٌّ لنَيْلِ دَرجة الماجستير في الاقتصادِ الإسلاميِّ للعام الدِّراسي ١٤٣٥ هـ- ١٤٣٦ هـ، وقد تقدَّم به الطَّالب ماجد بن صالح الموقد، وأشرف عليه فضيلةُ الأستاذ الدكتور عز الدين بن مالك الطيب محمد الأستاذ بقسم الاقتصاد الإسلامي بالجامعة الإسلامية. عنوان البحث: وسائل معالجة الفقر في العهد النبوي (الصُّفَّة نموذجًا)، واحتوى على مقدِّمة، وفصل تمهيدي، وفصلين يندرج تحتَها عددٌ من المباحث والمطالب، وخاتمة، وتوصيات. يُناقش البحث وسائلَ معالجة الفقر في العهد النبوي، وبالتطبيق على أحد أهمِّ هذه الوسائل، وهو نموذج أهل الصُّفَّة الذي تطلَّبتْه مرحلة ما بعد الهجرة من مكَّة إلى المدينة وما نتَج عن ذلك من أسباب أدَّت إلى الفقر، وجاء نموذج الصُّفَّة كأحد أهمِّ الحلول النبويَّة لمعالجته، وتظهر مشكلةُ البحث من خلال طرْح التساؤلات التالية: أ- كيف تمَّت محاربةُ الفقر في العهد النبويِّ عبْرَ نموذج الصُّفَّة؟ ب- هل أثبت نموذجُ الصُّفَّة فعاليتَه في محاربةِ الفقر في العهد النبويِّ؟ ج- هل يُمكِن تطبيقُ نموذج الصُّفَّة في العصر الحاضر؟ وبأيِّ كيفيَّة ووسيلةٍ؟ ويقوم البحثُ- بعون الله وتوفيقه- على المنهجِ الوصفيِّ والتحليليِّ والاستنباطي، الذي يعتمد على دراسة نموذج أهل الصُّفَّة بِوَصْفِه كما كان في عهد الرسول ﷺ ، ومعرفة كيفيَّة مُعالَجَة النموذج للفقر، وتحليل مدى نجاحه وكفاءته؛ ليتمَّ الاستنباطُ عن مدى إمكانية التطبيقِ المُعاصِرِ له وخلَص الباحثُ إلى نجاحِ نموذج أهل الصُّفَّة في تحقيق أهدافه، وتحقيقه لأهمِّ مقاصد الشريعة، وكفاءته الاقتصاديَّة والتوظيفية والتنظيمية، وتحقيقه لنموذجٍ فريدٍ للمعادلة الرياضية المتضمِّنة وجودَ علاقة طردية بين زيادة الموارد وتحقق الأهداف، بينما حقَّق نموذجُ أهل الصُّفَّة إمكانية تحقق معادلة طردية بين نقص الموارد وتحقق الأهداف، وإمكانية تطبيق

стр. 3

- هـ - النموذج في العصر الحاضر وممَّا أوصى به الباحث: ١. ضرورة التأصيل العلمي لمناهج الاقتصاد الإسلامي بالرجوع للقرآن الكريم والهدي النبوي. ٢. القيام بالمزيد من الأبحاث التطبيقية الاقتصادية للعهد النبوي. ٣. ربط الدراسات الاقتصادية بالعقيدة الإسلامية الصحيحة. ٤. أن تتضمَّن بحوث قياس الكفاءة الاقتصادية معايير النجاح الأخروي وما يحقِّقُه الفرد لدينه ووطنه وأمَّته. ٥. إعداد دراسات تتعلَّق بمدى تحقق العلاقة الطردية بين نقص الموارد وتحقيق الأهداف. ٦. حث الدعاة وطلبة العلم توضيح الفرق بين التصوف وأهل الصُّفَّة. ٧. إعداد دراسات تطبيقية للوسائل الأخرى لمعالجة الفقر في العهد النبوي وكيفيَّة تطبيقها في العصر الحاضر. ٨. التوصية بتطبيق النموذج في المساجد بشكل مباشر وإعداد دراسات أخرى عن إمكانية تطبيق النموذج في معسكرات اللاجئين والسجون والأسواق المركزية وتهيئتها للتطبيق أسوة بالنموذج. ٩. دراسة واستخلاص النظريات الاقتصادية من أقول الرسول الكريم ﷺ . ١٠. دراسة واستخلاص النظريات الاقتصادية للصحابة رضوان الله عليهم، كونها نتاج تربية وتنمية فكرية رعاها الرسول الكريم ﷺ .

стр. 4

- و - إهداء إلى والديَّ أطال الله في عمرهما على طاعته وإلى زوجتي وأولادي الذين تحمَّلوا تقصيري في حقِّهم طيلةَ أيام الدِّراسة والبحث إلى إخوتي وأخواتي إلى مشايخي إلى أقاربي إلى زُملائي إلى كل مسلم ومسلمة وإلى كلِّ مَن ساعدني في إنجاز هذا البحث أُهدي هذا الجهدَ المتواضِع

стр. 5

- ز - شكرٌ وتقديرٌ إذا لم يكُن عونٌ من الله للفتَى ... فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُه فالحمدُ لله العليم الكريم، والشُّكر والفضل والمنَّة له وحْدَه، أحمده حمدًا وثناءً يليق بجلالِ وجهه وعظيم سُلطانه والصَّلاة والسلام على خيرِ البريَّة نبينا محمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام والشُّكر بعدَ شُكر الله للجامعة الإسلامية وكلية الشريعة وقسم الإقتصاد الإسلامي ورئيسه الشيخ الدكتور /مسلم الفزي، وللمشرِف على هذا البحث الدكتور الفاضل/ عز الدين بن مالك الطيب محمد أستاذ الاقتِصاد الإسلامي في كليَّة الشريعة بالجامعة الإسلاميَّة والشُّكر موصولٌ لأعضاء لجنة المناقشة الموقَّرين أسال اللهَ الكريم أن يحفظَهم ويُديم عليهم الصحةَ والعافية، وأن يبارك في عمرِهم وعملِهم والشُّكر والتقديرُ موصولٌ لكل مَن أسهم في إنجاز هذا البحثِ بأيِّ إسهام كان فجزَى اللهُ الجميعَ خيرَ الجزاء.

стр. 6

- حـ - المقدِّمة الحمدُ لله ربِّ العالَمين، والعاقبةُ للمتَّقين، ولا عُدوانَ إلَّا على الظالمين، وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وحْده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم. وبعدُ فيُعاني المجتمعُ العالميُّ من مشكلةِ الفقر، ويُحاول جاهدًا البحثَ عن حلول جادَّة للقضاء عليه أو التقليل من آثارِه، كما أنَّ الإحصائيات الرسميَّة للمنظَّمات الدوليَّة تُنذر بوقوعِ كارثةٍ إنسانيَّة جرَّاءَ النموِّ المطَّرد لأعداد الفُقراء في العالم، وفي خِضَمِّ هذا البحث كان لزامًا علينا- كمُسلمين- أنْ نبحثَ عن هذه الحلول في التراث الإسلاميِّ العظيم، وفي هَدْي الرسول الكريم ﷺ ، الذي أقام في صدْر الإسلام دولةً متطوِّرة مكتملةَ الأركان، وكان من أهمِّ الأُسس الاقتصادية التي أقامها محاربةُ الفقر عبْرَ نماذجَ عِدَّة؛ منها: (المؤاخاة، والتوزيع العادِل للثروة، ونموذج الصُّفَّة محلُّ بحثنا هذا)، ونماذج أخرى كثيرة اتَّسمتْ بالطَّابع الاقتصادي الإسلامي، ممَّا يَفرِض علينا الغوصَ في أعماقِ هذا الفِكر الاقتصاديِّ المتقدِّم. ولَمَّا كان لزامًا عليَّ البحثُ عن موضوع لإكمالِ مُتطلَّبات الحصولِ على درجة العالميَّة في قِسم الاقتصاد الإسلامي، وبعد البحث في النموذج الاقتصاديِّ الإسلامي الأصيل، وبعدَ استشارة مشايخي وأساتذتي؛ وقَع اختياري على موضوع أسميتُه: «وسائِل مُعالَجة الفقرِ في العهدِ النبويِّ (الصُّفَّة نموذجًا)» كإحدى وسائل مُحاربةِ الفقر؛ لدِراسته من جميع جوانبِه، وتقييمه، ومعرفة إمكانية تطبيقه في العصرِ الحاضر وَفقَ التقسيم المشار له أدناه. الأهميَّة العِلميَّة للموضوع: يُسهِمُ البحث الحالي في: ١ - إبراز الفِكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ، وقُدرته على حلِّ المشاكِل الاقتصادية وتحليلها.

