← Сира

Сира · id 17620

وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - «وأظلمت المدينة»

نزار ريان

Полный текст (124 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَجْهَهُ وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى" حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ ﷺ (١). وَمِمَّا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أُمَّتَهُ: مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: ٤٨ - لَمَّا حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ الْوَفَاةُ .. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنَا، قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَبِأَبْنَائِهِمْ مِنْ بَعْدِهمْ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ .. لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ" (٢).

стр. 72

٤٩ - وَتَرْوِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَ مِنْ آخِرِ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: عُدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ غَدَاةً بَعْدَ غدَاةٍ، يَقُولُ: "جَاءَ عَلِيٌّ؟ " مِرَارًا. قَالَتْ: وَأَظُنُّهُ كَانَ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، قَالَتْ: فَجَاءَ بَعْدُ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةً، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَيْتِ، فَقَعَدْنَا عِنْدَ الْبَابِ، فَكُنْتُ مِنْ أَدْنَاهُمْ إِلَى الْبَابِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَيُنَاجِيهِ، ثُمَّ قُبِضَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا (١). وَمَعَ اشْتِدَادِ الْمَرَضِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَبْكِي فَاطِمَةُ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، كَمَا يَرْوِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. ٥٠ - قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ

стр. 73

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .. جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ" (١). وَتَحَارُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَتَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ حَزِينَةً لِمَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ نَزْعٍ وَقَدْ جَزِعَتْ لِفِرَاقِهِ ﷺ ، كَمَا يَرْوِي ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ الْخُزَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (٢). ٥١ - قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ صَفِيَّةُ: يَا رَسُولَ اللهِ: لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِكَ أَهْلٌ يُلْجَأُ إِلَيْهِمْ وَإِنَّكَ أَجْلَيْتَ أَهْلِي، فَإِنْ حَدَثَ حَدَثٌ .. فَإِلَى مَنْ؟ قَالَ: "إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ" (٣) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.

стр. 74

ثَامِنًا: آخِرُ الْهَمَسَاتِ النَّبَوِيَّةِ هِيَ آخِرُ الْكَلِمَاتِ وَتَنْقَطِعُ السَّمَاءُ عَنِ الأَرْضِ، وَتَمْضِي الْخَلَائِقُ وَحْدَهَا تُوَاجِهُ الأَحْدَاثَ بِلَا نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ! فَهَاهِيَ الدُّنْيَا تَعِيشُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، فَقَدْ كَانَ لِلنَّاسِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ تَسُوسُهُمْ وَتَؤُمُّهُمْ، وَالْيَوْمَ جَاءَتِ الرِّسَالَةُ الأَخِيرَةُ وَالنَّبِيُّ الْخَاتَمُ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ (١)، فَمَاذَا يَفْعَلُ النَّاسُ؟! وَتُدْرِكُ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ الانْقِطَاعُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّهُ قَدْ بَدَأَ الْفِصَامُ النَّكِدُ مَا لَمْ يَكُنِ

стр. 75

التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِصْمَةً وَوِقَايَةً وَسَبِيلَ الأُمَّةِ فِي الطَّرِيقِ النَّاهِجِ الطَّوِيلِ. ٥٢ - رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا .. بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ . فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَلَّا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا) (١). وَلَنَا مَعَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا لِقَاءَاتٌ؛ إِذْ هِيَ أَكْثَرُ أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَةً لِخَبَرِ وَفَاتِهِ، وَهِيَ الشَّاهِدَةُ عَلَى آخِرِ الْمَوَاقِفِ وَأَحَرِّهَا، فتقُولُ: ٥٣ - كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ:

стр. 76

"إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ منَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا أوْ يُخَيَّرَ". فَلَمَّا اشْتَكَى ﷺ وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا .. غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ .. شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى". قَالَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (إذًا لَا يَخْتَارُنَا) (١) إِذًا لَا يُجَاوِرُنَا، قَالَتْ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ (٢). وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بها رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: "اللَّهُمَّ؛ الرَّفِيقَ الأَعْلَى" (٣).

