علي الطنطاوي
من حديث النفس
طبعة جديدة
راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنار
للنشر والتوزيع
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الثامنة
٢٠١١
دار المنار
للنشر والتوزيع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
البريد الإلكتروني: books@daralmanara.com
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
مقدّمة
أرجو من القارئ ألاّ ينظر في فصل من فصول هذا الكتاب حتى يرى تاريخ كتابته؛ فليس كل ما فيه لـ «علي الطنطاوي» الذي يكتب هذه المقدمة، بل إن كل فصل فيه لـ «علي الطنطاوي» الذي كان في ذلك التاريخ.
وليس المؤلف إذن واحداً، ولكن جماعة في واحد، وكذلك الشأن في كل إنسان.
ولكلٍّ من هؤلاء «المؤلفين ...» آراؤه وعواطفه، وأنا أحسُّ -إذ أعرض فصول هذا الكتاب قبل دفعها إلى المطبعة- أن كثيراً من هذه الآراء وهذه العواطف مما أنكره الآن وآباه (١).
ولا عجب أن يبدل الإنسان في السنة الواحدة رأياً برأي، وعاطفة بعاطفة، فكيف لا تتبدل آرائي وعواطفي وأنا أكتب في الصحف والمجلات منذ اثنتين وثلاثين سنة بلا انقطاع؟
стр. 5
على أن لديّ أشياء ما بدّلتها قط ولن أبدّلها إن شاء الله؛ هي أني حاربت الاستعمار وأهله وأعوانه وعبيده دائماً، ومجّدت العربية وسلائقها وأمجادها وبيانها دائماً، وكنت مع الإسلام وقواعده وأخلاقه وآدابه دائماً.
وقد بلغ ما طُبع من كلامي أكثر من عشرة آلاف صفحة، لو نخلتَها نخلاً ما وجدتَ فيها -بحمد الله- سطراً فيه تزلف للظالمين، ولا سطراً فيه إزراء على العربية، ولا سطراً فيه خروج على الإسلام. وشيء آخر؛ هو أني ما كنت أبداً في حزب ولا جماعة ولا هيئة، وما كان قلمي لهيئة ولا جماعة ولا حزب.
ولقد كنت أكتب في الصحف أيام الفرنسيين، فكنت أقول ما لا يجرؤ على أكثر منه قائل من الوطنيين. وليست هذه دعوى بلا دليل، بل هي حقيقة دليلها موجود في صحف تلك الأيام، في «فتى العرب» و «المقتبس» و «القبس» و «ألف باء» و «الأيام» و «اليوم» و «النصر» و «الناقد» و «الجزيرة». ولقد كنت أدعو إلى وحدة أقطار العرب يوم كان في دمشق دولة، وفي حلب دولة، وفي السويداء دولة، وفي اللاذقية دولة، وكان لكل دولة حدود ولها حكومة ولها رئيس!
* * *
وبعد، فلقد كنت أريد أن أجعل هذه المقدمة ترجمة لي، على عادة المصنّفين قديماً وحديثاً في الترجمة لأنفسهم، لا سيما وموضوع هذا الكتاب «أنا»، ثم آثرت أن أجعل ذلك موضوعَ كتاب
стр. 6
أكتبه قريباً -إن وفّق الله- عنوانه «ذكريات نصف قرن»، ليكون مجال القول فيه أوسع، ويكون أمتع وأنفع.
وأسأل الله أن يوفقني إليه وأن يُقدرني عليه، وألاّ يحرمني حظاً من الثواب عليه وعلى كل ما أكتب، وأن يجعله من العلم النافع.
والثوابُ هو وحده الذي يبقى، على حين يفنى الإعجاب وتذهب الأموال، ويعود إلى التراب كل ما خرج من التراب.
ولَدعوةٌ واحدة لي بعد موتي، من قارئ حاضر القلب مع الله، أجدى عليّ من مئة مقالة في رثائي ومئة حفلة في تأبيني، لأن هذه الدعوة لي أنا والمقالات والحفلات لكتابها وخطبائها، وليس للميت فيها شيء.
وأستغفر الله وأتوب إليه.
علي الطنطاوي
دمشق: ٢١ جمادى الآخرة ١٣٧٩
٢٢ كانون الأول ١٩٥٩
* * *
стр. 7
أنا
نشرت سنة ١٩٣٧
-١ -
قال لي أهلي: لقد جئتَ إلى هذه الدنيا عارياً بلا أسنان، لا تحسن النطق ولا تعرف شيئاً. فضحكت ولم أصدق، فأعادوا ذلك عليّ، وألقوه كأنه قضية مسلَّمة وأمر واضح لا يحتمل الشك، وعجبوا مني حين أكذّبه وأرده. ولكني بقيت على رأيي الأول، لم أستطع مطلقاً أن أصدّق ما يقولون لأني أعرَفُ بنفسي منهم، ولأني أذكر ماضيّ كله: أذكر أني فتحت عينيّ ذات يوم فجأة ونظرت ... فوجدت نفسي، ورأيت أن لي أسناناً وعليّ ثياباً، وأن بي قدرة على المشي والنطق، ورأيتني شخصاً مستقلاً عن أبي أمي وسائر أهلي، أحب أشياء لا يحبها أحد منهم وأكره أشياء لا يكرهونها، ولا يميزني منهم إلا أني كالطبعة المختصَرة من الكتاب، فيها الأبواب كلها والفصول بيد أنها موجزة و ... بالقطع الصغير!