стр. 7

- ط - ٢ - مَعرِفة طُرُق محاربةِ الفقر في العهد النبويِّ. ٣ - إمكانية التطبيق المعاصِر لهذه الطُّرُق؛ ومنها: نموذج أهل الصُّفَّة. أسبابُ اختيارِ الموضوع: ١ - العملُ على إبرازِ مزايا الفِكر الاقتصاديِّ النبويِّ، وإظهارها للمجتمع. ٢ - انصراف الاقتصاديِّين في بُحوثهم إلى النظريات الاقتصاديَّة الحديثة، دون الاتِّجاهِ إلى ما في الإسلامِ من حلول. ٣ - زيادة عددِ الفقراء في العالَم. (١) الدراسات السابقة: ١ - أصحاب الصُّفَّة: أبو تراب الظاهري، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، اقتصر المؤلف ﵀ على تعداد أسماء أهل الصفة فقط. ٢ - رجحان الكفَّة في بيان نُبذة من أخبار أهل الصُّفَّة: الحافظ محمد بن عبدالرحمن السخاوي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، وأحمد الشقيرات، دار السلف، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، تضمن أخبار أهل الصُّفَّة إلا إنها لم تكن ذات طابع اقتصادي. ٣ - أهل الصُّفَّة ودورهم في انتشار الإسلام: تنيضب الفايدي، مكتبة المغامسي، المدينة، ١٤٣٥ هـ، تضمن شرح لأدوار أهل الصُّفَّة في نشر الاسلام وترجمة لعدد كبير منهم. ٤ - أهل الصُّفَّة بعيدًا عن الوَهْم والخيال؛ صالح احمد الشامي، دار القلم، دمشق ١٤١٢ هـ، (ص: ٥٩)، تضمن نقض الاوهام والأخبار غير الصحيحة عن أهل الصُّفَّة وشرح لبعض أحوالهم.

стр. 8

- ي - ٥ ـ الصُّفة تاريخها- أصحابها، دراسة تاريخية توثيقية، محمود محمد حمو، بحث منشور في مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة-العدد (٢٩)، وهي دراسة متميزة جداً عن أهل الصُّفَّة وقد كانت مرجعاً هاماً لهذا البحث وساعدت الباحث في الوصول للمراجع الأخرى لا سيما في تراجم أهل الصفة وتعريفها ومكانها وتاريخها، وتختلف عن بحثنا هذا بكونها ليست دراسة إقتصادية متخصصة ولم تتضمن جميع المصادر الاقتصادية لأهل الصُّفَّة إضافة إلى عدم تطرقها لتقويم نموذج أهل الصُّفَّة من الناحية الاإقتصادية. كما يوجد دراسات أخرى قديمة وحديثة تناولت أهل الصُّفَّة إلا أننا لم نجد من خلال بحثنا أي دراسة إقتصادية متخصصة لأهل الصُّفَّة، بينما ستختصُّ هذه الدراسة بالجانبِ الاقتصاديِّ للموضوع بعون الله وتوفيقه. وتتحدد المشكلة في محاولة الإجابة عن التساؤلات التالية: ١ - كيف تَمَّتْ مُحاربة الفقر في العهد النبوي عبر نموذج الصُّفَّة؟ ٢ - هل أثبت نموذج الصُّفَّة فعاليته في محاربة الفقر في العهد النبوي؟ ٣ - هل يمكن تطبيق نموذج الصُّفَّة في العصر الحاضر؟ وبأي كيفيَّةٍ ووسيلةٍ؟ حدود البحث: الحدود الزمانية: دراسة نموذج أهل الصُّفَّة في العهد النبوي. الحدود المكانية: دراسة الحالة الاقتصادية للمسلمين بعد الهجرة في المدينة المنورة وخصوصاً أهل الصُّفَّة منهم. أهداف الدراسة: ١ - الكَشْف عن محاسن الاقتصاد الإسلامي، وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان.

стр. 9

- ك - ٢ - الكَشْف عن نموذج الصُّفَّة كأحد الحُلول لمُحارَبة الفَقْر في العَهْد النبَوي، ودراسته بشكل متعمِّقٍ. ٣ - معرفة إمكانية التطبيق المعاصر لنموذج الصُّفَّة، كأحد وسائل مُحارَبة الفقرِ. خطة البحث: تتكوَّن خُطة البحث مِن: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة، وفهارس، وذلك على النحو التالي: المقدمة: وتشتمل على الافتِتاحِيَّة، والأهمية العِلْمِيَّة للموضوع، وأسباب اختيار الموضوع، والدِّراسات السابقة، ومشكلة البحث، وحُدود البحث، وأهداف البحث، وخُطَّة البحث، ومنهج البحث. الفصل التمهيدي: في شرح مفردات العنوان (الفقر، وسائل معالجته في العَهْد النبَوي، أهل الصُّفَّة): المبحث الأول: حالة الفقر في العَهْد النبَوي، وفيه ثلاثةُ مَطالب: المَطْلَب الأولُ: مَاهِيَّة الفقر في الإسلام. المَطْلَب الثاني: أسباب الفقر في العَهْد النبَوي. المَطْلَب الثالث: الحالة الاقتِصاديَّة للمسلمين في المجتمع المَدَني. المبحث الثاني: وسائل مُعالَجَة الفقر في العَهْد النبَوي، وفيه ستةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: المُؤاخاة. المَطْلَب الثاني: الزَّكاة. المَطْلَب الثالث: الحَثُّ على الصدقة والتبَرُّع.

стр. 10

- ل - المَطْلَب الرابع: الحَثُّ على العمل. المَطْلَب الخامس: الوقف. المَطْلَب السادس: نموذج أهل الصُّفَّة. المبحث الثالث: التعريف بنموذج الصُّفَّة، وفيه أربعةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: التعريف باسم الصُّفَّة. المَطْلَب الثاني: تاريخ الصُّفَّة (بدايتها ونهايتها). المَطْلَب الثالث: مكان الصُّفَّة. المَطْلَب الرابع: أصحاب الصُّفَّة. الفصل الأول: الموارد الاقتِصاديَّة لأهل الصُّفَّة، وفيه ثلاثةُ مَباحِث: المبحث الأول: المصادر الذاتيَّة: المَطْلَب الأول: العمل. المَطْلَب الثاني: الغنائم. المبحث الثاني: المَصادر الرسمية: المَطْلَب الأول: مَصادر بيت المال. المَطْلَب الثاني: الزَّكاة. المبحث الثالث: المَصادر غير الرسميَّة. المَطْلَب الأول: الصدَقات والهِبات.

стр. 11

- م - المَطْلَب الثاني: الأوقاف. الفصل الثاني: تقويم نموذج الصُّفَّة وإمكانية تطبيقه، وفيه مَبحثان: المبحث الأول: تقويم كفاءة نموذج الصُّفَّة، وفيه ثلاثةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: الكَفاءَة الاقتِصاديَّة. المَطْلَب الثاني: الكَفاءَة التَّوْظيفيَّة. المَطْلَب الثالث: الكَفاءَة التنظيمية. المبحث الثاني: إمكانية التطبيق المُعاصِر، وفيه ثلاثةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: المساجد. المَطْلَب الثاني: مُعَسْكَرات اللاَّجئين. الخاتمة: وفيها ذكرُ أهم النتائج والتوصيات.

стр. 12

- ن - الفهارس: أولًا: فهرس الآيات القرآنيَّة. ثانيًا: فهرس الأحاديث والآثار. ثالثًا: قائمة المَصادر والمراجع. رابعًا: فهرس الموضوعات. منهج البحث: أولًا: يقوم البحثُ- بعون الله وتوفيقه- على منهج دراسة الحالة والمنهج الاستنباطي، الذي يعتمد على دراسة نموذج أهل الصُّفَّة بِوَصْفِه كما كان في عهد الرسول ﷺ ، ومعرفة كيفيَّة مُعالَجَة النموذج للفقر، وتحليل مدى نجاحه وكفاءته؛ ليتمَّ الاستنباطُ عن مدى إمكانية التطبيقِ المُعاصِرِ له. ثانيًا: منهج التعليق والتهميش سيكون على النحو التالي: • عزْوُ الآيات القرآنيَّة إلى سُوَرِها؛ بذِكْر اسم السورة، ورقْمِ الآية، مع كتابتها بالرَّسْم العُثماني. • وضع الأحاديث الشريفة بين قوسين مزدوجين هكذا «...». • تخريجُ الأحاديثِ الشريفةِ الواردة في البحث مِن كُتُب السُّنَّة، فإن كان في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بتخريجه منهما؛ بذِكْرِ الكتاب، والباب، ورقْم الحديث، والجزء والصفحة، وإن لم يكنْ فيهما اجتهدتُ بتخريجه من مَظَانِّه، مع ذِكْر كلام أهل العلم عليه صِحَّةً وضَعْفًا. • ترجمة مختصرة للأعلام الذين تَرِدُ أسماؤهم في صُلْبِ البحث.