стр. 77

(اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى) آخِرُ الْهَمَسَاتِ، بَلْ آخِرُ الْكَلِمَاتِ، إِنَّهَا تَرْسُمُ الطَّرِيقَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مَاضٍ فِي طَرِيقِ اللهِ تَعَالَى، إِنَّهَا الْكَلِمَةُ الْفَصْلُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَعَ الرَّفيقِ الأَعْلَى، وَإِمَّا أَنْ يَخْتَارَ أَدْنَى الرِّفَاقِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالشِّقَاقِ، وَهَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا؟! إِنَّهُ لَحَدْلٌ غَيْرُ عَدْلٍ! (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى) لِيُعَلِّمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ وَهُوَ فِي أَشَدِّ اللَّحَظَاتِ وَأَثْقَلِهَا: أَنَّ الْحَيَاةَ وَإِنْ طَالَتْ وَتَمَتَّعَ بِهَا الْمَرْءُ إِلَى نِهَايَةٍ؛ فَلْتَكُنْ مَعَ الرَّفِيقِ الأَعْلَى. (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى) لِكَيْ يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ؛ عَلَى الدَّرْبِ السَّهْلِ الرَّفيقِ، حَتَّى تَكُونَ بِعَونِ اللهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١). ٥٤ - وَمِنْ آخِرِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي هَمَسَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي احْتِضَارِهِ: مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ آخِرُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُغَرْغِرُ

стр. 78

بِهَا فِي صَدْرِهِ (١)، وَمَا كَانَ يَفِيصُ (٢) بِهَا لِسَانُهُ: "الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٣).

стр. 79

٥٥ - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ فَأَمَرَّهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" (١). إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢).

стр. 80

٥٦ - قَالَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (مَا أَغْبطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١).

стр. 81

تَاسِعًا: الدَّارُ الآخِرَةُ يَقُولُ ﵎: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). كَانَتْ تِلْكَ الآيَةُ بَعْضَ الْبَشَائِرِ الَّتِي تَحْدُو النَّبِيَّ ﷺ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ وَهُوَ يُوَدعُّ دَارَ الدُّنْيَا. ٥٧ - وَيَرْوِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ .. أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ" (٢). ٥٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ" (٣).

стр. 82

٥٩ - وَعن أَبِي مُوَيْهِبَةَ رضِيَ الله تعَالى عنه مَوْلَى رسولِ اللهِ ﷺ قَالَ: أَنْبَهَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ؛ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ". فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْبَقِيعَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ طَوِيلًا ثمَّ قَالَ: "لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَع اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأولى، يَا أبَا مُوَيْهِبَةَ؛ إِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خزائِنِ الدُّنيَا وَالخلد فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ". فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأبِي أنتَ وَأمِّي، فخذ مَفاتِيحَ خزائِنِ الدُّنيَا وَالخُلْدَ فِيهَا ثمَّ الجَنَّةَ، فقالَ: "وَاللهِ يَا أبَا مُوَيْهِبَة؛ لقدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ". ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فلما أصبح. . ابْتُدِئَ بِوَجَعِهِ الَّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ (١).

стр. 83

وَيَأْتِي يَوْمُ الإِثْنَيْنِ، أَثْقَلُ الأَيَّامِ فِي ذَاكِرَةِ الأُمَّةِ عَلَى الأُمَّةِ، يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَوْمَ انتقَلَ مُخْتَارًا إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى. ٦٥ - وَيَأْتِي يَوْمُ الإِثْنَيْنِ (فَبَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ .. لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَبَسَّمَ ﷺ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ؛ فَرَحًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتكمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ) (١). وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَكَانَتْ آخِرَ ابْتِسَامَةٍ يَرَاهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ ﷺ .

стр. 84

٦١ - وَكَانَ (آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ) (١) كَمَا كَانَتْ تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا. ٦٢ - (وَتُوُفِّيَ ﷺ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وبيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ موته) (٢). ٦٣ - (ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى" حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ ﷺ ) (٣) (فَمَاتَ) (٤) ﷺ .

стр. 85

٦٤ - وَيَنتقِلُ ﷺ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى، طَابَ حَيًّا وَطَابَ مَيِّتًا ﷺ (١)، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، أَكْثَرَ الأيَّامِ ظُلْمَةً وَشِدَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ٦٥ - قَالَ: "فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: يَوْمُ الإِثْنَيْنِ، قَالَ: "أَرْجُو فِيمَا بَيْني وَبَيْنَ اللَّيْلِ" (٢). وَتَصْمُتُ الدُّنْيَا، وَيَسْكُنُ الْكَوْنُ، وَتَهْدَأُ الأَصْوَاتُ، فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، هِيَ آخِرُ النَّظَرَاتِ، هِيَ آخِرُ الْخَلَجَاتِ، وَيَمُوتُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيَنْقَطِعُ خَبَرُ السَّمَاءِ. وَيَنْقَطِعُ خَبَرُ السَّمَاءِ، وَيَتَوَقَّفُ جِبْرِيلُ عَنْ أَمْرٍ عَزِيزٍ، جِدِّ عَزِيزٍ؛ أَشْرَقَتْ بِهِ الأَرْضُ، وَسَعِدَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ، إِنَّهُ وَحْيُ السَّمَاءِ. وَيَقَعُ الْحَدَثُ الْجَلَلُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 86

