← Тараджим

Тараджим · id 17657

الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد

ابن المبرد

Полный текст (285 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد تأليف الإمام العلامة المحدث يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي الحنبلي المعروف بـ «ابن المبرد» (٨٤٠ - ٩٠٩ هـ) حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين جامعة أم القرى - مكة المكرمة

стр. 2

(ح) مكتبة العبيكان، ١٤٢٠ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر الْخَوَارِزْمِيّ، الْقَاسِم بن الْحُسَيْن الْمَقْدِسِي، يُوسُف بن حسن الْجَوْهَر المنضد فِي طَبَقَات متأخري أَصْحَاب أَحْمد/ تَحْقِيق عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان العثيمين - الرياض. ٣٥٢ ص، ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٣/ ٦٥١ - ٢٠ - ٩٩٦٠ ١ - الْفُقَهَاء الْحَنَابِلَة أ - العثيمين، عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان (مُحَقّق) ب - العنوان ديوي ٩٢٢.٥٨٤ ... ٣٢٧٠/ ٢٠ ردمك: ٣ - ٦٥١ - ٢٠ - ٩٩٦٠ ... رقم الْإِيدَاع: ٣٢٧٠/ ٢٠ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة الطبعة الأولى الْخَاصَّة بمكتبة العبيكان ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م الناشر مكتبة العبيكان الرياض - الْعليا - تقاطع طَرِيق الْملك فَهد مَعَ الْعرُوبَة ص. ب: ٦٢٨٠٧ الرياض: ١١٥٩٥ هَاتِف: ٤٦٥٤٤٢٤، فاكس: ٤٦٥٠١٢٩

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "كان جبلًا من جبالَ العلمِ وفردًا من أفرادٍ العالَمِ عديمَ النَّظيرِ فى التَّحريرِ والتَّقرير، آيةَ عُظمى، وحجَّةً من حُجج الِإسلامِ كُبرى. بحرٌ لا يلحقُ له قرَار وبرٌّ لا يشقُّ له غُبار، أُعجوبةُ عَصره فى الفُنون ونادِرَةُ دَهره الذى لن تَسْمَحَ بمثلِهِ السُّنونُ". كمال الدِّين الغزى (ت ١٢١٤ هـ)

стр. 4

[مقدمة] الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. أما بعد: فإنَّنى كثيرًا ما أرجع إلى كُتب طبقاتِ الحَنابلة للقاضي ابن أبى يَعلى، وذيلها لابن رجب، والمنهج الأحمد للعُلَيْمِىّ. . . ثم لا أجد طلبتى إلا بعد عناءٍ وتعبٍ شديدين، وذلك أن هذه الكتب - فى غالبها - غير مفهرسة ولا مرتبة، مع أنها تشتمل على علمٍ كثيرٍ، وفوائد متنوعة ويحتاج إليها كلُّ باحثٍ متخصصٍ فى الدراسات الِإسلامية. فقلت فى نَفْسى لو أَنَّنى قُمت بفهرسة هذه الكتب ليسهل الرجوع إليها ويكثر الانتفاع بها. وباشرتُ العمل بالجزء الأول من طبقات ابن أبى يعلى فى المحرم من عام ١٣٩٩ هـ ثم رأيت أن أقوم أولًا بجمعِ كُتُبِ الطبقات، ثم النَّظر فيها مجتمعة، ووضع فهرس رجالٍ شاملٍ لجميع المؤلفات التى أتمكن من الحصول عليها فى طبقاتهم، ليسهل بعد ذلك وضع فهرس كل كتاب على حدة، فبدأت بجمعها مخطوطها ومطبوعها فاجتمع لدىَّ مجموعة جيدة من كتب الطبقات منها المطول ومنها المختصر. ثم بدأت بفهرستها (فهارس تراجم) على بطاقات. ولمَّا رأيت أن كتبَ الطَّبقات التى وقَفْتُ عليها ليست شاملةً لجميع علماء المذهب، فبعضهم يستدرك على الآخَرِ، ثم يترك هو علماء فى عصره أو فترته لم يَسْتَوْفِهِمْ فى كتابِهِ.

стр. 5

وأنا الآن بدأت بمحاولة جمع تراجم علماء الحنابلة من المصادر المختلفة بواسطة الحاسب الآلى (الكمبيوتر) وترتيبها على حروف المعجم وذلك من لدن الإِمام أحمد حتى عام ألف من الهجرة (١٠٠٠ هـ) كمرحلة أولى. وقد رجعت إلى مجموعة من كتب التاريخ والوفيات التَّراجم والرِّجال والمعاجم والأثبات والمشيخات والمجاميع والرَّحلات المخطوطة والمطبوعة وجمعت منها كثيرًا من العلماء الذين تُرجموا أو لم يُتَرجموا فى طبقات المذهب، ولا زال عملى فيه قائمًا أحاول استقصاء أكبرَ عددٍ ممكن من الكُتُبِ، ولا يشتمل هذا المُعجم على معلوماتٍ عن المترجم إلا اسمه كاملًا ومولده ووفاته ومصادر ترجمته فقط. وفى نطاق هذا الاهتمام قصت بتحقيق بعض النُّصوص المجهولة لدى كثيرٍ من الباحثين التى أفدت منها معلومات جيدة عن حياة مجموعةٍ كبيرةٍ من عُلماء الحنابلة وآثارهم. وكان من نتاج هذا الاهتمام التَّحقيق والتعليق على كتاب (الجوهر المنضَّد) للإِمام يوسف بن الحسن بن عبد الهادى (ت ٩٠٩ هـ) الذى ينشر لأول مرة ونقدّم له بهذه المقدمة، راجيا من الله تعالى أن ينفع به وأن يرحم مؤلفه وأن يشمل بعفوه ورحمته محققه. وثنَّيتُ العملَ بتحقيق (المَقصد الأرشد) للإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) وهو الآن قَيد الطبع. وقدمتُ لكتاب ابنِ عبد الهادى الذى بين يدى القارئ بمقدمة تحدثت فيها عن مؤلف الكتاب المحقق يوسف بن الحسن بن عبد الهادى وسيرته وأخباره وآثاره ثم تحدثت عن نشأة المذهب الحنبلي والتأليف فى الرجال عامة، وفى طبقات الفقهاء على وجه الخصوص، وخصصت طبقات الحنابلة بحديث وافٍ.

стр. 6

لأن هذا الكتاب أولُ نصٍّ أقوم بنشره منها، وسأتبع ذلك العمل بما تيسر لى مستقبلا، إن شاء الله تعالى. ثم تحدثت عن (الجوهر المنضد. . . .) فحققت اسمه ونسبته إلى مؤلفه، والفرق بينه وبين (العطاء المعجل فى طبقات أصحاب الِإمام المبجل) للمؤلف نفسه وهو فى طبقات الحنابلة أيضًا ثم تحدّثتُ عن مصادره وأهميته ومادته العلمية ووصفت نسخته الخطية التى هى أصل الكتاب. كنتُ أزمعت أن أضع مستدركًا على الكتاب يطبع معه، للعلماء الذين أخل بهم كتاب ابن عبد الهادى وهم داخلون فى شرطه، إلا أنَّ كثرة هؤلاء العلماء جعلتنى أُفردُهم فى مؤلَّفٍ مستقل لكى لا يطغى المستدرك على أصل الكتاب، مع العلم أن المستدرك لا يشتمل على معلومات وإنما هو تعريف مختصر ثم مصادر الترجمة. وخرجت التَّراجم من مصادر مختلفة، ثم ختمتُ العملَ بفهارس مختلفة خدمة للباحث لِسُرعة الحصول على المعلومات. وقد بَذَلْتُ جهدى فى الرُّجوع إلى مصادره الأصلية وحاولتُ أن أحافظَ على سلامةِ نُصوصه ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا، والله حسبى ونعم الوكيل. كتبه الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن سليمان العثيمين مكة المكرمة ١/ ١ / ١٤٠٦ هـ

стр. 7

يوسف بن الحسن بن عبد الهادي حياته وآثاره (٨٤٠ - ٩٠٩ هـ)