стр. 13

-س - • توثيق نُصوص العلماء وآرائهم مِن كُتُبِهم مباشرةً. • توثيق الإحْصائيَّات المُتَعَلِّقة بالمشروع، وعمل الجداول اللازمة، حسب ما تَقْتَضِيه طبيعةُ البحث. • التعريف بالمُصْطَلَحات والكلمات الغريبة الورادة في البحث. • الالْتِزامِ بعلامات الترقيم، وضبط ما يحتاج إلى ضبطٍ. • ذِكْر خاتمة البحث. • وَضْع الفهارس الفنِّيَّة اللازمة- كما في الخطة. • وَضْع المَلاحق ذات العلاقة بالدراسة- إنْ وُجِدَتْ.

стр. 14

الفصل التمهيدي: في شرح مفردات العنوان (الفقر، وسائل معالجته في العَهْد النبَوي، أهل الصُّفَّة): المبحث الأول: حالةُ الَفْقر في العَهْد النبَوي، وفيه ثلاثةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: مَاهِيَّةُ الفقر في الإسلام. المَطْلَب الثاني: أسباب الفقر في العَهْد النبَوي. المَطْلَب الثالث: الحالةُ الاقتِصاديَّة للمسلمين في المجتمع المَدَني. المبحث الثاني: وسائل مُعالَجَة الفقر في العَهْد النبَوي، وفيه سِتَّةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: المُؤاخاة. المَطْلَب الثاني: الزَّكاة. المَطْلَب الثالث: الحَثُّ على الصدَقة والتبَرُّع. المَطْلَب الرابع: الحَثُّ على العمل. المَطْلَب الخامس: الوقف. المَطْلَب السادس: نموذج أهل الصُّفَّة. المبحث الثالث: التعريف بنموذج الصُّفَّة، وفيه أربعةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: التعريف باسم الصُّفَّة. المَطْلَب الثاني: تاريخ الصُّفَّة (بدايتها ونهايتها). المَطْلَب الثالث: مكان الصُّفَّة. المَطْلَب الرابع: أصحاب الصُّفَّة.

стр. 15

المبحث الأول: حالةُ الَفْقر في العَهْد النبَوي وفيه ثلاثةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: مَاهِيَّة الفقر في الإسلام الفقيرُ هو: مَن ليس له مالٌ ولا كَسْبٌ لائق به، يقَع مَوْقِعًا مِن كفايته؛ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ، ومَلْبَسٍ ومَسْكَنٍ، وسائر ما لا بُدَّ منه لنفسه، وما تَلْزَمُه نَفَقَتُه مِن غير إسرافٍ ولا تَقْتيرٍ، كمَن يحتاج إلى عشرة ريالات كلَّ يوم، ولا يجد إلا أربعةً أو ثلاثةً أو ريالين، أما المسكينُ فقد اختلف العلماءُ في تعريفه على أقوالٍ، ومِن أشهرها: أنه الذي يَمْلِك قوت يومه، ولكن لا يَكْفِيه، وذَكَر بعضُهم أن المسكين والفقير بمعنًى واحدٍ، وهذا له حظٌّ مِنَ النظر لو ورَد لفْظُ المسكين في سياقٍ مُنفردًا عن الفقير، أما لو اجتمع لفظُ المسكينِ والفقيرِ فلا بد من التفريق بينهما في المعنى، وقد اختلف العلماءُ حول الفقير والمسكين اختلافًا كثيرًا؛ فذهب أبو يوسف صاحبُ أبي حَنِيفَةَ، وابنُ القاسم مِن أصحاب مالك إلى أنهما صِنْفٌ واحدٌ، وخالَفَهما الجمهورُ (١). وذَكَر الطَّبَرِيُّ في تفسيره أن المراد بالفقير: المحتاج المُتَعَفِّفُ عن المسألة، والمسكينُ: المحتاجُ السائل (٢)؛ كما قال تعالى في شأن اليهود: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ (٣). وذكَر "شيخي زَادَهْ" في كتابه مَجْمَع الأَنْهُر أنَّ الفقيرَ والمسكينَ عند الحَنَفِيَّة والشافِعِيَّة هو

стр. 16

مَن يَمْلِك شيئًا دون النِّصابِ الشرعيِّ في الزَّكاة (١). والمِسْكين مَنْ قَدَر على مالٍ أو كَسْبٍ حلالٍ لائقٍ (يقَع موقعًا مِن كِفايته)، وكفايةِ مُمَوِّنِه مِن مَطْعَمٍ وغيرِه، (ولا يَكْفِيه)، كمَنْ يحتاج عشرةً فيجد سبعةً أو ثمانيةً، وإن ملَك نِصابًا أو أنصباء، ومِن ثَمَّ قال في الإحياء: قد يَمْلِك ألفًا وهو فقيرٌ! وقد لا يَمْلِك إلا فأسًا وحَبْلاً وهو غنيٌّ! ولا يَمْنَع المسكنةَ المَسْكَنُ، والمُعْتَمَدُ أنَّ المرادَ بالكفاية هنا كفايةُ العُمر الغالب، نظير ما يأتي في الإعطاء، وإن فَرَّقَ بينهما فلا يقال: يَلْزَم على ذلك أخْذُ أكثر الأغنياء بل الملوك مِن الزَّكاة! لأنَّا نقول: مَن معه مالٌ يَكْفيه رِبْحُه، أو عقارٌ يكفيه دَخْلُه- غَنِيٌّ، والأغنياءُ غالِبُهم كذلك فضلاً عن الملوك، فلا يلزم ما ذُكِرَ، وقد عُلِمَ مِن ذلك أن المِسْكينَ أحسنُ حالاً مِن الفقير، خِلافًا لِمَنْ عكَس، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (٢)؛ حيث سَمَّى مالكيها مَساكينَ؛ فدَلَّ على أن المِسْكينَ مَنْ يَمْلِك ما لا يكْفيه (٣). ولا يُخْرِجُ الفقيرَ أو المِسْكينَ عن فَقْرِه ومَسْكَنَتِه أن يكونَ له مَسْكَنٌ لائقٌ به، مُحتاجٌ إليه، ولا يُكلَّف بيعه لِيُنفقَ منه، ومَن له عَقارٌ يَنْقُص دَخْله عن كفايته فهو فقيرٌ أو مِسكينٌ، نعم لو كان نفيسًا بحيثُ لو باعه استطاع أن يشتريَ به ما يَكْفيه دَخْلَه- لَزِمَهُ بيعُه فيما يظهر، ومِثْل المسكنِ فإنِ اعتاد السكنَ بالأُجرة ومعه ثمنُ مسكنٍ، أو له مسكنٌ: هل يَخْرُج عن الفقر بما معه؟ أجاب في نهاية المحتاج بالإيجاب، وخالفَهُ غيرُه، وكذلك حُليّ المرأة اللائقِ بها، المحتاجة للتزيُّن به عادةً، لا يُخرجها عن الفقر والمسكنة، وكذا كُتُب العلم التي يحتاج إليها ولو نادرًا كمرَّةٍ في السنة، سواء أكانتْ كتبَ عِلْمٍ شرعيٍّ؛ كالفقه، والتفسير،

