← Сира

Сира · id 17620

وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - «وأظلمت المدينة»

نزار ريان

Полный текст (124 стр.). Показаны 106–124 · переход к 111.

стр. 106

هَا هِيَ الْفُؤُوسُ تَشُقُّهُمَا مَعًا، وَتَصْدَعُهُمَا مَعًا؛ قُلُوبَ الصَّالِحِينَ، وَالأَرْضَ الَّتِي تَضُمُّ إِلَيْهَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ مُحَمَّدًا ﷺ . قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ: (الَّذِي أَلْحَدَ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبُو طَلْحَةَ) (١). ٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: (مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ) (٢). وَاكْتَسَتِ الْمَدِينَةُ بِالْحُزْنِ الْمُعَتَّقِ، وَتَفَتَّقَتِ الْقُلُوبُ بِالأَسَى، وَاللَّيْلُ يُقَطِّعُهُ وَقع الْمَسَاحِي وَالْكَرَازِينِ. وَكَانَ وَقْعُ الْمَسَاحِي فِي الْمَوْطِنِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 107

وَسَلَّمَ -، كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: ٩٥ - سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ: "مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ" ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ (١). ٩٦ - (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ) (٢) ﷺ . ٩٧ - (وَلُحِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَحْدًا، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا) (٣). ٩٨ - (وَجُعِلَ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ دُفِنَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) (٤).

стр. 108

وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: (جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) (١). ٩٩ - قَالَ شُقْرَانُ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنه: (أَنَا وَاللهِ طَرَحْتُ القَطِيفَةَ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ) (٢). ١٠٠ - (وَوُضِعَ ﷺ فِي لَحْدِهِ) (٣). وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: ١٠١ - (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ الْلَّبِنُ نَصْبًا) (٤). ١٠٢ - (وَوَلِيَ دَفْنَهُ وَإِجْنَانَهُ مِنْ دُونِ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ،

стр. 109

وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَصَالِحٌ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١). وَصَارَ اللَّحْدُ سُنَّةً، وَاقْتَدَى بِهِ أَصْحَاُبهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: ١٠٣ - (الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ الْلَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢). وَكَانَ اللَّحْدُ وِفْقَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ١٠٤ - "الْلَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا" (٣). وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:

стр. 110

١٠٥ - (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا) (١). ١٠٦ - قَالَ الْمُغِيرَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (قَدْ بَقِيَ مِنْ رِجْلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُصْلِحُوهُ، قَالُوا: فَادْخُلْ فَأَصْلِحْهُ، فَدَخَلَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَّ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، فَأَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ حَتَّى بَلَغَ أَنْصَافَ سَاقَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَحْدَثُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢). أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، فَكَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جِوَارِهِ ﷺ ، ثُمَّ دُفِنَ ﷺ . دُفِنَ ﷺ ، أَتُصَدِّقُونَ؟! دُفِنَ ﷺ ، فَكَيْفَ طَابَتِ النُّفُوسُ أَنْ تَحْثُوَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ التُّرَابَ؟!

стр. 111

١٠٧ - (وَرُفِعَ قَبْرُهُ ﷺ مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ) (١). وَتَحَقَّقَتْ رُؤْيَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا الْقَمَرُ الأَوَّلُ مُحَمَّدٌ ﷺ ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: ١٠٨ - (رَأَيْتُ كَأَنَّ ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطَتْ فِي حُجْرَتِي، فَسَأَلْتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ؛ إِنْ تَصْدُقْ رُؤْيَاكِ .. يُدْفَنْ فِي بَيْتِكِ خَيْرُ أَهْلِ ألأَرْضِ ثَلَاثَةٌ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدُفِنَ .. قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا عَائِشَةُ؛ هَذَا خَيْرُ أَقْمَارِكِ، وَهُوَ أَحَدُهَا) (٢). ١٠٩ - قَالَ أَنسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (مَا نَفَضْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأَيْدِيَ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) (٣).