стр. 8

مصادر ترجمته: ابنُ عبد الهادى من المُؤلفين القلائل الذّين حُفظت آثارهم وأَخبارهم، ويستطيع الباحث أن يقدمَ دراسةً شاملةً عن حياته العِلمية والعَملية من خلالِ آثاره التى تَركها وحُفظت لنا جيلًا بعد جيلٍ، وأغلبُ آثاره بخط يده. فمن خلال قراءتى لبعضِ هذه الآثار تَبين لى أَنَّها غنيةٌ جدًّا بنقلِ أخبارِه وحياته العامة فلعل باحثًا متخصصًا يحاول جمعَها وترتيبَها والخروج منها بدراسةٍ مُستفيضة عن حياته. ولعلَّ أقدمَ مَنْ ترجم له هو السَّخاوى (ت ٩٠٢ هـ) فى الضوء اللامع: ١٠/ ٣٠٨، ثم ابن طولون الصَّالحي (ت ٩٥٣ هـ) وهو تلميذ ابن عبد الهادى ترجم له: فى متعة الأذهان: ١٠٨ (مخطوط) وسكردان الأخبار (١)، ومعجمه (مخطوط)، وخصه بترجمة وافية بمؤلف خاص اسمه: (الهادى إلى ترجمةِ ابنِ عبد الهادى) وُصف بأنَّه مؤلفٌ ضخمٌ، وذكره الحافظ الغَيْطى (ت ٩٨١ هـ) فى مشيخته (مخطوط) وترجم له نجمُ الدين الغَزِّى فى الكواكب السَّائرة: ١/ ٣١٦، وابن العماد فى الشّذرات: ٨/ ٤٣، والكمال الغَزِّى فى النَّعت الأكمل: ٦٧، وابنُ حُميدٍ النَّجدى فى السُّحب الوابلة: ٣١٩، والشَّطِّى فى مُختصر طبقات الحنابلة: ٧٤، والكَتَّانى فى فهرس الفهارس: ٧٤، ومحمد كرد علي فى خطط الشام: ٨/ ١٧، وبروكلمان فى تاريخ الأدب العربى: ٢/ ١٠٧، والذِّيل: ٢/ ١٣٠، ٩٤٧. . وغيرهم.

стр. 9

اسمه ونسبه: يوسف بن الحسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادى ابن عبد الحميد بن عبد الهادى بن يوسف بن محمد بن قُدامة بن مِقْدام ابن نصر بن فَتح بن حُذيفة بن محمد بن يَعقوب بن القاسم بن إبراهيم ابن إسماعيل بن يحيى بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه. يُلقَّب: جمال الدين بن بدر الدين بن شهاب الدين (ابن المَبْرِدِ). ويكنى أبا المَحاسن، وأبا عمر أيضًا، قُرشىٌّ عَدوىٌّ عُمرٌّ دمشقىٌّ صالحىٌّ، مقدسىُّ الأصلِ، حنبلىُّ المذهبِ. و (ابن الَمْبرِد) لَقَبُ جدِّه شهاب الدين أحمد (١)، لقبه بذلك عمُّه، قيلَ: لقوَّته، وقيلَ: لخُشُونة يَده. وهو بفتح الميم وسكون الباءِ الموحّدة، كذا ضبطها الغَزِّى. . . وغيره. قالَ ابن طُولون فى سكردان الأخبار (٢): (ابن المَبْرِدِ) بفتح الميم وسكون الباء الموحدة، كذا أملانى هذا النَّسب من لفظه وأنشدني: من يطلب التَّعريف عنى قد هُدى. . . فاسمِى يوسفُ وابنُ نَجل المَبْرِدِ وأَبى يُعَرفُ باسمِ سِبْطِ المُصْطَفَى. . . والجدُّ جَدّى قد حَذَاهُ بأَحْمَدِ . . . . إلخ، وهى طويلة.

стр. 10

مولده: اختُلف فى سنة ميلاده: فذكر السَّخاوى (١) أن مولدَه سنةَ بضعٍ وأربعين، وقالَ الشطِّى (٢): ولد سنة (٨٤١ هـ)، وذكر ابن العماد (٣) أن مولده فى دمشق فى غرّة المُحرم سنة (٨٤٠ هـ)، وكذا قال الغَزى (٤)، وقال ابنُ الملا (٥): ولد كما أخبر به فى سَلخ سنة (٨٤٠ هـ) وكذا نقل جارُ الله بن فهدٍ عن النُّعيمى قال: "وبه جَزَمَ محيى الدين النُّعيمى فى تاريخه العنوان" (٦)، ولعل هذا هو الأقرب إلى الصَّواب، وبه أيضًا جَزم تلميذه ابنُ طولون الدّمشقى قال: "مولده بالسَّهمِ الأعلى بصالحيةِ دمشق سلخ سنة (٨٤٠ هـ) ". طلبه العلم ومشايخه: تعلم مبادئ القراءة فى الكتاتيب كغيره من أبناء عصره وتفقَّه بأبيه وجدّه، ثم عكفَ على طلبِ العلم فقرأ القُرآن العظيم على جماعة من شيوخ عصره منهم: الشيخ أحمد المصرى الحَنبلى، والشيخ أحمد العَسْكَرِىّ والشيخ عُمر العَسْكَرِىّ، والشيخ أحمد الصَّفَدِىّ، والشيخ زين الدين عبد الرحمن بن الحبَّال، قال عنه فى كتابه هذا (٧): "قرأتُ عليه

стр. 11

القرآن. . ." وقالَ: "سمعتُهُ يقول: حصل لى ما لا يحصُلُ لأحدٍ صعدت على ظهر بيتِ الله كتبتُ عليه جزءًا من القرآن ابتداء مصحف. وهذا المُصحف قرأتُ فيه". وقرأ عليه "المُقنع" و "البُخارى" و "مُسلم" و "أربعين ابن الجَزَرِىّ". . . وغير ذلك. وأقبل على طلب العلم وأجهد نفسه فى تحصيله ورحل إليه مرارًا ففى ترجمة حسن بن على بن عبيد المرداوى قال الغزى (١): "رحل مع الجمال ابن المبرد إلى بَعْلَبَك. . . ". فقرأ الفقهَ والحديثَ وغيرهما فحفظَ أصولها وقرأهَا على مشاهير عُلماءِ عصره. قالَ ابن حُمَيْدٍ (٢): "حفظ القرآن" و "المُقنع" و "الطُّوفى فى الأُصول" و "ألفية ابن مالك" ورحل إلى بعلبك. . . وقرأ ثَمَّت "صحيح البُخارى" و "مسند الحُميدى" و "المُنتخب لعبد بن حُميد" و "مسند الدَّارمِى"، وتفقَّه بالشيخ تقى الدين بن قُندس ثم صَرَفَ همته إلى علم الحَديث فأخذَ عن غالبِ مشايخِ الشَّاميين وأجاز له خلقٌ. . . .". ومن شيوخه الذين أفاد منهم وذكرهم فى كتابه هذا: أحمد البغدادى الإمام قال (٣): "ولى منه إجازة"، وعثمان التّليلى قال (٤): "قرأَت عليه جزء المنتقى من مسند الِإمام أحمد ومواضع من كتاب "المقنع".

