← Сира

Сира · id 17620

وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - «وأظلمت المدينة»

نزار ريان

Полный текст (124 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٠ - قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ؛ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثمَّ لأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ" (١). قَالَ النَّوَوِيُّ مُعَقِّبًا: (مَقْصُودُ الْحَدِيثِ: حَثُّهُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ مَجْلِسِهِ الْكَرِيمِ ﷺ ) (٢). وَيَرْوِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا آخَرَ يُبَيِّنُ فِيهِ طَرِيقَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَهْيِئَةِ أَصْحَابِهِ لِخَبَرِ وَفَاتِهِ ﵊ قَالَ: ١١ - إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ:

стр. 37

فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ (١)، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ (٢)، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَهِمَ الرَّمْزَ الَّذِي أَشَارَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَرِينَةِ ذِكْره لِذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتهِ، فَاسْتَشْعَرَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَهُ؛ فَلِذَلِكَ بَكَى) (٣). ثُمَّ يَخْرُجُ النَّبِيُّ ﷺ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ فِي أُحُدٍ كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ. ١٢ - فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي

стр. 38

لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا". قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). ثم يَدْخُلُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَزْوَاجِهِ وَتَظْهَرُ عَلَيْهِ أَعْرَاضُ الشَّكْوَى مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ. ١٣ - فَعَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا اشْتكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ) (٢) ﷺ . وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِم الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا نحوه (٣).

стр. 39

وَيُبيِّنُ الْحَدِيثُ الآتِي كَيْفَ اشْتَدَّ الْمَرَضُ بِالنَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَكَيْفَ حَاوَلَ نِسَاؤُهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ أَنْ يُمَرِّضْنَهُ، أَوْ يُخَفِّفْنَ عَنْهُ شِدَّةَ الْمَرَضِ. ١٤ - تَقُولُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ ﷺ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فتشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ (١). فَلَمَّا أَفَاقَ .. قَالَ: "هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَؤُلَاءِ" وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ (٢)، قَالُوا:

стр. 40

كُنَّا نتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ لِيَقْذِفَنِي بِهِ، لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا الْتَدَّ" (١). وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْخَبَرَ بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا. ١٥ - قَالَتْ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: أَلَّا تَلُدُّوني، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ (٢) الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ ﷺ . . قَالَ: "ألمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّوني؟! " قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ ﷺ : "لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ" (٣).

стр. 41

وَتَرْوِي عَائِشَةُ أُمُّ ألْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا شَكْوَى أُخْرَى بَدَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ جَنَازَةِ بَعْضِ أَصحَابِهِ. ١٦ - تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: رَجَعَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهُ، قَالَ: "بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ" قَالَ: "وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنتُكِ؟ " فَقُلْتُ: لَكَأَنِّي بِكَ وَاللهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ. . لَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي، فَعَرَّستَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ، قَالَتْ: فتبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ (١).

стр. 42

أَمَّا مَرَضُهُ ﷺ وَشِدَّتُهُ. . فَإِلَيْكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ جَمِيعًا. ١٧ - قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١). أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .. فَقَدْ بَيَّنَ بَعْضَ مَا كَانَ يُعَانِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ آلَامٍ. ١٨ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَافِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ! قَالَ: "إِنَّا كَذَلِكَ، يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلَاءُ، وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْرُ" (٢).

стр. 43

١٩ - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا) (١). وَيَزْدَادُ الْمَرَضُ عَلَى حَبِيبِنَا النَّبِيِّ ﷺ وَيَثْقُلُ، وَيَتَطَلَّعُ إِلَى يَوْمِهِ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَيَسْأَلُ عَنْهُ، كَمَا تُفِيدُ الأَحَادِيثُ فِي الْمَطْلَبِ الآتِي.

стр. 44

ثَالِثًا: تَمْرِيضُ النَّبِيِّ ﷺ فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ وَتَطَلُّعُهُ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ٢٠ - تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ " يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا (١). وَفِي رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ: بَيَانُ الطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا نِسَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى النِّسَاءِ فِي مَرَضِهِ فَاجْتَمَعْنَ، فَقَالَ ﷺ : "إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ

стр. 45

بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ. . فَعَلْتُنَّ" فَأَذِنَّ لَهُ (١). قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي) ﷺ (٢). وَتَصِفُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي صُورَةٍ مُؤْلِمَةٍ حَزِينَةٍ كَيْفَ نُقِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْتِ مَيْمُونَةَ إِلَى بَيْتِهَا فتقُولُ: ٢١ - (لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ. . اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ) (٣). وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ

стр. 46

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا اشْتكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا، وَأَذِنَّ لَهُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ فِي الأَرْضِ) (١). قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (لِأَنَّ الْمَرِيضَ يَجِدُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِهِ مِنَ الأُنْسِ مَا لَا يَجِدُ عِنْدَ بَعْضٍ) (٢). فَبَيَّنَ الْحَدِيثُ تَعَبَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ حَتَّى لَا يَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ بَيْنَ بُيُوتهِ وَأَزْوَاجِهِ. وَبَدَأَ أَزْوَاجُهُ فِي تَمْرِيضِهِ ﷺ ، يُطَبِّبْنَهُ وَألْمُسْلِمُونَ، وَهُمْ مُشْفِقُونَ مِنْ لَظَى الْفِرَاقِ الْحَمِيمِ. وَكَانَ مِنْ دَأَبِهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَيَرْقِيَهَا، وَيَمْسَحَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى نَفْسِهِ ﷺ ، كَمَا بَيَّنَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:

стр. 47

٢٢ - (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ. . كُنْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا) (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشتكَى. . يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ) (٢) فِي كُلِّ مَرَضٍ وَشَكْوَى. فَكَأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْوَى حَتَّى عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَى نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ حِينَئِذٍ. وَفِي تَمْرِيضِهِ ﷺ تَرْوِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا الْخَبَرَ الآتِيَ كَمَا يَرْوِيهِ عَنْهَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: ٢٣ - وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بَعْدَمَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: "هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبع قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ".

стр. 48

قَالَتْ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ: أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ ﷺ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ (١). فَمَاذَا كَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْغَالِيَاتِ الَّتِي يَرْتَقِي فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ أَعَزَّ مِنْبَرٍ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ الْخَاتِمَةِ؟

стр. 49

رَابِعًا: آخِرُ الْخُطَبِ النَّبَوِيَّةِ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: ٢٤ - خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا فِي النَاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ. . فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئهِمْ". فَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ (١). ٢٥ - وَيَرْوِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدِيثًا فِيهِ جُزْءٌ مِنْ خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَذَاكَ، قَالَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ:

стр. 50

"إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللهِ" قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ! فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَعْلَمَنَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ: "إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي. . لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ" (١). قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي صَبِّ الْقِرَبِ السَّبع: (إنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي مَرَضِهِ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا. . لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ") (٢) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْكَ أَبَا بَكْرٍ وَأَنْتَ تَبْكِي صَاحِبَكَ يَوْمَ وَضَعَ

стр. 51

ابْنُ أِبي مُعَيْطٍ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَبْكِيهِ يَوْمَ الْغَارِ، وَتَلْتَزِمُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَتُؤَازِرُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتُرَافِقُهُ فِي الْخَنْدَقِ، وَتُصَاحِبُهُ فِي تَبُوكَ، وَتَمْضِي مَعَهُ فِي كُلِّ مُهِمَّةٍ وَمُلِمَّةٍ. كَيْفَ لَا يَبْكِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ خَبَرُ السَّمَاءِ؟! بَلْ كَيْفَ لَا تَبْكِيهِ الْعُيُونُ كُلَّ حِينٍ ﵊؟! أَسْتَوْدِعُ اللهَ مَنْ بِالْبَيْنِ وَدَّعَنِي ... يَوْمَ الْفِرَاقِ وَدَمْعُ الْعَيْنِ سَاكِبَةٌ وَهَلْ فِرَاقٌ كَفِرَاقِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ؟!

стр. 52

خَامِسًا: آخِرُ الأَيَّام فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ثُمَّ يَعُودُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ، وَيُحَدِّثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهُ يَجِدُ سُمَّ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْيَهُودِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ. ٢٦ - تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ؛ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ" (١).

стр. 53

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَاشَ النَبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى كَانَ وَجَعُهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: "مَا زِلْتُ أَجِدُ أَلمَ الأَكلَةِ الَّتِي أَكَلْتُهَا بِخَيْبَر عِدَادًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي" عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ. وَتُوُفِّيَ ﷺ شَهِيدًا، كَمَا أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: ٢٧ - (وَذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا) (١) ﷺ . ٢٨ - ثُمَّ تَدْخُلُ أُمُّ مُبَشِّرٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فَتَقُولُ: بِأَبي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ؟ فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ إِلَّا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ، وَكَانَ ابْنُهَا مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: "وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهُ، هَذَا أَوَانُ قَطْعِ أَبْهَرِي" (٢).

стр. 54

وَيَشْتَدُّ الْوَجَعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَرْوِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. ٢٩ - قَالَا: (لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . . طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ. . كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ) (١). وَتَدْخُلُ الْحَبيبَةُ الْغَالِيَةُ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَكْثَرُ الْخَلْقِ مُصَابًا بِالَنَّبِيِّ الْحَبِيبِ ﷺ ، تَقُولُ عَائِشَةُ ﵂: ٣٠ - (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ابْنتَهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: سَارَّني النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّني فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ) (٢).