стр. 17

والحديث، واللغة، والأدب، أو علمًا دنيويًّا نافعًا؛ كالطبِّ لِمَنْ كان مِن أهله، ونحو ذلك، وكذا آلاتُ الحِرْفة، وأدوات الصنعة، التي يحتاج إلى استعمالها في صَنْعتِه، كما لا يخرجه عن الفقر والمسكنة مالُه الذي لا يَقْدِر على الانتفاع به، كأن يكونَ في بلدٍ بعيدٍ، لا يتمكَّن مِن الحصول عليه. أو يكون حاضرًا ولكن حِيلَ بينه وبينه، كالذي تَحْجزه الحكوماتُ المُسْتَبِدَّةُ، أو تَضَعُه تحت الحراسة، وما شابه ذلك. ومثل ذلك دُيُونُه المُؤَجَّلة، لأنه الآن مُعْسرٌ، إلى أن يحلَّ الأَجَلُ (١). المَطْلَب الثاني: أسباب الفقر في العَهْد النبَوي إنَّ القارئ لكُتُب السِّيرة يعلم أنَّ الأنصارَ قدَّموا كلَّ ما يستطيعون لإخوانهم المهاجرين ومن ذلك مؤاخاتهم لهم في الأهل والمال، ولقد استمرَّ عطاؤعم طيلةَ حياة النبي ﷺ ، حتى جاء الخيرُ وعَمَّ في أواخرها، وشهد الله سبحانه بكرمهم وإيثارهم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). ولقد أسهم القادرون من المهاجرين- مِن أمثال: أبي بكرٍ وعُمَر وعثمان وعبدالرحمن بن عوف- وبَذَلُوا، وقدَّموا الشيءَ الكثيرَ، مما هو مذْكورٌ في كُتُب السيرة، بل قد أسهم كلُّ قادرٍ حتى ولو كان الشيء الذي يُقَدِّمُه قليلاً؛ فكان النبيُّ ﷺ عندما يَحُضُّ على الصدقة- كما يقول ابنُ مسعود-: ((ينطلق أحدُنا إلى السُّوق، فيحامل فيُصيب المدَّ ...)) (٣)، ثم يأتي ليتبَرَّع به (٤).

стр. 18

وعليه، فقد قدَّم كلُّ قادر على العطاء ما يستطيع، ولم يكن الضيقُ ناتجًا عن تقصيرٍ أو كسلٍ أو بُخْلٍ، وإنما هي ظروفٌ اقتَضَتْها طبيعةُ هذه المرحلة مِن حركة الدعوة (١)، ومِن ذلك ما أخرجه محمد بن سعد، عن مَخْرَمة بن سليمان الوالبي، أخبرني الأَعْرَج، عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ كان يجوع، قلتُ لأبي هُرَيْرَة: وكيف ذلك الجوعُ؟ قال: «لكثرة مَنْ يَغْشاهُ وأضيافه، وقومٌ يَلْزَمُونه لذلك، فلا يأكل طعامًا أبدًا إلا ومعه أصحابُه، وأهلُ الحاجة يتتبَّعُون من المسجد، فلما فتح الله خَيْبَرَ اتسع الناسُ بعضَ الاتِّساع، وفي الأمر بعدُ ضيقٌ، والمعاشُ شديدٌ فهي بلادُ ظلَفٍ لا زرع فيها، إنما طعامُ أهلِها التمرُ، وعلى ذلك أقاموا، قال مَخْرَمَةُ بنُ سليمانَ: وكانت جَفْنَةُ (٢) سعدٍ تَدُور على رسول الله ﷺ منذ يوم نزل المدينة في الهجرة إلى يوم تُوُفِّي، وغيرُ سعد بن عُبادة من الأنصار يَفْعَلُونَ ذلك، فكان أصحابُ رسولِ الله ﷺ كثيرًا يتواسون، ولكن الحقوق تَكْثُر، والقُدَّامُ للمدينة يَكْثُرون، والبلادُ ضيقةٌ، ليس فيها مَعاشٌ إنما تخرج ثَمرتُهم من ماءٍ ثمرٍ يحمِلُه الرجالُ على أكتافهم أو على الإبلُ،، وربما أصاب نَخْلَهم القُشامُ (٣)، فيُذهِبُ ثَمرتَهُم تلك السنة» (٤). فإنَّ هذا النصَّ لَيَصِفُ أسبابَ الشِّدَّة، ويؤكِّد عدم التقصير في البذْل والعطاء، ومن الأسباب ما يلي: ١ - أن المدينةَ بلد زراعيٌّ، وزراعتُه تقوم على النَّخيل بالدرجة الأولى، وإن المَزَارِعَ تُسقى بالماء الذي يَحْمِلُه الرجال على أكتافهم أو تَحْمِلُه الإبل، وهو أمرٌ صعبٌ؛ فليس هناك مِن أنهار

стр. 19

تَسقي المَزارع كما في البلاد الزراعية الأخرى، وإذا أصاب القُشامُ الثمرةَ فقد ذهب موسمُ ذلك العام، والميدانُ الزِّراعيُّ مجالُه مَحدودٌ، والأيدي العاملةُ التي يستهلكها قليلةٌ، خاصة وأن الزراعة الأولى هي النَّخيل، والعمل فيها مواسمُ محدودة (١). ٢ - كثرة الوافدين والقادمين؛ مما ينشأ عنه كثرةُ الحقوق والالْتِزامات، وكلُّ قادمٍ يحتاج إلى أمرين تامَّيْن: السكنِ له ولأسرتِه، وتأمينِ مَوْرِد رزقٍ له، ولم يكنْ هذا بالأمرِ بالسَّهْل، وكمثالٍ لكثْرة أعداد القادمين وعدم قُدرة المدينة على استيعابهم ومثال ذلك قصةُ وفْدِ مُزَيْنَةَ؛ فقد كان أول مَن وفَد على رسول الله ﷺ مِن مُضَر أربعمائة مِن مُزَيْنَةَ، وذاك في رجب سنة خمس، فجعل لهم رسولُ الله ﷺ الهجرةَ في دارهم: «أنتم مهاجرون؛ حيثُ كنتم فارجعوا إلى أموالكم» (٢)، فقد ردَّهم رسولُ الله ﷺ إلى بلادهم وهو أحْوَجُ ما يكون لهم؛ مِن أجْلِ الدفاع عن المدينة، وما ذاك إلا لأنه رأى عدم القدرة الاستيعابيَّة للمدينة على تقبُّل تلك الأعداد الكبيرة دفعةً واحدةً للظُّروف الاقتِصاديَّة القائمة (٣). ٣ - أنَّ المهاجرين- وغالبيَّتُهم مِن قريش- لا يُتقنون غير التجارة عملاً، ولم يكن فيهم مَن يُحْسِنُ الصنعات المختلفة؛ وذلك لاحتقار العربي يومئذٍ للصنعة، وأنه يرى فيها عملَ الأرِقَّاء والعبيد، وهذا يجعل من القادمين عاطلين عن العمل لفترة من الزمن على الأقل، ريثما يتعرَّفون على أوضاع البلد، ومع هذا فالمدينة ليست البلد الكبير الذي يستوعب ذلك العدد مِن التجَّار (٤). ٤ - أن المدينةَ عاشتْ في أكثر أيام الرسول ﷺ في حالة حرب، والحربُ تُنهك الاقتصاد،

стр. 20

وتُذْهِبُ بالثروات، وفي كثيرٍ مِن الأحيان كان يتوفر وجودُ مُقاتلين ولا يوجد المال الذي يُجَهِّزهم للوصول إلى أرض المعركة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١). ٥ - كان للمدينةِ مع مكةَ حركةٌ تجارية قبل الهجرة وتوقفتْ هذه الحركةُ بعد الهجرة،، مما أثَّرَ بِدَوْرِه على النشاط الاقتصاديِّ (٢). ٦ - الهِجرةُ مِن مكة إلى المدينة بحدِّ ذاتها، وترْكُ المهاجرين لأموالهم، أو غالب أموالهم في مكةَ، إما لعدم استِطاعَة حَمْلها كلها، أو لمساومة كفار قريش على أموالهم ليخلوا سبيلهم للهجرة، ومِن ذلك الحديثُ الذي رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «قال رسول الله ﷺ للأنصار: إن إخوانكم قد تركوا الأموالَ والأولادَ وخرجوا إليكم؛ فقالوا: أموالنا بيننا قطائع؛ قال رسول الله: أوغير ذلك؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العلم، فتكفونهم وتقاسمونهم التمر؛ قالوا: نعم» (٣). المَطْلَب الثالث: الحالة الاقتِصاديَّة للمسلمين في المجتمع المَدَني تُظهر كُتُب السيرة أن الحالة الاقتِصاديَّة العامة في المدينة كان فيها مِن ضيقِ العيش الشيءُ الكثيرُ، ويتضح ذلك مِما يلي:

стр. 21

أولًا: حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (مكث النبي ﷺ وأصحابه يحفرون الخندق ثلاثًا ما ذاقوا طعامًا؛ فقالوا: يا رسول الله، إن ها هنا كُدْيَةً من الجبل، فقال رسولُ الله ﷺ : «رشُّوا عليها الماء» فرشوها؛ ثم جاء النبي ﷺ فأخذ المِعْوَلَ أو المِسْحاة، ثم قال: «بسم الله»، ثم ضَرَبَ ثلاثًا، فصارتْ كثيبًا يُهال، قال جابر: فحانتْ مني الْتِفاتة، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ قد شَدَّ على بطنه حجرًا)! وفي لفظٍ آخرَ: (لما حفر النبيُّ وأصحابه الخندق أصاب النبي والمسلمين جهدٌ شديدٌ، فمَكثوا ثلاثًا لا يجدون طعامًا؛ حتى ربط النبيُّ على بطنه حجرًا من الجوع) (١). وفي رواية الطبَراني قال: (لما حفر النبيُّ ﷺ الخندق أصاب المسلمين جوعٌ شديدٌ، حتى ربط النبيُّ ﷺ على بطنه صخرةً مِن الجوع، فانطلقتُ إلى أهلي فقلتُ: قد رأيتُ في وجه رسولِ الله ﷺ وأصحابه الجوعَ، فذبحتُ عَناقًا لنا؛ وأمرتُ أهلي فخبزوا شيئًا مِن شعير كان عندهم، وطبخوا العَناقَ، ثم دعوتُ النبيَّ ﷺ فأخبرتُه بالذي صنعتُ، فقال: «فانْطَلِقْ فهَيِّئ ما عندك حتى آتيك»، فذهبتُ فهَيَّأْتُ ما كان عندنا، فجاء رسولُ الله ﷺ والجيشُ جميعًا؛ فقلتُ: يا رسول الله، إنما هي عَناقٌ جعلتُها لك ولنفرٍ مِن أصحابك، فقال رسولُ الله ﷺ : «ائتِ بقَصْعةٍ»، فأتيتُه بقَصْعَةٍ؛ ثم قال: «ائدِمْ فيها»، ثم دعا عليها بالبركة؛ ثم قال: «بسم الله»، ثم قال: «أدْخِلْ عشرةَ رجالٍ» ففعلْتُ، فإذا طعِمُوا وشبِعُوا خرَجُوا، وأدخلتُ عشرةً أخرى، حتى

стр. 22

بلَغ الجيشُ جميعًا، والطعامُ كما هو) (١). ثانيًا: حديث أنس بن مالك ﵁ الذي جاء فيه: أنَّ أبو طَلْحَة قال لأُمِّ سُلَيْمٍ: لقد سمعتُ صوتَ رسول الله ﷺ ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ؟ قالتْ: نعم، فأخرجَتْ أقراصًا مِن شعير، ثم أخرجتْ خِمارًا لها، فلفَّت الخبزَ ببعضه، ثم دسَّتْه تحت يدي ولاثَتْنِي ببعضه، ثم أرسلتْني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبتُ به، فوجدتُ رسولَ الله ﷺ في المسجد، ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسولُ الله ﷺ : «أأرسلك أبو طَلْحَة» فقلتُ: نعم، قال: «بطعام»، فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: «قوموا»، فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئتُ أبا طَلْحَة فأخبرتُه، فقال أبو طَلْحَة: يا أم سليم، قد جاء رسولُ الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نُطعمهم؟ فقالتْ: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طَلْحَة حتى لقيَ رسول الله ﷺ ، فأقبل رسولُ الله ﷺ وأبو طَلْحَة معه، فقال رسول الله ﷺ : «هلمِّي يا أُمَّ سُلَيْمٍ، ما عندك» فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ فَفُتّ، وعصرتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فأدْمَتْهُ، ثم قال رسولُ الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: «ائذَنْ لعشرة» فأذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذنْ لعشرة» فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: «ائذنْ لعَشَرة» فأذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذَنْ لعشرة» فأكل القومُ كلُّهم وشبعوا، والقومُ سبعون أو ثمانون رجلاً!» (٢). ثالثًا: حديث أبي هُرَيْرَة ﵁ قال: كان أهل الصُّفَّة أضياف أهل الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال، والله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعْتَمِدُ بكَبِدي على الأرض مِن الجوع، وأشدُّ الحجَر على بطني من الجوع، ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمَرَّ بي

стр. 23

أبو بكر، فسألتُه عن آيةٍ مِن كتاب الله، ما أسأله إلا ليَسْتتبعني، فمَرَّ ولم يفعلْ، ثم مَرَّ بي عمرُ، فسألتُه عن آية من كتاب الله ما أسأله إلا ليستتبعني، فمَرَّ ولم يفعلْ، ثم مَرَّ أبو القاسم ﷺ فتَبَسَّم حين رآني وقال: «أبا هُرَيْرَة»، قلتُ: لبيك يا رسول الله قال: «الْحَقْ»، ومضى فاتبعتُه، ودخل منزله فاستأذنتُ فأذِن لي، فوجد قدَحًا مِن لبن، فقال: «مِن أين هذا اللبن لكم»؟ قيل: أهداه لنا فلان، فقال رسولُ الله ﷺ : «أبا هُرَيْرَة» قلتُ: لبيك، فقال: «الْحَقْ أهل الصُّفَّة فادْعُهم، وهم أضيافُ أهل الإسلام، لا يأوون على أهل ومال»، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناولْ منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، فأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، وقلتُ: ما هذا القدح بين أهل الصُّفَّة وأنا رسوله إليهم، فسيأمرني أن أُديرَه عليهم، فما عسى أن يُصيبَني منه، وقد كنت أرجو أن أصيبَ منه ما يُغنيني! ولم يكن بُدٌّ مِن طاعة الله وطاعة رسوله، فأتيتهم فدعوتهم، فلما دخلوا عليه فأخذوا مجالسهم، فقال: «أبا هُرَيْرَة، خُذ القدح وأعطِهم»، فأخذتُ القدَح، فجعلتُ أُناوله الرجل، فيشرب حتى يُروى، ثم يرده فأناوله الآخر حتى انتهيتُ به إلى رسول الله ﷺ ، وقد روى القوم كلهم، فأخذ رسول الله ﷺ القدح، فوضعه على يديه ثم رفع رأسه فتبسم، فقال: «أبا هُرَيْرَة، اشربْ»، فشربتُ ثم قال: «اشربْ»، فلم أزَل أشرب، ويقول: «اشربْ»، حتى قلتُ: والذي بَعَثَكَ بالحق ما أجد له مَسْلكًا، فأخذ القدح فحمد الله وسَمَّى ثم شرب؛ والحديث حسن صحيح (١).

стр. 24

المبحث الثاني: وسائل مُعالَجَة الفقر في العَهْد النبَوي وفيه ستةُ مَطالب: المَطْلَب الأول: المُؤاخاة ورد في السِّيَر أن المواخاة كانتْ مرتين؛ الأولى: بين المهاجرين بعضهم وبعض قبل الهجرة على الحق والمواساة، آخى بينهم النبيُّ ﷺ ، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزُّبير وابن مسعود، وبين عُبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقَّاص، وبين أبي عُبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطَلْحَة بن عبيد الله، وبين علي ونفسه ﷺ (١). ومن العلماء مَن يُنكر مواخاة المهاجرين لبعضهم، قال الحافظ ابن كثير: (أما مؤاخاة النبي ﷺ وعلي، فإن مِن العلماء مَن يُنكر ذلك، ويَمنع من صحته، ومستنده في ذلك أن هذه المُؤاخاة إنما شُرعتْ لأجل ارتفاق بعضهم من بعض، وليتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم، ولا مهاجري لمهاجري، كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، اللهم إلا أن النبي ﷺ لم يجعلْ مصلحة عليٍّ إلى غيره، فإنه كان ممن ينفق عليه من صغره في حياة أبيه، وكذلك أن يكونَ حمزة التزم بمصالح مولاه زيد، وكذلك ذِكْره مؤاخاة جعفر ومعاذ فيه نظَرٌ، لأن جعفرَ كان مهاجرًا بالحبشة) (٢). وقد مدح الله الأنصار في إيثارهم لإخوانهم المهاجرين، وأثنى عليهم بقرآنٍ يُتلى بسبب إيثارهم لإخوانهم المهاجرين ومواخاتهم لهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ

стр. 25

يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، وروى البخاريُّ في صحيحه عن أبي هُرَيْرَة قال: «قالت الأنصار: اقسمْ بيننا وبين إخواننا النخيلَ؟ قال: لا؛ قالوا: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا» (٢)، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «قال رسولُ الله ﷺ للأنصار: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، قال رسول الله: أوَغير ذلك؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العلم، فتكفونهم وتقاسمونهم التمر، قالوا: نعم» (٣). وذكر ابن عبد البَرِّ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) أنَّ بدرًا قطعت المواخاة بين الصحابة ﵃، فتكون هذه الآية ناسخة آية (بعضهم أولياء بعض)، وتكون تلك حينئذٍ مُبينة أمر ما كان قبل غزوة بدر (٥)، وكما هو معلومٌ أن نموذج المواخاة نموذجٌ اقتصاديٌّ لغرض إعادة توزيع الثروة، وأغراض التكافل الاجتماعي، اقتضتْه مرحلة ما بعد الهجرة، فكان الأنصاري يقسم شطر ماله لأخيه من المهاجرين، ويتضح بذلك أن هذا النموذج كان فعَّالاً في القضاء على الفقر في تلك المرحلة. المَطْلَب الثاني: الزَّكاة الزَّكاة في اللُّغة: الزيادة والنَّماء، فكلُّ شيء زاد عددًا، أو نما حجمًا؛ فإنه يقال: زكا، فيقال: زكا الزرع: إذا نما وطال، وأما في الشرع: فهي التعبُّد لله تعالى، بإخراج قدر واجبٍ شرعًا

стр. 26

في أموال مخصوصة لطائفة أو جهة مخصوصة (١). والعلاقةُ بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن الزَّكاة وإن كان ظاهرُها النقصَ- نقْص كمية المال- لكن آثارها زيادة المال، زيادة المال بركة، وزيادة المال كمية، فإنَّ الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطُر على باله إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣)، يُخْلِفُه: أي يأتي بخلفه وبدله. وقال النبي ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» ١، وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ، فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركةً فيما ينفقونه، وبركة فيما يبقى عندهم، وربما يفتح الله لهم أبواب رزقٍ يُشاهدونها رأي العين، بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله (٤). ولهذا كانت الزَّكاة في الشرع مُلاقية للزكاة في اللُّغة؛ منْ حيثُ النَّماءُ والزِّيادةُ. ثم إنَّ في الزَّكاة أيضًا زيادة أخرى، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزَّكاة من الأعمال الصالحة، والأعمالُ الصالحة تزيد في إيمان الرجل؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة من الإيمان، وأن الإيمان يزداد بزيادتها، وينقُص بنَقْصها، وهي أيضًا تزيد الإنسان في خلقه، فإنها بذْلٌ وعطاء، والبذلُ والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرَمُ والسخاء لا شك أنه خُلُقٌ فاضل كريم، بل إن له آثارًا بالغةً في انشراح الصدر، ونور القلب

стр. 27

وراحته، ومَن أراد أن يطَّلع على ذلك فليجربِ الإنفاق فسيجد الآثار الحميدة التي تحصُل له بهذا الإنفاق، ولا سيما فيما إذا كان الإنفاقُ واجبًا مؤكدًا كالزَّكاة، فإن الزَّكاة أحد أركان الإسلام ومَبانيه العِظام، وهي التي تأتي كثيرًا مَقْرُونة بالصلاة التي هي عَمود الإسلام، وهي في الحقيقة محكُّ تبين كون الإنسان محبًّا لما عند الله ، لأن المال محبوب إلى النفوس، وبذل المحبوب لا يمكن أن يكونَ إلا مِن أجل محبوبٍ يؤمن به الإنسانُ وبِحُصوله، ويكون هذا المحبوب أيضًا أحب مما بذَلَهُ (١). ومَصالح الزَّكاة وزيادةُ الإيمان بها وزيادة الأعمال وغير ذلك- أمرٌ مَعلوم، يحصُل بالتأمل فيه أكثر مما ذكَرْنا، وآثارُها على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ظاهرةٌ أيضًا؛ فإن فيها من مواساة الفقراء والقيام بمصالح العامة ما هو معلوم ظاهرٌ مِن مَصارف هذه الزَّكاة، فإنَّ الله قال في مَصارف هذه الزَّكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢) وهؤلاءِ الأصنافُ الثمانية منهم مَن يأخذها لدفع حاجته، ومنهم مَن يأخذها لحاجة المسلمين إليه، فالفقراءُ والمساكين والغارمون لأنفسهم هؤلاء يأخذون لحاجتهم، وكذلك ابن السبيل والرِّقاب، ومنهم من يأخذ لحاجة الناس إليه، كالغارم لإصلاح ذات البَيْن، والعاملين عليها، والمجاهدين في سبيل الله. فإذا عرَفنا أن توزيع الزَّكاة على هذه الأصناف يَحْصُل به دفع الحاجة الخاصة لمن يُعطاها، ويحصُل به دفْع الحاجة العامة للمسلمين، عرَفنا مدى نفعها للمجتمع، وفي الاقتصاد تتوزَّع الثروات بين الأغنياء والفقراء؛ بحيث يؤخذ من أموال الأغنياء هذا القدْر ليصرفَ إلى الفقراء، ففيه توزيعٌ للثروة؛ حتى لا يحدثَ التضخُّم من جانب، والبؤس والفقر من جانب آخر (٣). وفيها أيضًا مِن صلاح المجتمع ائتلافُ القلوب، فإن الفقراء إذا رأوا مِن الأغنياء أنهم

стр. 28

يَمُدونهم بالمال، ويتصدقون عليهم بهذه الزَّكاة التي لا يجدون فيها مِنَّةً عليهم، لأنها مفروضة عليهم من قِبَل الله- فإنهم بلا شك يحبُّون الأغنياء، ويألفونهم، ويرجون ما أمرهم الله به مِن الإنفاق والبذْل، بخلاف ما إذا شحَّ الأغنياء بالزَّكاة، وبَخِلوا بها، واستأثروا بالمال، فإن ذلك قد يولد العداوة والضغينة في قلوب الفقراء، ويشير إلى هذا ختْمُ الآيات الكريمة التي فيها بيان مصارف الزَّكاة بقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وبهذا يتضح دورُها الفَّعال في مُعالَجَة مشكلة الفقر في العَهْد النبَوي، واستجابة الصحابة رضوان الله عليهم لأمر الله ورسوله ﷺ في دفْعِها واضحةً وجلِيَّةً في السِّيَر. المَطْلَب الثالث: الحَثُّ على الصدقة والتبَرُّع ا. تعريف الصدقة: جاء في مُختار الصَّحاح: المتصدِّق الذي يُعطي الصدقة، والصدقة ما تُصُدِّق به على الفقراء (٢). وقد ورَدت في القرآن الكريم آياتٌ كثيرة في الحَثُّ على الإنفاق التطوعي، وجزاء المنفقين، من ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ

стр. 29

وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ووردتْ أدلة كثيرة عن النبي ﷺ تُبَيِّن فضلَ صدقة التطوُّع وتَحُثُّ عليها. ١ ـ فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصدقة لتُطْفِئ غضَب الربّ، وتدفع عن ميتة السُّوء) (٢). ٢ ـ عن أبي هُرَيْرَة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا ملكان ينْزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسكًا تلَفًا) (٣). ٣ ـ عن ابن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تُدْخِلُه على مسلم، أو تكشِف عنه كُربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرُد عنه جوعًا، ولأنْ أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحب إليَّ مِن أن أعتكفَ شهرًا، ومَن كف غضبه ستر الله عورته، ومَن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبَه رضًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يُثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزِلُّ الأقدام، وإن سوء الخلُق ليُفسد العمل كما يفسد الخلُّ العسل) (٤). وقد ورَد مِن سيرة الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في الاستجابة لهذه الآيات، وغيرها من الآيات والأحاديث الشريفة التي تَحُثُّ على الصدقة، ومن ذلك صدقة أبي بكر ﵁؛ فعن عمر بن الخطاب قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدَّق، فوافق ذلك عندي مالاً، فقلتُ: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئتُ بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر، ما أبقيتَ لأهلك؟ قال:

стр. 30

أبقيتُ لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا) (١)، ومن تصدق بماله أو نصفه أو بعضه فهو بكل تأكيد سيذهب ماله في إعادة التوزيع على الفقراء والمعدمين، وهذا مِن طرُق تخفيف آلام الفقر، والحمد لله رب العالمين. المَطْلَب الرابع: الحَثُّ على العمل لقد دعا الإسلام في البداية إلى كسْب المال بالجهد والعمل؛ فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ (٣). وتُبَيِّن لنا السنةُ النبوية أن العمل أشرف وسائل الكَسْب، فها هو النبي ﷺ يقول: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسْبِه، وإن ولده مِن كسبه» (٤)، وعن المِقدام بن معدِ يَكْرِب الزبيدي، عن رسول الله ﷺ قال: «ما كسب الرجل كسبًا أطيب مِن عمل يده، وما أنفق الرجل عن نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة» (٥)، وفي الحديث: «ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكلَ مِن عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل مِن عمل يده» (٦).