стр. 12

والِإمام الفقيه الشهير على بن سليمان المرداوى علاء الدين صاحب "الِإنصاف" قال (١): "قرأت عليه غالب "المقنع" حلا وغالب الطوفى". وأحمد بن عبادة قال (٢) فى ترجمة أخيه: على بن عبادة "أخو شيخنا شهاب الدين المتقدم ذكره". وعمر اللؤلؤى قال (٣): "قرأت عليه "ثلاثيات البخارى" و "الزهد" للإِمام أحمد و "مسند عبد بن حميد". . . وغير ذلك". وناصر الدين بن زريق (محمد بن أبى بكر بن عبد الرحمن) قال (٤): "شيخنا، قرأت عليه أشياء. . . . ". ومحمد بن محمد بن على السلمى قال (٥): "قرأت عليه جزءًا". ومحمد بن عبد الله الصَّفى قال (٦): "شيخنا الِإمام العلامة الزَّاهد القُدوة، قرأت عليه "جزءَ الجُمعة الثانى" و "ثلاثيات البخارى". . . . وغير ذلك، وأجاز لنا غير مرة". . . وغيرهم. ومن أبرز شيوخه أيضًا تقى الدين الجُراعى (ت ٨٨٣ هـ)، وتقى الدين ابن قندس (ت ٨٦١ هـ) (٧)، وشهاب الدين بن زيد

стр. 13

(ت ٨٧٠ هـ)، ومحمد العسكرى، والقاضى برهان الدين بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ)، وبرهان الدين الزُّرعى. قال الغزى (١): "وأخذ الحديث عن خلائق من أصحاب ابن حجر العسقلانى، وابن العراقى، وابن البالسى، والجمال ابن الحرستانى، والصلاح ابن أبى عمرو، وابن ناصر الدين. وأجاز له من مصر شيخ الِإسلام قاضى القضاة أبو الفضل ابن حَجَر العَسْقَلانى، والتّقى الشُّمنى، والشهاب الحِجَازى، والبرهان البَعلى، وأبو عبد الله بن فَهْدٍ، والشيخ قاسم بن قُطْلُوبَغَا المصرى والجمال ابن ناظِر الصَّاحِبَة، ومن مشايخه: النِّظام ابن مُفلح، وأبو عبد الله بن جوارش، والبُرهان البَّاعونى، وأبو الفرج بن خليل وأبو العباس بن شَريفة، وأبو العباس الفُولاذى، وأبو العباس بن هِلالٍ، وفاطمة بنت الحَرَسْتانى (٢). وأخذ عن غير هؤلاء كثير جدًا رجالًا ونساءً، والمتتبع لأسانيده فى مؤلفات يظفُر بأعدادٍ كبيرةٍ من العلماء قرأ عليهم ابن عبد الهادى أو أجازوه أو أفادَ منهم. وقد ألف ثلاثة معاجم كبيرًا ووسطًا وصغيرًا ضمّنها أسماءَ شُيُوخه، كما ألف تِلميذه ابن طُولون الدِّمشقى مجلدًا حافلًا فى ترجمته سماه: "الهادى إلى ترجمة يوسف بن عبد الهادى" (٣).

стр. 14

رحلاته فى طلب العلم: تعلم ابن عبد الهادى فى صالحية دمشق وارتحل إلى بعلبك وهذه المدينة تُعتبر بعد الصَّالحية بدمشق من أكثر مراكز الحنابلة ازدهارًا بالعلم والعلماء فى تلك الفترة. جاء فى ترجمته (١): "ورحل إلى بعلبك فقرأ بها على أبى حفص ابن السّليمى وخلقٌ من أصحاب ابن الرَّعبوب، وقرأ تتمة "صحيح البخارى"، و "مسند الحميدى"، و "المنتخب لعبد بن حميد" و "مسند الدارمى"، وتفقه بالشيخ تقى الدين ابن قندس. . .". جاء فى ترجمة (بدر الدين حسن المَرْدَاوِىّ ت ٩١٠ هـ) فى النَّعت الأكمل (٢): "رحلَ إلى بعلبَكَّ مع ابن المبرد"، وقال: "ولما رحل إلى بعلبك صحبه الجمال ابن المبرد سمع بها غالب مسموعاته". وفى الضوء اللَّامع (٣): "أنه حج سنة (٩٨ هـ). ووصفه تِلميذه ابن طُولون (٤) بـ "الرحلة". ولم أجد من المعلومات ما يفيد بكثرة رحلاته، ولا أدرى هل دخل مصر - التى هى من أكبر مراكز الحضارة فى ذلك الوقت - أو لا ويفيد قول المؤرخين: "وأجازه من مصر. . . "، أنه لم يدخلها ولم يقرأ على علمائها؛ لأن الِإجازة قد تحصل بالمكاتبة.

стр. 15

ثناء العلماء عليه: أثنى عليه كثير من العلماء الذين عرفوه، وقدروه قدره وأنزلوه منزلته، سواء أكانوا من تلاميذه الذين جالسوه وعرفوه عن قرب، أم من أفاضل المؤرخين الذين رووا أخباره، ووقفوا على آثاره، ونهلوا من معينه، وشاهدوا من مؤلفاته ما يدل على علمٍ وفضلٍ وصدقٍ وإخلاصٍ وتَفَانٍ فى النّصحية لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فقد حرص ابن عبد الهادى على وصل حلقات العلم كما تلقاها عن العلماء من شيوخه، ومنْ بَعْدِهِ قامَ به المخلصون من العلماء حتى وصل إلى عصرنا صافيًا نقيًا لَا تَشوبه الشَّوائب، وذلك بفضل الله ثم بفضل المخلصين من أهل العلم أمثال ابن عبد الهادى ﵀ الذى "أجمعت الأمة على تقدمه وإمامته وأطبقت الأئمة على فضله وجلالته" (١). وصفه تلميذه شمس الدين محمد بن على بن أحمد بن طولون الدمشقى (ت ٩٤٤ هـ) (٢) - وهى مؤلف سيرته - بـ "الشيخ الِإمام علم الأعلام المحدّث الرُّحَلَة العلَّامة الفهَّامة العالم العامل المنتقى الفاضل جمالِ الدين أبِي المحاسن وأبى عمر. . . . ". ووصفه عبد القادر بن محمد بن عمر النُّعيمى محيى الدين الدمشقى (ت ٢٩٧ هـ) (٣) بـ "الشيخ العالم المصنف المحدث".

стр. 16

ووصفه محمد بن أحمد نجم الدين الغَيطى (ت ٩٨١ هـ) (١) بـ "الحافظ". وقال محمد بن محمد نجم الدين الغَزِّى (ت ١٠٦١ هـ) (٢) "الشيخُ الِإمامُ العلامةُ المصنِّفُ المحدث". ووصفه الِإمام عبد الحي بن العماد الحنبلى (ت ١٠٨٩ هـ) (٣) بقوله: "كان إمامًا علَّامةً يغلبُ عليه الحديثُ والفقهُ، يشارك فى النَّحوِ والتَّصريف والتَّصوف والتَّفسير. . . ثم قالَ: درَّس وأفتى. . . ". وقال محمد بن محمد كمال الدين الغَزِّى (ت ١٢١٤ هـ) (٤) "هو الشيخ الِإمام العلَّامة الهُمام، نخبةُ المحدثين، عمدةُ الحفاظ المسندين بقيةُ السَّلف، قدوةُ الخلفِ. كانَ جبلًا منِ جبالِ العلمِ وِفردًا من أفرادِ العالمِ، عديمَ النظيرِ فى التَّحريرِ والتَّقريرِ آيةَ عُظمى وحجَّةَ من حججِ الِإسلام كُبرى بحرٌ لا يُلحق له قرارٌ، وبرُّ لا يشق له غبارٌ، أعجبوةُ عصرِه فى الفُنون، ونادِرَةُ دهرِهِ، الذى لم تسمَح بمثله السنون. . .". كما أثنى عليه الكَتَّانى ﵀ بقوله: "هو الحافظ جمال الدين. . . ثم قال: من أعيان محدثي القرن العاشر المشهورين بكثرة التَّصنيف وسعة الرواية".

стр. 17

وقال جَميل الشَّطى (١): "إمامًا جليلًا عالمًا نبيلًا أَفنى عمره بين علمٍ وعبادةٍ وتصنيفٍ وإفادةٍ". مؤلفاته: ألف ابن عبد الهادى فى فنون متعددة من العلم كتب الرسائل ونظم الشعر فى المناسبات الخاصة والعامة، ونظم بعض الفنون يعينه على ذلك ذكاؤه المفرط وقريحته الجيِّدة وسرعةُ حفظِه وكثرةُ كتابته وسرعةُ قلَمه فى الكتابة. قال ابن طولون (٢): "وأقبل على التصنيف فى عدة فنون حتى بلغت أسماؤها مجلدًا رتبها على حروفِ المُعجم، وكان الغالب عليه فن الحَديث. قال السَّخاوى (٣): "وبلغنى أنه خرَّج لخديجة بنت عبد الكريم "أربعين" وكذلك لغيرها، وعرف بالحديث فى بلده، مع كثرة التخريج فيه". قال الشطى (٤): "غالب مؤلفاته أجزاء". ونقل جار الله بن فهد عن النُّعيمى (٥) فى كتابه العنوان قوله: "وقد صنَّف كثيرًا من غيرِ تحريرٍ - انتهى -".

