قال: حدثتني أمي أنها كانتْ لأبي برزة جفنة (١) من ثريد غدوة وجفنة عشية للأرامل واليتامى والمساكين، ونقل عنه أنه كان يلبس الصوف (٢)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عوف قال: حدثني أبو المنهال سيار بن سلامة، قال: لما كان زمن ابن زياد أخرج ابن زياد فوثب ابن مروان بالشام حيث وثب، ووثب ابن الزبير بمكة. ووثب الذين يدعون بالقراء بالبصرة (٣).
أبو ثعلبة الخُشني: اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، فقيل: اسمه جُرهم، وقيل: جرثوم، سكن الشام، وقيل: حمص، كان من عباد الصحابة (٤) ممن بايع تحت الشجرة، وضرب له بسهمه في خيبر، وأرسله النبي ﷺ إلى قومه، فأسلموا، توفي سنة خمس وسبعين للهجرة (٥).
أبو ذر الغفاري: واسمه: جندب بن جنادة، من السابقين الأولين في الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، وكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم النبي ﷺ المدينة، يضرب به المثل في الصدق، كان النبي ﷺ يقول: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر» (٦)، وكان شجاعًا مِقدامًا شجاعا يتفرد وحده يقطع الطريق ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبي ﷺ وهو يومئذٍ بمكة يدعو مختفيًا (٧).
وروى عن زيد بن وهب قال: مررتُ بالربَذة فإذا أنا بأبي ذر، قال: فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
стр. 37
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، قال: فقلت: نزلتْ فينا وفيهم، قال: فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب يشكوني إلى عثمان، قال فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمت المدينة وكثر الناس عليَّ كأنهم لم يروني قبل ذلك، قال فذكر ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا، فذاك أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّر عليَّ حبشيًّا لسمعتُ ولأطعتُ (٢).
وعن عبد الله بن الصامت أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، قال: فجعلت تقضي حوائجه، قال: ففضل معها سلع، فأمرها أن تشتري به فلوسًا، قال قلت: لو أذخرته للحاجة تبوء بك أو للضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إلي أن أي مال ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله (٣).
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن، أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف، فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه، فسأله عما يكفيه لسنة فاشتراه له، ثم اشترى فلوسًا بما بقي، وقال: إنه ليس من وعى ذهبًا أو فضة يوكي عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه، وعن الأحنف بن قيس قال: قال لي أبو ذر: خُذ العطاء ما كان متعة، فإذا كان دَينًا فارفضه.
عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مُرًّا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أُكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهنَّ من كنز تحت العرش، وعن يونس عن محمد قال: سألت ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر؟ فقال: ترك أتانين، وعفوًا وأعنزًا وركائب، قال: العفو الحمار الذكر، وورد عن سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذر أنه رآه في نمرة
стр. 38
مؤتزرًا بها قائمًا يصلي، فقلت: يا أبا ذر، أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته عليَّ، قلت: فإني رأيت عليك منذ أيام ثوبين، فقال: يا ابن أخي، أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني، قلت: والله إنك لمحتاج إليهما، قال: اللهم غفرًا، إنك لمعظم للدنيا! أليس ترى عليَّ هذه البردة، ولي أخرى للمسجد، ولي أعنز نحلبها، ولي أحمرة نحتمل عليها ميرتنا، وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟ وعن أبي شعبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذر يعرض عليه، فأبى أبو ذرٍّ أنْ يأخذ وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها، وأعنز نحلبها، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة عن كسوتنا، وإني لأخاف أن أحاسب بالفضل، وورد في سيرته أنه كان يحلب غنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، ولقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصرة، وقرب إليهم تمرًا وهو يسير، ثم تعذر إليهم وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجِئنا به، قال: وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئًا (١).
أبو رزين: ذكر أبو نُعيم أنه من أهل الصُّفَّة (٢)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال لرجل من أهل الصُّفَّة يكنى أبا رزين: «يا أبا رزين، إذا خلوتَ فحرِّك لسانك بذكر الله؛ لأنك لا تزال في صلاة ما ذكرت ربك، يا أبا رزين، إذا أقبل الناس على الجهاد، فأحببت أن يكون لك مثل أجورهم، فالزم المسجد تؤذن فيه، ولا تأخذ على أذانك أجرًا» (٣).
أبو ريحانة: شمعون الأزدي، وقيل: الأنصاري، كان من الذَّابِّين المجتهدين (٤).
أبو سلمة: عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم بعد عشرة أنفس، وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وجرح يوم أحد جرحًا اندمل، ثم انتقض، فمات منه، وذلك سنة ثلاث من الهجرة، وتزوج رسول الله ﷺ امرأته أم سلمة ﵄ (٥).
стр. 39
أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح الفِهْري القرشي، وُلِدَ بمكة، وهو من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، لقبه ﷺ بأمين الأمة، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وولاه عمر بن الخطاب قيادة الجيش الزاحف إلى الشام، بعد خالد بن الوليد، فتم له فتح الديار الشامية، وتُوُفِّي بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة للهجرة، ودفن في غور بيسان، وانقرض عقبه (١).
أبو عسيب: مولى رسول الله ﷺ ، قيل: اسمه أحمر، كان يبيت في المسجد (٢).
أبو فراس الأسلمي: ربيعة بن كعب بن مالك، أسلم وصحب النبي ﷺ قديمًا، وكان يخدمه، فعنه ﵁ قال: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سلْ، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فَأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٣).
أبو كبشة: مولى رسول الله ﷺ ، مُخْتَلَفٌ في اسمه، قيل: سليم، وقيل: أوس، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، توفي سنة ثلاث عشرة في اليوم الذي استخلف فيه عمر بن الخطاب (٤).
أبو لبابة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري، اختلف في اسمه، فقيل: رفاعة، وقيل: بشير، نقيب، شهد العقبة، وسائر المشاهد، كان رفاعة بدريًّا بسهمه؛ لأن النبي ﷺ استخلفه على المدينة، مات في خلافة علي ﵁ (٥).
أبو مرثد الغنوي: كناز بن الحصين، حليف حمزة بن عبد المطَّلب، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبادة بن الصامت، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، سكن الشام،
стр. 40
ومات بأجنادين سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر ﵁، وهو ابن ست وستين سنة (١).
أبو مويهبة: مولى رسول الله ﷺ ، كان يبيت في المسجد، ويخالط أهل الصُّفَّة (٢).
أبو هُرَيْرَة: عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي، نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر، فأسلم سنة ٧ هـ، ولزم النبي ﷺ ، وسكن الصُّفَّة، فكان عريفها، وكان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع أهل الصُّفَّة لطعام أمَر أبا هُرَيْرَة بدعوتهم، لم ينتقل عنها طول عمر النبي ﷺ ، وكان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، روي عنه ٥٣٧٤ حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة، وتوفي فيها سنة تسع وخمسين (٣).
ورد عنه قوله: نشأتُ يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدو إذا ركبوا، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هُرَيْرَة إمامًا، وفي رواية: (أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، فكانت تكلفني أن أركب قائمًا، وأن أردي أو أورد حافيًا، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله، فكلفتها أن تركب قائمة، وأن ترد أو تردي حافية (٤).
وذكر عنه أنه تمخط أبو هُرَيْرَة وعليه ثوب من كتان ممشق فتمخط فيه، فقال: بخ بخ يتمخط أبو هُرَيْرَة في الكتان، لقد رأيتني آخرًا فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة يجيء الجائي يرى أن بي جنونًا وما بي إلا الجوع، ولقد رأيتني وإني لأجير لابن عفان وابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أسوق بهم إذا ارتحلوا، وأخدمهم إذا نزلوا، فقالتْ يومًا: لتردنه حافيًا ولتركبنه قائمًا، قال: فزوجنيها الله بعد ذلك، فقلتُ لها: لتردنه حافية، ولتركبنه قائمة (٥).
أسماء بن حارثة بن سعيد الأسلمي، أبو محمد، وهو أخو هند، يقول أبو هُرَيْرَة ﵁: «ما كنت أرى أسماء وهندًا إلا خادمين لرسول الله ﷺ ، من طول لزومهما بابه، وخدمتهما
стр. 41
له» (١).
