Полный текст (124 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
وفاة النبي ﷺ وأظلمت المدينة
كتبه
نزار عبد القادر بن محمد الريان النعلاواني العسقلاني
فلسطين المغتصبة - غزة ١٤٢٨ هـ
تقديم
الأستاذ الشيخ محمد بن صالح طه
من مطبوعات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
بتمويل الإدارة العامة للأوقاف - دولة قطر
стр. 2
الطَّبْعَة الثَّانيَة
١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر
اسْم الْكتاب: وَفَاة النَّبِي ﷺ
الْمُؤلف: الدكتور الشَّهِيد نزار رَيَّان (ت ١٤٣٠ هـ)
الإعداد: مَرْكَز دَار الْمِنْهَاج للدراسات
مَوْضُوع الْكتاب: سيرة نبوية
مقاس الْكتاب: (٢٤ سم)
تصنيف ديوي الموضوعي: (٢٣٩.٢)
عدد الْأَجْزَاء: (١)
عدد المجلَّدات: (١)
نوع الْوَرق: شاموا فاخر
نوع التجليد: مجلَّد فني
عدد الصفحات: (١٢٨ صفحة)
عدد ألوان الطباعة: لونان
التصميم والإخراج: مَرْكَز الْمِنْهَاج للصف والإخراج الفني
لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ بأيِّ شكلٍ من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بترجمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا من الناشر.
(٤ - ٣٢ - ٤٩٨ - ٩٩٥٣ - ٩٧٨: ISBN)
стр. 3
وَفَاةُ النَّبيّ ﷺ وَأَظْلَمَت المَديْنَة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْعَسْقَلَانِي، نزار عبد الْقَادِر مُحَمَّد رَيَّان النعلواني
وأظلمت الْمَدِينَة، وَفَاة النَّبِي ﷺ
نزار عبد الْقَادِر مُحَمَّد رَيَّان النعلواني الْعَسْقَلَانِي
عدد الصفحات ١٢٨ ص، حجم الْوَرق ٢٤ × ١٧ سم، اسْمه A ٥
١ - السِّيرَة النَّبَوِيَّة
٢ - وَفَاته ﷺ
ديوي: (٢٣٩.٢)
عسق
ر. ي. ا
стр. 5
دَارُ المِنْهَاجِ
لبنان - بيروت
هَاتِف: ٠٥٨٠٦٩٠٦ - فاكس: ٠٥٨١٣٩٠٦
دَارُ المِنْهَاجِ لِلنَّشِر وَالتَّوْزيع
لِصَاحِبَها عُمَر سَالِمْ بَاجخَيف
وَفّقَهُ الله تَعَالى
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة
حَيّ الكندرة - شَارِع أَبِهَا تقاطع شَارِع ابْن زيدون
هَاتِف رئيسي: ٦٣٢٦٦٦٦ - الإدارة: ٦٣٠٠٦٥٥
المكتبة: ٦٣٢٢٤٧١ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢
ص. ب: ٢٢٩٤٣ - جدة: ٢١٤١٦
عُضْو فِي الإتحاد الْعَام للناشرين الْعَرَب
عُضْو فِي إدارة جمعية الناشرين السعوديين
عُضْو فِي نقابة الناشرين فِي لبنان
www.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه، وخاتم رسله، وبعد:
فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر - وقد وفقها الله لأنْ تضربَ بسهمٍ في نشر الكتب النافعة للأمة - لَتحمَدُ اللهَ على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول مِنْ أهل العلم.
والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة العلوم الشرعية، ورفد المكتبة الإسلامية بنفائس الكتب القديمة والمعاصرة؛ وذلك منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي الذي بدأته الوزارة منذ عدة سنوات امتدادًا لتلك الجهود، وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.
ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر الله جلَّ وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة معظمها يُطبع لأول مرة؛ كتفسير العُليمي "فتح الرحمن في تفسير القرآن"، و"مرسوم المصحف" للعُقيلي، و"الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة" لأبي بكر عبد الغني المشتهر باللبيب، و"معاني الأحرف السبعة" لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، تحقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر، و"حاشية مسند الإمام أحمد" للسندي، و"شرحين لموطأ الإمام مالك" - لكُل مِنْ القنازعي والبوني، و"شرح مسند الإمام الشافعي" للرافعي، و"نخب الأفكار شرح معاني الآثار" للبدر العيني، و"مصابيح الجامع" للقاضي بدر الدين الدَّمَاميني، و"التقاسيم والأنواع" للإمام ابن حبان.
стр. 7
إضافة إلى "صحيح الإمام ابن خزيمة" بتحقيقه الجديد المتقَن، ومثله كتاب "السنن الكبرى" للإمام النسائي، المحقَّق على عدة نسخ خطية، و"المخلصيات" لأبي طاهر المخلص، و"مطالع الأنوار" لابن قرقول، و"نهاية المطلب في دراية المذهب" للإمام الجويني، بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب -رحمه الله تعالى-، عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و"الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف" للإمام ابن المنذر، بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد الله الفقيه، عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أيضًا، و"التبصرة" للإمام اللخمي "حاشية الخلوتي" في الفقه الحنبلي.
ومؤخرًا كتاب "الأصل" لمحمد بن الحسن الشيباني، كاملًا محققًا على أصول عدة.
وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى.
كما طبعت الوزارة لأول مرة كتاب "جامع الآثار في السير ومولد المختار" لابن ناصر الدين الدمشقي، و"الوجيز في السيرة" و"عصر السيرة" كلاهما للدكتور أكرم ضياء العمري -حفظه الله-.
وفي معتقد أهل السنة والجماعة على مذهب السلف الصالح أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا وهو: "الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد" لابن العطار، تلميذ الإمام النووي -رحمهما الله تعالى-.
هذا في جانب ما يُنشر لأول مرة من كتب التراث.
أما في الدراسات والتآليف المعاصرة: فقد نشرت الوزارة مجموعة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها؛ منها: "القيمة الاقتصادية للزمن"، و"نوازل الإنجاب"، و"الأحكام المتعلقة بالتدخين"، وغيرها.
стр. 8
وفي الطريق -بإذن الله تعالى- ما تقر به عيون الباحثين من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، والنوازل بأنواعها المختلفة.
* * *
ويسرنا أن نقدم اليوم كتابًا من نوع خاص، يحرك القلوب المؤمنة ويذكرها بالحبيب المصطفى ﷺ ، مستعرضًا أيامه الأخيرة في هذه الدار، منذ اشتداد مرضه إلى أن لقي ربه جل وعلا، وقد كانت أيامًا عصيبة على الصحابة الكرام.
وقد وُفق الكاتب في الانتقال بالقارئ نقلة شعورية متخطية حدود الزمان والمكان؛ ليعيش تلك الأيام والليالي بسكونها وطولها وشدتها.
ولئن كان هذا الكتاب في أصله بحثًا علميًا جامعيًا .. فإن الباحث تمكن أن يجعله من كتب الرقاق بجدارة فائقة.