стр. 18

ولكنَّ ابن حميد النَّجدى لم يرضَ بمثل هذا القول فقال معقبًا عليه. قلت: بل تصانيفه فى غاية التحرير. . . ." (١). وأرى أن أغلب مؤلفات ابن عبد الهادى بالصفة الذى ذكر النُّعيمى ينقصها التَّحريرُ والضَّبطُ والمُراجعةُ، فهى أشبه بمذكرات خاصة أو أصول (مسودات) لم تكتمل بعد. وكأن الإمام ابن عبد الهادى فى سباق مع الزَّمن يريد أن يصل إلى أكبرِ قدرٍ ممكن من المؤلفات، كثيرٌ من مؤلفاته نقولٌ وردودٌ وتخريجاتٌ حديثية ورسائل صغيرة. وكثرة مؤلفات ابن عبد الهادى من سمات عصره فهو فى عصر السيوطى (ت ٩١١ هـ)، والسخاوى (ت ٩٠٢ هـ)، والشيخ زكريا الأنصارى (ت ٩٢٦ هـ)، ثم ابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ). . . وغيرهم ويمكن الجمع بين قول النُّعيمى وقول ابنِ حُميدٍ، وذلك أنه من خلال اطّلاعى على كثيرٍ من مؤلفات ابن عبد الهادى أقول: إن بعض مؤلفاته مراجعة متقنة محكمة التأليف مثل "مغنى ذوى الإفهام" و "التبيين. . ."، و "الدُّرُّ النَّقى"، و "الميرة فى حل مشكل السيرة" و "ثمار المقاصد". . . وغيرها. لكن كثيرًا من مؤلفاته أيضًا هى كما وصف النعيمى ﵀ غير محررة ولا مراجعة؛ لأنه لم يفرغ لمراجعتها واستيفائها، فلعل ابن حُميد وقف على المحرر منها فظنها جميعا بهذه المثابة. ويحمل كلام النُّعيمى على أنه يقصد من غير تحرير فى غالبها. ومع كثرة مؤلفات ابن عبد الهادى لم يطبع منها إلا القليل جدا؟!

стр. 19

وذلك راجع إلى: - أنه ترك بعض مؤلفاته مسودات لم تبيض فكثرت فيها الِإضافات والِإلحاقات فى جوانبها حتى صعب على الباحث إعادة كل نصٍّ إلى موضعه - أنه ترك بعض هذه المؤلفات ناقصة، فى داخلها بياضات كثيرةٌ يريد أن يملأها فلم تُتح له الفرصة فبقيت هذه المصنفات مبتورة. أو هى أجزاء بدأها من الأول فلم يتمها. - رداءة خط ابن عبد الهادى إلى درجة يتعذَّر معه قراءة بعض الجمل والعبارات مما جعل كثيرًا من النساخ لا يتجاسر على نسخها واستخراجها من خطه فبقيت بخطه إلى يومنا هذا. قال الشيخ جميل الشطى (١): "وكان كثير الكتابة سريع القلم قل من يحسن قراءة خطه لاشتباكه وعدم إعجامه". وقال ابنُ كنان فى كتابه الذى لخص فى تاريخ الصالحية لابن عبد الهادى (٢): "وبعد فقد سنح بالبال تلخيص تاريخ الصالحية للإِمام الحافظ يوسف. . . بحسب ما أمكن من الاطلاع من خطه". ولعل الذى ألجأه إلى تلخيصه عدم قدرته على نسخه واستخراجه من خطِّه كاملا. ولا أستطيع أن أعرض نما هذه المقدمة الموجزة عن حياة الحافظ يوسف بن عبد الهادى ﵀ بكل مؤلفاته أو أغلبها؛ لأن مثل

стр. 20

هذا الصنيع يحتاح إلى مؤلفٍ خاصٍّ لكثرةِ مؤلفاتِه وتشعُّبِها واختلاف فنونها. وقد كفانا هذه المهمة الأستاذ محمد أسعد طلس فعرض بعض مؤلفات ابن عبد الهادى عرضا جيدًا ذاكرًا أهم ما يحتاج إليه الباحث من التَّعريف بها فى مقدمة تحقيقه كتاب (ثمار المقاصد) للمؤلف المطبوع فى المعهد العلمى الفرنسى بدمشق بمطبعة مكتبة لبنان ببيروت سنة (١٩٧٥ م) وقدّم إهداءه إلى العلامة الجليل محمد بك كرد على رئيس المجمع العلمى بدمشق آنذاك، وذلك فى ٣ ذى القعدة سنة (١٣٦١ هـ، ١٩٤٢ م). ثم قام الأستاذ صلاح محمد الخيمى مدير دائرة المخطوطات بدار الكتب الوطنية الظاهرية بدمشق بإعداد مقالة للتعريف بمؤلفات ابن عبد الهادى رتبها على حروف المعجم أولا، ثم أشار إلى الوجود منها وحدد مكان وجوده ونشر مقالته تلك فى مجلة معهد المخطوطات العربية الصادرة بالكويت فى رمضان سنة ١٤٠٢ هـ (المجلد السادس والعشرون جـ: ٢)، (ص: ٧٧٥ - ٨١٢). وقد عرض لأخباره ومؤلفاته عرضا سريعا، معتذرا عن ذلك بأنه قام بدراسة وافية سيفردها بمؤلف يصف فيه مؤلفات ابن عبد الهادى التى تمتلكها دار الكتب الظاهرية؟! وأنه اختصر هذه المقالة منها. أرجو أن تتاح له الفرصة فى نشرها وأن لا يقتصر على مخطوطات الظاهرية فقط لتعم الفائدة منها فى سائر مؤلفات ابن عبد الهادى فى المكتبات العالمية.

стр. 21

ومن مؤلفات ابن عبد الهادى: المطبوع منها: - مغنى ذوى الأفهام طبع بمطبعة السُّنة المحمدية بالقاهرة بتحقيق فضيلة الشَّيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ ١٣٩١ هـ. - ثمار المقاصد فى ذكر المساجد كما أسلفنا. - برق الشام فى محاسن إقليم الشام، مجلة المشرق ١٩٣٤ م. - كتاب فى الطباخة، مجلة المشرق ١٩٣٧ م. - كتاب فى الحسبة، مجلة المشرق ١٩٣٧. - الِإعانات على معرفة الحانات مجلة المشرق ١٩٣٨ م. - نزهة الرقاق فى شرح حالة الأسواق مجلة المشرق ١٩٣٩ م. وكلها بتحقيق حبيب الزيات. - كما نشر كتابه الدُّرة المُضِية والشجرة النبوية فى بولاق ١٢٨٥ هـ، ونشرت - أخيرًا - بعض أجزائه ورسائله الحديثة. وأمَّا المخطوط فقد ألف فى الحديث: - التّخريج الصَّغير والتَّحبير الكبير. - العشرة من مرويات صالح بن الِإمام أحمد. - الصَّوت المُسمِع فى تخرج أحاديث المُقنِع. - والصوت الباسم فى تخرج أحاديث مختصر أبى القاسم. وألف فى الأربعين شيئًا كثيرًا: - منها تخرج أحاديث الأربعين النووية.