أفيُعقل أن أكون موجوداً قبل ذلك، وأنا لا أعرف نفسي؟
مستحيل!
стр. 8
واستقرّ في ذهني -من يومئذ- أني وُلدت وأنا في الرابعة من عمري!
-٢ -
وصرت أرى هذا الطفل دائماً؛ أبصر صورته في المرآة وأسمع صوته بأذني، وأصغي إلى حديث أمي عنه بشغف وسرور، فكنت أشعر بميل غريب إليه، حتى إني لأعترف الآن بأنه كان أحب إليّ من أمي، التي لم أكن أعدل بها أحداً ولا أقبل كنوز الأرض بدلاً من امتصاص ثديها والنوم على صدرها.
ذلك الطفل الباسم، ذو العينين السوداوين والشعر ... يا للأسف! إني لا أستطيع أن أتخيل شعره. لقد مُحيت صورته من ذاكرتي، لقد اختفى من الدنيا منذ ربع قرن، لقد ذهب إلى حيث لا أدري. فهل كنت أنا ذلك الطفل؟ هل تجيء يده الصغيرة الغضة في يدي الخشنة التي أخط بها هذا المقال؟ فأين ذهب إذن؟ ومن أين جئت أنا؟ ... إنني لست ذلك الطفل ولست غيره ... فكيف يعقل هذا؟
هذا يحيرني دائماً ولا أعرف له حلاً، بل إن مجرد التفكير فيه يدفعني إلى الجنون.
-٣ -
ونظرت يوماً من الأيام، فإذا في مكان ذلك الطفل اللاهي اللاعب، العابث بكل شيء، الذي يحطم كل ما يصل إليه،
стр. 9
ويقبض على الجمرة المشتعلة بيده كما يقبض على البرتقالة الحمراء، ويعبث بلحية القاضي إذا هو بلغها كما يعبث بشعر الهرة ... إذا في مكانه تلميذ يقرأ مُكرَهاً، ويكتب مضطراً، ويحمل همّ المدرسة التي يذهب إليها كل يوم كالذي يُساق إلى الموت، لا يعرف لوجوده فيها معنى، ولا يدري فيمَ يدَعُ عطفَ أمه والأنسَ بإخوته، ولِمَ يترك بيته وما فيه من الدفء في الشتاء والظل في الصيف، ليذهب إلى هذه الدار التي يُحشَد فيها الأطفال الأبرياء المساكين لتحشى أدمغتهم بمسائل لا يدركون معناها، وشروح لا يعرفون مغزاها، وتنال من أبشارهم وظهورهم عصا المعلم الغليظة، وتقذى عيونهم برؤية طلعته البغيضة، لا المعلم يبسم لهم ويدعوهم إلى حبه، ولا أهلوهم يستمعون شكواهم وينصفونهم ... لقد كان في هذه المدرسة كالمحكوم عليه بالسجن ظلماً!
يا لهذا التلميذ البائس الذي لم يكد يفتح عينيه على الدنيا حتى أبصر الشقاء والألم. لقد مات كمداً ومضى مسرعاً في طريق الفناء ... مسكين!
إنه لم يكن إلاّ أنا، أنا الذي وُلدت ومتُّ مئة مرة، حتى صرت الآن ... «أنا».
-٤ -
وكان يوم آخر، فإذا (الفِلم) ينكشف هذه المرة عن منظر جديد: اختفى التلميذ الجميل، ذو السراويل القصيرة والقميص الأحمر والحقيبة الزرقاء الصغيرة، وذهب بجسمه ونفسه وميوله وأفكاره، وظهر الشاب الحليق الوجه، ذو (الربطة) الطويلة
стр. 10
والحقيبة السوداء الواسعة ... ظهر في الثانوية طالباً متحمساً كأنما رُكِّبت أعصابه من الديناميت وصُنع فمه على مثال فوهات الرشّاشات، فلا يكاد يقع في المدرسة حادث أو تقوم في البلدة ضجة إلا انفجر الديناميت وانطلق الرشاش، وقام في الطلاب خطيباً ثائراً مثيراً، فحطموا الباب وخرجوا ...
كان ينتقم بهياجه وثورته لذلك التلميذ الهادئ الحييّ المظلوم، ولكن الامتحان لم يلبث أن كشّر له عن أنيابه وجاء ينتقم منه!
هذه هي البكالوريا، فتهيأ لها؛ إن مستقبلك معلق عليها.
ولم يكن قد فكر في المستقبل أو حسب له حساباً، فلما سمع به وقف وتردد وكبح من جماح نفسه. يجب أن يضمن المستقبل ليصل إلى آماله، آماله الكبار التي كانت تملأ نفسه ولا يشك في بلوغها. وكان قد بدأ ينشر في جرائد البلد فهو يجب أن يكون كاتباً كبيراً منتجاً يخدم بقلمه وطنَه، ويدافع به عن الحق والفضيلة، ويقاتل به خصومها وأعداءها، ويساهم في تحرير وطنه، ويكون له في «الإصلاح الشعبي» أثر يذكر. فليسعَ -إذن- لنيل الشهادة، فإنها تبلغه كل أمل وتوصله إلى أبعد غاية.
إن الدنيا كلها ترقب نجاحه في «البكالوريا» (١)، فإذا نجح
стр. 11
فتحت له الأرض كنوزَها وحمله الناس على أعناقهم إلى سدة المجد، وقاموا بين يديه قيام الخدم بين أيدي الملوك.
تلك كانت أحلام الصبا ... فيا رحمة الله على عهد الصبا!