ولم يمر وقت طويل على كتابته حتى يلحق الكاتب بربه جل وعلا في غارة يهودية غادرة على منزله بغزة، أودت بحياته وحياة زوجاته وأولاده فرحمهم الله رحمة واسعة.
ويسرنا أن نقدم للأمة هذه الطبعة؛ تذكيرًا وتعزية بالنبي ﷺ ، وتكريمًا لعلماء فلسطين وشهدائها، وإهداء للمرابطين الصابرين في أكناف بيت المقدس، وعزاء لكل مسلم في زمن تكالب الأعداء؛ فإن في وفاة النبي ﷺ عزاء لكل مصاب.
نسأل الله جل وعلا أن ينفع بهذا العمل، وأن يزيدنا من فضله وتوفيقه
إدَارَة الشّؤُون الإسْلَاميَّةِ
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
стр. 10
بَينَ يَدَيِ الْكِتَابِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْقَائِلِ -جَلَّ وَعَلا-: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فَنِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَتِ الْعِلَاوَةُ!! كَمَا قَالَ الْفَارُوقُ.
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ لِلْعَالَمِينَ، الَّذِي مَا مَاتَ حَتَّى تَرَكَ أُمَّته عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ. وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْمُجَاهِدِينَ، وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِذَا كَانَ الأَثَرُ عَنْ أَبِي السِّبْطَيْنِ يَقُولُ: (إِذَا مَاتَ الْعَالِمُ .. انثَلَمَ فِي الإِسْلَامِ ثَلْمَةٌ، وَلَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (١) وَإِذَا كَانَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ فَسَّرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. الحواشي
(١) "المقاصد الحسنة" رقم(٧٩) ، وروي نحوه مرفوعًا ولا يصح.стр. 11
قَالَ: مَوْتُ عُلَمَائِهَا .. فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْمُرْتَفِعُ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى هُوَ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ لِلْعَالَمِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ؟!
لَا شَكَّ أَنَّهَا كَانَتْ مُصِيبَةً فِي الدِّينِ لَيْسَ وَرَاءَهَا مَرْمَىً، وَفَتْحَةً فِي الإِسْلَامِ لَا يُوجَدُ فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ مَنْ يَقْوَى عَلَى سَدِّهَا، وَلِذَا وَرَدَتِ الآثَارُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ تَقُولُ مَا مُؤَدَّاهُ: إِنَّا مَا أَضْجَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قَبْرِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا.
هَذَا؛ وَإِنَّ مِمَّا أَرْسَلَ عَلَيْهِ الدُّكْتُورُ نِزَارُ الرَّيَّانُ إِضَاءَةً بَيَانِيَّةً، وَأَشِعَّةً بَلَاغِيّهً .. قِصَّةَ مَرَضِ سَيِّدِنَا أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ وَوَفَاتِهِ، وَمَا رَافَقَهُمَا مِنْ تَفَاعُلَاتٍ وَأَحْدَاثٍ.
وَلَقَدْ وُفِّقَ -رَعَاهُ اللهُ تَعَالَى- فِي اصْطِفَاءِ الْخَطِّ الْعَرِيضِ لِهَذَا الْحَدَثِ الْجَلَلِ؛ حَيْثُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ عُنْوَانَ: "وَأَظْلَمَتِ الْمَدِينَةُ".
وَهَذَا الْبَحْثُ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهِ، وَقِلَّةِ صَفَحَاتِهِ .. يَتَمَيَّزُ بِالخَصَائِصِ التَّالِيَةِ:
• إِنَّ المُسْتَنَدَاتِ الْحَدِيثيَّةَ الَّتِي ارْتَكَزَ عَلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ كُلَّهَا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَثَائِقُ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتةٌ؛ إِذْ هِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالحُسْنِ، فَهِيَ مُنْتَقَاةٌ مُصَفَّاةٌ، مُخَرَّجَةٌ تَخْرِيجًا عِلْمِيًّا، وَمُبَرَّأَةٌ مِنْ وَصْمَةِ الضَّعْفِ وَالْوَضْعِ، وَلَا غَرْوَ؛ فَمُحَبِّرُ هَذَا البَحْثِ مِنْ أَهْلِ التَّخَصُّصِ
стр. 12
فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ النَّاظِمُ الْقَدِيمُ قَدْ قَالَ فِي "أُرْجُوزَتهِ":
وَلْيَعْلَمِ الطَّالِبُ أَنَّ السِّيَرَا ... تَجْمَعُ مَا صَحَّ وَمَا قَدْ أُنْكِرَا (١)
فَإِنَّ هَذَا الْبَحْثَ -وَهُوَ جُزْءٌ أَخِيرٌ مِنَ السِّيرَةِ الْعَطِرَةِ- رَفَلَ فِي حُلَلِ الصِّحَّةِ وَالْمَتَانَةِ، وَلَبِسَ بُرْدَيِ الأَصَالَةِ وَالأَنَاقَةِ، فَلَمْ تَشُنْهُ نَكَارَةٌ، وَلَمْ يَنْخُرْ فِي سُطُورِهِ الضَّعْفُ.
• يَرَاعَةُ الدُّكْتُورِ نِزَارِ الرَّيَانِ كَانَتْ تَمُجُّ صِدْقَ الأَحَاسِيسِ، وَتَنْقُسُ الصُّورَةَ الْبَاطِنَةَ لِلْكَاتِبِ، بَلْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ، فَكَانَتْ مَدَامِعُ الْقَلْبِ تَسِيلُ عَلَى الطُّرُوسِ عَبَرَاتٍ دَامِيَةً، وَتَبَدَّتِ الأَلْفَاظُ مُتَوَاصِلَةَ الأَحْزَانِ، مُتَجَهِّمَةَ الْمَعَالِمِ، وَمَا زَادَتْهَا الْمِسْحَةُ الأَدَبِيَّةُ إِلَاّ وَابِلًا مِنَ الأَنَّاتِ وَالآهَاتِ، تَتَدَفَّقُ مِنْ عَاطِفَةٍ جَيَّاشَةٍ بِالإِيمَانِ الرَّاسِخِ بِالْحُبِّ؛ لِذَلِكَ كَانَ عَرْضُ الْمَرَضِ وَالْوَفَاةِ نَاصِعًا بِالحَقَائِقِ كَامِلَةً، وَمَا كَادَ أَنْ يَفِيَ بِحَقِّ هَذَا المُصَابِ العَظِيمِ لَوْلَا تَمَوُّجُ العَاطِفَةِ وَتَفَاعُلُهَا الصَّادِقُ.