وَيَبْكِي الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَيُسْكَب دَمْعُ أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَيَعْقِرُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَتَصِيرُ الْوَفَاةُ حَقِيقَةً، وَتَذُوقُ بُيُوتُ الْمَدِينَةِ كُلُّهَا طَعْمَ الْمَوْتِ مُصِيبَةً، وُيحَاوِلُ الأَحِبَّةُ دَفْعَ خَبَرِ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَا يُصَدِّقُونَ أَنَّهُ ﷺ قَدْ مَاتَ.

стр. 87

عَاشِرًا: أثَرُ وَفَاتِهِ ﷺ عَلَى الصَّحَابةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَتَصْعَدُ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ إِلَى جِوَارِ رَبِّهَا، فَلَا تَجِدُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُقْبَضُ رُوحُهُ ﵇، قَالَتْ: ٦٦ - (فَبَيْنَمَا رَأْسُهُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى مَنْكِبَيَّ إِذْ مَالَ رَأْسُهُ نَحْوَ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ رَأْسِي حَاجَةً، فَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ نُطْفَةٌ بَارِدَةٌ، فَوَقَعَتْ عَلَى ثُغْرَةِ نَحْرِي، فَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَسَجَّيْتُهُ ثَوْبًا) (١). ٦٧ - (فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ ﷺ .. لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا) (٢).

стр. 88

هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ، هَذِهِ الرَّائِحَةُ الزَّكِيَّةُ، هِيَ رُوحُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ (١). ٦٨ - (فَقَدْ كَانَ طَيِّبًا ﷺ ) (٢) حَيًّا وَمَيْتًا. وَتَنْدُبُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَبَاهَا: ٦٩ - (يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ! يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ!) (٣). (وَاأَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ! وَاأَبَتَاهْ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ! وَاأَبَتَاهْ، جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ! وَاأَبَتَاهْ، إِلَى جِبْرَائِيلَ أَنْعَاهْ!) (٤). وَيَتَسَرَّبُ النَّدْبُ إِلَى الأَصْحَابِ، وَيَتَهَامَسُونَ بِهِ، وَيَدْفَعُونَ

стр. 89

الْخَبَرَ فَلَا يُرِيدُونَ تَصْدِيقَهُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَنْ يَمُوتَ، وَالْخَبَرُ دَسِيسَةُ ألْمُنَافِقِينَ، وَيَجِبُ مُلَاحَقَةُ مَنْ يَزْعُمُ مَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ . ٧٠ - تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (فَجَاءَ عُمَرُ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَاسْتَأْذَنَا، فَأَذِنْتُ لَهُمَا، وَجَذَبْتُ إِلَيَّ الْحِجَابَ، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَاغَشْيَاهْ، مَا أَشَدَّ غَشْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ! ثُمَّ قَامَا، فَلَمَّا دَنَوَا مِنَ الْبَابِ .. قَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا عُمَرُ، مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (١). فَعَائِشَةُ لَا تُرِيدُ أَنْ تُصَدِّقَ أَنَّهُ ﷺ مَاتَ، فَحِينَ يَمِيلُ رَأْسُهُ ﷺ نَحْوَ رَأْسِهَا .. يَمِيلُ بَعْدَ أَنْ يَخْتَارَ رَبَّهُ، بَعْدَ أَنْ يَهْمِسَ "فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى" وَبَعْدَ أَنْ تتَمْتِمَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: "إِذًا لَا يَخْتَارُنَا" (٢) وَمَعَ وُرُودِ كُلِّ تِلْكَ الْقَرَائِنِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تُصَدِّقَ أَنَّهُ ﷺ مَاتَ.