البراء بن مالك بن النضر الأنصاري، أخو أنس بن مالك لأبيه، حسن الصوت، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، أحد الفضلاء، أحد الشجعان والفرسان وكان من المقنعين الأعفاء، الوفيين الظرفاء، قتل من المشركين مائة رجل مبارزة سوى من شارك فيه، وله يوم اليمامة أخبار، واستشهد يوم حصن تستر، في خلافة عمر سنة عشرين (٢).
بلال بن رباح الحبشي، أبو عبد الله، أحد السابقين إلى الإسلام، اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي ﷺ ، وكان مؤذنه، وخازنه على بيت المال، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد وفاة النبي ﷺ مجاهدًا إلى أن مات بالشام (٣).
ثَقْفُ (أو ثقاف) بن عمرو بن شميط الأسلمي، وقيل: الأسدي، يكنى أبا مالك، من حلفاء بني عبد شمس، شهد بدرًا، وأحدًا والخندق والحديبية، وقتل بخيبر شهيدًا سنة سبع من الهجرة (٤).
ثوبان، أبو عبد الله، مولى رسول الله ﷺ ، يقال: إنه من العرب، حكمي من حكم بن سعد حمير، وقيل: من السراة، اشتراه ثم أعتقه رسول الله ﷺ ، فخدمه إلى أن مات، ثم تحول إلى الرملة، ثم حمص، ومات بها سنة أربع وخمسين من الهجرة، وروى ابن السَّكَن من طريق يوسف بن عبد الحميد، قال: لقيت ثوبان، فحدثني أن رسول الله ﷺ دعا لأهله، فقلت: أنا من أهل البيت، فقال في الثالثة: نعم، ما لم تقم على باب سدة أو تأتي أميرًا تسأله، وروى أبو داود من طريق عاصم، عن أبي العالية عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن يتكفَّل لي ألاَّ يسأل الناس، وأتكفَّل له بالجنَّة؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا» (٥).
стр. 42
جارية بن حميل بن نشبة بن قرط، أسلم قديمًا وشهد بدرًا، وقال ابن البرقي: استشهد بأحد (١).
جرهد بن خويلد الأسلمي، أبو عبد الرحمن، شهد الحديبية، روي عنه أنه أكل بيده الشمال، فقال له النبي ﷺ : «كل باليمين، فقال: إنها مصابة، فنفث عليها، فما شكا حتى مات» (٢).
جعيل بن سراقة الضمري، ويقال: جعال، أسلم قديمًا، وشهد مع النبي ﷺ أحدًا، وأصيبت عينه يوم قريظة، وكان دميمًا قبيح الوجه، أثنى عليه النبي ﷺ ، ووكله إلى إيمانه، ذلك أن قائلًا قال لرسول الله ﷺ : «أعطيت الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، مائة من الإبل، وتركت جعيلًا، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لجعيل خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيلًا إلى إسلامه» (٣).
حارثة بن النعمان الأنصاري، أبو عبد الله، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وأحد الثمانين الذين ثبتوا يوم حنين، ولم يفروا، ورأى جبريل يكلم النبي ﷺ ، فسلم عليهما، فردا ﵇، وأصيب ببصره في آخر عمره، وكان من فضلاء الصحابة، توفي في إمارة معاوية (٤).
وروى النَّسائي من طريق الزُّهري عن عروة عن عائشة، عن النبي ﷺ : قال: «دخلت الجنة فسمعت قراءة، فقلت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النُّعمان» (٥)، فقال رسول الله ﷺ : «كذلكم البر»، وكان بارًّا بأمه، وهو عند أحمد من طريق معمر عن الزهري، عن عروة أو غيره، ولفظه:
стр. 43
كان أبرَّ الناس بأمه.
حازم بن حَرْمَلَة بن مسعود الغفاري، وقيل: الأسلمي، روي عنه حديث واحد، قال: مررت بالنبي ﷺ ، فقال لي: «يا حازم، أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة» (١).
حذيفة بن اليمان، صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين، خالط أهل الصُّفَّة مدة فنسب إليهم، وهو وأبوه من المهاجرين، فخيره النبي ﷺ بين الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، وحالف الأنصار فعُد في جملتهم، كان بالفتن والآفات عارفًا، وعلى العلم والعبادة عاكفًا، وعن التمتُّع بالدنيا عازفًا، بعثه رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب سرية وحده، وألبسه عباءته بعد أن كفي في سيره ريحه وبرده (٢).
حنظلة بن أبي عامر (غِسِّيل الملائكة)، استشهد بأحد، فقال عنه النبي ﷺ : «إن صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة، فسلوا صاحبته، فقالتْ: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة، فقال رسول الله ﷺ : فذاك قد غسلته الملائكة» (٣).
خباب بن الأرَتّ التميمي نسبًا، الخزاعي ولاءً، أبو عبد الله، لحقه سباء في الجاهلية، فاشترته امرأة من خزاعة، وأعتقتْه، كان في الجاهلية قينًا يعمل السيوف بمكة، أسلم قديمًا، وكان من المستضعفين، وهو أول من أظهر إسلامه، وعذب عذابًا شديدًا لأجل ذلك، شهد بدرًا وما بعدها، ونزل الكوفة، مات بالكوفة منصرفُه من صفين سنة سبع وثلاثين، وهو ابن خمسين سنة (٤).
خبيب بن يساف (أو إساف) بن عتبة، أبو عبد الرحمن، تأخَّر إسلامه حتى خرج النبي
стр. 44
- ﷺ إلى بدر، فلحقه في الطريق، فأسلم، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ومات في خلافة عثمان (١).
خريم بن أوس الطائي، كنيته أبو لحاء، لقي رسول الله ﷺ بعد منصرفه من تبوك، فأسلم، وأعطاه خالد بن الوليد الشيماء ابنة بقيلة؛ تنفيذًا لوعد النبي ﷺ أنه إن فتح الحيرة تكون له (٢).
خريم بن فاتك الأسدي، كنيته أبو يحيى، شهد بدرًا، وهو الذي هتف به الهاتف حين جنَّه الليل بأبرق العراق، قال عنه النبي ﷺ : «نعم الرجل خريم بن فاتك، لولا طول جمته، وإسبال إزاره، فبلغ ذلك خريمًا، فقطع جمته إلى أذنيه، وهو ممن نزل الرقة» (٣).
خنيس بن حذافة القرشي السهمي، أخو عبد الله بن حذافة، كان من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة، وعاد إلى المدينة، فشهد بدرًا وأحدًا، وأصابه بأحد جراحة، فمات منها، وتأيمت منه زوجته حفصة بنت عمر بن الخطاب، فتزوَّجها رسول الله ﷺ (٤).
زيد بن الخطاب بن نُفيل القرشي العدوي، أخو عمر بن الخطاب لأبيه، يكنى أبا عبد الرحمن، كان أسن من عمر، أسلم قبله وشهد بدرًا والمشاهد، واستشهد باليمامة، وكانت راية المسلمين معه سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر، وحزن عليه عمر حزنًا شديدًا، ولما قتل قال عمر: سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي، واستشهد قبلي (٥).
السائب بن خلاَّد بن سويد الأنصاري الخزرجي، أبو سهلة، شهد بدرًا، وولي اليمن لمعاوية، مات سنة إحدى وسبعين (٦).
стр. 45
سالم بن عبيد الأشجعي، سكن الصُّفَّة، ثم انتقل إلى الكوفة، ونزلها (١).
سالم بن عمير، من الأوس من بني ثعلبة بن عمرو بن عوف، شهد بدرًا، وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وهو أحد البكائين الذين جاؤوا إلى رسول الله ﷺ وهو يريد أن يخرج إلى تبوك، فقالوا: احملنا، وكانوا فقراء، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢).
سالم بن معقل مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، يكنى أبا عبد الله، أحد السابقين الأولين، يعد في القراء، وكان يؤم المهاجرين بقباء وفيهم عمر بن الخطاب قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان أبو حذيفة قد تبنى سالمًا، فكان ينسب إليه، ويقال: سالم بن أبي حذيفة حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ...﴾ الآية، استشهد باليمامة (٣).
سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي، أسلم قبل خيبر، وشهدها وما بعدها من المشاهد، كان مشهورًا بالزهد، وولاه عمر إمرة حمص بعد فتح الشام، فلم يزل عليها حتى مات فيها سنة عشرين، وهو ابن أربعين سنةً (٤).
سفينة مولى رسول الله ﷺ ، أبو عبد الرحمن، أعتقته أم سلمة على أن يخدم رسول الله ﷺ ما عاش، فخدمه عشر سنين، سماه رسول الله ﷺ سفينة؛ لأنه كان معه في سفر، فكلما أعيا بعض القوم، ألقى عليه سيفه وترسه ورمحه حتى حمل شيئًا كثيرًا، فقال النبي ﷺ : «أنت سفينة» (٥).
سلمان الفارسي، أبو عبد الله، ويعرف بسلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ ، أصله من مجوس أصبهان، عاش عمرًا طويلًا، قدم المدينة وأسلم، وأول مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، وهو الذي أشار على النبي ﷺ بحفر الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعدها، وآخى
стр. 46
رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدرداء، سئل عن نسبه، فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، سكن الكوفة، وتوفي بالمدائن سنة خمس وثلاثين، في آخر خلافة عثمان ﵁ (١).
شقران مولى رسول الله ﷺ ، اسمه صالح بن عدي، وكان عبدًا حبشيًّا لعبد الرحمن بن عوف، فأهداه النبي ﷺ ، وقيل: بل اشتراه رسول الله ﷺ منه، فأعتقه بعد بدر، وكان فيمن حضر غسل رسول الله ﷺ عند موته، وكان يقول: أنا وضعت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر، شهد بدرًا، وهو عبد، فلم يسهم له (٢).
صفوان بن بيضاء، أخو سهيل بن بيضاء، وبيضاء أمه، وأبوه وهب بن ربيعة القرشي الفهري، وصفوان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا، قيل: وقتل فيها شهيدًا، قتله طعيمة بن عدي، وقيل: إنه لم يقتل ببدر، وإنه مات سنة ثمان وثلاثين، بعثه النبي ﷺ في سرية عبد الله بن جحش قِبَل الأبواء، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ (٣)(٤).
صهيب بن سنان الرومي، أبو يحيى، أحد السابقين إلى الإسلام، أسلم في دار الأرقْم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وكان من المستضعفين بمكة المعذبين في الله ، كان أبوه من أشراف الجاهليين، ولاه كسرى على الأبلة (البصرة)، وكانت منازل قومه في أرض الموصل، على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل، وبها ولد صهيب، فأغارت الروم على ناحيتهم، فسبوا صهيبًا وهو صغير، فنشأ بينهم، فكان ألكن، واشتراه منهم أحد بني كلب، وقدم به مكة، فابتاعه عبد الله بن جدعان التيمي، ثم أعتقه، فأقام بمكة يحترف التجارة، إلى أن ظهر الإسلام، فأسلم، ولما هاجر إلى المدينة تبعه نفر من المشركين، فنثل كنانته، وقال لهم: يا معشر قريش، تعلمون أني من أرماكم، ووالله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم
стр. 47
بسيفي ما بقي في يدي منه شيءٌ، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قالوا: فدلَّنا على مالك ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم عليه، ولحق برسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «ربح البيع أبا يحيى» (١)، فأنزل الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢)، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وتوفي في المدينة سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وهو ابن سبعين سنة (٣).
عبادة بن قرص (وقيل: قرط) الكناني الليثي، سكن البصرة، روي عنه أنه قال: إنكم لتأتون أمورًا، هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات، قتله الخوارج بالأهواز، وهو عائد من الغزو، وذلك سنة إحدى وأربعين للهجرة (٤).
عبد الرحمن بن جبر، أبو عبس الأوسي الأنصاري، كان اسمه عبد العُزَّى، فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، آخى النبي ﷺ بينه وبين خنيس بن حذافة، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان فيمن قتل كعب بن الأشرف، مات بالمدينة سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة (٥).
عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، حليف أبي وداعة السهمي، كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وهو ابن أخي محمية بن جزء الزبيدي، انتقل إلى مصر، ومات سنة سبع وثمانين، بعد أن عمي في آخر أيامه، وهو آخر من مات بمصر من الصحابة (٦).
عبد الله (وقيل: عمرو) بن أم مكتوم الأعمى القرشي، وهو ابن قيس بن زائدة بن الأصم، ويقال: كان اسمه الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله، أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين، قدم المدينة قبل أن يهاجر النبي ﷺ إليها، وكان يؤذن للنبي ﷺ بالمدينة مع
стр. 48
بلال، وكان رسول الله ﷺ يستخلفه على المدينة في عامة غزواته فيصلي بالناس، وهو المذكور في سورة عبس وتولى (١).
عبد الله بن أنيس الجهني، أبو يحيى، من بني وبرة، من قضاعة، ويعرف بالجهني، وليس بجهني، من القادة الشجعان، كان حليفًا لبني سلمة من الأنصار، سكن البادية، وكان ينزل في رمضان إلى المدينة ليلة فيسكن المسجد والصُّفَّة ليلته، صلى إلى القبلتين وشهد العقبة، وبدرًا، وأحدًا، والمشاهد كلها، أرسله النبي ﷺ لقتل خالد بن سفيان الهذلي، فقتله، فأعطاه النبي ﷺ مخصرته؛ ليلقاه بها يوم القيامة، وهو أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة، رحل إلى مصر، وإفريقية، وسكن الشام، وتوفي بها سنة أربع وخمسين للهجرة (٢).
عبد الله بن بدر الجهني، كان اسمه عبد العزى، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وكان ينزل البادية بالقبلية من جبال جهينة، وهو أحد الأربعة الذين كانوا يحملون ألوية جهينة يوم الفتح، توفي في ولاية معاوية بن أبي سفيان (٣).
عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن، أسلم بمكة مع أبيه عمر بن الخطاب، ولم يكن بلغ يومئذ، وهاجر معه إلى المدينة، عرض على رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وأول مشاهده الخندق، كان ﵁ من أهل الورع والعلم، وكان كثير الاتباع لآثار رسول الله ﷺ ، شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه، اعتزل في الفتن عن الناس، ومات سنة ثلاث وسبعين بمكة، وهو ابن سبع وثمانين سنة (٤).
عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر، كان نقيبًا، شهد العقبة، ثم بدرًا، واستشهد في أحد، في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة، ودفن هو وعمرو بن
стр. 49
جموح في قبر واحد، وكانا متصافيين، وكان يسمى قبرهما قبر الأخوين (١).
عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبد الرحمن، من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد بعدها، ولازم النبي ﷺ ، وكان صاحب نعليه، وحدَّث عن النبي ﷺ بالكثير، كان من أكابر الصحابة فضلًا وعقلًا، وقربًا من رسول الله ﷺ ، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، توفي سنة اثنتين وثلاثين للهجرة (٢).
عبد الله ذو البجادين المُزَني، سمِّي بذي البجادين؛ لأن عمه كان يلي عليه، وهو في حجره يكرمه، فلما أسلم نزع منه كل ما كان عليه، فأبى إلا الإسلام، فأعطته أمه بجادًا من شعر، فشقه باثنتين، فاتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم دخل على النبي ﷺ ، فقال له: ما اسمك؟ قال: عبد العزى، قال: بل أنت عبد الله ذو البجادين، ومات في غزوة تبوك، ونزل النبي ﷺ قبره، ودفنه بيده (٣).
عبيد مولى رسول الله ﷺ (٤).
عتبة بن النُّدَّر السلمي، شهد الفتح، وسكن الشام، ونزل مصر، مات سنة أربع وثمانين (٥).
عتبة بن عبد السلمي: أبو الوليد، كان اسمه عتلة، فسماه النبي ﷺ عتبة، نزل الشام، وسكن بحمص، توفي سنة إحدى أو اثنتين وتسعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة (٦).