• لَا مِرَاءَ أَنَّ الْبَحْثَ هُوَ حَلْقَةٌ أَخِيرَةٌ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَيْضًا لَا جِدَالَ أَنَّ هَذِهِ الْحَلْقَةَ مُنْتَثِرةٌ أَجْزَاؤُهَا فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَبُطُونِ التَّوَارِيخِ، إِلَاّ أَنِّي -بِحَسَبِ عِلْمِي- لَمْ أَرَ مَنْ خَصَّ هَذِهِ الحَلْقَةَ الحواشي
(١) "ألفية السيرة النبوية" للعراقي (ص ٢٩).стр. 13
بِالتَّأْلِيفِ اسْتِقْلَالًا، وَلَا مَنْ أَحْكَمَ الْكَلَامَ عَلَى الْمَوْضُوعِ إِحْكَامًا يَلِيقُ بِمَقَامِ صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ؛ مِنْ حَيْثُ جَمْعُ الرِّوَايَاتِ وَانْتِقَاؤُهَا، وَضَمُّ الْمُتَنَاثِرِ وَعَرْضُ النَّتَائِجِ، وَتَقْيِيدُ الأَوَابِدِ، وَتَرْصِيعُ الْبَحْثِ بِالْفَوَائِدِ، وَالتَّفَنُّنُ فِي تَسَلْسُلِ الأَحْدَاثِ دُونَ تَرْكِ فَجَوَاتٍ تُخَفِّفُ مِنَ الْوَطْأَةِ، أَوْ تُبَدِّدُ ذَلِكَ التَّفَاعُلَ الإِيمَانِيَّ، فَكَأَنَّ فِكْرَهُ وَيرَاعَتَهُ يَدْفَعَانِ الْمُتَابِعَ دَفْعًا مُنْكَرًا إِلَى ارْتشَافِ الْبَحْثِ حَتَّى الثُّمَالَةِ، وَهَذَا نَهْجُ الْمُوَفَّقِينَ الَّذِينَ بَلَغُوا الشَّأْوَ الْقَصِيَّ فِي الإِحْسَانِ وَالإِتْقَانِ.
• كَأَنَّ فَلْسَفَةَ اصْطِفَائِهِ لِهَذَا الْبَحْثِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ نَجَمَتْ مِنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ الْمُتَرَاكِمِ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَى إِخْوَتِنَا الْفِلَسْطِينِيِّينَ، وَاحْتِكَاكِهِ بِقَوَافِلِ الشُّهَدَاءِ الَّتِي تَرْتَفِعُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى عَلْيَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ وَالنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ، وَرُضُوخِ الْمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ لِلتَّسَلُّطِ الأَمْرِيكِيِّ الصُّهْيُونِيِّ، فَتَمَخَّضَ عَنْ هَذِهِ الْمُكَابَدَاتِ هَذِهِ النَّفَثَاتُ الإِيمَانِيَّةُ، فَإِنَّ فِيهَا عَزَاءً وَعَزَاءً، وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَوْفِيقًا.
وَصَنِيعُ الدُّكْتُورِ نِزَارٍ امْتِثَالٌ لِلتَّوْجِيهِ النَّبَوِيِّ الآمِرِ بِالتَّعَزِّي بِمُصِيبَتِنَا بِهِ ﷺ ؛ فَفِي الحَدِيثِ المَرْفُوعِ: "إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ .. فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ المَصَائِبِ" (١) ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ مَاجَهْ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَيُّمَا أَحَدٍ الحواشي
(١) مسند الدارمي(٨٥) .стр. 14
مِنَ النَّاسِ أُصِيبَ بِمُصيبَةٍ .. فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيِبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَتَّي تُصِيبُهُ بِغَيْري؛ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَاب بِمُصيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي" (١) .
وَهَذَا تَوْفِيقٌ ظَاهِرٌ مِنْ الْمَوْلَي -تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- لِلْمُؤَلِّفِ.
فَهَنِيئًا لَهُ إِتْقَانَهُ لِلْبَحْثِ, وَتَنْقِيَتَهُ مِنْ شَوَائِبِ الضَّعْفِ, وَإِصَابَتَهُ السُّنَّةَ فِي التَّعَزِّي بِالْمُصِيبَةِ العُظْمَي, وَتَذْكِيرِ النَّاسِ بِهَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الْمُتَمَوِّجِ بِجَلَائِلِ الْمَصائِبِ, وَكَثْرَةِ الْهَرْجِ.
وَبَعْدُ: فَإِنَّ دَارَ الْمِنْهَاجِ إِذْ تُخْرِجُ هَذَا الْبَحْثَ اللَّطِيفَ فِي ثَوْبٍ قَشِيبٍ, وَإخْرَاجٍ فَنِّيٍّ مُتَمَيِّزٍ .. لَتَهِيبُ بِالأُمَّةِ الإسْلَامِيَّةِ الَّتِي اصْطَلَتْ بِنِيرَانِ الْفُرْقَةِ وَالْغُرْبَةِ, وَتَدَاعِي الأُمَمِ عَلَيْهَا أَنْ تَقَرَأَ هَذَا الْبَحْثَ وَأَضْرَابَهُ؛ لِتَتَعَزَّي فِي مُصِيبَتِهَا, وَتَنْهَضَ مِنْ كَبْوَتِهَا, وَتَنْشَطَ لِلاحْتِكَامِ فِي كُلِّ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ إِلَي الْمَصْدَرَيْنِ النَّيِّريْنِ: كِتَابِ الله الْفُرقَانِ, وَسُنَّةِ الْمَأْمُورِ بِالْبَيَانِ ﷺ .
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتٌ
الناشر الحواشي
(١) ابن ماجه(١٥٩٩) .стр. 15
تَقْدِيمٌ
كَتَبَهُ مَشْكُورًا أُسْتَاذِي وَشَيْخِي أَبُو أَيْمَنَ طَهَ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنِ اسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ، وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَشَرَفٌ أَنْ يَطْلُبَ مِنِّي أَيُّ شَخْصٍ كِتَابَةَ تَقْدِيم لِكِتَابِهِ، ويُصْبِحُ هَذَا الشَّرَفُ عَظِيمًا عِنْدَمَا يَطْلُبُ ذَلِكَ عَالِمٌ فَاضِلٌ كَالدُّكْتُورِ نِزَارٍ رَيَّانَ.
وَيَزْدَادُ هَذَا الشَّرَفُ لِيُصْبِحَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً عِنْدَمَا يُخَاطِبُنِي بِهَذَا النِّدَاءِ الْحَبِيبِ: (الْوَالِدُ الْمُرَبِّي)، فَحَيَّا اللهُ هَذَا الأَخَ الطَّيِّبَ، وَزَادَهُ بِرًّا وَتَوَاضُعًا.
وَيَبْلُغُ هَذَا الشَّرَفُ الذِّرْوَةَ عِنْدَمَا يَكُونُ التَّقْدِيمُ لِكِتَابٍ عَنِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ ، هَذَا الْكِتَابُ -"وَأَظْلَمَتِ المَدِينَةُ"- الصَّغِيرُ فِي حَجْمِهِ، الْقَلِيلُ فِي صَفَحَاتِهِ .. هُوَ الْكَبِيرُ وَزْنُهُ، الْكَثِيرُ فِي نَفْعِهِ وَفَائِدَتِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
стр. 16
لَقَدْ كَانَ الْمُؤَلِّفُ مُوَفَّقًا عُمُومًا، وَفي اخْتيَار الْعُنْوَان بصفَةٍ خَاصَّةٍ؛ إِذْ صَوَّرَ بِدِقَّةٍ حُزْنَ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا عَلَى فِرَاقِ سَيِّدِ الْخَلْقِ ﷺ ، وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي لَا مِرَاءَ فِيهَا: أَنَّ هَذَا الرَّاحِلَ الْكَريمَ صَلَوَاتُ رَبِّنَا وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ تَرَكَ وَرَاءَهُ نُورًا وَضيَاءً لِلعَالَمِينَ حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأرْضَ وَمَنْ عَليْهَا.