-٥ -
حرّم الشاب على نفسه كل متعة من متع الدنيا؛ فلا نزهة ولا راحة، ولا حظّ له في النوم العميق ولا الطعام الهنيء، ولا شغل إلاّ شغل المدرسة. حبس نفسه بين كتبه ودفاتره يقرأ آناء الليل وأطراف النهار، ينتقل من هذيان الأدباء إلى طلسمات الرياضيين والعلماء، وحساب الجيب والمماس إلى شعوذات الطبيعيين وأصحاب الكيمياء، ودرس الملح والحامض والضياء والكهرباء إلى خرافات الفلكيين وجغرافية السماء ... يدس هذا الهراء كله في دماغه ليصبه يوم الامتحان في ورقة الفحص، ثم يلقيه في مكانه ويخرج من المدرسة فارغ الرأس كما دخلها أول مرة!
كان يخشى أن يثأر منه المدرّسون الذين جرّعهم الصّابَ وسقاهم الحنظل باعتراضاته ومناقشاته وثوراته فيسقطوه في الامتحان، فجدّ كل الجد، ولم يدع في كتب المدرسة حاشية إلاّ حشاها في رأسه، ولا تعليقة إلاّ علقها في ذاكرته، ثم دخل الامتحان بعقل من سطوح وأجسام، وخطوط وأرقام، وخرافات وأوهام، فنجح أعظم نجاح!
وهل ينجح في الامتحان إلاّ من حفظ ولم يفهم؟ وهل تدل
стр. 12
هذه الامتحانات إلا على قوة الذاكرة، وشدة الحفظ، وإتقان المنهج المقرر؟
* * *
نجح، فوثب فرحاً، وتهيأ لخوض معركة الحياة، فقالوا له: مهلاً! قال: ماذا؟ قالوا: لا بدّ من شهادة عالية؛ إن المستقبل لا يُضمن إلاّ بشهادة عالية.
قال: ويحكم! وهل يُبنى المستقبل على «الورق»؟
وانطلق يلعن هذا المستقبل الذي حرَمه عبث الطفولة ومتعة الشباب، ونغّص عليه حياته ولم يتركه يستريح إلى حاضره يوماً واحداً. كان -أبداً- يدفعه إلى الأمام، فيعدو كالفرس المحموم، فيتعب من العدو ولا يصل إلى منزل!
-٦ -
راح الشاب يدرس الحقوق لينال الشهادة ويضمن المستقبل، ويشتغل بالأدب ليستجيب للرغبة ويحظى بالمتعة، ويعمل في الجريدة ليضمن العيش ويعول الأسرة ... واستمر على ذلك حتى نال «الليسانس».
فربح بقربه من الأدب البعدَ عن الناس والجهلَ بالحياة، وكسب بميله الأدبي وطبعه المستوحش وجهله بالحياة خصومةَ الحكام ومضادّةَ الكبراء وعداوة المال!
стр. 13
-٧ -
نزل الشاب إلى ميدان الحياة برأس مترع بالعلوم والمبادئ السامية، ويد مثقلة بالشهادة الابتدائية والثانوية والعالية، وجيب خاوٍ خالٍ.
فلم تكن إلا جولةٌ واحدةٌ حتى ولّى منهزماً!
* * *
ذلك لأن سلاحه من «طراز قديم» لم يعد يصلح اليوم في معركة الحياة!
ولقد خدعته المدرسة وكذبت عليه، وصورت له الحياة على غير حقيقتها.
قالت له المدرسة: «العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال». فرأى أن المال في الحياة خير من العلم، العلم لا يُنال إلاّ بالمال، فلو أن شاباً كان أذكى الناس وأنبهَ الناس، وكان مفلساً لا يملك أجور المدرسة وأثمان الكتب والثياب، لما قُبل في جامعة ولا حصّل علماً. والعلم لا يثمر إلاّ بالمال، فلو أن أعلم أهل الأرض كان مفلساً، يفكر في خبزه من أين يأتي به وبيته كيف يستأجره، لما بقي له عقل يفكر وذكاء ينتج. ورأى أن أصحاب الأموال الجاهلين تُبيحهم الحياةُ أجملَ ما تملك من متع ولذائذ ومجد وجاه، والعلماء الفقراء محرومون من كل شيء.
نعم؛ إن المدرسة كانت تكذب عليه!
стр. 14
وقالت له المدرسة: «الأخلاق أساس النجاح»، وضرب له المعلم مثلاً سيئاً طلاباً لا أخلاق لهم ولا عفاف، وضرب له مثلاً عالياً طلاباً كانوا نموذج الطهر والاستقامة والشرف. فرأى أن الأولين قد بلغوا أعلى المراتب وأسمى المناصب والآخرين تحت تحت ... على العتبة!
فعلم أن المدرسة كانت تكذب عليه!
وقالت له المدرسة: «إن الحق فوق القوة. القوة للحق وليس الحق للقوة». فآمن بذلك وصدّقه وتسلح بسلاح الحق، فما راعه إلاّ اللص يضع مسدسه في صدغه يطلب ماله وثيابه، فألقى عليه محاضرة في الحق جمع فيها كل ما تعلمه من أساتيذه وأضاف إليه ما انشقّ عنه ذهنُه، فردّ عليها اللص بقهقهة مروّعة، وذهب بأمواله وثيابه ورجع هو عارياً؛ لم يبقَ له إلاّ فكرة سخيفة لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تنجي من برد!