عتبة بن غزوان المازني: أبو عبدالله، حليف بني عبد شمس أو بني نوفل، من السابقين
стр. 50
الأولين، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مهاجرًا إلى المدينة رفيقًا للمقداد، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان من رماة الصحابة، كان عامل عمر بن الخطاب على البصرة، وهو الذي بصر البصرة وبنى مسجدها، مات في خلافة عمر سنة سبع عشرة في طريق مكة، بموضع يقال له: معدن بني سليم، وكان له يوم مات سبع وخمسون سنة (١).
عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله، حليف لبني زهرة، أخو عبد الله بن مسعود، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فأقام بها إلى أن قدم مع جعفر بن أبي طالب، وقيل: قدم قبل ذلك، وشهد أحدًا وما بعدها، مات في خلافة عمر قبل عبد الله بن مسعود ﵃ (٢).
عثمان بن مَظْعون القرشي الجمحي، أبو السائب، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى، وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين بعدما رجع من بدر، وقبَّله رسول الله ﷺ بعد الموت (٣).
العرباض بن سارية، أبو نجيح، أسلم قديمًا، ونزل الصُّفَّة، ثم سكن الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين، وقيل: بل مات في فتنة ابن الزبير، كان من البكائين، نزلت فيه وفي أصحابه قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٤)(٥).
عقبة بن عامر الجهني، كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان شاعرًا كاتبًا، وهو أحد من جمع القرآن، شهد الفتوح، وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق، وشهد صفين مع معاوية، وأمَّره بعد ذلك على مصر، وتوفي بها سنة ثمان وخمسين في ولاية معاوية (٦)، نسب
стр. 51
نفسه إلى أهل الصُّفَّة كما في صحيح مسلم (١).
عكاشة بن محصن الأسدي: أبو محصن، من السابقين الأولين، شهد بدرًا، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، وانكسر في يده سيف، فأعطاه رسول الله ﷺ عودًا، فعاد في يده سيفًا يومئذ شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به، حتى فتح الله على رسوله ﷺ ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل في الردة وهو عنده، وكان ذلك السيف يسمى العون، شهد أحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وبعثه رسول الله ﷺ إلى الغمر سرية في أربعين رجلًا، فانصرفوا، ولم يلقوا كيدًا، قيل: استشهد عكاشة في قتال أهل الردة في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة للهجرة (٢).
عمار بن ياسر، أبو اليقظان، حليف بني مخزوم، وأمه سمية مولاة لهم، كان من السابقين الأولين هو وأبوه، وكانوا ممن يعذب في الله، فكان النبي ﷺ يمر عليهم، فيقول: «صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة» (٣)، واختلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثم شهد اليمامة، فقطعت أذنه بها، ونزل الكوفة، واستعمله عمر عليها، ولم يزل مع علي بن أبي طالب يشهد معه مشاهده، حتى قتل بصفين سنة سبع وثلاثين ودفن هناك، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية (٤).
عمرو بن تغلب النمري، سكن البصرة، أثنى النبي ﷺ على إسلامه، فقد روي عنه أنه قال: «لقد قال لي رسول الله ﷺ كلمة ما أحب أن لي بها حمر النعم، أُتي رسول الله ﷺ بشيء فأعطى قومًا، ومنع قومًا، وقال: «إنا لنعطي قومًا نخشى هلعهم وجزعهم، وأَكِلُ قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الإيمان، ومنهم عمرو بن تغلب» (٥)(٦).
стр. 52
عمير بن عوف، مولى سهيل بن عمرو القرشي العامري خطيب قريش، كنيته أبو عمرو، من مولدي مكة، شهد بدرًا واحدًا والخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، مات في خلافة عمر بن الخطاب وصلى عليه عمر بن الخطاب ﵁ (١).
عويم بن ساعدة الأنصاري: أبو عبد الرحمن، من حلفاء بني عمرو بن عوف، وقيل: من أنفسهم، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والمغازي كلها مع رسول الله ﷺ ، مات في خلافة عمر بن الخطاب، وهو ابن خمس وستين سنة (٢).
عياض بن حمار المجاشعي، وكان حليفًا لأبي سفيان بن حرب، وكان صديقًا لرسول الله ﷺ قديمًا، وكان إذا قدم مكة لا يطوف إلا في ثياب رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان من الجملة الذين لا يطوفون إلا في ثوب أحمسي، وفد على النبي ﷺ قبل أن يسلم، ومعه نجيبة يهديها إليه، فقال: «أسلمت؟ قال: لا، قال: إن الله نهاني أن أقبل زبد المشركين» (٣)، فأسلم، فقبلها منه، وهو ممن سكن البصرة (٤).
غرفة الأزدي، وهو الذي دعا له رسول الله ﷺ فقال: «اللهم بارك له في صفقته» (٥).
فرات بن حيان العجلي، حليف بني سهم، وهو أحد الأربعة الذين أسلموا من ربيعة، وكان هاديًا في الطريق، بعث رسول الله ﷺ سرية مع زيد بن حارثة؛ ليعترضوا عيرًا لقريش، وكان دليل قريش فرات بن حيان، فأصابوا العير، وأسروا فرات بن حيان، فأتوا به رسول الله ﷺ ، فلم يقتله، فمر بحليف له من الأنصار، فقال: إني مسلم، فقال الأنصار: يا رسول الله،
стр. 53
إنه يقول: إنه مسلم، فقال: «إن فيكم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم، منهم فرات بن حيان» (١)، وأطلقه، ولما أسلم حسن إسلامه وفقه في الدين، وكرم على النبي ﷺ حتى إنه أقطعه أرضًا باليمامة تغل أربعة آلاف، وسيَّره النبي ﷺ إلى ثمامة بن أثال في قتل مسيلمة وقتاله، ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، فانتقل إلى مكة، فنزلها، وكان عقبه بها، ونزل الكوفة أيضًا، وابتنى بها دارًا في بني عجل (٢).
فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي: أبو محمد، أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد أحدًا فما بعدها، وشهد فتح الشام ومصر، ثم سكن الشام، وولي الغزو، وولاه معاوية قضاء دمشق بعد أبي الدرداء، مات بها سنة ثلاث وخمسين في خلافة معاوية (٣).
قرة بن إياس المزني: أبو معاوية، سكن البصرة، وهو جد إياس بن معاوية بن قرة قاضي البصرة، قتل في حرب الأزارقة، سنة أربع وستين للهجرة (٤).
كعب بن عمرو الأنصاري: أبو اليسر، شهد العقبة وبدرًا، وهو ابن عشرين سنة، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب، وكان رجلًا قصيرًا، والعباس رجلًا طويلًا ضخمًا جميلًا، فقال له النبي ﷺ : «لقد أعانك عليه ملك كريم» (٥)، وهو الذي انتزع راية المشركين يوم بدر، وكانت بيد أبي عزيز بن عمير، وشهد أحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ثم شهد صفين مع علي ﵁، يعد في أهل المدينة، وبها كانت وفاته سنة خمس وخمسين، في ولاية معاوية، وهو آخر من مات من أهل بدر (٦).
كعب بن مالك الخزرجي الأنصاري: أبو عبد الله، شهد العقبة، وبايع بها، وتخلف عن بدر، وشهد أحدًا وما بعدها، وتخلف في تبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تِيب عليهم، وكان من شعراء
стр. 54
رسول الله ﷺ ، تُوفي في زمن معاوية سنة خمسين، وهو ابن سبع وسبعين، وكان قد عمي وذهب بصره في آخر عمره (١).
مسطح بن أثاثة: أبو عباد، كان اسمه عوفًا، ولقب بمسطح فغلب عليه، وأمه بنت خالة أبي بكر ﵁، كان أبو بكر الصديق ﵁ ينفق عليه لفقره وقرابته، فلما خاض في قصة الإفك قرر ألا ينفق عليه، فلما نزلت: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) عاد أبو بكر إلى الإنفاق، وقال: بلى أنا أحبُّ أن يغفر الله تعالى لي» (٣)، شهد مِسطح بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، توفي سنة أربع وثلاثين، وهو يومئذ ابن ست وخمسين سنة (٤).
مسعود بن الربيع القاري، يكنى أبا عمير، من القارة، وهم الهون بن خزيمة بن مدركة، وهو أحد حلفاء بني زهرة، أسلم قديمًا بمكة، قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبيد بن التيهان، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، مات سنة ثلاثين، وقد زاد سنه على الستين (٥).