وَلَا يَفُوتُني أَنْ أُؤَكِّدَ أَنَّ هَذَا الْكتَابَ الثَّمينَ هُوَ منَ الْمُؤَلَّفَات النَّادِرَةِ فِي زَمَانِنا، الخَالِيَةِ مِنَ الأَخْطَاءِ اللُّغَوِيَّةِ، وَالأحَاديث الْمَوْضُوعَةَ والضَّعِيفَةِ.
جَزَى اللهُ أَخَانَا الْحَبِيبَ أَبَا بِلَالٍ فَضِيلَةَ الشَّيْخِ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ نِزَارٍ عَلَى مَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ، وَبَذَلَ مِنْ جُهْدٍ، وَأَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَعُمَّ نَفْعُهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ مَا يُقَدِّمُهُ في ميزَان حَسَنَاتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ قُدْوَةً لِلْكُتَّابِ وَالمُتَحَدِّثِينَ، فَيَحْرِصُوا عَلَى الدِّقَّةِ وَالضَّبْطِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ الاسْتِشْهَادِ بِالآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ، وَأَنْ يَكُونَ الاهْتِمَامُ بِالْكَيْفِ لَا بِالْكَمِّ.
وَاللهُ الْمُوَفِّقُ، وَالْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَآخِرُ دَعْوَانا أن الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ
الأُسْتَاذُ الشَّيْخُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ طَهَ
فِلَسْطِينُ. غَزَّةُ. الْبُرَيْجُ
(٢٠) ربيع الأول (١٤٢٨ هـ)
стр. 17
مُقَدِّمَةُ البَاحِثِ
" وَأَظْلَمَتِ المَدِينةُ" عُنْوَانُ دِرَاسَةٍ تَعْرِضُ الأَحَادِيثَ وَالآثَارَ الوَارِدَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأَصْحَابِهِ، أَوْرَدَهَا الْبَاحِثُ فِي مَطَالِبَ مُتَرْجَمَةٍ، تَابَعَ فِيهَا مَا حَدَثَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُنْذُ بَدَأَ ظُهُورُ المَرَضِ عَلَيْهِ، حَتَّى قَبَضَهُ رَبُّهُ إِلَيْهِ.
وَبَلَغَتْ رِوَايَاتُ البَحْثِ مِئَةً وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا (١) ، وَفِيهَا تَكْرَارٌ وَتَقْطِيعٌ اقْتَضَتْهُ طَبِيعَةُ الدَّرْسِ المَوْضُوعِيِّ، الَّذِي يُرَادُ مِنْهُ الاسْتِفَادَةُ مِنَ الحَدِيثِ فِي مَوَاطِنَ عِدَّةٍ، غَيْرَ أَنَّ الْمُكَرَّرَ فِي البَحْثِ لَا يُشَكِّلُ ظَاهِرَةً بَيِّنَةً.
وَاكْتَفَى البَاحِثُ بِالْحَدِيثِ المَقْبُولِ: الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ بِشِقَّيْهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثًا وَاحِدًا ضَعِيفًا فِيمَا يَعْلَمُ، وَحَكَمَ عَلَى الأَحَادِيثِ، اللَّهُمَّ إِلَاّ "الصَّحِيحَيْنِ"، فَحُكْمُهُمَا مَعْلُومٌ. الحواشي
(١) بِاعْتِبَارِ تَقْطِيعِ الْحَدِيثِ، لَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ وَصَحَابِيِّهِ.стр. 18
وَصَدَّرَ الْحَاشِيَةَ بِالْحُكْمِ عَلَى الْحَدِيثِ بِخَطٍّ غَلِيظٍ؛ لِيُعْلَمَ مِنْ سَرِيعِ النَّظْرَةِ حُكْمُهُ.
وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ الاقْتِصَارَ عَلَى الْخَبَرِ الْمَقْبُولِ فِي كُتُبِ الرِّقَاقِ.
وَكُتِبَتْ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ فِي الْجَامِعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ بِكُلِّيَّةِ أُصُولِ الدِّينِ، قِسْمِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَعُلُومِهِ، بِفِلَسْطِينَ، وَقُدِّمَتْ ضِمْنَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْبُحُوثِ لِلتَّرْقِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَمِنَّتِهِ سَنَةَ (١٤١٧ هـ).
وَأَعَادَ الْبَاحِثُ النَّظَرَ فِيهِ بُغْيَةَ نَشْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ، بَعْدَ النَّشْرِ الْعِلْمِيِّ الْخَاصِّ، وَعَلَيْهِ: فَقَدْ تَمَّ التَّعْدِيلُ فِيهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ، وَحَذَفَ الْبَاحِثُ مِنْهُ بَعْضَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَبَيَّنَ لَهُ ضَعْفُهَا، مَعَ حُكْمِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهَا بِالْقَبُولِ (١) ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ بَعْضَهَا، وَغَيَّرَ فِي طَبَعَاتِ بَعْضِ مَصَادِرِهِ، مِمَّا فتحَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَنُشِرَ أَخِيرًا.
وَاخْتِيَارُ الْبَاحِثِ عُنْوَانَ الدِّرَاسَةِ: "وَأَظْلَمَتِ الْمَدِينةُ" قَبَسٌ مِنْ حَدِيثِ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- حِينَ يَقُولُ عَنِ الحواشي
(١) وَالَّذِي جَعَلَ الْبَاحِثَ يَعْتَمِدُهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ: أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْبَحْثِ قَبُولَ حُكْمِ أَهْلِ الصَّنْعَةِ عَلَى الأَخْبَارِ، وَاكْتَفَى فِي هَذِهِ المَرَّةِ بِحُكْمِهِ وَدِرَاسَتِهِ.стр. 19
الْمَدِينَةِ: إِنَّهَا (أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ) (١) سَاعَةَ وَارَى حَبِيبَنَا ﷺ التُّرَابُ.
وَبَلَغَتِ الدِّرَاسَةُ: اثْنَيْ عَشَرَ مَطْلَبًا، وَخَاتِمَةً.
• فِي الْمَطْلَبِ الأَوَّلِ: الأَمَارَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى اقْتِرَابِ أَجَلِهِ ﷺ .
بيَنَ الْبَاحِثُ فِيهَا الأَحَادِيثَ وَالآثَارَ الْوَاردَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى دُنُوِّ أَجَلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ الأَخْبَارُ الَّتِي فَهِمَ مِنْهَا الصَّحَابَةُ قُرْبَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ .
• وَفِي الْمَطْلَبِ الثَّانِي: تَلَطُّفُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ فِي إِطْلَاعِهِمْ عَلَى خَبَرِ وَفَاتِهِ ﷺ .
وَفِي هَذَا الْمَطْلَبِ إِشَارَاتٌ نَبَوِيَّةٌ خَفِيفَةٌ؛ مَا بَيْنَ هَمْسَةٍ وَسَكْنَةٍ، وَنَظْرَةٍ وَسَكْتَةٍ، يَفْهَمُ مِنْهَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: أَنَّهُ أَجَلُ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ حَضَرَ، وَأَنَّهُ يُوشِكُ الفِرَاقُ أَنْ يَصْدَعَ بَيْنَ الرِّفَاقِ. الحواشي
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، يَرِدُ فِي هَذِهِ الدِّرَاسَةِ بِرَقْمِ(١١٢) .стр. 20
وَيَكْثُرُ فِي هَذَا الشَّأْنِ إِيحَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقِلُّ فِيهِ صَرِيحُ الْكَلَامِ.
وَفِي النَّفْسِ أَشْيَاءٌ وَفِيكَ فِطَانَةٌ ... سُكُوتي بَيَانٌ عِنْدَهَا وَخِطَابُ
وَمَا إِشْفَاقُ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرَفُّقُهُ فِي إِخْبَارِهِمْ .. إِلَّا لِأَنَّ ألأَصْحَابَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَصَوَّرُونَ وَفَاةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَرَغْمَ رِقَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَهْيِئَةِ أَصْحَابِهِ لِخَبَرِ وَفَاتِهِ، وَتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَتَابُعِ الآيَاتِ فِيهِ .. إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْهَشُونَ بِالْبُكَاءِ، وَيَذْرِفُونَ الدَّمْعَ، ويكْثُرُ شَهِيقُهُمْ وَالْخَنِينُ كُلَّمَا سَمِعُوا مِنْهُ ﷺ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
• أَمَّا الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: فَقَدْ تَحَدَّثَ فِيهِ الْبَاحِثُ عَنْ تَطَلُّعِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا-؛ لِيُمَرَّضَ فِيهِ عِنْدَهَا، وَلِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهَا؛ فَهِيَ الْحَبِيبَةُ الَّتِي يُوشِكُ الْمَوْتُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ ﷺ عَنْهَا.
فَقَدْ تَاقَتْ نَفْسُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ
стр. 21
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، لِأُنْسِهِ ﷺ بِهَا، وَلِحُبِّهِ إِيَّاهَا أَكْثَرَ مِنْ بَقِيةِ أَزْوَاجِهِ؛ وَلِذَلِكَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَأَذِن لَهُ فِدَاهُ أَبي وَأُمِّي ﷺ .
• وَفِي الْمَطْلَبِ الرَّابعٍ: يَذْكُرُ الْبَاحِثُ آخِرَ الْخُطَبِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَدِ اسْتَشْعَرَ الصَّحَابَةُ مِنْهَا رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمُ الْحَقِيقَةَ، وَقَدْ كَانُوا لَا يَصبِرُونَ عَلَى فِرَاقِهِ ﷺ سَاعَةً، فَكَيْفَ وَقَدْ صَارَ الْفِرَاقُ إِلَى الْحَشْرِ؟!
• ثُمَّ يَرْجِعُ الْبَاحِثُ إِلَى بَيْتِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَيَدْنُو أَكْثَرَ وَيَقْتَرِبُ، لِيَنْقُلَ لَنَا آخِرَ الأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ آنَذَاكَ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْعَوْدَةُ الْمَطْلَبَ الْخَامِسَ مِنَ الدِّرَاسَةِ.
• أَمَّا الْمَطْلَبُ السَّادِسُ: فَقَدْ كَانَ لِآخِرِ الصَّلَوَاتِ النَّبَوِيَّةِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَوَصِيتِهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاةِ خَيْرًا.
• وَجَاءَ احْتِضَارُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَطْلَبِ السَّابِعِ، وَفِيهِ وَصَايَاهُ ﷺ فِي احتضَارِهِ ﵊، يَغَصُّ بِذِكْرِهَا الذَّاكِرُونَ، وَيَشْهَقُ مِنْ لَوْعَتِهَا الْمُحِبُّونَ.
стр. 22
• ثُمَّ يَرِدُ الْمَطْلَبُ الثَّامِنُ يَهْمِسُ فِي قُلُوبِنَا آخِرَ الْكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ الْخَاتَمَةِ، مِثْلَ اخْتِيَارِهِ ﷺ الرَّفِيقَ الأَعْلَى، فتكُونُ آخِرَ مَا يُسْمَعُ مِنْ خَنِينٍ.
• وَاخْتَارَ النَّبِيُّ ﷺ الدَّارَ الآخِرَةَ، كَمَا أفادَتْ أَحَادِيثُ الْمَطْلَبِ التَّاسِعِ، وَتَعَجَّلَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّحِيلَ، مُسْتَوْدِعًا اللهَ تَعَالَى الإِسْلَامَ وَالأُمَّةَ.
• وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ الْمَطْلَبُ الْعَاشِرُ لِبيانِ أثرِ الْوَفَاةِ عَلَى الأَصْحَابِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمْ، وَكَيْفَ عَقِرَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَبِمَ خَطَبَ النَّاسَ حِينَهَا، وَكَيْفَ كَانَتِ الرَّوَاسِي الْجِبَالُ مَوَاقِفُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدِ اهْتَزَّتِ الأَرْضُ، وَمَادَتْ بِالنَّاسِ أَطْرَافُهَا، غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أُولئِكَ النَّاسِ.
• ثُمَّ تَحَدَّثَ الْبَاحِثُ فِي الْمَطْلَبِ الْحَادِي عَشَرَ عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَفَنِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَدَفْنِهِ وإجْنَانِهِ ﵊، وَبَيَّنَ حَيْرَةَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى سَمِعُوا هَاتِفًا يَهْتِفُ بِهِمْ، فَعَلَى مَا كَانَ مِنْ هُتَافٍ مَضَوْا فِي هَذَا الأَمْرِ وَهُمْ
стр. 23
يَتَثَاقَلُونَ، لَا يَتَعَجَّلُونَ دَفْنَهُ وَفِرَاقَهُ ﷺ ، وَيَوَدُّونَ لَوْ أَنَّهُ بَقِيَ مَعَهُمْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى غُسْلَهُمْ وَكَفَنَهُمْ وإجْنَانَهُمْ.
• ثُمَّ كَانَ الْمَطْلَبُ الثَّانِي عَشَرَ فِي بُكَاءِ الصَّحَابَةِ كُلَّمَا تَذَكَّرُوا النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ.