ورفع شكواه إلى القاضي، فلم يرَ عند القاضي حقاً يقهر القوة، ولكن وجد عنده قوة تصنع الحق؛ وجد قوة الجنود. فأين يبقى الحق إذا ثار اللصوص على الجند أو فتكوا بهم؟
هذه هي سنة الحياة. وليس على الحياة ذنب، فهي سافرة لم تستتر ولم تخدع أحداً عن نفسها، ولكن الذنب على الأدباء والمدرّسين الذين وضعوا عيونهم في أوراقهم وحبسوا أنفسهم في مكاتبهم، وأرادوا أن يدرسوا الحياة فلم يفهموا منها شيئاً.
стр. 15
-٨ -
وجلس الشاب (الليسانسيه في الحقوق) يدوّن آراءه تلك في كتاب، فلما انتهى منه حمله إلى الناشر وكله زهو وإعجاب بنفسه، فقلّبه الناشر العامي وصفحه (١)، فلما رأى اسم صاحبنا عليه لوى شفتيه وقوّس حاجبيه، وقال له: إن الناس لا يقرؤون الآن ما تكتب، ومتى صرت (في المستقبل) كاتباً مشهوراً ننشر لك آثارك.
فخرج متعثراً بأذيال الخيبة، يلعن المستقبل لعناً.
* * *
ما هو هذا المستقبل؟ وهل اقتربتُ منه شبراً واحداً وأنا أركض وراءه منذ سبعة وعشرين عاماً؟ فمتى أصل إليه؟ وأين هو؟ أهو في العام الآتي؟ أهو فيما بعد خمس سنين؟ وهل يبقى مستقبلاً إذا أنا بلغته أم يصبح حاضراً ويكون عليّ أن أبلغ مستقبلاً آخر؟ ... أيكون مستقبلي القبر؟ لقد طوّفت في الآفاق وشرّقت وغربت وأنجدت وأعرقت ... فما رجعت إلاّ بالخيبة والتعب والإفلاس. فأين أجد الهدوء والراحة من هموم العيش حتى أنصرف إلى ما خُلقت له من الدرس والمطالعة والكتابة والتأليف؟
* * *
стр. 16
وذهب الشاب (الليسانسيه في الحقوق) يفتّش عن الخبز فلم يجده عند ناشر الكتاب، ولا في إدارة الجريدة، ولا في مكتب المحامي، ولم يجده إلاّ في مدرسة القرية، فصار «معلم صبيان» فيها يُقرئهم ألف باء، ثم ارتقت به الحال قليلاً فصار يدرّس سير الأدباء وأشعار الشعراء ... يكدّ ويتعب في الليل والنهار، يحمل آلام الغربة وعناء العمل، ثم لا ينتج أثراً أدبياً ولا يفيد علماً ولا يحفظ في جيبه درهماً واحداً.
إنه يشتغل من أجل المستقبل!
-٩ -
أين ذلك الطفل الذي كان يكره المدرسة ويُبغض المعلم القاسي مِن هذا المعلم الفظّ، الذي يرهق الأطفال ويهز عصاه في وجوههم ويقرع بها جنوبهم؟ من يستطيع أن يتصور أن هذا هو ذاك؟ وأيُّ شبَه بينهما؟ إنهما مختلفان في الجسم والشكل والطبائع والميول، فلن يكونا شخصاً واحداً!
أين ذلك الطالب المتحمس الذي كان يقود الطلاب إلى المظاهرات ويخطب في المساجد والمجامع والأسواق مِن هذا المدرس الخامل الذي يلقي دروس الأدب على هؤلاء الطلاب، ويبدو فيهم كشيخ هِمّ (١) في الثمانين؟ هل هما شخص واحد؟
стр. 17
إن ذلك الطالب لو رأى هذا المدرس لأبغضه وكرهه ولما تردد في البطش به!
وأين ذلك الشاب الذي تفيض نفسه بالآمال الكبار من هذا اليائس القانط الذي لم يعد يأمل في شيء، لأنه جرّب فلم يصل إلى شيء؟
-١٠ -
وبعد، فلِمَ أفكرُ في هذا؟
إنني لا أدري من أنا ولا أعرف كيف وجدت، ولا أعلم ما هي صلتي بذلك الطفل الذي نسيت حتى صورة وجهه، وذلك التلميذ الذي لم أعد أعرفه إلاّ بالتخيل، وذلك الطالب الذي أحبه وأتشوق إليه، وذلك المعلم الذي أرثي له وأشفق عليه؟
هل أنا كل هؤلاء؟ وماذا بعد؟
يا لله! إني أحسُّ كأني جُننت حقاً!
* * *
стр. 18
أنا والنجوم
نشرت سنة ١٩٣٧
ما من كلمة هي أثقل على أذن السامع وأبغض إليه من كلمة «أنا»، وما حديث أكره إلى الناس من حديث المرء عن نفسه. بيد أني متحدث الليلة عن نفسي وقائل «أنا» وجاعلها عنوان مقالتي، لأني منفرد بنفسي لا أجد معي من أتحدث عنه إلاّ «أنا».
أنا حين أتحدث عن نفسي أتحدث عن كل نفس، وحين أصف شعور واحد وعواطفه أصف شعور الناس كلهم وعواطفهم؛ كصاحب التشريح لا يشق الصدور جميعاً ليعرف مكان القلب وصفته، ولكنه يشق الصدر والصدرين، ثم يقعّد القاعدة ويؤصّل الأصل فلا يشذّ عنه إنسان ... سنةَ الله في الخلق وقانونه المحكم، ونظامه العجيب الذي جعل الناس مختلفين وهم متشابهون، ومتشابهين وهم مختلفون، وبَرَأهم على الوحدة في الحقيقة والتنوّع في الجمال، فخلق العيون كلها خلقاً واحداً، كل عين ككل عين في تركيبها ووضعها وصفتها، وما عينٌ مثلُ عينٍ في شكلها ومعناها وجمالها.