стр. 90

وَيَأْتِي عُمَرُ وَالمُغِيرَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا لِعِيَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَرَيَاهُ مَيْتًا، تَدُلُّ كُلُّ الأَمَارَاتِ عَلَى ذَلِكَ، لكِنَّهُ دَفَعَ تِلْكَ الْفِكْرَةَ، وَيَتَوَهَّمُ الْغَشْيَ (وَاغَشْيَاهْ، مَا أَشَدَّ غَشْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ !). وَيُعْلِنُهَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حَرْبًا عَلَى مَنْ يَهْمِسُ بِهَا هَمْسًا، فَكَيْفَ بِمَنْ يُعْلِنُ ذَلِكَ؟! فَحِينَ يَقُولُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ .. يُوَاجِهُهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مُنْفَعِلًا بِالْعَاصِفَةِ: (كَذَبْتَ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوسُكَ (١) فِتْنَة) (٢). ثُمَّ يَمْضِي عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدْ أَدْهَشَتْهُ صَدْمَةُ

стр. 91

الْفِرَاقِ، وَتَهَامَسَ النَّاسُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا أَسْرَعَ أَنْ قَالَ: ٧١ - (وَاللهِ؛ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاللهِ؛ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثنَهُ اللهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ) (١) ثُمَّ يَقُولُ: ٧٢ - (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ) (٢). وَيَتَأَوَّلُ عُمَرُ مَا بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا وَقَعَ لِمُوسَى ﵇ مِنْ خُرُوجٍ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ (٣)، فَيَقُولُ: ٧٣ - (لَا أَسْمَعَنَّ أَحَدًا يَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ، إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَمُتْ، لكِنْ

стр. 92

أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَبُّهُ كَمَا أَرْسَلَ إِلَى مُوسَى، فَلَبِثَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (١). كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ (بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوسُكَ فِتْنَةٌ)، (فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ)، (لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ)، (أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَبُّهُ كَمَا أَرْسَلَ إِلَى مُوسَى). كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، لكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ الْحَقِيقَةَ الأَلِيمَةَ. ٧٤ - فَقَالَ النَّاسُ: (يَا سَالِمُ؛ انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَادْعُهُ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ أَبْكِي دَهَشًا، فَلَمَّا رَآنِي .. قَالَ لِي: أَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ يَقُولُ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قُبِضَ إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا، فَقَالَ لِي: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَجَاءَ) (٢) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.

стр. 93

٧٥ - (حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ الناسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) (١) (وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَفْرِجُوا لِي، فَأَفْرَجُوا لَهُ) (٢)، (فتيَمَّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُغَشّىً بِثَوْبِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ) (٣) (حَتَّى أَكَبَّ عَلَيْهِ وَمَسَّهُ فَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٤) ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللهِ لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ .. فَقَدْ مُتَّهَا) (٥) ثمَّ قَالَ: ٧٦ - (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَاتَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ

стр. 94

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ) (١) (وَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاعِدَيْهِ) (٢) وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: (وَانَبِيَّاهْ! ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ حَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهْ! ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ وَقَالَ: وَاخَلِيلَاهْ، مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ) (٣). ٧٧ - (وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ مَنْ كَانَ فِيكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا .. فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ

стр. 95

مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ .. فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللهُ ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). ٧٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: وَاللهِ؛ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فتلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا. قَالَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَاللهِ؛ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا .. عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ) (٢). ٧٩ - قَالَتْ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنَّ

стр. 96

فِيهِمْ لَنِفَاقًا، فَرَدَّهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) (٢). وَصَدَّقَ عُمَرُ سَاعَتَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ.

стр. 97

حَادِيَ عَشَرَ: غُسْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَتكفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ ذَهَلَ الصَّحَابَةُ لِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ دَلِيلٌ لِمَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَصُدِمُوا لِمَوْتهِ، فَالْخَبَرُ أَكْبَرُ مِنْ أكابِرِهِمْ. فَهَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لَا تُقِلُّهُ قَدَمَاهُ، وَأَبُو بَكْرٍ يَبْكِي، وَيُعْلِنُ الْحَقِيقَةَ وَحْدَهُ، وَيَتَحَمَّلُهَا، وَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلَيْهَا. مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَتَزْدَحِمُ الأَحْدَاثُ عَلَى الْكِرَامِ، فَالْمَدِينَةُ لَا زَالَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ مِمَّنْ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْكُفْرَ، وَالْعَرَبُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَالْجَيْشُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ يَتَجَهَّزُ لِغَزْوِ الشَّامِ، وَالنَّاسُ مَا أَلِفَتِ الْحُكْمَ، وَمَا اعْتَادَتِ النِّظَامَ، وَمَا جَرَوْا عَلَى مَذَاهِبِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ يَمْتَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالدِّينِ الْجَدِيدِ.