مصعب بن عمير القرشي العبدري، أبو عبد الله، أحد السابقين إلى الإسلام، أسلم قديمًا، والنبي ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، كان أنعم غلام بمكة وأجوده حلة، فعلم بإسلامه عثمان بن طَلْحَة، فأخبر أهله، فأوثقوه فلم يزل محبوسًا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، بعثه النبي ﷺ إلى المدينة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارئ المقرئ، فأسلم أهل المدينة على يده قبل قدوم النبي ﷺ إياها، ويقال: إنه
стр. 55
أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، شهد بدرًا، ثم شهد أحدًا، وكان معه اللواء، فاستشهد (١).
معاذ بن الحارث الأنصاري الخزرجي: أبو حليمة، يقال له: القاري، شهد الخندق، ولم يدرك من حياة النبي ﷺ إلا ست سنين، وشهد الجسر مع أبي عبيدة، وهو الذي أقامه عمر يصلي التراويح في شهر رمضان، قتل بالحرة سنة ثلاث وستين، وهو ابن تسع وستين سنة (٢).
المقداد بن الأسود، نسب إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري؛ لأنه كان تبناه، وحالفه في الجاهلية، فقيل: المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك البهراني، أسلم قديمًا، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي ﷺ ، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر حتى إنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره، مات بالجرف سنة ثلاث وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة، وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان (٣).
وابصة بن معبد الأسدي، من بني أسد بن خزيمة، يكنى أبا شداد، ويقال: أبا قرصافة، وفد على النبي ﷺ سنة تسع، سكن الكوفة، ثم تحول إلى الرقة، وولي قضاءها أيام هارون الرشيد، ومات بها، وعقبه بها (٤).
واثلة بن الأسقع الليثي، أبو الأسقع، وقيل: أبو قرصافة، كان ينزل ناحية المدينة، ثم وقع الإسلام في قلبه، فقدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك، فأسلم، وخرج مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، ولما قبض ﷺ خرج إلى الشام، وشهد فتح دمشق وحمص، توفي سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، وقيل: مات سنة خمس وثمانين، وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة (٥).
стр. 56
يسار الجهمي: أبو فكيهة، مولى صفوان بن أمية، وقيل: مولى بني عبد الدار، ويقال: أصله من الأزد، أسلم قديمًا، فربط أمية بن خلف في رجله حبلًا، فجره حتى ألقاه في الرمضاء، وجعل يخنقه، فجاء أخوه أبي ابن خلف، فقال: زده، فلم يزل على ذلك، حتى ظن أنه مات، فمر أبو بكر الصديق ﵁ فاشتراه، وأعتقه (١).
стр. 57
المبحث الثالث: التعريف بنموذج الصُّفَّة
وفيه أربعة مَطالب:
المَطْلَب الأول: التعريف باسم الصُّفَّة
الصُّفَّة في اللُّغة- بضمًّ الصاد، وتشديد الفاء- هي: الظلة والبهو الواسع العالي السقف (١).
ويراد بها في الاصطلاح: موضع مظلل من المسجد كان يأوي إليه المساكين (٢).
أو هي مكان مظلل في مسجد المدينة كان يأوي إليه فقراء المهاجرين ويرعاهم الرسول ﷺ وهم أصحاب الصُّفَّة (٣).
المَطْلَب الثاني: تاريخ الصُّفَّة (بدايتها ونهايتها)
بداية نشأة الصُّفَّة:
ظهر بعد هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة مشكلة تتعلَّق بمعيشة المهاجرين الذين تركوا بيوتهم وأموالهم ومتاعهم بمكة فرارًا بدينهم من طغيان المشركين، ولا شك أن بعض المهاجرين لم يستطيعوا العمل حال قدومهم إلى المدينة؛ لأن الطابع الزراعي يغلب على اقتصاد المدينة، وليست للمهاجرين خبرة زراعية، فمجتمع مكة تجاري، كما أنهم لا يملكون أرضًا زراعية في المدينة، وليست لديهم رؤوس أموال، فقد تركوا أموالهم بمكة، وقد وضع الأنصار إمكانياتهم في خدمة المهاجرين، لكن بعض المهاجرين بقي محتاجًا إلى المأوى، واستمر تدفق المهاجرين إلى المدينة خاصة قبل موقعة الخندق؛ حيث كان الكثير منهم يستقرون في المدينة كما طرقت الوفود الكثيرة المدينة، ومنهم من لم يكن على معرفة بأحد من أهل المدينة، فكان هؤلاء الغرباء بحاجة إلى مأوى دائم أو مدة إقامتهم، ولا شك أن النبي ﷺ فكر في إيجاد المأوى
стр. 58
للفقراء المقيمين والوفود الطارقين وحانت الفرصة عندما تم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وذلك بعد ستة عشر شهرًا من هجرته ﷺ إلى المدينة حيث بقى حائط القبلة الأولى في مؤخر المسجد النبوي، فأمر النبي ﷺ به فظلل أو سقف وأطلق عليه اسم الصُّفَّة أو الظلة ولم يكن لها ما يستر جوانبها (١).
وروى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: «لما كثر المهاجرون بالمدينة، ولم يكن لهم دار ولا مأوى، أنزلهم رسول الله ﷺ المسجد، وسماهم أصحاب الصُّفَّة، فكان يجالسهم، ويأنس بهم» (٢).
نهاية الصُّفَّة:
لم تذكر المَصادر التاريخية تاريخ خروج الصحابة من الصُّفَّة، إلا أن عددًا من العلماء أشار إلى أن انتهاء الصُّفَّة كان مع بداية العهد الراشدي؛ لأن الهجرة إلى المدينة قد انقطعت بعد فتح مكة، حيث قال ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح»، ولأن الحاجة التي دفعتْ أهل الصُّفَّة للجلوس فيها من ملازمة النبي ﷺ ، والتعلم منه، وخدمته، لم تعدْ موجودةً بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، إضافة إلى أن الله تعالى قد فتح على المسلمين الفتوح، فاغتنى المسلمون، ولم تعد الضرورة قائمة لأكل الصدقة (٣).
قال ابن الجوزي: «هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين، استغنوا عن تلك الحال وخرجوا» (٤).
المَطْلَب الثالث: مكان الصُّفَّة
روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: لما كثرت المهاجرون بالمدينة ولم يكن لهم دار ولا
стр. 59
مأوى أنزلهم رسول الله ﷺ المسجد، وسماهم أصحاب الصُّفَّة، فكان يجالسهم ويأنس بهم (١).
وروى ابن سعد في الطبقات عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: «كان أهل الصُّفَّة ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ لا منازل لهم، فكانوا ينامون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد، ويظلُّون فيه، ما لهم مأوى غيره» (٢).
ولا خلاف بأنها تقع في المسجد، ويظهر أقوال نادرة بأنها كانت خارج المسجد، ولم أجد لها من خلال دراستنا ما يؤيدها.
أما تحديد موقع الصُّفَّة من المسجد، فكانت في البناء الأول للمسجد النبوي تقع في الجهة الشمالية من المسجد، مكان الظلة التي كان يصلي فيها المسلمون إلى بيت المقدس، ولما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة كان لا بد من نقل الظلة التي أقيمتْ لِتَقي المصلِّين الحَرَّ والمطر من الجهة الشمالية إلى الجهة الجنوبية، بيد أن الحاجة إليها لإيواء الفقراء والمساكين أوجبتْ بقاءها، وإقامة أخرى في الجهة الجنوبية، فبقيت ظلة القبلة الأولى مكانًا لأهل الصُّفَّة، وأصبح للمسجد لأول مرة ظلتان، يتوسطهما صحن مكشوف (٣).
يقول الحافظ الذهبيُّ: «كانت هذه القِبلة في شمالي المسجد، فلما حُوِّلت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصُّفَّة» (٤).
وفي السنة السابعة للهجرة وبعد غزوة خيبر ضاق المسجدُ بالمصلين، فعزم رسول الله ﷺ على زيادة مساحته (٥).