تلك حكمة الحكيم الخبير، وهذه صنعة المبدع القدير.
* * *
стр. 19
أنا منفرد على سطح دار في «الزُّبَير» (١) في هذه الليلة الساكنة المتلألئة النجوم، وأمامي الصحراء التي تمتد إلى عُمان واليمن ونجد والحجاز، وورائي السواد الذي يصل إلى أرض فارس، وهي قريبة، حتى إني لأرى لهيب النفط المشتعل في عبادان وأنا في مكاني ... أتأمل هذه الصحراء المجيدة المباركة التي كُتب على رمالها أروع سطور المجد وأجمل صحائف التاريخ، ونبت في رمالها دَوح الحضارة الذي أوَت إليه الإنسانية وتفيأت ظلاله يوم لا ظلّ في الأرض إلاّ ظله. وأفكر فيطول بي التفكير، ويطل بي الفكر على آفاق واسعة ودنياوات عظيمة، وتنبلج في نفسي أصباح منيرة، فأجد في رأسي مئات من الأفكار الجديدة الكبيرة، وفي نفسي مئات من الصور الرائعة المبتكرة، ولكني لا أكاد أمسك واحدة منها لأقيدها بالألفاظ وأغلّها بالكَلِم حتى تفلت مني وتعدو في طريقها منحدرة إلى أغوار عقلي الباطن، فلا أنا استمتعت بها استمتاع الناس بأفكارهم ولا أنا سجلتها في مقالة وصنعت منها تحفة أدبية. ولو أني قدرت أن أكتب معشار ما أتصور لكنت شيئاً عظيماً، ولكني لا أقدر ... ولا أصب في مقالاتي إلاّ حثالة أفكاري!
стр. 20
تنبت الأفكار في نفسي وتزهر وتثمر، ثم تذوي وتجف فآخذ الهشيم فأضعه في مقالتي! ويتفجر الينبوع في نفسي ويتدفق ويسيل، ثم ينضب وينقطع فآخذ الوحل فأضعه في مقالتي! وينبثق الفجر في نفسي ويقوى ويشتدّ، ويكون الضحى والزوال، ثم يعود الليل، فآخذ قبضة من ظلام الليل لأكتب منها مقالة عنوانها: «ضياء الفجر»!
من أجل ذلك أكره أن أنظر في كل ما كتبت وأستحي أن أعود إليه، وأحب كل جديد لم يُنشَر، وأرى أن الذي يمدحني بمقالاتي يحقرني لأنه لا يعلم أنها درهم من خزائن نفسي المفعمة بالذهب، فهو يقول لي: إن الدرهم كبير منك لأنك فقير. ولكن الذي ينقد مقالاتي ويتنقّصها يقول لي: إنك غني فالدرهم قليل منك، إن هذه المقالة حقيرة لأنك أنت عظيم.
لقد تعلمت هذه المسألة من عهد قريب فصرت أحب النقد، وكنت أجهلها من قبل فأميل إلى الثناء والتقريظ.
* * *
لبثت أعرض هذه المواكب من الأفكار حتى تعبت ومللت، فألقيتها كلها في الصحراء وجلست أفكر في الصحراء وحدها.
نظرت إليها وهي متمددة على سرير الجزيرة الواسعة، نائمة، فامتلأت إكباراً لها وإعظاماً. ثم فكرت أن لو فتحت الصحراء عينها، أكانت تبصرني وتحس بوجودي؟ أأشعر أنا بوجود رملة حملتها الريح فطارت بها، فمست وجهي وهي طائرة ثم مضت
стр. 21
في سبيلها؟ ما أنا في وجود الصحراء إلاّ رملة، وما حياتي إلاّ لحظة من حياتها، ولو تثاءبت الصحراء أو حكّت أنفها لتصرّمَ قرنٌ كامل قبل أن تنتهي من تثاؤبها وحكّها أنفَها ... فما أعظم الصحراء وما أطول عمرها!
- بل ما أقلّ الصحراء وما أقصر عمرها! ما الصحراء؟ بل ما الأرض كلها؟ وما هذا المليار من القرون الذي عاشته؟ إنه يوم من حياتي، إنها نقطة من بحري. إني نمت يوماً، فلما أفقت وجدت نقطة صغيرة هناك، فقلت: ما هذا؟ قالوا: مخلوق صغير يُدعى «الشمس» ... فعجبت من صغرها، ثم لم أحفل بها. فما أرضك هذه يا ... يا ... يا أيها العدم!
هذا ما قاله لي كوكب قريب كان ينظر إليّ باسماً، فذكرت ما قاله علماء الفلك عن الكواكب وعظمتها، فسكتُّ ولم أنطق. وإذا بكوكب آخر يطل من هناك يقهقه ضاحكاً يصرخ في وجه الأول: اسكت، اسكت أيها النملة الحقيرة، من أنت؟ إن آلافاً مثلك لا تملأ وادياً واحداً من أوديتي، إنني أحمل مئة مثلك بين أصبعين من أصابعي!
وكان وراءه كوكب خافت لا يقول شيئاً، لأنه لم يعلم بوجود هذا كله ... لا يراه لبعده وصغره. وكان وراءه ستمئة مليون من الكواكب كل واحد أكبر من الذي قبله، وأصغرها من هذا الكوكب كالفيل من البعوضة.