стр. 22

- أربعون حديثًا اختارها فى مُسند أنس. - الأربعون المختارة من حديث ابن أبى عمر. - الأربعون المختارة من حديث شيخه النِّظَامُ. - الأربعون المختارة من حديث جابر. - الأربعون المسلسلة بالقول. - الأربعون المختارة من صحيح مُسلم. - الثلاثين التى عن الِإمام أحمد فى صحيح مُسلم. ألف فى رجال الحديث: - التَّبيين فى طبقات المحدثين المتقدمين والمتأخرين مجلدات. - الضَّبط والتَّبيين لذوى العاهات من المحدثين. - تلخيص توضيح المشتبه لابن حجر. - طبقات الحفاظ. ألف فى الفقه: - مغنى ذوى الأفهام عن الكتب الكثير فى الأحكام على المذاهب الأربعة. - جمع الجوامع فى الفقه: جمع فيه الكتب الكبار فى الفقه مثل "المغنى" و "الشرح الكبير"، و "الفروع". . . وغيرها. قال ابن طُولون: لو تم هذا الكتاب لبلغ ثلاثمائة مجلد عمل منه مائة وعشرين مجلدًا.

стр. 23

- القواعد الكلية فى الضَّوابط الفقهية. - الزُّهور البهية فى شرح الفقهية. - مقبول المنقول فى علمى الجدل والأصول. - غاية السول إلى علم الأصول. - تحفة الوصول إلى علم الأصول. - الردُّ على من شدَّد وعسَّر فى جوازِ الأضحية بما تيسر. وألف فى التاريخ: - موسوعة من أيّام النُّبوة إلى زمنه أفرد تاريخ كلّ قرنٍ، ولعل من هذه الموسوعة: - المُطول لأهل القرن الأول. - والرِّياض اليانعة فى أعيان المائة التاسعة. - وشرع فى العاشرة وسماه "النُّجوم الزاهرة فى أعيان المائة العاشرة". ولم يتمه. - وترجم للعشرة المبشرين بالجنة، أفرد لكلِّ واحدٍ منهم كتابًا فى مناقبه منها: - مَحض الصَّواب فى مناقب عمر بن الخطاب. - مَحض الخَلاص فى مناقب سَعْد بن أبى وقاص. - مَحض الشِّيد فى مناقب سَعِيْد. . . - ألف فى مناقب الأئمة الأربعة وذكر فيها طبقات علمائهم منها: - إرشادُ السالك إلى مناقب مالك.

стр. 24

- معجمُ الشافعية (الدُّرُّ النَّفيس فى أصحاب محمد بن إدريس). - العَطاءُ المعجل فى تراجم أصحاب الِإمام المبجل أحمد بن حنبل. - وألف كتابًا فى مناقب السُّلطان بايزيد العثمانى حماه: "التَّغْرِيد بمدحِ المَلِكِ السَّعيد". وألف فى النحو: - شرح ألفية ابن مالك. - ونظم شرحًا لملحة الأعراب. - الثمرة الرائقة فى علم العربية. وألف فى اللغة: - البيانُ لبديع خلق الِإنسان. - الدُّرُّ النَّقِىّ شرح بعض ألفاظ الخرقى. (لغة الفقهاء الحنابلة). - المِيْرة فى حل مشكل السيرة. - والاقتباس لحل سيرَة ابن سيِّد الناس. وألف فى الأدب والشِّعر: - رائق الأَخبار ولائق الحكايات والأشعار. - هدايا الأحباب وتحفة الِإخوان. - وقوعُ البلاء فى البُخل والبخلاء. - غِراسُ الآثار وثمار الأخبار.

стр. 25

وألف فى الطب مؤلفات كثيرة منها: - الفنون فى أدوية العيون. - هداية الِإخوان لمعرفة أدوية الآذان. - الِإتقان لمعرفة أدوية السرطان. - والِإتقان فى أدوية اللثة والأسنان. - والكمال فى أدوية الصدر والسعال. ومن مؤلفاته أيضا: - المشيخة الكبرى. - المشيخة الوسطى. - المشيخة الصغرى. - ومشيخة كمال الدين محمد بن حمزة الدِّمشقى. - ووفاء العهود بأخبار اليهود. - ومعجم الصنائع. - وفضائل الشام. - وإزالة الضجر باختصار مُعجم الدَّهر. - وعظيم المِنَّة بنُزَه الجنة. - وفضلُ السَّمر فى ترجمة ابن أبى عمر. - ولقط السُّنبل بأخبار البُلبل وهى زوجته. - وتخريح لا ترد يد لامس. - وإيضاح طرق السلامة فى بيان أحكام الولاية والِإمامة.

стр. 26

- كشف الغَطا بمحضِ الخَطا. - آداب الدعاء. - معارص الأنعام وفضل الشهور والصيام. - جمع الجيوش والدساكر على ابن عَسَاكر. - التَّمهيد فى الكلام على التوحيد. - رسالة فى فضل العلم. - الفتاوى الأحمدية. - إرشاد الفَتى إلى أحاديث الشِّتا. - الِإغراب فى أحكام الكلاب. - إخبار الِإخوان فى أحوال الجان. - إخبار الأذكياء. - وألف كتابا حافلًا فى تاريخ الصالحية. اختصره ابن كنان الدمشقى. وطبع المختصر. - الرسا فى الصالحات من النساء. - ذا اللِّواط وصاحبه. - الاختِيَار فى بيعِ العقار. إلى غير ذلك من المؤلفات ضمنها معاجم شيوخه وفهارسه الكبرى والوسطى والصغرى. ولابن عبد الهادى مكتبةٌ حافلةٌ فيها مئات الكُتب النادرة التى فهرسها بخط يده. ووصف بعض موجوداتها. وهذا الفهرس يعتبر وثيقة هامة لمعرفة الموجود فى القرن العاشر من كتب المتقدمين من الحنابلة بعد خراب بغداد.

стр. 27

ومما ذكره من كتب حنابلة بغداد (شرح مختصر الخرقى لابن البناء (ت ٤٧١ هـ). ومنها كُتُبٌ بخط الذَّهبى وابن الجَوزى وابن رَجب وابن بَردس وابن القَيِّم وابن حَجَر. . . وغيرهم. كشفت هذه الفهرسة عن معلومات جِّيدةٍ نادرةٍ عن مصنفات كثير من العلماء لم نسمع بها من قبل. أوقف هذه المكتبة على أولاده كما وجد بخطه على الفهرست" (١) وقف كاتبه على نفسه، ثم على أولاده ثم أولادهم ثم على أنساله وأعقابهم من بعدهم على من ينتفع منهم من الحنابلة". وقال الشيخ الشطى (٢): "وقد أوقف جميع كتبه على المدرسة العمرية وهى يومئذ آلاف مؤلفة". والغريب أنَّ تلميذَه الشمس ابن طولون اشترى عددًا من الكُتب التى كان يملكها المؤلف، وذلك من أحد أولاده (٣). وفاته: توفى يوسف بن عبد الهادى ﵀ بعد حياة حافلة بالعلم والتأليف والتعليم يوم الاثنين سادس عشر المحرم سنة (٩٠٩ هـ)، ودفن بقاسيون وكانت جنازته حافلة (٤). وجاء فى نسختى من (السحب الوابلة) وهى نسخة خدابخش: فى السادس من المحرم، والذى أظن أنها من سهو الناسخ.

стр. 28

شعره: خلف الِإمام ابن عبد الهادى آثارًا تدل على علمه وفضله وعلو همته ومشاركته فى العلوم الِإسلامية السائدة آنذاك، كما أن له مشاركات فى نظم الشعر فى المناسبات المختلفة، وقديما ضرب المثل برداءة شعر العلماء وبرودة نظم الفقهاء لأن الشعر يقوم على الصورة والخيال والمبالغة، والعلماء أبعد الناس عن ذلك، كما يقوم الشعر عن تصوير الخيال بصورة الحقيقة وطمس معالم الواقع حتى أن الشاعر إذا صور جمادا - وكان بارع التصوير - حوله إلى ناطق متكلم له روح وخواطر وعواطف. وقد نظم ابن عبد الهادى شعرًا كثيرًا فى مناسبات مختلفة إلا أن شعره لا يرقى إلى شعر الشعراء، لذا فإنه لا يسمى شاعرًا، وإنما هو عالمٌ له مشاركةٌ فى نظمِ الشِّعر ولا تدخل منظوماته التى وضعها فى نظم العلوم فى شعره لخلوها من العواطف والخيال الذى هو لب الشعر وروحه. ومن شعر ابن عبد الهادى يمدح السلطان محمد وابنه بايزيد العثمانيين (١): زمانٌ قد تشرَّف بالسَّعِيْدِ. . . فمهما شئتَ قُلْ لأبى يَزِيْد إمامٌ ليس يُشبهه إمامٌ. . . ومنه الجُود يظهرُ بالمزيدِ شَريفٌ بالمكارِمِ لا يُضاهَى. . . عَفِيْفٌ فى الحُدورِ وفى الصُّعودِ وقال لهما (٢): جاهِدْ بعزْمِكَ فى البِلادِ ونَادِ. . . وابرُزْ إليهم صارخًا فى النَّادِى واشدُد بحزبِ الله والجيش الذى. . . قَدْ زَانَهُ الجبَّارُ بالِإسْعَادِ جيشُ السعادَةِ والأمانَةِ والتُّقَى. . . لا يَرهَبُون من العَدوِّ العادى