стр. 60
وروى الترمذي والنسائي في قصة إشراف عثمان على الناس يوم الدار، عن ثمامة بن حزن القشيري أن عثمان ﵁ قال: «أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول الله ﷺ : «من يشتري بقعة آل فلان، فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟» فاشتريتها من صلب مالي ... الحديث» (١).
وقد تمَّت توسعة المسجد من ثلاث جهات، فزيد في المسجد من جهة الشرق عشرة أذرع، أو أسطوانة، ومن جهة الغرب عشرين ذراعًا، أو أسطوانتين، ومن جهة الشمال أربعين ذراعًا، أو أربع أسطوانات، فأصبح المسجد بعد توسعته مائة ذراع في مائة ذراع (٢).
وقد ظهرت عدة أقوال في مكان الصُّفَّة في البناء الأول للمسجد النبوي (بعد التوسعة)، فقيل بأنها تقع في الركن الشمالي الغربي، والقول الثاني: تقع الصُّفَّة في الركن الشمالي الشرقي، وهي ظلة صغيرة، والقول الثالث: تقع الصُّفَّة في الجهة الشمالية، وتمتد ظلتها من الشرق إلى الغرب، والقول الرابع: أن «دكة الأغوات» هي مكان الصُّفَّة، وتقع الدكة شمال مقصورة الحجرة الشريفة، وعلى يمين الداخل من باب جبريل، وعلى يسار الداخل من باب النساء، ولا يخفى بُعد هذا القول؛ لأن هذا الموضع كان خارج المسجد من جهته الشرقية في زمن النبي ﷺ ، فهو موازٍ لحجراته ﷺ ، وأول توسعة أدخلت الحجرات ومكان الدكة في المسجد كانت في عهد عمر بن عبد العزيز ﵁ سنة ٩١ هـ (٣).
ورجَّح الباحث محمود محمد حمو أن الصُّفَّة كانت تمتد على طول الحائط الشمالي من شرقي المسجد إلى غربيه، بصف واحد من الأساطين، وذلك للأسباب التالية:
١ - أن كل من تكلم عن موقع الصُّفَّة حددها بالحائط الشمالي، أو مؤخرة المسجد، وحصْرها في أحد ركنيه الشرقي أو الغربي لا مسوغ له، خاصة أن عدد أهل الصُّفَّة في ازدياد.
стр. 61
٢ - أن الظُّلة في البناء الأول للمسجد كانت على امتداد الحائط الشمالي.
٣ - أن مساحة الظلة في أحد ركني المسجد لا يفي بالغرض الذي من أجله بنيت الظلة، فمساحتها في أحد الركنين تقدر بـ ١٢٥ مترًا مربعًا، وهي لا تكفي لإقامة مائة رجل، مع أن عددهم قد بلغ الأربعمائة في آن واحد.
٤ - أن جعل الظلة ثلاثة صفوف على امتداد الحائط الشمالي مساحة كبيرة لا حاجة لها، إذ إنها تساوي مساحة الظلة الجنوبية للمصلين، والتي هي المقصد الأول من إقامة المسجد (١).
المَطْلَب الرابع: أصحاب الصُّفَّة
تفيد المَصادر التاريخية أن معظم من نزل الصُّفَّة كانوا من فقراء المهاجرين الذين لم يجدوا مكانًا ينزلون فيه، وأن أول من نزلها مهاجرو مكة (٢).
فعن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: «كان أهل الصُّفَّة ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ لا منازل لهم، فكانوا ينامون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد، ويظلون فيه ما لهم مأوى غيره» (٣).
وعن طَلْحَة النضري ﵁ قال: «كان الرجل منا إذا قدم المدينة، فكان له بها عريف (٤) نزل على عريفه، وإن لم يكن له بها عريف نزل الصُّفَّة، فقدمت، فنزلت الصُّفَّة» (٥).
ومما يدل على أن أهل من نزل الصُّفَّة المهاجرون من قريش، ما روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) قال: «هم أصحاب
стр. 62
الصُّفَّة»، وقال مجاهد: «هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي ﷺ ، أمروا بالصدقة عليهم» (١).
ولذلك نسبت إليهم الصُّفَّة، فقيل: صفة المهاجرين، كما روي عن واثلة ابن الأسقع ﵁ «أن رسول الله ﷺ جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أيُّ آية في القرآن أعظم؟ قال النبي ﷺ : الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم» (٢).
ثم نزل بها الغرباء من الوفود الذين كانوا يَقْدُمون على النبي ﷺ مُعْلِنين إسلامهم وطاعتهم (٣).
لذا فأهل الصُّفَّة ينتمون إلى قبائل شتى، من مهاجري مكة وغيرها، يدل على ذلك أن النبي ﷺ وصفهم بالأوْفَاض (٤)، فعن أبي رافع ﵁ قال: «لما ولدت فاطمة حسنًا، قالت: ألا أعق عن ابني بدم، قال: لا، ولكن احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين، والأوفاض، وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ محتاجين في المسجد، أو في الصُّفَّة، وقال أبو النضر: من الورق على الأوفاض- يعني: أهل الصُّفَّة، أو على المساكين- ففعلت ذلك، قالت: فلما ولدت حسينًا فعلت مثل ذلك» (٥).
والأَوْفَاض: الفِرق من الناس والأخلاط من قبائل شتى، من وَفَضَت الإبل إذا تفرقت، قال أبو عبيد: والمراد بهم أهل الصُّفَّة؛ لأنهم كانوا أخلاطًا من قبائل شتى (٦).
إلا أن المتأمل في الروايات السابقة التي أوردتها يجد أن أهل الصُّفَّة مع اختلاف قبائلهم، وتعدد مواطنهم، كان بينهم عدد من مهاجري مكة (٧)، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ لم يؤاخ بين
стр. 63
جميع المهاجرين والأنصار، بل كان عدد الذين آخى النبي ﷺ بينهم تسعين رجلًا، وقيل: مائة، خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل غزوة بدر (١).
وتشير بعض المَصادر إلى نزول عدد من الأنصار في الصُّفَّة، وأن نزولهم في الصُّفَّة حبًّا لحياة الزهد والفقر، ومواساة لإخوانهم، رغم استغنائهم عن ذلك، يقول أبو نعيم في ترجمة أبي سعيد الخدري: «وحاله قريب من حال أهل الصُّفَّة، وإن كان أنصاري الدار؛ لإيثاره التصبر، واختياره للفقر والتعفف» (٢)، وقيل منهم كذلك البراء بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وحارثة بن النعمان، وحنظلة بن أبي عامر (٣)، ويرى الباحث أن نزول هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم غير ثابت كثبوت نزول المهاجرين في الصُّفَّة، ولم يذكر في روايات كثيرة وهو وإن كان ثابتًا نزولهم في الصُّفَّة فليس مسلمًا بأن سبب نزولهم إياها لإيثارهم التصبر، واختيارهم للفقر والتعفف؛ فقد ورد هذا فقط في ترجمة أبي سعيد الخدري ﵁، وأما الصحابة الآخرون من الأنصار رضوان الله عليهم فقد يكون نزولهم الصُّفَّة لحالهم وفقرهم، فكما أن في المهاجرين فقراء فكذلك في الأنصار، فهم ليسوا جميعًا أغنياء، وقد وجد الفقراء في أكثر المجتمعات غنىً وثراءًا.
وبهذا يتضح بأن أهل الصُّفَّة ليسوا أشخاصًا بأعيانهم، بل هم من الفقراء والمساكين، وغالبهم من المهاجرين الذين غلبت عليهم الظروف المعيشية الصعبة في تلك الفترة، وعندما تحسنتْ أوضاعُهم لم يبقوا فيها.
فقد روى أنس بن مالك أن رجلاً أتى النبي ﷺ ببعير فقال: يا رسول الله، أعقله وأتوكل؟ أو أطلقه وأتوكل؟ قال: (اعقله وتوكل)، قلت: ولا حجة لهم في أهل الصُّفَّة، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار، ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله ﷺ ، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلون؛ هكذا وصفهم البخاري وغيره، فكانوا يتسببون، وكان
стр. 64
- ﷺ إذا جاءته هدية أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصهم بها، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا- كأبي هُرَيْرَة وغيره- وما قعدوا (١).