فجلست أحدق في هذه الكواكب ذاهلاً مشدوهاً، وانقطعت أفكاري عن الجريان وأحسست بضآلتي، حتى لقد خلتني عدماً.
стр. 22
ثم صَغُرت هذه الكواكب في نظري لمّا رأيت شيئاً أعظم منها، صغرت لما رأيت السماء «سقفاً مرفوعاً» حتى غدت كلها «مصابيح تزين السماء الدنيا»، ورأيت السماوات تطيف بها كلها، تحيط بهذا الفضاء «سبعاً طباقاً»، ورأيت الجنة من وراء ذلك «عرضها السماوات والأرض»، ورأيت العرش والكرسي وتلك الكائنات العظيمة، فأحسست أن عقلي ينهدم وينحطم حين يحاول التفكير فيها وهي مخلوقة، فكيف به حين يحاول التفكير في الخالق؟
وذهبت أقابل بين هذه العظمة الهائلة التي لا يدنو من تصورها العقل، وتلك الدقة الهائلة: دقة الجراثيم التي يمر الألف منها من ثقب إبرة، دقة الكهارب (١) التي يكون منها في الذرة الواحدة مئات من الكواكب الصغيرة، يدور بعضها على بعض كما تدور كواكب المجموعة الشمسية ... ذهبت أقابل بين هذا وذاك فعجزت، وأنكرت نفسي وجحدتها، وامتلأتُ إيماناً بالخالق الأعظم، فصحت من أعماق قلبي: لا إله إلا الله.
* * *
أنكرت نفسي، ولم أعد أراها شيئاً. ونسيت يدي ورجلي، حتى لقد حسبتهما جزءاً من الكرسي أو السرير الذي أجلس عليه، وأضعت ميولي كلها وشهواتي، حتى لم يبقَ لي «أنا» وإنما صرت أنا الكون كله (٢)، الكون الذي ردد معي قولي: «لا إله إلا الله»،
стр. 23
فأحسست حينما أنكرت نفسي بلذة الوجدان التي لا توصف:
لا يعرف العشقَ إلاّ من يكابِدُه ولا الصّبَابةَ إلاّ من يعانيها
وبدأت أفهم ما كنت قرأته من أقوال أهل التصوف، وتعلمت أن الإنسان لا يحس بعظمة الله إلاّ إذا نسي نفسه وعظمته. هنالك يجد هذا «الجرم الصغير» الذي هو رملة في الصحراء وعدمٌ في وجود الكواكب، والذي لا يمتد عمره أكثر من لحظة في عمر السماء ... يجده أكبرَ من الكواكب وأخلدَ من السماوات، لأنه عرف الله وأدرك حلاوة الإيمان.
وقمت بعد ذلك أصلي، فلما قلت: «الله أكبر»، مُحي الكون كله من وجودي، ولم يبقَ إلاّ أنا العبد المؤمن الضعيف، والله الإله العظيم الجبار.
ليس في الدنيا شيء أجلَّ ولا أجملَ من الصلاة!
* * *
стр. 24
جواب على كتاب
نشرت سنة ١٩٥٩
يحمل إليّ البريد كل أسبوع نحواً من ثلاثين رسالة، يبعث بها إليّ سامعو أحاديثي في الإذاعة وقرّاء مقالاتي في الصحف، ولكني لم أجد فيها كلها مثل الرسالة التي تلقيتها أمس. رسالة من أم، جاءتني في «يوم الأم»، ليس فيها من فصاحة اللفظ شيء ولكنها في البلاغة آية من الآيات، وهل البلاغة إلاّ أن تقول ما يصل بك إلى الغاية ويبلغ بك القصد؟
تقول هذه الأم إنها سمعت بعيد الأم ولكنها لم ترَه، وعرفت شقاء الأم بالولد ولكنها لم تعرف بر الولد بالوالدة. وهي لا تشكو عقوق ولديها، فهما صغيران ما بلغا سن العقوق، ولكنها تشكو ضيق ذات اليد وفقد المُسعد والمعين، وأنها تصبّر النفسَ حيناً ويتصرّم أحياناً صبرُها، وتسألني: أتطلق الولدين من إسار المدرسة وتبعث بهما يتكسبان دُريهمات تعينها على العيش؟ وتسأل ماذا تجني منهما إن درَسا وهي لا تملك ثمن كساء المدرسة ولا نفقاتها؟ فكيف يستطيعان أن يكملا الدرس ويتمّا التحصيل وهما بالثوب البالي والجيب الخالي؟
стр. 25
وما تمنيت أن أكون غنياً إلاّ اليوم، لأستطيع أن أواسيها باليد والمال لا بالقلم واللسان، ولكني أديب، والأديب لا يملك إلاّ قلبه ولسانه. وهاتان كلمتان من القلب: كلمة لها هي، وكلمة للقراء.
أما الكلمة التي هي لك، فأحسب أنها تبدو للناس غريبة لأن الأدباء ما تعوّدوا أن يقولوا مثلها، لأنهم لا يجرؤون أن يعرضوا على الناس حقائق صورهم ليراها الناس كما هم، بل يعرضون صوراً محرَّرة مزوَّقة، قد بدّلها (رتوش) المصور وفنه. وقد تكون أحلى وأجمل ولكنها ليست صورهم، إنهم لا يكشفون للقراء قلوبهم لكن يعرضون عقولهم. وإن كان هذا الذي سأقوله اليوم سنّة عند أدباء الإفرنج من سنن الأدب المسلوكة، لا بدعة من البدع المتروكة.