стр. 112

وَهُوَ مَا أَكَّدَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ: ١١٠ - (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنَّمَا وَجْهُنَا وَاحِدٌ، لَمَّا قُبِضَ .. نَظَرْنَا هَكَذَا وَهَكَذَا) (١). وِيَتَفَقَّدَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ بَيْتُ فَاطِمَةَ الْزَّهرَاءِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ: ١١١ - (فَلَمَّا دَفَنَّاه ﷺ .. مَرَرْتُ بِمَنْزِلِ فَاطِمَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ؛ أَطَابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ التُّرَابَ؟!) (٢). وَحَثُوا الْتُّرَابَ أَيَا فَاطِمُ، ودَفِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَوَقَعَ الْفِرَاقُ، وانْفَصَمَتِ الْعُرَى، وَأَظْلَمَتِ آطَامُ

стр. 113

الْمَدينَة، كَمَا أَخْبَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. ١١٢ - (فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فيه .. أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ) (١)، (فَمَا رَأيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَظْلَمَ وَلا أَقْبَحَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ) (٢). ١١٣ - (وَتُوُفِّيَ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ) (٣) وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ (٤). وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ (٥).

стр. 114

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ عُمُرَهُ ﷺ حِينَ وَفَاتِهِ كَانَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَة) (١).

стр. 115

ثَانِيَ عَشَرَ: الْبُكَاءُ مِنَ الْفِرَاقِ حَانَ الْفِرَاقُ وَهَذَا الْحُزْنُ يُشْجِينِي ... يُبْكِي الأَحِبَّةَ فِي طَيْبَةَ وُيبْكِينِي وَيَبْكِي الصَّحَابَةُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا بَدَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الْوَفَاةِ وَأَمَارَاتُهُا. وَبَكَى الأَنْصَارُ حِينَ حَجَبَهُمْ مَرَضُهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ ﷺ وَبَكَتْ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ. وَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ يُقَبِّلُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَسَالَتْ دُمُوعُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كَاللُّؤْلُؤِ كُلَّمَا تَذَكَّرَ النَّبِيَّ ﷺ . وَحِينَ تَسْمَعُ أُمُّ الْفَضْلِ وَلَدَهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْرَأُ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ تَقُولُ وَقَدْ هَيَّجَتْهَا الذِّكْرَيَاتُ:

стр. 116

١١٤ - (يَا بُنَيَّ؛ وَاللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ؛ إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) (١). وَبَكَتْ أُمُّ أَيْمَنَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا زَارَهَا الصَّاحِبَانِ، وَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ. وَلَا زَالَتْ تَنتظِمُ حَبَّاتُ اللُّؤْلُؤِ عَلَى وُجُوهِ الْعَابِدِينَ كُلَّمَا تَذَكَّرُوا النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَيْهَا .. بَكَتْ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا) (٢). وَبَعْدَ سَنَةٍ ثَقِيلَةِ الْخُطُوَاتِ، خَلَتْ فِيهَا الدُّرُوبُ مِنْ حَبِيبِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ فَلَا أُحُدٌ يَشْرُفُ بِهِ، وَلَا الْعَقِيقُ، وَلَا الْعَوَالِي الْغَالِيَاتُ .. يَصْعَدُ أَبُو بَكْرٍ الْمِنْبَرَ يَوْمًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ

стр. 117

يَقُولَ شَيْئا، فَيَتَذَكَّرُ حَدِيثًا لِلنَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُهُ فَيَقُولُ: ١١٥ - (قَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الأَوَّلِ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ أَعَادَهَا، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ أَعَادَهَا، ثُمَّ بَكَى) (١). وَيَبْكِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَهُوَ يَتَذَكَّرُ حَبِيبَهُ النَّبِيَّ ﷺ ؛ فَيَقُولُ وَهُوَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مَرَّةً: ١١٦ - (يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى)، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: يَا بْنَ عَبَّاسٍ؛ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: (اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ) (٢) ثُمَّ تَحْبِسُهُ الْعَبَرَاتُ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْكَلَامَ، وَجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ (حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ) (٣).