стр. 29

وقالَ عندَ موت والده وبعض أولاده قصيدةً طويلةً منها (١): لا عدتُ من بعدِ الأحبة أَفرح ... بل صرتُ منهم كلَّ حينِ أُجرحُ قد كنتُ فيهم برهةً مُتَنَعِّمًا ... والقلب منى فى رباهم يصدح من كانَ يَسْلُو عن حَبِيْبٍ فى الهَوى ... فأنَا الذى بِفُؤادِهِ لا يَنْدَحُ إن حلَّ قَتْلى فى هواكُم فاقتُلوا ... فالعَبدُ عنكم - سَادَتِى - لا يَبْرَحُ وقال عند توجه الحجاج إلى الدّيار المقدسة قصيدة طويلة هذه مختارات منها (١): يا سائِرين وناظِرى يتطلَّعُ ... رفقًا علىَّ فإِنّنى أَتَصَدَّعُ اضْرَمتُمُوا نارَ الغَرامِ بمُهْجَتِى ... وتركتُمُوا العبدَ الغريب مُضيّعُ قَلبى تَفَتَّتَ قد رَحَلْتُم سادَتى ... فتُرى تُرى يا سادتى هَلْ نَرْجِعُ فمتَى أَرانى بالعَقِيق مُخَيِّمًا ... ومتَى أرانى بالنَّقَا أتَلَمَّعُ ومتَى أَرى فى طيبه لىَ طَيْبَةً ... ومتَى أرى سَلْعًا وعَيْنِى تَدْمَعُ وأرى ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ وأنسَها ... وأرى المآذِنَ والشَّعاع يُشَعْشِعُ وأَزور روضًا بالكَمَال محمّلا ... وأُنادِ قومًا بالمَقَامِ وأضرعُ وجاء فى مقدمة كتاب: "معارفِ الأنعام. . . ." (٢): سلامٌ على الرحمن كلّ أوانِ ... على خَيْرِ شهرٍ [قد] مَضَى وَزَمَانِ سلامٌ على شَهْرِ الصِّيامِ فإِنَّه ... أمانٌ من الرَّحمن أَىُّ أَمَانِ لئن فَنِيَت أَيَّامُهُ الغُرُّ بغتَةً ... فما الحُزن من قَلبى عليه بِفَانى

стр. 30

وأورد فى بعض مؤلفاتِه أشعارًا كثيرةً له، كما أورد له تلميذه ابن طُولون فى مجاميعه الشّعرية له أشعارًا أخرى ولعلَّ المتتبع لها يظفر بمجموعة جيِّدة من شعره تجعل الباحث يتمكن من دراستها والحكم على شاعريته من خلالها. تلاميذه: لم تذكر كتب الرجال والطبقات التى وقفت عليها شيئا عن تلاميذ ابن عبد الهادى ولم يذكر منهم إلا الِإمام شمس الدين ابن طولون مؤلف سيرته. وعند الرجوع إلى بعض مؤلفاته وسير العلماء الذين عاشوا بعده، وأدكرا عصره، وجدت أسماء بعض العلماء الذين أفادوا من ابن عبد الهادى وتتلمذوا عليه. وكانت من عادة ابن عبد الهادى أن يَجْمَعَ أولادَه ونساءَه وأقاربه فى بيته بالسَّهم الأعلى من الصَّالحية، ويقرأ عليهم مؤلفاتِه ويجيزَهم بها كبارًا وصغارًا حتى خَدَمَهُ وممالِيْكَهُ، ويثبتُ ذلك على الكِتاب بخطِّه، حتى ذكر فى كتابه: "غِراس الآثار. . . " (١) أن ابنه حَسَن سمع منه الكتاب وقال: وجعل يَنَام فى بعضه. . .". وقد قرأ على نسائِهِ وأولادِهِ كتابه المؤلف فى "ذمِّ اللواط" (٢) ولم يتحرج من ذلك ممتثلا "لا حياءَ فى الدين". ومن تلاميذه: ١ - شمس الدين محمد بن أحمد بن طُولون الدمشقى الشافعى (ت ٩٤٤ هـ).

стр. 31

٢ - أحمد بن محمد شهاب الدين المَرداوى الشهير بـ"ابن الديوان" الحَنْبَلِىّ (ت ٩٤٠ هـ). ذكره الغزى (١)، قال: "وأخذ علم الحديث عن الجمال يوسف بن المبرد. . . وغيره". ٣ - حسن بن على الماتانى الدمشقى الصالحى الحنبلى (ت ٩٢٣ هـ). ذكره ابن العماد (٢) فى سياق سنده للحديث المسلسل بالحنابلة والذى يقال له: "سلسلة الذَّهب" جاء فيه: ". . . عن النجم الماتانى عن أبى المحاسن يوسف بن عبد الهادى. . . ". ٤ - أحمد بن عُثمان الحَورافى القَنَواتى. ٥ - مُفلِح بن مُفلِح المَرداوى. ٦ - موسى بن عِمْران الجَمَاعِيْلى. قرأ عليه هؤلاء الثَّلاثة كتابه: "معارف الأنعام فى فضل الشُّهور والصيام" (٣) وأجازهم بروايته عنه. ٧ - شهاب الدين السَّهْرَوَرْدِىُّ. أجازه بكتابه: "وقوع البَلاء فى البُخل والبخلاء" (٤). ٨ - أحمد بن يحيى بن عَطْوة النَّجدى الدِّمشقى (ت ٩٤٨ هـ). كان محبًا للعلم مجتهدًا فى تحصيله، محصلًا لنوادر

стр. 32

الكتب، من كُتُبِ ابن عبد الهادى. . . وغيره فى المكتبة العُمرية أوقفها قُبيل وفاته. جاء فى ترجمته فى كتابنا هذا (١): "قرأ علىَّ فى الفقه من أصول ابنِ اللَّحام. . . وغير ذلك". ٩ - أحمد النَّجْدِىُّ. . .؟ قال فى كتابنا هذا (٢): "قرأ على "المُقنع". . . وغيره. ١٠ - فَضْلُ بن عيسى النَّجْدىُّ (ت ٨٨٢ هـ). قال فى كتابنا هذا (٣): "صاحبُنا قرأ على "المُقنع". . . وغيره، ذا دين وفضلٍ كاسمه". ومن خلال سماعات الكتب أيضا سمع عليه أخوه. ١١ - أبو بكر بن حسن بن أحمد بن عبد الهادى. ١٢ - وأخوه أيضًا أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادى. سمعا عليه كتابه "معارف الأنعام. . . " سنة ٨٥٧ هـ (٤). ١٣ - ولد ابن عمه عمر. سمع عليه "غراس الآثار. . . " (٥). هؤلاء هم بعض تلاميذه بالإضافة إلى أولاده وزوجاته، والمتتبع لآثاره من كتبه والكتب التى كان يمتَلكها - وهى كثيرة جدًّا فى الظاهرية