стр. 98

وَدَهِشَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِهَذَا الأَمْرِ الْهَائِلِ، فَانْشَغَلُوا فِي جَمْعِ صَفِّ النَّاسِ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ يُصَلِّي لَهُمْ صَلَاتَهُمْ، وَيَقُومُ عَلَى حَاجَاتِهِمْ، وَيَجْمَعُهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَانتهَى الصَّحَابَةُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ، وَتَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ التفَتُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ مِنْ أَجْلِ غُسْلِهِ وَتَكْفِينهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ، فَالْحَقِيقَةُ الْمُرَّةُ لَابُدَّ مِنْ تَجَرُّعِهَا. وَحَارَ الصَّحَابَةُ فِي أَمْرِ غُسْلِهِ وَدَفْنِهِ ﷺ . ٨٠ - تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيّ ﷺ .. قَالُوا: وَاللهِ؛ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا .. أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّم مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ) (١).

стр. 99

٨١ - وَرَوَى سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَمَرَهُمْ أَنْ يُغَسِّلَهُ بَنُو أَبِيهِ (١). فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وُيدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ. ٨٢ - وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ .. مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ) (٢). ٨٣ - وَيَرْوِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ لَمَّا غَسَّلَ النَّبِيَّ ﷺ .. ذَهَبَ يَلْتَمِسُ مِنْهُ مَا يَلْتَمِسُ مِنَ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ: (بِأَبِي، الطَّيِّبُ، طِبْتَ حَيًّا، وَطِبْتَ مَيِّتًا) (٣).

стр. 100

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَفَقَّدَ كَفَنَهُ وَهُوَ يَنْزِعُ. ٨٤ - فَنَظَرَ ﷺ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: "اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُوني فِيهَا" قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: "إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ" (١). ٨٥ - وَكُفِّنَ ﷺ فِي ثَوْبٍ نَجْرَانِيٍّ وَرَيْطَتَيْنِ (٢). ٨٦ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ مِنْ

стр. 101

كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) (١). وَأَشْكَلَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي بُرْدٍ يَمَانِيٍّ، وَهُوَ الْحُلَّةُ أَوِ الْحِبَرَةُ (٢)، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: ٨٧ - (قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ، وَلكِنَّهُمْ رَدُّوهُ وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ) (٣). ٨٨ - ثُمَّ (أُدْرِجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ

стр. 102

كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ ﷺ ) (١). ٨٩ - (فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ: لأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي) (٢). وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا مَا ذَكَرُوا فَأَنْكَرَتْهُ وَقَالَتْ: ٩٠ - (أَمَّا الْحُلَّةُ .. فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا؛ فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ) (٣). قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (رُوِيَ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ ﷺ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَصَحُّ الأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) (٤).

стр. 103

وَبَدَأَ النَّاسُ يُجَهِّزُونَ النَّبِيَّ ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ. إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَفِي الضَّرِيحِ وَفِي الأَكفَانِ أَحْزَانُ. إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَفِي الْوَدَاعِ وَفِي الإِجْنَانِ أَشْجَانُ. إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَإِنَّ الْوَدَاعَ لِمَنْ تُحِبُّ قَلِيلٌ. إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَإِنَّهُ الرَّحِيلُ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ. إِنَّهَا الأُمَّةُ الثَّكلَى بِوَفَاةِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ ﷺ . إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ، فَوَدِّعْ فُؤَادَكَ تَوْدِيعَ الْفِرَاقِ مِنْ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ. ٩١ - فَقَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَيُصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: (نَعَمْ). فَقَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: (يَدْخُلُ قَوْمٌ فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ قَوْمٌ فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ ثمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَدْخُلَ النَّاسُ) (١).

стр. 104

٩٢ - (فَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ الْبَابِ الآخَر) (١). (وَصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لا يَؤُمَّهُمْ أَحَدٌ) (٢). قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: (وَأَمَّا صَلَاةُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا .. فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ النَّقْلِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) (٣). قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَهَذَا الْصَّنِيْعُ -وَهُوَ صَلَاتُهُمْ عَلَيْهِ فُرَادَى لَمْ يَؤُمَّهُمْ أَحَدٌ عَلَيْهِ- أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ) (٤).