إنها قصة ولكن لم يخترعها خيال كاتب ولم يؤلفها قلم أديب، بل ألفت فصولَها الحياةُ وجئت أرويها كما كانت. أرويها لتعلمي وتعلم كل أم بائسة وكل ولد نشأ في الفقر أن المجد والعلاء رهن بأمرين: بتوفيق الله أولاً، واللهُ يوفق كل عامل مخلص، وبالعلم والجِد ثانياً.
واسمعي الآن القصة:
كان في دمشق -من نحو أربعين سنة- عالِم جليل القدر، كريم اليد، موفور الرزق، داره مفتوحة للأقرباء والضيوف وطلَبة العلم، وموائدُه ممدودة، لمّا أضاق الناسُ في الحرب العامة الأولى وسّع الله بفضله عليه فلم يعرف الضيق، وكان من ذوي المناصب الكبار والمكانة في الناس.
стр. 26
ونشأ أولاده في هذا البيت، لا يعرفون ذلّ الحاجة ولا لذعة الفقر. ولكنهم أصبحوا يوماً (من أيام سنة ١٩٢٥)، الولد الكبير البالغ من عمره ستَّ عشرة سنة وإخوة له تتراوح أعمارهم بين عشر وبين شهر، فإذا بالوالد قد تُوفّي.
وارتفع السّتر، فإذا التركة ديون للناس؛ فباعوا أثاث الدار كله ليوفوا الدَّين، ثم تركوا الدار الفسيحة في الصالحية ونزلوا تحت الرصاص (وكانت أيام الثورة) يفتّشون عن دار يستأجرونها، فوجدوا داراً ... أعني كوخاً، زريبةَ بهائم، مخزنَ تبن ... في حارة الديمجيّة. هل سمعتِ بها؟ في آخر العُقَيْبة، قرب المكان الذي يسميه الناس من التوائه وضيقه «محلّ مَا ضيَّع القردُ ابنَه». هذا هو اسمه، صدّقيني!
في غرفتين من اللبِن والطين، في ظل دار عالية لأحد موسري الحارة تحجب عن الغرفتين الشمسَ والضياء، فلا تراهما -قط- الشمسُ ولا يستطيع أن يدخلهما الضوءُ، ليس فيهما ماء إلاّ ماء ساقية وسخة عرضها شبران وعمقها أصبعان، تمشي مكشوفةً من «تورا» في الصالحية إلى هذه الحارة، تتلقّى في هذا الطريق الطويل كلّ ما يُلقى فيها من الخيرات الحسان! وليس فيها نور إلا نور مصباح كاز، نمرة ثلاثة ... يضيء تارة و «يشحّر» (١) تارات ... والسقف من خشب عليه طين، إن مشت عليه هرة ارتجّ واضطرب، وإن نزلت عليه قطرة مطر وَكَفَ و «سرَّبَ».
стр. 27
هنالك على أربعة فرش مبسوطات على الأرض متجاورات، ما تحتهنّ سرير، تغطيهن البسط والجلود، كان ينام هؤلاء الأولاد الذين رُبّوا في النعيم وغُذّوا بلبان الدلال، تسهر عليهم أم -مثلكِ- حملت ما لم تحمله أم، تدرأ عنهم سيل البقّ الذي يغطي الجدران، وأسراب البعوض التي تملأ الغرفة، والماء الذي ينزل من السقف. تظل الليلَ كله ساهرةً تطفئ بدمع العين حرق القلب، تذكر ما كانت فيه وما صارت إليه، والأقرباء الموسرين الذين لم يكونوا يخرجون من دار الوالد، كيف تخلوا عن الأولاد وأنكروهم، حتى جاؤوا يوماً يزورون جار الدار الموسِر يهنئونه بالعيد ولم يطرقوا -والله- عليهم الباب؟ ولم يُعِنْها أحد، ولم يسعفها إلاّ أخ لها في مصر (١) أمدّها بجنيهات مصرية قليلة لم يكن يطيق أكثر منها.
في هذا الجو يا سيدتي ... وماذا تظنين هذا الجو؟ فيه أقبل الولد وإخوته على الدرس والتحصيل. وكانت أطراف البلد للثوار، ليس للفرنسيين إلاّ وسط المدينة. فكانوا يمرون على الموت في طريقهم إلى المدرسة كل يوم، يخترقون جبهة الحرب (الاستحكامات) القائمة أمام جامع التوبة، وصبروا ووثقوا بالله، وأعانهم الله ووفّقهم، حتى صاروا ... ماذا تقدّرين أنهم صاروا الآن؟
صار الولد الثاني قاضياً، وصار أديباً شاعراً مصنّفاً، والثالث أستاذاً كبيراً في الجامعة وأولَ من حمل لقب دكتور في الرياضيات
стр. 28
في سورية، والرابع مدرّساً موفقاً وداعية وأديباً (١). أما الولد الأكبر فلا أقول عنه شيئاً لأن شهادتي فيه مردودة؛ فهو صديقي الذي لا أفارقه أبداً، والذي أكون معه ليلي ونهاري وأراه كلما نظرت في المرآة، وهو فوق ذلك يحمل اسماً مثل اسمي!
وما قصصت هذه القصة إلاّ تسلية لك وتهويناً عليك، ولتوقني أنه ربما كان ينتظر ولديك هذين اللذين لا يجدان الغذاء والكساء، ينتظرهما مستقبل يحسدهما عليه أبناء الأغنياء.