стр. 33

وغيرها - يجد مجموعات كبيرة من العُلماء والطُّلاب الذين أجازَهم ابن عبد الهادى سواءً بالقراءةِ عليه قراءة فهمٍ وتدبُّرٍ أو بإِجازة عامةٍ أو خاصةٍ على شَرطها عند أهل الفن. أسرته: ابن عبد الهادى من أسرةٍ عريقَةٍ ذاتِ جُذُورٍ راسخةٍ بشرفَىْ العِلْم والنَّسب. فهو يَنتمى إلى المَقادسة (آل قدامة بن مِقدام) فآل عبد الهادى من آل قدامة، وجدُّه الأعلى محمد بن قدامة بن نصر هو أخو الشيخ أحمد بن قُدامة بن نصر، والد الِإمام موفق الدين. وهؤلاء وأولئك أسرٌ علميةٌ متعددةٌ تولَّوُا القَضَاءَ والتَّدريس والفَتوى وأفادوا الناسَ وحَمَلُوا مشعلَ الحَضَارة فى بلادِ الشَّام وغيرها دهرًا وارتحل إليهم الطلابُ من عامةِ بلادِ الشام والعراق والحجازِ واليمنِ ومصرَ، واشتَهَرُوا بخدمةِ الكتاب والسنةِ، وكثرت تآليفهم الجيدة النافعة. وتنتمى هذه الأُسرة إلى سيِّدنا أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فهم من ولد عبد الله بن عُمر، استقرت هذه الأسرة فى بيت المقدس من فلسطين ثم انتقلت أيام الحُروب الصليبيَّة إلى دمشق، وسكنت الصَّالحية بعد مقاومتهم الصَّليبيين وتهديد الصَّليبيين لهم بالقتل (١) فهاجَرُوا خفيةً فتكاثَرُوا فيها. إذًا فأسرةُ الشيخ يوسف بن عبد الهادى تَنتمى إلى بيتٍ عريق فى الدّين والعلمِ والصَّلاح والزُّهد والوَرَع، كما تَنْتَمى إلى أرومةٍ عربيةٍ قُرشيةٍ، فهو عُمرىٌّ عَدَوِىٌّ فحصلَ له شرفُ العلمِ وشرفُ النَّسب.

стр. 34

وكان والدُه وجدُّهُ وبعض أعمامه وإخوانه من أهل العلم، وقد ترجمهم فى كتابنا هذا. ومن خلال مطالعاتى لمؤلفات ابن عبد الهادى تبين لى أنه كان يقرأ على أهلِ بيتهِ مصنفاته ويثبت ذلك بخطٍّ يده عليها بسماعهم منه وإجازته لهم بروايتها عنه على شرطِها عند أهلِ الفَنِّ. فتعرفت على جملة من أهل بيته، وعرفنا أنه كانَ مُتزوِّجًا بأكثر من واحدةٍ، وأنَّه كان يَجمع نساءَه فى بيتٍ واحدٍ لاسيما عند القراءةِ عَليه، وعرفْنَا أن لَه أولادًا ذكورًا وإناثًا. فله زوجة تدبر بُلبل بنت عبد الله من خيرةِ النِّساء أسمعها أكثرَ مصنَّفاته، وله قصةٌ طريفةٌ ذكرها فى كتاب (لقط السنبل فى أخبار البلبل) (١) الذى صنفه لأجلها. والثانية اسمها جوهرة بنت عبد الله الحُسينية، وله منها أولاده عبد الهادى بن يوسف وهو البكر، والحسن، وعبد الله. ومن بناته: فاطمة وعائشة. وبلبلُ هى أمُّ الحَسَن، ولعلها هى أمُّ عبد الهادى وعائشة. والجوهرة هى أمُّ عبد الله وفاطمة. ولعل له أولادًا غيرَ هؤلاء ولم أحاوِل الاستقصاء. وله مولاةٌ تُدعى حلوة، ععت منه فى مجلسه كثير من مؤلفاته وأجازها.

стр. 35

نشأة المذهب الحنبلى: الحديث عن الِإمام أحمد بن حنبل يعودُ بنا إلى تذكرة الأجيال الماضية، إلى تاريخِ طويلٍ مضى بمُعطياته السَّلبية والِإيجابية لا نستطيع استعراضه بمثل هذه العُجالة. ولعلَّ سببَ شهرةِ الِإمامِ أحمدَ ترجعُ إلى زُهده وورعه ودينه وخُلقه وثباته على الحق ودفاعه عنه وحرصِه على طلب العلم فقد كان آية فى حفظِ أحاديث النَّبى ﷺ ، قالَ أبو زرعة الرَّازِى (١): "حَزَرْنَا حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث"، وفى لفظ آخر قال أبو زرعة الرازى: "كان أحمد يحفظ ألف ألف، فقيل له ما يدريك؟ قال: ذاكزله فأخذت عليه الأبواب". وقال الشافعى لِإمامنا أحمد يومًا (٢): "أنتم أعلم بالحديث والرِّجال فإذَا كان الحديثُ الصَّحيحُ فأعلمونى إن شاء أن يكون كوفيًا أو شاءَ شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا". وقد امتُحن المسلمون فى زمنه بفتنة القول بخلق القرآن فثبتَ الِإمام أحمد على الحقّ فأوذى فى ذلك فصبر، وفرح بذلك أعداؤهُ فاستعدوا عليه السلطان فسُجن ثم جُلد فى مشهدٍ من النّاس، ولثباته - فى الحق - على هذه الأحداث الجسام. قال علىّ ابنُ المدينى (٣): "أَيَّد الله هذا الدّين برجلين لا ثالثَ لهما أبو بكرِ الصديق يومَ الرِّدة، وأحمدُ بن حَنبل يومَ المِحْنَةَ".

стр. 36

أعزَّ الله به الِإسلام ونصَره كبتَ أعداءَه، فظهرَ الحقُّ وعلا صوته وارتفعت راية التوحيد، وخمدت نار الفتنة أو كادت، بسبب توفيق الله له فى ثباته وإيمانه ودفاعه عن عقيدة أهل السُّنة أمام زيغ المعتزلة، وجحد الملاحدة وأعداء الِإسلام الذين حاولوا - جاهدين - طمسَ معالم التَّوحيد - ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١) -. وبعد هذا التَّوفيق الِإلهى انبرَى ثُلَّةٌ من أصحابِ الِإمام لشرحِ معالمِ العَقيدةِ الحَقّةِ المأخوذَةِ من ظاهرِ الكتابِ وصحيحِ السُّنَّةِ الثَّابتة عن رسولِ الله ﷺ ودونوا عن الِإمام آراءه وأقواله ونسخوا عنه مسائِلَه الفقهية ومؤلفَاته فى الرِّجال والحَدِيْثِ والتَّفسير، ورَوُوْا عنه من الآثارِ والأخبار والفَتَاوَى وجَمعوها وتَدارسوها. وصارَت اجتهاداتُ الِإمام وآراؤُه فى الفِقه والعقيدة مذهبًا يُحتذى، ونَقَلَها تلامِيْذُهُ لمَنْ بَعْدَهُم حتَّى قيلَ إن الِإمام أبا بكر الخَلاّل (ت ٣١١ هـ) وهو من تَلاميذ التَّلاميذ للإِمام أحمد (٢) "رحل إلى أقاصى البِلاد فى جمعِ مسائِل أحمد" وسماعها ممن سَمِعَها من أحمد، وممن سمعها ممن سمعها من أحمد فنالَ منها وسبقَ منها إلى ما لم يسبقه إليه سابق ولم يَلْحَقْهُ بعد لاحِقٌ". وتعاقبت الأجيال بعد ذلك واقتدوا به، ومضوا على سَنَنِهِ فعوَّلُوا فى علمهم علَيه، ونسِبُوا فى مَذهبهم إليه، فسمُّوا بـ "الحَنَابِلَة" فأصبح مذهبهم أحدَ المذاهب الأربعة.