стр. 55

وَتَضْحَكُ فَاطِمَةُ حِينَ تُدْرِكُ أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، تَضْحَكُ لِتُعَلِّمَنَا أَنَّ الْمَوْتَ أَحْلَى مِنَ الْحَيَاةِ بِلَا صُحْبَةِ الرِّسَالةِ وَالرَّسُولِ. ٣١ - وَيَصِفُ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيَّامَ النَّبِيِّ ﷺ الأَخِيرَةَ فِي خُرُوجِهِ لِلصَّلَاةِ فَيَقُولُ: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مُتَوَكِّئًا عَلَى أُسَامَةَ، مُرْتَدِيًا ثَوْبَ قُطْنٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ) (١).

стр. 56

سَادِسًا: آخِرُ الصَّلَوَاتِ وَالْوَصِيَّةُ بِالصَّلَاةِ وَيَخْرُجُ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصَلِّيَ بِالْمُسْلِمِينَ صَلَاتَهُ الأَخِيرَةَ، إِنَّهَا آخِرُ صَلَاةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ آيَاتٍ تُتْلَى بِصَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا تَرْوِيهَا أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ. ٣٢ - قَالَتْ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ"الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا"، ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ) (١). كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ الأَخِيرَةَ بِالْمُسْلِمِينَ ﷺ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ وَصْفُ حَالَتِهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَتْ: (خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ فِي مَرَضِهِ،

стр. 57

فَصَلَّى الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ بِـ"الْمُرْسَلَاتِ" فَمَا صَلَّاهَا بَعْدُ حَتَّى لَقِيَ اللهَ ) (١). وَيَثْقُلُ النَّبِيُّ ﷺ وَيَهُمُّهُ أَمْرُ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ. ٣٣ - قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ، قَالَ ﷺ : "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ". قَالَتْ: فَفَعَلنَا، فَاغتَسَل فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغمِيَ عَليْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ ﷺ : "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ". قالتْ: فَقَعَدَ فاغتَسَل، ثمَّ ذهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغمِيَ عَليْهِ، ثمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".

стр. 58

قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ". فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنتظِرُونَ النَّبِيَّ ﵊ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَضهُ الَذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ ﷺ : "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".

стр. 59

فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ. . لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ، فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّكنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى (١). وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ بَيَانُ الْقَائِلِ الْمُبْهَمِ: ٣٤ - مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ. . لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ (٢). ٣٥ - وَيَرْوِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْضَ مَا وَقَعَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ مِنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ. . فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ

стр. 60

إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ (١) (فَكَادَ الْنَّاسُ أَنْ يَضْطَرِبُوا) (٢)، فَأَشَارَ إِلَيْنَا الْنَّبِيُّ ﷺ : أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى الْسِّتْرَ) (٣). ٣٦ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا

стр. 61

وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ ألْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ .. فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ .. فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" (١). ٣٧ - وَتُحَدِّثُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ الفَتْرَةَ فَتَقُولُ: (وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ ﷺ ؛ مَا تَرَكَهُمَا حَتَى لَقِيَ اللهَ، وَمَا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثيِرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا؛ تَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ) (٢). وَبَيَّنَتْ رِوَايَةٌ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ جَالِسًا. قَالَتْ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ

стр. 62

تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ) (١) (فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ .. اسْتَأْخَرَ) (٢) (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْ مَكَانَكَ. ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ) (٣) (حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ). (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) (٤).

стр. 63

سابعًا: احْتِضَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَوَصَايَاهُ أَدْرَكَ الصَّحَابَةُ أَنَّهَا أَحَرُّ اللَّحَظَاتِ وَآخِرُهَا، فَهَذَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يُكَلِّمُ عَلِيًّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْشَكَ عَلَى الْوَفَاةِ. ٣٨ - رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ؛ كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا (١)، وَإِنِّي وَاللهِ لأَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ سَوْفَ

стр. 64

يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْنَسْأَلْهُ: فِيمَنْ هَذَا الأَمْرُ؟ إِنْ كَانَ فِينَا .. عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا .. عَلِمْنَاهُ، فَأَوْصَى بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّا وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَمَنَعَنَاهَا .. لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ (١). وَيَدْخُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ثَقُلَ حَتَّى لَا يَقْوَى ﷺ عَلَى الْكَلَامِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: ٣٩ - (دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ،

стр. 65

فَقَضِمْتُهُ ثمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي) (١). وَتُبيِّنُ الرِّوَايَةُ الأُخْرَى كَيْفَ كَانَ حَالُ النَّبيِّ ﷺ آنَذَاكَ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ) (٢). فَظَهَرَ النَّزْعُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَأَى ﷺ أَنْ يَكْتُبَ لِلصَّحَابَةِ كِتَابًا لَا يَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. ٤٠ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: لَمَّا حُضِرَ

стр. 66

رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ". فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاخْتِلَافَ .. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُومُوا" (١). وَوَقَعَتْ قِصَّةُ الْكِتَابِ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: "ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا، لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا" (٢). ٤١ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا

стр. 67

يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا". فتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ". وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ" وَنَسِيتُ الثَالِثَةَ (١). ٤٢ - وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصيَّةُ؟ أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟

стр. 68

قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ (١). وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَرَى رَأْيَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ خَاصٍّ. ٤٣ - عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: (مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي؟! فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ (٢) فِي حَجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟!) (٣). وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الصِّعَابِ يُعَانِي النَّزْعَ الشَّدِيدَ، كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.