شَكَوْتُ إِلَى قَلْبِي الْفِرَاقَ فَقَالَ لِي ... مِنَ الآنَ فَايْئَسْ لَا أَغُرُّكَ بِالصَّبْرِ
فَإِنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
وَوَفَاةُ النَّبِيِّ ﷺ حَدَثٌ عَظِيمٌ، لَا يَأْتِي عَلَى فُؤَادٍ إِلَّا أَتَى عَلَيْهِ، وَاهْتَزَّ وَوَجِلَ، وَتَذَكَّرَ رَبَّهُ ، وَتَعَجَّلَ الدَّارَ الآخِرَةَ حَتَّى يَلْقَى الأَحِبَّة؛ مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ.
فَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْره الْغَافِلُونَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ فِي الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ وَأَزْكَى مَا صَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَزَكَّانَا وَإِيَّاكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَفضلَ مَا زَكَّى أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ.
وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَجَزَاهُ اللهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا
стр. 24
جَزَى مُرْسَلاً عَمَّنْ أُرْسِلَ إِليْهِ، فصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (١) .
وكتبه
نِزَار بْن عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الريَّانُ
فِلَسطِينُ الْمُغْتَصَبةُ، غَزَّةُ، مُعَسكَرُ جَبَاليَا
شَوَّالُ (١٤١٧ هـ)
وَتَمَّتْ مُرَاجَعَتُهُ فِي رَبِيعٍ الآخِرِ (١٤٢٨ هـ) الحواشي
(١) هذا النص قبس من كلام الإمام الشافعي في خطبة كتابه "الرسالة" (ص ١٦ - ١٧) بتصرف يسيرٍ.стр. 25
أَوَّلاً: الأَمَارَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى اقْتِرَاب أَجَلِهِ ﷺ -
تَتَابَعَتِ الأَمَارَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَزَلَتِ الآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ وَاضِحَةً صَرِيحَةً تَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْتهِ ﷺ .
• ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) تَسْمَعُهَا فِي لَيْلِ الْعَابِدِينَ مَزَامِيرَ، تُرَتِّلُهَا ثُغُورُ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، وَتَتَرَسَّلُ بِهَا فِي الْعَلَنِ وَالْخَلَوَاتِ، لَكِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُ يَكُونُ؛ فَلَقَدْ جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْمَحْبُوبِ، فَكَيْفَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ؟!
لكِنَّهُ طَالَ الزَّمَانُ بَيْنَ نُزُولِ الآيَةِ بِمَكَّةَ وَوَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى لَقَدْ غَابَتْ وَنَظِيرَتَهَا عَنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ الحواشي
(١) سُورَةُ الزُّمَرِ، الآيَةُ:(٣٠) .стр. 26
تَعَالَى عَنْهُمْ، فَلَمَّا تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .. كَأَنَّهَا تَتَنَزَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
• ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) .
وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَكْثُرُ تَذْكِيرُ النَّبِيِّ ﷺ بِحُرْمَةِ الدِّمَاءِ وَالأَعْرَاضِ وَالأَمْوَالِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄:
١ - (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّهَا لَوَصِيتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) (٢) . الحواشي
(١) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الآيَةُ(١٤٤) .(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٩٤ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٥٦ هـ) الطَّبْعَةُ السُّلْطَانِيَّةُ، إِصْدَارُ دَارِ طَوْقِ النَّجَاةِ بِإِشْرَافِ د. مُحَمدِ بْنِ زُهَيْرٍ النَّاصِرِ، تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ فِي مُجَلَّدَاتٍ أَرْبَعَةٍ، كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنَىً (٢/ ١٧٦) رَقْمُ الْحَدِيثِ(١٧٣٩) وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ".стр. 27
ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) فَأَدْرَكَ مِنْهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا أَجَلُ النَّبِيِّ ﷺ .
٢ - فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَوْمًا: إِنَّ لَنَا أَبْنَاء مِثْلَهُ، فَقَالَ: (إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ)، فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَوْمًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ) (٣) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: (نُعِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ نَفْسُهُ حِينَ أُنْزِلَتْ) (٤) . الحواشي
(١) سُورَةُ النَّصْرِ، الآيَةُ(١) .(٢) سُورَةُ النَّصْرِ، الآيَةُ:(١) .(٣) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاتِهِ (٦/ ٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٤٤٣٠) .(٤) إسْنَادُهُ صَحِيخ، انْظُرِ: "الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ" سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٢٦٠ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٣٦٠ هـ) تَحْقِيقُ الشَّيْخِ حَمْدِيِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ =стр. 28
٣ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ: "سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأتوبُ إِلَيْكَ" قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ أَحْدَثْتَهَا تَقُولُهَا؟ قَالَ: جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي، إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) ﴾ (١) .
وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "سُبْحَانَكَ الحواشي
(١١٩٠٣) وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ".(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٢٠٦ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٦١ هـ) مَطْبُوعٌ فِي خَمْسَةِ مُجَلَّدَاتٍ بِتَحْقِيقِ: مُحَمَّدِ فُؤَادِ عَبْدِ البَاقيِ، (مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٢٩٩ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (١٣٨٨ هـ) نشرُ وَتَوْزِيعُ رِئَاسَةِ إِدَارَةِ البُحُوثِ العِلْمِيَّةِ وَالإِفْتَاءِ وَالدَّعْوَةِ وَالإِرْشَادِ بِالسُّعُودِيَّةِ سَنَةَ (١٩٨٠ م)، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "صَحِيحُ مُسْلِمٍ" كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (١/ ٣٥٠) رَقْمُ الْحَدِيثِ:(٤٨٤) ، وَالآيَاتُ مِنْ سُورَةِ النَّصْرِ.стр. 29
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأتوبُ إِلَيْكَ" فَقَالَ: "إِنَي أُمِرْتُ بِأَمْرٍ" فَقَرَأَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) .
وَمِنَ الأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اقْتِرَابِ أَجَلِهِ ﷺ : مَا وَقَعَ مِنْ مُعَارَضَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ فِي آخِرِ رَمَضَانٍ شَهِدَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
٤ - تَقُولُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَسَرَّ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي" (٢) .
وَمِنْ تِلْكَ الأَمَارَاتِ مَا وَقَعَ مِنْ تَتَابُعِ نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُبَيْلَ وَفَاتِهِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ﵀:
٥ - عَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (أَنَّ اللهَ تَعَالَى الحواشي
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "المُعْجَمُ الأَوْسَطُ" سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، دَارُ الْحَرَمَيْنِ بِالْقَاهِرَةِ سَنَةَ (١٤١٦ هـ) تَحْقِيقُ طَارِقِ بْنِ عَوَضِ اللهِ وَعَبْدِ الْمُحْسِنِ الْحُسَينيِّ، عَشرَةُ مُجَلَّدَات (٥/ ٨٢) رَقمُ الْحَدِيثِ(٤٧٣٤) وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "الْمُعْجَمُ الأَوْسَطُ" وَ"الْمُعْجَمُ الصَّغِيرُ" (ص ١١٥)، دَارُ الْفِكْرِ، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "الْمُعْجَمُ الصَّغِيرُ".(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الإِسْلَامِ (٤/ ٢٠٤) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٣٦٢٤) .стр. 30
تَابَعَ عَلَى رَسُولهِ ﷺ الْوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُ) (١) .