стр. 65
الفصل الأول: الموارد الاقتصادية لأهل الصُّفَّة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المصادر الذاتية
المطلب الأول: العمل
المطلب الثاني: الغنائم
المبحث الثاني: المصادر الرسمية
المطلب الأول: مصادر بيت المال
المطلب الثاني: الزكاة
المبحث الثالث: المصادر غير الرسمية
المطلب الأول: الصدقات والهبات
المطلب الثاني: الأوقاف
стр. 66
المبحث الأول: المصادر الذاتية
المطلب الأول: العمل
قال الفرَّاء: الفقراء أهل الصُّفَّة لم يكن لهم عشائر ولا مال، كانوا يلتمَّسون الفضل ثمَّ يؤوون إلى مسجد رسول الله ﷺ (١).
أورد الماوري في تفسير قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) قولين، أحدهما: أنَّها نزلت في أهل الصُّفَّة، وكانوا قومًا من المهاجرين فقراء، ولم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، فنزلوا صُفَّة المسجد، وكانوا نحو أربعمائة رجل يتلمَّسون الرزق بالنهار ويؤوون إلى الصُّفَّة في الليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور، مما يصيب الرجال بالكسوة والطعام، فهمَّ أهل الصُّفَّة أن يتزوجوهن؛ ليؤووا إلى مساكنهن وينالوا من طعامهن وكسوتهن، فنزلت فيهن هذه الآية. (٣)
والشاهد قوله: (وكانوا نحو أربعمائة رجل يتلمَّسون الرزق بالنهار ويؤوون إلى الصُّفَّة في الليل).
قال ابن تيمية، ﵀: «وكان فقراء المسلمين من أهل الصُّفَّة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الَّذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب، وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله .. فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق .. ولم يكن
стр. 67
في الصحابة لا أهل الصُّفَّة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس ولا الإلحاف في المسألة بالكدية والشحاذة، لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك» (١).
وذكر الشاطبي في الاعتصام أن النَّبي ﷺ أنزل صُفَّة المسجد من لم يجد وجهًا يتكسَّب به لقوت ولا لسكنى، وحضَّ أصحابه على إعانتهم، والإحسان إليهم؛ لأنهم أضياف الإسلام، وحق على الضيف إكرامه والإنفاق عليه حتَّى يجد السعة والرزق، ثمَّ قال: ومع ذلك كانوا بين طالب للقرآن والسنة كأبي هريرة، فإنه قصر نفسه على ذلك، وكان منهم من يتفرغ إلى ذكر الله وعبادته، وقراءة القرآن، فإذا غزا رسول الله ﷺ غزا معه، وإذا أقام أقام معه، حتَّى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصاروا إلى ما صار الناس إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال، وطلب للمعاش واتخاذ المسكن؛ لأن العذر الَّذي حبسهم في الصُّفَّة قد زال، فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض، فالذي تحصَّل أن القعود في الصُّفَّة لم يكن مقصودًا لنفسه، ولا بناء الصُّفَّة للفقراء مقصودًا بحيث يقال: إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هي شرعية تطلب بحيث يقال: إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصُّفَّة، والدليل من العمل أن المقصود بالصُّفَّة لم يدُم، ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها، ولا عمرت بعد النَّبي ﷺ ، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة، لكانوا هم أحق بفهمها أولًا، ثمَّ بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل ا. هـ. (٢)
وروى أنس بن مالك أن رجلًا أتى النَّبي ﷺ ببعير فقال: يا رسول الله، أعقله وأتوكل، أو أطلقه وأتوكل؟ قال: (أعقله وتوكل). قلت: ولا حُجَّة لهم في أهل الصُّفَّة، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتَّجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنَّما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله ﷺ ، ويقرأون القرآن بالليل ويصلُّون. هكذا وصفهم البخاري وغيره، فكانوا يتسبَّبون.
стр. 68
وكان ﷺ إذا جاءته هدية أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصَّهم بها، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمَّروا-كأبي هريرة وغيره- وما قعدوا. (١)
ويتضح أن أهل الصُّفَّة كما ورد من آثار يعملون إذا وجدوا فرصة لذلك، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - عمل بلال بن رباح مؤذنًا في مسجد الرسول الكريم.
٢ - جاء في ترجمة الصحابي الجليل أبي الأصقع الليثي (أسلم قبل تبوك وشهدها، وكان من أهل الصُّفَّة، خدم النَّبي ﷺ ثلاث سنين، ومات سنة ٨٣ هـ وعمره مائة وخمس سنين). (٢)
المطلب الثاني: الغنائم
جاء في التفسير الوسيط في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) قال ابن عباس في رواية الكلبي: هم أهل الصُّفَّة، صُفَّة مسجد رسول الله ﷺ ، وهم نحو من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر يؤوون إليهم، فجعلوا أنفسهم في المسجد، وقالوا: نخرج في كل سريَّة يبعثها رَسُول اللَّهِ ﷺ في سبيل الله، فحثَّ الله الناس على الصدقة عليهم، وكان الرجل إذا أكل وعنده فضل أتاهم به إذا أمسى. (٤)
وقد ردَّ ابن تيمية الافتراء عليهم بتخلُّفهم عن الجهاد، فقال: وأما ما ذكر من تخلُّفهم عنه
стр. 69
- ﷺ في الجهاد فقول جاهل ضال، بل هم الذين كانوا أعظم الناس قتالًا وجهادًا، كما وصفهم القرآن بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال قتادة في تفسيره لهذه الآية، وهو أحسن الأقوال، معناه: أنهم حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وتركوا الخروج للتجارة والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الحرب. (٢)
وقد ورد ذلك في أهل الصُّفَّة، كانوا قريبًا من أربعمائة نفر، اجتمعوا في مسجد رسول الله، وكانوا لا يؤوون إلى أهل ولا إلى مال، وكان يبعث الناس إليهم بفضل قوتهم، وكانوا وقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وقالوا: لا تخرج سريَّة إلا ونخرج معها، فهذا معنى قوله: ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. (٣)
وجاء في تفسير البيضاوي: (وكانوا يخرجون في كل سريَّة بعثها رسول الله ﷺ ). (٤)
وكان منهم الشهداء ببدر، مثل: صفوان بن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسدي، وخبيب بن يساف، وسالم بن عمير، وحارثة بن النعمان الأنصاري (٢)، ومنهم من استشهد بأُحد، مثل: حنظلة الغسيل (٣)، ومنهم من شهد الحديبية، مثل: جرهد بن خويلد، وأبي سريحة الغفاري (٤)، ومنهم من استشهد بخيبر، مثل: ثقف بن عمرو (٥)، ومنهم من استشهد بتبوك، مثل: عبد الله ذي البجادين (٦)، ومنهم من استشهد باليمامة، مثل: سالم مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب (٧)، هكذا كانوا رهبانًا في الليل فرسانًا في النهار. (٥)
стр. 70
وبتتبع سيرتهم العطرة وجد الباحث أن نسبة مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله بلغت (٩٩%)، وأن النسبة الباقية (١%) هي لأهل الأعذار، مثل عبد الله ابن أم مكتوم؛ فقد كان كفيف البصر، ﵁.
ومن المعلوم أن من يخرج مجاهدًا في سبيل الله يأخذ نصيبه من الغنائم، فيكون هذا من الموارد الاقتصادية لهم.
стр. 71
المبحث الثاني: المصادر الرسمية
المطلب الأول: مصادر بيت المال
روى واثلة بن الأسقع قال: كنت أنا من أصحاب الصُّفَّة، وذكر قصة، قال أبو هريرة ﵁: قال أخطأني العشاء ذات ليلة مع النبي، وأخطأني أن يدعوني أحد من إخواننا، فصلَّينا العشاء، ثمَّ أردت أن أنام فلم أقدر، وأردت أن أصلِّي فلم أقدر، فإذا رجل عند حجرة النبي، فأتيته فإذا هو رسول الله يُصلِّي، فصلَّى ثمَّ استند إلى السارية التي كان يصلِّي إليها، فقال: مَن هذا؟ أبو هِرٍّ؟، قلت: نعم، قال: أخطأك العشاء معنا الليلة؟ قلت: نعم، قال: انطلق إلى المنزل فقل: هلمُّوا الطعام الَّذي عندكم، فأعطوني صحفة فيها عصيدة بتمر، فأتيت النَّبي ﷺ فوضعتها بين يديه، فقال لي: ادعُ لي أهلَ المسجد، فقلت في نفسي: الويل لي مما أرى من قلَّة الطعام، والويل لي من العصيدة ..