стр. 69

٤٤ - عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ .. طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ .. كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (١). قَالَتْ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (لَوْلَا ذَلِكَ .. لأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) (٢). وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَدْ عَقَدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِوَاءَ غَزْوِ الشَّامِ، فَلَمَّا وُعِكَ النَّبِيُّ ﷺ .. تَرَيَّثَ أُسَامَةُ بِالْجَيْشِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، يَقُولُ أُسَامَةُ: ٤٥ - (لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .. هَبَطْتُ وَهَبَطَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ

стр. 70

أَصْمَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيَّ وَيَرْفَعُهُمَا فَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي) (١). ٤٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٣). ٤٧ - وَيَرْوِي ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا

стр. 71

وَجْهَهُ وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى" حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ ﷺ (١). وَمِمَّا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أُمَّتَهُ: مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: ٤٨ - لَمَّا حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ الْوَفَاةُ .. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنَا، قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَبِأَبْنَائِهِمْ مِنْ بَعْدِهمْ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ .. لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ" (٢).

стр. 72

٤٩ - وَتَرْوِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَ مِنْ آخِرِ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: عُدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ غَدَاةً بَعْدَ غدَاةٍ، يَقُولُ: "جَاءَ عَلِيٌّ؟ " مِرَارًا. قَالَتْ: وَأَظُنُّهُ كَانَ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، قَالَتْ: فَجَاءَ بَعْدُ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةً، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَيْتِ، فَقَعَدْنَا عِنْدَ الْبَابِ، فَكُنْتُ مِنْ أَدْنَاهُمْ إِلَى الْبَابِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَيُنَاجِيهِ، ثُمَّ قُبِضَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا (١). وَمَعَ اشْتِدَادِ الْمَرَضِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَبْكِي فَاطِمَةُ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، كَمَا يَرْوِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. ٥٠ - قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ

стр. 73

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .. جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ" (١). وَتَحَارُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَتَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ حَزِينَةً لِمَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ نَزْعٍ وَقَدْ جَزِعَتْ لِفِرَاقِهِ ﷺ ، كَمَا يَرْوِي ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ الْخُزَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (٢). ٥١ - قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ صَفِيَّةُ: يَا رَسُولَ اللهِ: لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِكَ أَهْلٌ يُلْجَأُ إِلَيْهِمْ وَإِنَّكَ أَجْلَيْتَ أَهْلِي، فَإِنْ حَدَثَ حَدَثٌ .. فَإِلَى مَنْ؟ قَالَ: "إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ" (٣) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.

стр. 74

ثَامِنًا: آخِرُ الْهَمَسَاتِ النَّبَوِيَّةِ هِيَ آخِرُ الْكَلِمَاتِ وَتَنْقَطِعُ السَّمَاءُ عَنِ الأَرْضِ، وَتَمْضِي الْخَلَائِقُ وَحْدَهَا تُوَاجِهُ الأَحْدَاثَ بِلَا نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ! فَهَاهِيَ الدُّنْيَا تَعِيشُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، فَقَدْ كَانَ لِلنَّاسِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ تَسُوسُهُمْ وَتَؤُمُّهُمْ، وَالْيَوْمَ جَاءَتِ الرِّسَالَةُ الأَخِيرَةُ وَالنَّبِيُّ الْخَاتَمُ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ (١)، فَمَاذَا يَفْعَلُ النَّاسُ؟! وَتُدْرِكُ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ الانْقِطَاعُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّهُ قَدْ بَدَأَ الْفِصَامُ النَّكِدُ مَا لَمْ يَكُنِ

стр. 75

التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِصْمَةً وَوِقَايَةً وَسَبِيلَ الأُمَّةِ فِي الطَّرِيقِ النَّاهِجِ الطَّوِيلِ. ٥٢ - رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا .. بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ . فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَلَّا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا) (١). وَلَنَا مَعَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا لِقَاءَاتٌ؛ إِذْ هِيَ أَكْثَرُ أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَةً لِخَبَرِ وَفَاتِهِ، وَهِيَ الشَّاهِدَةُ عَلَى آخِرِ الْمَوَاقِفِ وَأَحَرِّهَا، فتقُولُ: ٥٣ - كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ:
следующие страницы →