стр. 118

فَهَلِ انْقَطَعَ عَنِ اللُّؤْلُؤِ نِظَامُهَا؟! تَقُولُ عُيُونُ الْعَابِدِينَ وَأَفْئِدَتُهُمْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، بَلْ بِكُلِّ الْعَالَمِينَ وَمَا فِي الْكَوْنِ يَا حَبِيبَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ -. فَكَيْفَ كَانَ حَالُ الأَصْحَابِ وَهُمْ يَمُرُّونَ بِالْبِقَاعِ وَالْمَوَاطِنِ الَّتِي عَاشُوا مَعَهُ ﷺ فِيهَا، وَنَزَلَ الْوَحْيُ فِيهَا، وَدَارَتْ رَحَى الْحَقِّ تَدْرُسُ مَعَالِمَ الشِّرْكِ فِيهَا، كَيْفَ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ؟! كَيْفَ كَانَ صَوْتُ بِلَالٍ يَرْفَعُ الأَذَانَ لَا يَسْمَعُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟! وَهَلْ لَا زَالَ الْمَاءُ عَذْبًا؟! أَوَ بَقِيَتِ الْسَّمَاءُ صَافِيَةً؟! فَقَدْ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَهَلْ حِينَ نَادَى الْمُنَادِي فِي النَّاسِ: أَنْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .. اكْتَحَلَتْ بِالنَّوْمِ الْعُيُونُ؟! وَكَيْفَ كَانَتِ الْحَبِيبَةُ عَائِشَةُ وَالْبَضْعَةُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؟! كَيْفَ كَانَ الصَّاحِبَانِ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟! كَيْفَ كَانَ عُثْمَانُ؟! وَكَيْفَ كَانَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَأَبْنَاءُ جَعْفَرٍ؟! كَيْفَ كَانَ الْحِبُّ بْنُ الْحِبِّ؟!

стр. 119

وَكَيْفَ مَضَتِ الأَيَّامُ الثِّقَالُ عَلَى الْغَالِيَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ شُهُورًا سِتَّةً وَهِيَ تَنتظِرُ الْوُصولَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ؟! مَا هَوَّنَهَا عَلَيْهَا غَيْرُ تِلْكَ الْبِشَارَةِ أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ ﷺ . وَإِنَّمَا كَانَ الصَّبْرُ بِانْتِظَارِ الاجْتِمَاعِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وَتُلَخِّصُ كَلِمَاتُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْوَفَاةِ الْحِكَايَةَ كُلَّهَا، فَإِنَّمَا يَطِيبُ الْمَوْتُ بِاجْتِمَاعِ الأَحِبَةِ: مُحَمَّدٍ وَحِزْبِهِ. ١١٧ - فَقَدْ كَانَ آخِرَ كَلَامِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: (الْيَوْمَ نَلْقَى الأَحِبَّةَ: مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ) (١). ١١٨ - وَهَاكَ قِصَّةَ ابْنِ عَبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَهِيَ تَجُودُ بِنَفْسِهَا وَتَمُوتُ، يَرْوِيهَا مَوْلَاهَا ذَكْوَانُ قَالَ: (اسْتَأذَنَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَمُوتُ وَعِنْدَهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكِ وَهُوَ مِنْ خَيْرِ بَنِيكِ، قَالَ ابْنُ

стр. 120

عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللهِ مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْكِ كُلُّ أَذَىً وَنَصَبٍ وَتَلْقَيِ الأَحِبَّةَ: مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ .. إِلَّا أَنْ تُفَارِقَ رُوحُكِ جَسَدَكِ) (١). إِذًا هُنَاكَ الْمُلْتَقَى ... عِنْدَ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى فِي دَارِ خُلْدٍ مَا بِهَا ... إِلَّا السَّعَادَةُ وَالرِّضَا وَلَقَدْ فَقِهَ هَذَا الأَمْرَ شِبْلٌ مِنْ أَبْنَاءِ حَارَتنَا كَانَ قَدِ اسْتُشْهِدَ وَالِدُهُ وَعَمَّاهُ خِلَالَ عَامَيْنِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ يَحْتَفِي بِشُهَدَاءِ أُسْرَتِهِ وَالْمَسْجِدِ: أَيُّهَا الشُّهَدَاءُ؛ لَقَدْ حَبَّبْتُمْ إِلَيْنَا الآخِرَةَ، وَشَوَّقْتُمُونَا إِلَيْهَا، فَمَتَى يَكُونُ اللِّقَاءُ؟!

стр. 121

الخَاتِمَةُ كَانَتْ هَذِهِ الْجَوْلَةُ الْحَزِينَةُ مَعَ وَفَاةِ السَّيِّدِ النَّبِيِّ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﷺ ، طَافَ فِيهَا الْبَاحِثُ مَعَ الصَّحَابَةِ فِي أَرْجَاءِ الْمَدِينَةِ؛ فِي عَوَالِيهَا وَثَنَايَاهَا، فِي مَسَاجِدِهَا وَمَنَازِلِ الْوَحْيِ فِيهَا، فِي آطَامِهَا وَحَوَائِطِهَا، فِي الْبَقِيعِ، فِي الْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُنَوَّرَةِ (١). وَشَاهَدَ الْقَارِئُ فِي هَذَا الْبَحْثِ آخِرَ الأَحْدَاثِ وَأَحَرَّهَا،