стр. 31

وعن أنس ﵁، أن رجلاً مِن الأنصار أتى النبي ﷺ ، يسأله، فقال: «أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: آتني بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: مَن يشتري هذين؟ قال رجل أنا آخذهما بدرهم، فقال: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثًا؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياها، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشترِ بأحدهما طعامًا، فأنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب وبعْ، ولا أرينك خمسة عشر يومًا، فاشترى ببعضها ثوبًا، وبعضها طعامًا، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصح إلا لثلاثة: لذي فقرٍ مدقع، أو لذي غرم مُفْظِع، أو لذي دم مُوجع» (١). إذًا حثُّ الرسول الكريم ﷺ على العمل وعلى عدم سؤال الناس- فيه دلالةٌ واضحةٌ على فعالية هذا الأسلوب في القضاء على الفقر، وغرس مفهوم الإنتاجية والاعتماد على النفس بدلًا من السؤال. المَطْلَب الخامس: الوقف لغة: الحبس، يقال: «وقَف الأرض للمساكين وقفًا؛ أي: حبسها (٢)، وفي الاصطلاح: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة (٣). وقد حبب الله للإنسان فعل الخير، وندب إلى ذلك، ومن ذلك الوقف بأنواعه؛ إذ هو من الصدَقات التطوعية الجارية المستمرة بعد وفاة الإنسان. ومن الأدلة على مشروعية الوقف: عن أبي هُرَيْرَة ﵁ قال: قال ﷺ : «إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا

стр. 32

من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). وقد روى ابن ماجه في سننه عن أبي هُرَيْرَة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن مِن عمله وحسناته بعد موته علمًا علَّمه ونشَره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته» (٢). جاء في المغنى بشأن الوقف ما يأتي: (الأصل فيه ما روى عبد الله بن عمر ﵁ قال: «أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال لرسول الله ﷺ : إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصبْ قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء والقُربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه» (٣). وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف؛ قال جابر ﵁: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذا مقدرة إلا وقف، وانتشر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعًا) (٤)، ومعلوم أن مصارف الوقف عادة ينال منها النصيب الأكبر الفقراء، فكانتْ من عوامل القضاء على الفقر في العَهْد النبَوي. المَطْلَب السادس: نموذج أهل الصُّفَّة وهو محلُّ دراستنا هذه، فلما زاد عدد المهاجرين وأصبحت المدينة موطنًا لكل من يريد

стр. 33

اللحاق بالرسول ﷺ ، لم يستوعبْ نموذج المُؤاخاة كل تلك الأعداد؛ فعمل رسول الله ﷺ نموذج الصُّفَّة لاستيعاب من لم يسعه نموذج المُؤاخاة، وتفيد المَصادر التاريخية أن معظم من نزل الصُّفَّة كانوا من فقراء المهاجرين الذين لم يجدوا مكانًا ينزلون فيه، وإن أول من نزلها مهاجرو مكة (١). ويختلف عدد من نزل الصُّفَّة باختلاف الأوقات والأحوال، وتفيد الروايات أنهم كانوا في أغلب الأحيان بين السبعين والمائة، وقد يزيدون على ذلك أو يقلون بحسب تبدُّل أحوالهم من زواج، أو عودة لأهل، أو يسر بعد عسر، أو شهادة في سبيل الله، ومجمل من نزل الصُّفَّة نحو ستمائة أو سبعمائة صحابي، وقد ورد في بعض الأحاديث أنهم كانوا عشرين رجلًا، وسبعين رجلًا، وثمانين رجلًا، وأكثر من مائة رجل (٢)، وقال الحافظ ابن حجر: وكانوا يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم، أو يموت، أو يسافر، وقد سرد أسماءهم أبو نُعَيْم في الحلية، فزادوا على المائة (٣). قال الحافظ ابن حجر: «وقد ورد في بعض الأحاديث ذكرُ عددهم، وليس المراد حصرهم في هذا العدد، وإنما هي عدة من كان موجودًا حين القصة المذكورة، وإلا فمجموعهم أضعاف ذلك» (٤). وقال ابن تيميَّة: (ولم يكن جميع أهل الصُّفَّة يجتمعون في وقت واحد، بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له، ويجيء ناس بعد ناس فكانوا تارة يقلون، وتارة يكثرون، فتارة يكونون عشرة أو أقل، وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر، وتارة يكونون ستين وسبعين، وأما جملة من أوى إلى الصُّفَّة مع تفرقهم فقد قيل: كانوا نحو أربعمائة من الصحابة، وقد قيل:

стр. 34

كانوا أكثر من ذلك، ولم يعرف كل واحد منهم (١). وتُشير المَصادر إلى أن جملة من نزل الصُّفَّة بلغوا نحوًا من ستمائة أو سبعمائة، إلا أن كتب التراجم والسير لم تُشِرْ إلا لما يقرب من مائة اسم، بل إن الروايات الثابتة لم تذكر إلا عددًا يسيرًا من أسمائهم، وبتتبع أسمائهم وجمعها بلغت مائة وعشرة أسماء (٢)، وكل هذه الأسماء ليس مُسلَّمًا بأنها من أهل الصُّفَّة، بل فيها اعتراض ومناقشة كما قال الحافظ ابن حجر (٣). وفيما يلي ترجمة موجزة لمن ورد ذكره في كتب التراجم أنه من أهل الصُّفَّة، مرتبة أسمائهم هجائيًّا: الأصم: اسمه عبد عمرو بن عدس بن عبادة العامري البكائي، وفد مع بني البكاء على رسول الله ﷺ سنة تسع، وسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن (٤)، هكذا ترجم له في أكثر مِن موضعٍ، وقد وجدت في موضع آخر في الطبقات الكبرى أن اسمه يزيد بن الأصم، وترجمته ما نصه: «اسمه: عبد عمرو بن عدس بن عبادة بن البكاء بن عامر بن صعصعة، وأمه برزة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر، وبرزة هي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وأخت لبابة بنت الحارث أم بني العباس بن عبد المطلب، وأخت لبابة الصغرى، وهي عصماء بنت الحارث أم خالد بن الوليد بن المغيرة، وكان ثقة كثير الحديث، وروى عن أبي هُرَيْرَة وابن عباس وخالته ميمونة زوج النبي ﷺ وغيرهم، وكان ينزل الرقة، مات سنة ثلاث ومائة في خلافة يزيد بن عبد الملك» (٥). أبو الدرداء:

стр. 35

واختلف في اسمه، فقيل: هو عامر، وعويمر لقب، حكاه عمرو بن الفلاس عن بعض ولده، وبه جزم الأصمعي في رواية الكديمي عنه، واختلف في اسم أبيه، فقيل: عامر، أو مالك، أو ثعلبة، أو عبد الله، أو زيد، وأبوه ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، قال أبو شهر، عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر، وشهد أحُدًا وأبلى فيها، قال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «نعم الفارس عويمر»، وقال: «هو حكيم أمّتي»، وقال الأعمش، عن خيثمة، عنه: كنتُ تاجرًا قبل البعث، ثم حاولت التجارة بعد الإسلام فلم يجتمعا، وقال ابن حبّان: ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر (١). روى عن النبيِّ ﷺ ، وعن زيد بن ثابت، وعائشة، وأبي أمامة، وفضالة بن عبيد، وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، وأبو إدريس الخولاني، وسويد بن غفلة، وجبير بن نفير، وزيد بن وهب، وعلقمة بن قيس، وآخرون (٢). أبو برزة: اسمه: نضلة بن عبيد بن الحارث الأسلمي، أسْلَم قديمًا، وشَهِد فتح خيبر، وفتح مكة وحنينًا، نزَل البصرة، وولده بها، ثم غزا خراسان، ومات بها سنة أربع وستين للهجرة، وروي عنه أنه قال: قتلتُ ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة (٣). ولم يزل أبو برزة يغزو مع رسول الله ﷺ إلى أن قُبِض، فتحوَّل إلى البصرة فنزلها حين نزلها المسلمون وبنى بها دارًا، وله بها بقية، ثم غزا خراسان فمات بها، ونقل عن الحسن بن حكيم