وَلِذَلِكَ بَدَأَ ﷺ يُهَيِّئُ أَصْحَابَهُ لِهَذِهِ اللَّحَظَاتِ الشِّدَادِ؛ لِئَلَّا تَفْجَأَهُمُ الْوَاقِعَةُ، وَتُصِيبَهُمُ الصَّدْمَةُ بِمَكْرُوهٍ.
٦ - فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا" (٢) .
فَمَا عَاشَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَّا إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَةً. الحواشي
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِي، كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ، بَابُ كَيْفَ نَزَلَ الْوَحْيُ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ (٦/ ١٨٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٤٩٨٢) .(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٢٠٩ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٩٧ هـ) خَمْسَةُ مُجَلَّدَات، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوتُ، بِدُونِ تَارِيخ، تَحْقِيقُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ شَاكِر، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٣٠٩ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (١٣٧٧ هـ) (٣/ ٢٣٤) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٨٨٦) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ".стр. 31
وَحِينَ يَأْتِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .. يَقُولُ: "مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَةً" (١) . الحواشي
(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ، الآيَةُ(٣) وَالْخَبَرُ أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْمَرْوَزِيُّ، وُلدَ سَنَةَ (٢٠٢ هـ) وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (٢٩٤ هـ) فِي كِتَابِهِ: "تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ" (١/ ٣٥٥) تَحْقِيقُ د. عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْفَرْيَوَائِي، وَتُكْسَرُ الْفَاءُ أَيْضًا، مَكْتَبَةُ الدَّارِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ سَنَةَ (١٤٠٦ هـ)، جُزآنِ، بِلَفْظٍ مُقَارِبٍ. وَ"جَامِعُ الْبيانِ فِي تَأوِيلِ الْقُرآنِ" (٦/ ١٠٦) لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِي، وُلِدَ سَنَةَ (٢٢٤ هـ) وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (٣١٠ هـ) تَحْقِيقُ صِدْقِي بْنِ جَمِيلٍ الْعَطَّارِ، دَارُ الْفِكْرِ، سَنَةَ (١٤١٥ هـ)(٣٠) جُزْءًا، وَسَيُشَارُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ" وَاللَّفْظُ لَهُ.стр. 32
ثَانِيًا: تَلَطُّفُ النَّبِيِّ ﷺ فِي إخْبَارِ أَصْحَابِهِ بِحُضُورِ أَجَلِهِ
وَيَدْنُو أَجَلُ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقْتَرِبُ، فَيُذَكِّرُ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَكَانُوا كُلَّمَا سَمِعُوا مِنْهُ ﷺ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ .. أَجْهَشُوا بِالْبُكَاءِ، وَاخْتَنَقُوا بِالْعَبَرَاتِ، وَسُمِعَ لِصُدُورِهِمْ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمَرَاجِلِ تَغْلِي بِالْحَنِينِ وَالأَنِينِ وَالْخَنِينِ.
٧ - فَعَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: أَنْبَهَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ؛ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأَهْلِ الْبقِيعِ" فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: "لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصبَحَ فِيهِ النَّاسُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأُولَى، يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ؛ إِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ
стр. 33
الْجَنَّةَ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؛ فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: "وَاللهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ؛ لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ".
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصبَحَ .. ابْتُدِئَ بِوَجَعِهِ الَّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ (١) .
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَكَانَ ﷺ يُكْثِرُ فِي تِلْكَ الأيَّامِ مِنْ تَذْكِيرِهِمْ وَوَصِيَّتهِمْ بِدِينهِمْ خَيْرًا. الحواشي
(١) إسْنَادُهُ حَسَن، انْظُرْ: "دَلَائِلُ النُبُوَّةِ وَمَعْرِفَةُ أَحْوَالِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ" (٧/ ١٦٢) لأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِي، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٣٨٤ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٤٥٨ هـ) تَحْقِيقُ د. عَبْدِ الْمُعْطِي قَلْعَجِيِّ، دَارُ الرَّيانِ (١٩٨٨ م) سَبْعَةُ مُجَلَّدَاتٍ (٧/ ١٦٢). وَ"مُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ" لأَبِي مُحَمدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمي، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٨١ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٢٥ هـ) فِي أَرْبَعَةِ مُجَلَّدَاتٍ، دَارُ الْمُغْنِي، بِالريَاضِ، وَدَارُ ابْنِ حَزْمٍ بِبَيْرُوتَ، الطَّبْعَةُ الأُولَى سَنَةَ (١٤٢١ هـ) تَحْقِيقُ: حُسَيْنِ بْنِ سَلِيمِ أَسَدٍ الدَّارَانِي (١/ ٢١٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٧٩) ، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "مُسْنَدُ الدَّارِمِي".стр. 34
٨ - رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ .. خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوصِيهِ وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ .. قَالَ: "يَا مُعَاذُ؛ إِنَّكَ عَسَى أَلَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، أَوْ لَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا، أَوْ قَبْرِي" فَبَكَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) .
فَكَأَنِّي بِهِ ﷺ يَتَلَطَّفُ بِإِخْبَارِهِمْ؛ لِيُوَدِّعَهُمْ بِتِلْكَ الْوَصَايَا.
٩ - فَقَدْ رَوَى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، الحواشي
(١) إسْنَادُهُ حَسَن، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٦٤ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٤١ هـ) الْمَطْبَعَةُ الْمَيْمَنِيَّهُ فِي سِتَّةِ مُجَلَّدَاتٍ، بِلَا تَأرِيخ (٥/ ٢٣٥)، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ". وَالْجَشَعُ: الْجَزَعُ لِفِرَاقِ الإِلْفِ، انْظُرْ: "لِسَانُ الْعَرَبِ" لِلإِمَامِ أَبِي الْفَضْلِ جَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مُكَرَّمٍ ابْنِ مَنْظُورٍ الإِفْرِيقِيِّ الْمِصْرِيِّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٦٣٠ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٧١١ هـ) الطَّبْعَةُ الأُولَى سَنَةَ (٢٠٠٠ م) دَارُ صَادِرٍ بِبَيْرُوتَ (٣/ ١٥١).стр. 35
فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّع فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ ﷺ : "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشيًّا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي .. فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (١) .
إِذًا فَقَدْ أَدْرَكُوا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عِظَمَ النَّكمَةِ الْفَادِحَةِ، إِنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّع، وَإِنَّهُ أَجَلُ النَّبِيِّ ﷺ يُوحِي بِهِ إِلَيْهِمْ، وَيُهَوِّنُهُ عَلَيْهِمْ، عَلِمُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَتِهِ ﵊ فِي الْوَصِيَّةِ إِلَيْهِمْ، وَالْمَوْعِظَةِ الْبَلِيغَةِ لَهُمْ؛ وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحُثُّ أَصْحَابَهُ عَلَى لِقَائِهِ، وَكَثْرَةِ مُجَالَسَتِهِ، كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: الحواشي
(١) إسْنَادُهُ حَسَنٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ أَبي دَاوُدَ" سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٢٠٢ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٧٥ هـ) (٤/ ٢٠٠) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٤٦٠٧) ، كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَةِ، تَحْقِيقُ: مُحْيِي الدِّينِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٣١٨ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (١٣٩٢ هـ) طُبع بِدَارِ إِحْيَاءِ السُّنَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَرْبَعَةُ مُجَلَّدَات، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ".стр. 36
١٠ - قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ؛ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثمَّ لأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ" (١) .