стр. 122

وَأَقْرَبَهَا إِلَى النُّفُوسِ وَأَشَدَّهَا، وَاسْتَمَعَ إِلَى الْهَمَسَاتِ النَّبَوِيَّةِ الأَخِيرَةِ، وَإِلَى الْمُنَاجَاةِ الْخَاتِمَةِ. وَعِشْنَا مَعَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمُ الْحَدَثَ الْعَظِيمَ، وَالْجُرْحَ الأَلِيمَ؛ وَفَاةَ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَرَأَيْنَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَعَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَسَمِعْنَا عِتَابَ الزَّهْرَاءِ الْمُسْلِمِينَ: كَيْفَ طَابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تُهِيلُوا التُّرَابَ عَلَى أَبي الْقَاسِمِ ﷺ ؟! وَيَعْلَمُ اللهُ أَنَّ مِثْلَ هَذِي الدِّرَاسَةِ مِنْ أَثْقَلِ أَنْوَاعِ الدِّرَاسَاتِ عَلَى النُّفُوسِ الْمُسْلِمَةِ، فَهَلْ مَاتَ مُحَمَّدٌ ﷺ حَقًّا؟! مَا صَدَّقَهَا عُمَرُ، وَلَمْ تُصَدِّقْ عَائِشَةُ، وَدَفَعَتْ أُمِّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَبَرَ. مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي النَّاسِ مَنْ يَهْتِفُ كُلَّ لَحْظَةٍ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ. مَا مَاتَ سَيِّدُ سَادَةِ الشُّهَدَاءِ وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. مَا مَاتَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالأُمَّةُ بَلَغَتْ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَسَارَتْ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 123

وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ آفَاقِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ. يَا سَيِّدَ الْعُبَّادِ؛ قَدْ بَزَغَ الْهِلَالُ، نَفَرَتْ رَكَائِبُ زَحْفِنَا نَحْوَ الْيَمِينِ وَمِنْ شِمَالٍ، هَذِي الْمَدَائِنُ أَسْلَمَتْ، وَعَفَا الصَّبَا أَثَرَ الضَّلَالِ. لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ تَطِيرُ بِهِمْ أَشْوَاقُهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُنَوَّرَةِ تُنَاجِيهِمْ وَتُحَادِيهِمْ. هَذِي الْعَوَالِي وَالنَّسَايِمُ مِنْ رُبَى طَيْبَةَ تُهَادِي، تَهْفُو إِلَيْكَ مَعَ الأَصَايِلِ مِنْ مَآذِنِنَا تُنَادِي، تَمْضِي بِنَا أَحْلَامُنَا فِي اللَّيْلِ فِي وَقْتِ السَّحَرِ، نَحْوَ الْمَدِينَةِ رَوْضَةِ الْمُخْتَارِ تُشْرِقُ كَالقَمَرِ. يَا أَيُّهَا الْعُبَّادُ؛ آهٍ لَوْ أَنَّ أَنْجَشَةً أَتَى، يَحْدُو بِنَا لِلْمُلْتَقَى، لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ يَحْوِينَا، وَيَحْوِي الذِّكْرَيَاتِ، يَا أَيُّهَا الْعُبَّادُ، آهٍ. يَا سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، يَا سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ أَشْرَقَتْ فِي كُلِّ وَادٍ. نَادَى الْمُنَادِي مِنْ رُبَى طَيْبَةَ بِلَالُ، وَمَضَتْ رَكَائِبُ زَحْفِنَا مُتَضَمِّخِينَ الْمِسْكَ مِنْ طِيبِ الْفِعَالِ. سَيّدِي أَبَا الْقَاسِمِ؛ "وَأَظْلَمَتِ الْمَدِينةُ" لَمَّا طَوَاكَ الثَّرَى، فَلَا عَاشَ مَنْ لَمْ يَعِشْ لِرِسَالَتِكَ رِسَالَةِ السَّمَاءِ.

стр. 124

سَيِّدِي رَسُولَ اللهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ فِي الأَوَّلِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ فِي الآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ... سَيِّدِي أَبَا الْقَاسِمِ يَا حَبِيبَ قَلْبِي، وَيَا حَبِيبَ رَبِّي، عَلَيْكَ السَّلَامُ ... وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