стр. 36

قال: حدثتني أمي أنها كانتْ لأبي برزة جفنة (١) من ثريد غدوة وجفنة عشية للأرامل واليتامى والمساكين، ونقل عنه أنه كان يلبس الصوف (٢)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عوف قال: حدثني أبو المنهال سيار بن سلامة، قال: لما كان زمن ابن زياد أخرج ابن زياد فوثب ابن مروان بالشام حيث وثب، ووثب ابن الزبير بمكة. ووثب الذين يدعون بالقراء بالبصرة (٣). أبو ثعلبة الخُشني: اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، فقيل: اسمه جُرهم، وقيل: جرثوم، سكن الشام، وقيل: حمص، كان من عباد الصحابة (٤) ممن بايع تحت الشجرة، وضرب له بسهمه في خيبر، وأرسله النبي ﷺ إلى قومه، فأسلموا، توفي سنة خمس وسبعين للهجرة (٥). أبو ذر الغفاري: واسمه: جندب بن جنادة، من السابقين الأولين في الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، وكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم النبي ﷺ المدينة، يضرب به المثل في الصدق، كان النبي ﷺ يقول: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر» (٦)، وكان شجاعًا مِقدامًا شجاعا يتفرد وحده يقطع الطريق ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبي ﷺ وهو يومئذٍ بمكة يدعو مختفيًا (٧). وروى عن زيد بن وهب قال: مررتُ بالربَذة فإذا أنا بأبي ذر، قال: فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ

стр. 37

الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، قال: فقلت: نزلتْ فينا وفيهم، قال: فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب يشكوني إلى عثمان، قال فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمت المدينة وكثر الناس عليَّ كأنهم لم يروني قبل ذلك، قال فذكر ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا، فذاك أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّر عليَّ حبشيًّا لسمعتُ ولأطعتُ (٢). وعن عبد الله بن الصامت أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، قال: فجعلت تقضي حوائجه، قال: ففضل معها سلع، فأمرها أن تشتري به فلوسًا، قال قلت: لو أذخرته للحاجة تبوء بك أو للضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إلي أن أي مال ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله (٣). قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن، أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف، فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه، فسأله عما يكفيه لسنة فاشتراه له، ثم اشترى فلوسًا بما بقي، وقال: إنه ليس من وعى ذهبًا أو فضة يوكي عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه، وعن الأحنف بن قيس قال: قال لي أبو ذر: خُذ العطاء ما كان متعة، فإذا كان دَينًا فارفضه. عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مُرًّا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أُكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهنَّ من كنز تحت العرش، وعن يونس عن محمد قال: سألت ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر؟ فقال: ترك أتانين، وعفوًا وأعنزًا وركائب، قال: العفو الحمار الذكر، وورد عن سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذر أنه رآه في نمرة

стр. 38

مؤتزرًا بها قائمًا يصلي، فقلت: يا أبا ذر، أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته عليَّ، قلت: فإني رأيت عليك منذ أيام ثوبين، فقال: يا ابن أخي، أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني، قلت: والله إنك لمحتاج إليهما، قال: اللهم غفرًا، إنك لمعظم للدنيا! أليس ترى عليَّ هذه البردة، ولي أخرى للمسجد، ولي أعنز نحلبها، ولي أحمرة نحتمل عليها ميرتنا، وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟ وعن أبي شعبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذر يعرض عليه، فأبى أبو ذرٍّ أنْ يأخذ وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها، وأعنز نحلبها، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة عن كسوتنا، وإني لأخاف أن أحاسب بالفضل، وورد في سيرته أنه كان يحلب غنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، ولقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصرة، وقرب إليهم تمرًا وهو يسير، ثم تعذر إليهم وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجِئنا به، قال: وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئًا (١). أبو رزين: ذكر أبو نُعيم أنه من أهل الصُّفَّة (٢)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال لرجل من أهل الصُّفَّة يكنى أبا رزين: «يا أبا رزين، إذا خلوتَ فحرِّك لسانك بذكر الله؛ لأنك لا تزال في صلاة ما ذكرت ربك، يا أبا رزين، إذا أقبل الناس على الجهاد، فأحببت أن يكون لك مثل أجورهم، فالزم المسجد تؤذن فيه، ولا تأخذ على أذانك أجرًا» (٣). أبو ريحانة: شمعون الأزدي، وقيل: الأنصاري، كان من الذَّابِّين المجتهدين (٤). أبو سلمة: عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم بعد عشرة أنفس، وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وجرح يوم أحد جرحًا اندمل، ثم انتقض، فمات منه، وذلك سنة ثلاث من الهجرة، وتزوج رسول الله ﷺ امرأته أم سلمة ﵄ (٥).

стр. 39

أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح الفِهْري القرشي، وُلِدَ بمكة، وهو من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، لقبه ﷺ بأمين الأمة، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وولاه عمر بن الخطاب قيادة الجيش الزاحف إلى الشام، بعد خالد بن الوليد، فتم له فتح الديار الشامية، وتُوُفِّي بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة للهجرة، ودفن في غور بيسان، وانقرض عقبه (١). أبو عسيب: مولى رسول الله ﷺ ، قيل: اسمه أحمر، كان يبيت في المسجد (٢). أبو فراس الأسلمي: ربيعة بن كعب بن مالك، أسلم وصحب النبي ﷺ قديمًا، وكان يخدمه، فعنه ﵁ قال: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سلْ، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فَأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٣). أبو كبشة: مولى رسول الله ﷺ ، مُخْتَلَفٌ في اسمه، قيل: سليم، وقيل: أوس، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، توفي سنة ثلاث عشرة في اليوم الذي استخلف فيه عمر بن الخطاب (٤). أبو لبابة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري، اختلف في اسمه، فقيل: رفاعة، وقيل: بشير، نقيب، شهد العقبة، وسائر المشاهد، كان رفاعة بدريًّا بسهمه؛ لأن النبي ﷺ استخلفه على المدينة، مات في خلافة علي ﵁ (٥). أبو مرثد الغنوي: كناز بن الحصين، حليف حمزة بن عبد المطَّلب، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبادة بن الصامت، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، سكن الشام،

стр. 40

ومات بأجنادين سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر ﵁، وهو ابن ست وستين سنة (١). أبو مويهبة: مولى رسول الله ﷺ ، كان يبيت في المسجد، ويخالط أهل الصُّفَّة (٢). أبو هُرَيْرَة: عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي، نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر، فأسلم سنة ٧ هـ، ولزم النبي ﷺ ، وسكن الصُّفَّة، فكان عريفها، وكان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع أهل الصُّفَّة لطعام أمَر أبا هُرَيْرَة بدعوتهم، لم ينتقل عنها طول عمر النبي ﷺ ، وكان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، روي عنه ٥٣٧٤ حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة، وتوفي فيها سنة تسع وخمسين (٣). ورد عنه قوله: نشأتُ يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدو إذا ركبوا، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هُرَيْرَة إمامًا، وفي رواية: (أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، فكانت تكلفني أن أركب قائمًا، وأن أردي أو أورد حافيًا، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله، فكلفتها أن تركب قائمة، وأن ترد أو تردي حافية (٤). وذكر عنه أنه تمخط أبو هُرَيْرَة وعليه ثوب من كتان ممشق فتمخط فيه، فقال: بخ بخ يتمخط أبو هُرَيْرَة في الكتان، لقد رأيتني آخرًا فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة يجيء الجائي يرى أن بي جنونًا وما بي إلا الجوع، ولقد رأيتني وإني لأجير لابن عفان وابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أسوق بهم إذا ارتحلوا، وأخدمهم إذا نزلوا، فقالتْ يومًا: لتردنه حافيًا ولتركبنه قائمًا، قال: فزوجنيها الله بعد ذلك، فقلتُ لها: لتردنه حافية، ولتركبنه قائمة (٥). أسماء بن حارثة بن سعيد الأسلمي، أبو محمد، وهو أخو هند، يقول أبو هُرَيْرَة ﵁: «ما كنت أرى أسماء وهندًا إلا خادمين لرسول الله ﷺ ، من طول لزومهما بابه، وخدمتهما
следующие страницы →