قَالَ النَّوَوِيُّ مُعَقِّبًا: (مَقْصُودُ الْحَدِيثِ: حَثُّهُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ مَجْلِسِهِ الْكَرِيمِ ﷺ ) (٢) .
وَيَرْوِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا آخَرَ يُبَيِّنُ فِيهِ طَرِيقَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَهْيِئَةِ أَصْحَابِهِ لِخَبَرِ وَفَاتِهِ ﵊ قَالَ:
١١ - إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ".
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ: الحواشي
(١) "صَحِيحُ مُسْلِمٍ" كِتَابُ الْفَضَائِلِ، بَابُ فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهِ ﷺ (٤/ ١٨٣٦) رَقْمُ الْحَدِيثِ:(٢٣٦٤) .(٢) الْمِنْهَاجُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، لأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ شَرَفِ الدِّينِ النَّوَوِيِّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٦٣١ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٦٧٦ هـ) مَطْبُوعٌ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ جُزْءًا فِي تِسْعَةِ مُجَلَّدَاتٍ بِدُونِ تَحْقِيقٍ بِدَارِ الْفِكْرِ، بِبَيْرُوتَ سَنَةَ: (١٩٧٨ م)، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "الْمِنْهَاجُ لِلنَّوَوِيِّ" (١٥/ ١٨٨).стр. 37
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ (١) ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ (٢) ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَهِمَ الرَّمْزَ الَّذِي أَشَارَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَرِينَةِ ذِكْره لِذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتهِ، فَاسْتَشْعَرَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَهُ؛ فَلِذَلِكَ بَكَى) (٣) .
ثُمَّ يَخْرُجُ النَّبِيُّ ﷺ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ فِي أُحُدٍ كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ.
١٢ - فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي الحواشي
(١) رِوَايَةُ مُسْلِمٍ "الْمُخَيَّرُ" بِالرَّفْعِ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِي بِالنَّصْبِ.(٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (٤/ ١٨٥٤) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٢٣٨٢) .(٣) فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلْحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِيِّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (٧٧٣ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٨٥٢ هـ) الطَّبْعَةُ السَّلَفِيةُ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ: عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بَازٍ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٣٣٠ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (١٤٢٠ هـ) فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا (٧/ ١٢) وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "فَتْحُ الْبَارِي".стр. 38
لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا".
قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) .
ثم يَدْخُلُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَزْوَاجِهِ وَتَظْهَرُ عَلَيْهِ أَعْرَاضُ الشَّكْوَى مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ.
١٣ - فَعَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا اشْتكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ) (٢) ﷺ .
وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِم الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا نحوه (٣) . الحواشي
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] (٥/ ٩٤) رَقْمُ الْحَدِيثِ(٤٠٤٢) .(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٦/ ٤٣٨).(٣) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ إِذَا عَرَضَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ وَسَفَرٍ وَغَيْرِهِمَا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ (١/ ٣١٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ:(٤١٨) الْمُتَابَعَةُ رَقْمُ:(٩١) .стр. 39
وَيُبيِّنُ الْحَدِيثُ الآتِي كَيْفَ اشْتَدَّ الْمَرَضُ بِالنَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَكَيْفَ حَاوَلَ نِسَاؤُهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ أَنْ يُمَرِّضْنَهُ، أَوْ يُخَفِّفْنَ عَنْهُ شِدَّةَ الْمَرَضِ.
١٤ - تَقُولُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ ﷺ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فتشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ (١) .
فَلَمَّا أَفَاقَ .. قَالَ: "هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَؤُلَاءِ" وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ (٢) ، قَالُوا: الحواشي
(١) اللَّدُّ وَاللَّدُودُ: مَا يُسْقَاهُ الْمَرِيضُ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ، انْظُرِ: "الْنهَايَةُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالأثرِ "لِابْنِ الأَثِيرِ الْمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَزَرِي، مَوْلدُهُ سَنَةَ: (٥٤٤ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٦٠٦ هـ) خَمْسَةُ مُجَلَّدَاتٍ، حَقَّقَهُ: طَاهِرُ أَحْمَدَ الزَّاوِيُّ، مَوْلدهُ سَنَةَ: (١٣٠٨ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ: (١٤٠٦ هـ) بِطَرَابُلْسَ الْغَرْبِ، وَمَحْمُودُ مُحَمَّدِ الطَنَاحِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ:(١٣٥٣) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ: (١٤١٩ هـ) طُبع بِالْمَكْتَبَةِ الْعِلْمِيةِ بِبَيْرُوتَ بِدونِ تَارِيخٍ (٤/ ٢٤٥) وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "النِّهَايَةُ فِي الْغَرِيبِ".(٢) هَاجَرَتِ الْهِجْرَتَيْنِ، انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا فِي "أُسْدُ الْغَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابةِ" لِعِزِّ الدِّينِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَزَرِي، مَوْلدُهُ سَنَةَ: (٥٥٥ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ: (٦٣٠ هـ) سِتَّةُ مُجَلَّدَاتٍ، طَبَعَتْهُ دَارُ الْفِكْرِ بِبَيْرُوتَ سَنَةَ (١٩٨٩ م)، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "أُسْدُ الْغَابَةِ" (٦/ ١٤).стр. 40
كُنَّا نتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ لِيَقْذِفَنِي بِهِ، لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا الْتَدَّ" (١) .
وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْخَبَرَ بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا.
١٥ - قَالَتْ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: أَلَّا تَلُدُّوني، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ (٢) الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ ﷺ . . قَالَ: "ألمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّوني؟! " قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ ﷺ : "لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ" (٣) . الحواشي
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ" لأَبِي بَكْير عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيِّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ: (١٢٦ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ: (٢١١ هـ) حَقَقَهُ: حَبِيبُ الرَّحْمَنِ الأَعْظَمِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ: (١٣١٩ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ: (١٤١٢ هـ) طُبِعَ بِبَيْرُوتَ، الْمَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، سَنَةَ: (١٩٧٢ م)، فِي أَحَدَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ" (٥/ ٤٢٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ:(٩٧٥٤) .(٢) بِالنَّصْبِ فِي نُسْخَةِ أَبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ، وَبِالرَّفْعِ فِي سَائِرِ النُّسَخِ.(٣) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الطِّبِّ، بَابُ اللَّدُودِ، (٧/ ١٢٧) رَقْمُ الْحَدِيثِ:(٥٧١٢) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (٨/ ١٤٧): (قِيلَ: فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ بِهِ الإِنْسَانُ عَمْدًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَ الْجَمِيعَ لَمْ يَتَعَاطَوْا =следующие страницы →