الحديث، قال واثلة: فشكا أصحابي الجوعَ، فقالوا: يا واثلة، اذهب إلى رسول الله ﷺ فاستطعمه لنا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إن أصحاب الصُّفَّة أرسلوني إليك وهم جياع، فقال رسول الله ﷺ لزوجته عائشة: هل عندك شيء؟ فقالت: يا رسول الله، ما عندي إلَّا فتات خبز، فقال: هاتِه، فجاءت بالجراب، فدعا رسول الله ﷺ بصحفة فأفرغ الخبز في الصحفة، ثمَّ جعل يصلح الثريد بيده وهي تربو حتَّى امتلأت الصحفة، فقال ﷺ : يا واثلة، اذهب فجئني بعشرة من أصحابك، فجئت بعشرة من أصحابي، فقال: اجلسوا، اجلسوا، ثمَّ قال: كلوا باسم الله، خذوا من جوانبها ولا تأخذوا من أعلاها فإن البركة تنزل من أعلاها، فأكلوا حتَّى شبعوا، ثمَّ قاموا وفي الصحفة مثل ما كان فيها، ثمَّ جعل يصلحها بيده وهي تربو حتَّى امتلأت، فقال: يا واثلة، اذهب فجئني بعشرة، فقال: اجلسوا اجلسوا، فأكلوا حتَّى شبعوا، ثمَّ قاموا وبقي في الصحفة مثل ما كان فيها، ثمَّ قال: هل بقي أحد؟ قلت: نعم، عشرة، قال: جئ بهم، فأكلوا حتَّى شبعوا، ثمَّ قاموا وبقي في الصحفة مثل ما كان فيها، ثمَّ قال: يا واثلة، ارفع هذا إلى عائشة. (١)
стр. 72
والشاهد من الحديث قوله: (يا رسول الله، إن أصحاب الصُّفَّة أرسلوني إليك وهم جياع)، وفيها دلالة صريحة على دور الرسول الكريم الرسمي بصفته قائد الأمة، واعتماد أصحابه عليه بصفته هذه، فيكون ذلك من قبيل المصادر الرسمية.
المطلب الثاني: الزكاة
وكذا الحديث الَّذي رواه أبو هريرة ﵁، كان يقول: والذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على كبدي من الجوع، وإن كنت لأشد على بطني الحجر من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الَّذي يخرجون منه فمرَّ بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله تعالى، وما سألته إلا ليستتبعني، فمرَّ ولم يفعل، ثمَّ مرَّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله تعالى، وما سألته إلا ليستتبعني، فمرَّ ولم يفعل، ثمَّ مرَّ بي أبو القاسم ﷺ فتبسَّم وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثمَّ قال: يا أبا هريرة، قلت: لبَّيك يا رسول الله، قال: «الحق»، ثمَّ مضى واتبعته فدخل، واستأذنت فأذن لي، فدخلت فوجد لبنًا في قدح فقال: من أين هذا اللَّبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، فقال: أبا هِرٍّ، فقلت: لبَّيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصُّفَّة فادعهم، قال: وأهل الصُّفَّة أضياف الإسلام لا يؤوون إلى أهل ولا مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللَّبن في أهل الصُّفَّة؟ كنت أرجو أن أصيب من هذا اللَّبن شربة أتقوى بها أنا والرسول فإذا جاءوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللَّبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بُدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا حتَّى استأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: يا أبا هريرة، قلت: لبَّيك يا رسول الله، قال: خذ وأعطهم، فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتَّى يروى، ثمَّ يردُّ عليَّ القدح فأعطيه آخر فيشرب حتَّى يروى، ثمَّ يردُّ عليَّ القدح، ثمَّ أعطيه آخر فيشرب حتَّى يروى، ثمَّ يردُّ عليَّ القدح، حتَّى انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، ونظر إليَّ وتبسَّم ﷺ ، وقال: يا أبا هِرٍّ، قلت:
لبَّيك يا رسول الله، قال: «بقيت أنا وأنت؟»، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «فاقعد واشرب» فقعدت وشربت، فقال: اشرب، فشربت فقال: اشرب، فشربت،
стр. 73
فما زال يقول: «اشرب» فأشرب، حتَّى قلت: لا والذي بعثك بالحقِّ، ما أجد له مسلكًا، ثمَّ أعطيته القدح، فحمد الله وسمَّى، وشرب الفضلة ﷺ (١).
والشَّاهد من الحديث الأوَّل قوله: (وأهل الصُّفَّة أضياف الإسلام لا يؤوون إلى أهل ولا مال إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم)، والصَّدقة هنا تأتي بمعنى الزكاة، وهي لا تنبغي لآل محمد ﵊. (٢)
стр. 74
المبحث الثالث: المصادر غير الرسمية
المطلب الأول: الصدقات والهبات
نقل البيهقي عن أأبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا علي بن محمد بن سختويه، قال: أخبرنا محمد بن علي بن بطة، قال: حدَّثنا عفَّان بن مسلم، قال: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس: «أن ناسًا جاءوا إلى النَّبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجالًا يُعلموننا القرآن والسُّنَّة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القرَّاء، وفيهم خالي حرام، يقرأون القرآن ويتدارسون باللَّيل، ويتعلَّمون، وكانوا بالنَّهار يجيئون بالماء فيضعونه بالمسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطَّعام لأهل الصُّفَّة. (١)
وكذا الحديث الَّذي رواه عبد الرَّحمن بن أبي بكر قال: أصحاب الصُّفَّة كانوا أناسًا فقراء، وإنَّ رسول الله ﷺ قال: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، أو كما قال: وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق رسول الله ﷺ بعشرة، وإنَّ أبا بكر تعشَّى عند رسول الله ﷺ ثمَّ لبث حتَّى صلَّيت العشاء ثمَّ رجع فجاء بعدما مضى من اللَّيل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أوعشيتيهم؟ قالت: أبوَا حتَّى تجيء وقد عرضوا عليهم فغلبوهم قال: فذهبت أنا فاختبأت فقال: كُلوا هنيئًا، وقال: والله لا أطعمه أبدًا، قال: فأيم الله، ما كنا نأخذ لقمة إلَّا رَبَا من أسفلها أكثر منها؟ قال: فشبعوا وصارت أكثرَ ممَّا كان قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا وقرَّة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنَّما كان ذلك من الشَّيطان، يعني يمينه، ثمَّ أكل منها (لقمة) ثمَّ حملها إلى
стр. 75
رسول الله ﷺ فأصبحت عنده، قال: وكان بينهم وبين قوم عهد، فمضى الأجل فعرفنا اثني عشر رجلًا مع كل رجل منهم ناس، والله أعلم كم كان مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون (١).
كما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ ثلاثة أقوال: أحدها أنها نزلت في علي وعبد الرَّحمن بن عوف، فإنَّ عليًّا بعث بوسق من تمر إلى أهل الصُّفَّة ليلًا، وبعث عبد الرَّحمن إليهم بدنانير كثيرة نهارًا، رواه الضَّحاك عن ابن عبَّاس (٢).
المطلب الثَّاني: الأوقاف
روي ابن شهاب عن عروة بن الزبير-في حديث طويل- وممَّا جاء فيه مما نحن بصدد الحديث عنه: «فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسَّس المسجد الَّذي أُسس على التَّقوى، وصلَّى فيه رسول الله ﷺ ثمَّ ركب راحلته، فسار يمشي ومعه النَّاس، حتَّى بركت عند مسجد الرَّسول ﷺ بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجال من المسلمين، وكان مربدًا للتَّمر لسُهيل، وسهل، غلامين في حجر سعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ ، حيث بركت راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثمَّ دعا رسول الله ﷺ الغُلامين فساومهما بالمربد ليتَّخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبةً، حتَّى ابتاعه منهما، ثمَّ بناه مسجدًا ... الحديث». (٣)