стр. 37

وكانت عنايَتُهُم بالحديثِ ورجالِهِ ومعرفةِ طُرُقه ظاهرةٌ جليةٌ اقتداءً بإمامهم، وكانَ دفاعُهُم عن العَقيدة وثباتُهم على الحَقّ وصَبرُهم وجَلَدُهُم فى مقاوَمَةِ البِدَعِ مثلٌ يُحتَذَى. التأليف فى علم معرفة الرجال: ولما كان علمُ معرفة الرجال وذكرُ سيرِهم وأخبارهم من العلوم التى نشأت لخدمةِ السُّنةِ النَّبوية المطهرة أولاه علماء المسلَمين عنايةً خاصةً فظهرت كُتُب معاجم الصحابة والتابعين وتواريخهم وأخبارهم، سَجَّلوا فيها كل من ثَبَتَ له صُحَبَةٌ للنَّبى ﷺ ثم كُتُبُ "عِلَلِ الرِّجال" أو كُتُبُ "الجَرح والتَّعديل" لتَوثيق مَنْ صحّت روايته، ولا يكون موثقًا إلا إذا عُرفت سيرته وحياته فأولى علماءُ الحديث هذا الجانب عنايةً تامةً، وأبدعوا فى معرفة أخبارِ الرِّجال وسيرِهم ووصلوا بهذا العِلم إلى منزلة لم يبلغها أحد تَقَدَّمهم من الأم السابقة. وتعددت طرق التأليف فيه وتشعَّبت إلى أقسامٍ كثيرةٍ. فمن كتب "الجرح والتعديل" كتب "معرفة الثقات" إلى الاهتمام بالمواليد والوفيات للرواة ليعلم السابق من اللاحق إذا اتحدت أسماء المُحدثين، أو تَشابهت أنسابهم، كما ألَّفوا كُتُبَ "الأنسابِ" و "الألقابِ" و "الكُنى" و "المُؤتلف والمُختلف". . . وذكر كلّه خدمةً لعلمِ الرِّواية لكى لا تتداخل روايةُ موثَّقٍ بروايةِ مطعونٍ فى توثيقِهِ إذا اتفقا فى اسمٍ أو كنيةٍ أو لقبٍ أو نسبةٍ. . . ومن هذا الفن إلى تواريخ المُدن فألفوا فى ترَاجم أهل بغدادَ ودمشقَ والقاهرةَ ومكةَ والمدينةَ وبيتَ المقدس وحلبَ ومروَ ونَيسابورَ وخوارزمَ وقِزْوينَ والمَوصلَ وغَرْنَاطَةَ وإشبيليَّةَ وقُرطبةَ وأهلِ جزيرَةِ الأندلسِ بعامةٍ وأهل صقلية .. . وغير ذلك.

стр. 38

ومن هذا الفنِّ معاجمِ الشُّيوخ، فكثير من العلماء يدون أسماء شيوخه ومروياته عنهم، وكثيرًا ما يكون المُعجم حافلًا فيه من الأَخبارِ والرجالِ وأسماءِ الكُتُبِ والأسانيد ما لم يَرد فى غير من الفَوائد العلمية. ويلحق بهذا الفن كُتُبُ الرحلات، وهى أشبَهُ بالمعاجم إلا أنها أكثرُ تفصيلًا فى وصفِ مجالس العلمِ. ووصفِ معالمِ الطريقِ، وهى أشبهُ بالمذكرات اليومية. كما يلحق به تراجم رجالِ العَمر سواءً كانُوا شيوخا أو لم يكونوا كذلك. ومن هذا الفن طبقاتُ العلماء على اختلاف تخصصاتهم فلأهل التَّفسير طبقات وللقُراء صبقات وللمُحَدِّثين طبقات وللفُقهاء طبقات وللنَّحْوِيين طبقات وللشُّعراء طبقات وللأطباء والحُكماء وحتى ذوو العاهات ألفوا فى تراجمهم مؤلفات خاصةً مثل كتاب "الشعور بالعور" ترجم فيه لكلِّ من كان أعور، وكتاب "نكت الهيمان فى نكت العميان" وهما لصَلاحِ الدّين الصَّفَدِىّ. التأليف فى طبقات الفقهاء: وألف أهل كل مذهب فى مناقب إمامهم وفى طبقات أصحابه فألف أصحاب الِإمام أبى حنيفة (ت ١٥٠ هـ) فى مناقب الِإمام كتبا منها: - مناقب أبى حنيفة لأبى جعفر الطحاوى (ت ٣٢١ هـ). - مناقب أبى حنيفة لأبى عبد الله حسين بن على الصَّيْمَرِىِّ (ت ٤٣٦ هـ).

стр. 39

- وشقائق النُّعمان فى مناقب التُّعمان للزَّمَخْشَرِيِّ (ت ٥٣٨ هـ). - مناقب أبى حَنيفة للمُوَفق المَكِّى الخُوَارَزْمِىّ (ت ٥٦٨ هـ). - وعُقود الجُمان لمحمد بن يُوسف الشَّامى (٩٤٢ هـ). . . . وغيرها كثير، ولعل الكتب المؤلفة فى مناقبه أكثر من الكتب المؤلفة فى تراجم أصحابه. كما ألف أصحاب أبى حَنيفة فى طبقات علمائِهم كتبًا منها: - طبقات أصحاب أبى حنيفة لصلاح الدين عبد الله بن محمد ابن إبراهيم بن المُهَنْدِس (ت ٧٦٩ هـ). وابن المُهندس هذا محدِّثٌ دمشقىٌّ مشهورٌ بارعٌ فى معرفة الرِّجال، وهو ناسخُ النُّسخة الجيدة من تهذيب الكمال الموجودة فى مكتبة أحمد الثالث بتركيا رقم (٢٨٤٨) وهى نسخة ناقصة. - الجواهر المُضِيَّة فى طبقات الحَنَفِيَّة تأليفُ محيى الدِّين أبى مُحمَّد عبد القادر بن محمد بن محمد القُرشى (ت ٧٧٥ هـ). طبع بحيدر آباد بالهند سنة (١٣٣٢ هـ) ثم أعيد طبعه ثانية بمصر وطبعه لم يكمل بَعْدُ، حققه الدكتور عبد الفتاح الحلو. - نظم الجمان فى طبقات أصحاب إمامنا النُّعمان تأليف صارم الدين إبراهيم بن محمد بن ايدمر بن دُقماق القاهرى المِصرى (ت ٨٠٩ هـ). عندى منه أجزاء بخطِّه، ولا زِلتُ أحاولُ جمعَ بقيَّةِ أجزائِهِ لعله يكتَمل إن شاء الله. خصص الجزءُ الأولَ لمناقب أبى حنيفة. . . لدىَّ

стр. 40

ثلاثُ نسخٍ خطّيةٍ منه، والباقى رتبه طبقات مرتبة على حروف المعجم داخل الطبقة. - تاج التراجم لقاسم بن قُطْلُوبَغَا (ت ٨٧٩ هـ). طبع فى ليبسك سنة (١٨٦٢ م)، وأعادته مكتبة المثنى ببغداد سنة (١٩٦٢ م). - طبقات الحَنَفِيَّة لابن الشَّحْنَةَ محمد بن محمد (ت ٨٩٠ هـ). فى ثلاث مجلدات. - الغُرف العَلِيَّة فى تراجم متأخرى الحنفية لشمس الدين بن طولون (ت ٩٥٣ هـ). مفيدٌ جدًّا رجعت إليه مرارًا. - ولعل أوسعُ كُتُبِ الأحناف أكثرها فائدةً (كتَائِبُ أَعلام الأَخيار) لمحمود بن سليمان الرُّومى الكفوى (ت ٩٩٠ هـ). رأيت منه نُسخًا. - والطبقات السنية لتقى الدين عبد القادر التميمى الغزى (ت ١٠٠٥ هـ). حققه الدكتور عبد الفتاح الحلو وطبع المجلد الأول سنة (١٣٩٠ هـ) فى المجلس الأعلى للشئون الِإسلامية، ثم أعاده ثانية وطبع الأجزاء الثلاثة الأول منه سنة (١٤٠٣ هـ) بالرياض بدار الرفاعى، انتهى فيه إلى آخر حرف الزاى. . . وتوقف نشره؟! وألف أصحاب الِإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) فى مناقبِ الِإمام كتبًا منها: - مناقب مالك لأحمد بن مروان الدِّينوَرِىِّ (ت ٣٣٣ هـ). - مناقب مالك للإِمام السُّيوطى (ت ٩١١ هـ).
следующие страницы →