стр. 105

لَقَدْ صَارَ الأَمْرُ حَقِيقَةً كُبْرَى، مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَهَلْ تُصدِّقُ أُمِّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُنَّ لَنْ يَرَيْنَهُ بَعْدَ الْيَوْمِ؟ اللَّيْلُ يَكْسُو الْمَدِينَةَ بِالْبُكَاءِ وَبِالدُّمُوعِ، تَجْرِي سَوَاكِبُ دَمْعِهَا نَحْوَ اللِّحَى، نَحْوَ الْخُدُودِ. هَذِي الفوَاطِمُ كُلُّهُنَّ وَعَائِشَةُ. هَذِي الْحَبيبَةُ بَضْعَةُ الْمُخْتَارِ تَنْدُبُ سَيِّدِي. هَذَا النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ سَجَّتْهُ أمُّ المُؤْمِنِينَ بِحِبَرَةٍ كَفَنِ الوَدَاعِ. وَبَضْعَةُ النَّبِيِّ ﷺ تَبْكِيهِ، وَتَنْدُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبَاهَا. هَا هُنَّ أُمِّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ يَبْكِينَ النَّبِيَّ الْحَبِيبَ الْغَالِيَ. وَنَامَ الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ، وَأَرَّقَتِ الْمَدَامِعُ سَائِرَ النَّاسِ. ٩٣ - (قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ؛ أَيُدْفَنُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نعمْ، قَالُوا: أَيْنَ؟ قَالَ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللهُ فِيهِ رُوحَهَ) (١) ﷺ .

стр. 106

هَا هِيَ الْفُؤُوسُ تَشُقُّهُمَا مَعًا، وَتَصْدَعُهُمَا مَعًا؛ قُلُوبَ الصَّالِحِينَ، وَالأَرْضَ الَّتِي تَضُمُّ إِلَيْهَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ مُحَمَّدًا ﷺ . قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ: (الَّذِي أَلْحَدَ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبُو طَلْحَةَ) (١). ٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: (مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ) (٢). وَاكْتَسَتِ الْمَدِينَةُ بِالْحُزْنِ الْمُعَتَّقِ، وَتَفَتَّقَتِ الْقُلُوبُ بِالأَسَى، وَاللَّيْلُ يُقَطِّعُهُ وَقع الْمَسَاحِي وَالْكَرَازِينِ. وَكَانَ وَقْعُ الْمَسَاحِي فِي الْمَوْطِنِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 107

وَسَلَّمَ -، كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: ٩٥ - سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ: "مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ" ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ (١). ٩٦ - (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ) (٢) ﷺ . ٩٧ - (وَلُحِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَحْدًا، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا) (٣). ٩٨ - (وَجُعِلَ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ دُفِنَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) (٤).

стр. 108

وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: (جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) (١). ٩٩ - قَالَ شُقْرَانُ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنه: (أَنَا وَاللهِ طَرَحْتُ القَطِيفَةَ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ) (٢). ١٠٠ - (وَوُضِعَ ﷺ فِي لَحْدِهِ) (٣). وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: ١٠١ - (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ الْلَّبِنُ نَصْبًا) (٤). ١٠٢ - (وَوَلِيَ دَفْنَهُ وَإِجْنَانَهُ مِنْ دُونِ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ،

стр. 109

وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَصَالِحٌ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١). وَصَارَ اللَّحْدُ سُنَّةً، وَاقْتَدَى بِهِ أَصْحَاُبهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: ١٠٣ - (الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ الْلَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢). وَكَانَ اللَّحْدُ وِفْقَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ١٠٤ - "الْلَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا" (٣). وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:

стр. 110

١٠٥ - (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا) (١). ١٠٦ - قَالَ الْمُغِيرَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (قَدْ بَقِيَ مِنْ رِجْلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُصْلِحُوهُ، قَالُوا: فَادْخُلْ فَأَصْلِحْهُ، فَدَخَلَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَّ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، فَأَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ حَتَّى بَلَغَ أَنْصَافَ سَاقَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَحْدَثُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢). أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، فَكَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جِوَارِهِ ﷺ ، ثُمَّ دُفِنَ ﷺ . دُفِنَ ﷺ ، أَتُصَدِّقُونَ؟! دُفِنَ ﷺ ، فَكَيْفَ طَابَتِ النُّفُوسُ أَنْ تَحْثُوَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ التُّرَابَ؟!
следующие страницы →