فقولي لولديك ألاّ يخجلا إن لم يجدا الثوب الأنيق أو الكتاب الجديد أو المال الفائض؛ فإن أكثر النابغين كانوا من أبناء الفقراء. وكاتب هذه السطور (وإن لم يكن من النابغين الذين تُضرَب بهم الأمثال) كان يجيء إلى المدرسة الثانوية بالبذلة التي فصلتها له أمه من جبة أبيه، وقد عجز عن أداء رسم شهادة الحقوق فساعده عليه بعض المحسنين.
وأنا أعرف -والله- في أعلام البلد اليوم من نشؤوا في أشد الفقر، ثم نالوا بالعلم أوسع الغنى وأعلى المناصب، ولو كنت أعلم الرضا منهم بذكر أسمائهم لسميت لكِ خمسة أسماء كلها على طرف لساني الآن. وأنا أعرف محكمة صار ابن آذنها قاضيَها، وابن رئيسها «شيئاً» كالآذن فيها!
* * *
стр. 29
أما الكلمة التي هي للقراء، الذين كانوا الليلة البارحة -عندما أرعدت السماء وأبرقت ونزلت على الأرض- كانوا على المقاعد المريحة في الغرف الدافئة فلم يعرفوا ما حال الفقراء في تلك الليلة.
إني أقول لهم:
إن في البلد، في حيِّكم، بين جيرانكم، كثيرات من أمثال السيدة التي كتبت إليّ. وإن في البلد من يرتجف هذه الليلة من البرد في البيوت التي ثلّجها الشتاءُ، لا يلقى جمرة مشتعلة، وإن هنالك تلميذات وتلاميذ، يقرؤون بعيون تزيغ من الجوع والقرّ ويكتبون بأصابع محمرة من البرد. وإن في هؤلاء من لو أُمِدّ بالطعام واللباس وأُعينَ على الدراسة، لكان عبقرياً تعتز بمثله الأوطان وتسمو الأمم. واذكروا أن بين أُجَراء الخبّازين وصِبية المحامين مَن خُلق ليكون من كبار العلماء وأفراد النابغين، ولكن الفقر عطل مواهبه وسدّ أمامه طريق النبوغ، فلم يجد ذكاؤه مسرباً يسرب منه إلا الإجرام.
إن أكثر المجرمين الذين يسكنون السجون كانوا صبية أذكياء، ولكن المجتمع قال لهم: حرام عليكم الدرس والتحصيل لتكونوا من أفذاذ المثقفين، فكونوا -إذن- من أذكياء المجرمين!
إن الذي ينفقه الأغنياء على الترف والسرف، يكفي لتعليم كل ولد في البلدة، وإطعام كل جائع، وإسعاف كل فقير. إن عرساً واحداً من أعراس الموسرين الكبار تكفي نفقاته لإطعام عشر عائلات شهراً كاملاً، وما ينفَق على أكاليل الزهر في الجنائز وطاقات الورد
стр. 30
في الأفراح يفتح كل سنة مستشفى مجانياً للفقراء، وأثمان علب الملبَّس في الموالد تنشئ كل سنة مدرسة تتسع لخمسمئة تلميذ، وما تُشترى به هذه الثريات الفخمة وهذه التماثيل، وما يُنفَق في الولائم والحفلات وما يُصرَف في الملاهي والموبقات يكفي لسد حاجة كل محتاج.
وأنا لا أقول: دعوا هذا كله؛ فإنكم لن تفعلوا، ولكن اجعلوا من أموالكم نصيباً لهؤلاء المعذَّبين في الأرض ... زكّوا عن أموالكم فإنكم لا تدرون هل تدوم لكم أو تذهب عنكم.
وهل أخذ أحدٌ على الدهر عهداً أن لا تحول عنه الحال، وأن لا يذهب من يده المال؟ ومَن الذي جعل لولد الغني الحق في أن يبقى أبداً سيداً، يُعطى ما يطلب وينال ما يريد، وكتب على ولد الفقير الفقرَ والشقاء أبداً؟ ومَن يثق بأنّ ولده لن يحتاج غداً إلى ولد الفقير، يسأله ويرجو رِفده؟
وإذا وثقتم ببقاء المال، فهل تثقون ببقاء الصحة؟ أتأمنون الأمراض والنوازل والنكبات؟
فاستنزِلوا رحمة الله بالبذل، وادفعوا عنكم المصائب بالصدقات.
وأنا لا أخاطب أرباب الآلاف المؤلفة فقط، بل أخاطب القرّاء جميعاً. إن الناس درجات؛ أمَا تفرح إن أعطاك صاحب الملايين ألف ليرة؟ فأعطِ أنت المُعدَم عشرَ ليرات. إن الليرات العشر له كالألف لك، والألف عند «المليونير» كالعشر عندك.
стр. 31
والثوب القديم الذي تطرحه قد يكون ثوبَ العيد عند ناس آخرين، فلماذا لا تسرهم بشيء لا يضرك ولا تحس بفقده؟
ولو أن كل امرئ يعطي من هو أفقر منه لما بقي في الدنيا محتاج. فيا أيها القراء، أسألكم بالله: لا تدَعوا كلمتي تذهب في الهواء، فإني والله ما أردت إلا الخير لكم. ويا أيتها الأم التي كتبت إليّ، ثقي بالله، فإن الله لا يضيع أحداً أبداً.
* * *
стр. 32
من دموع القلب
نشرت سنة ١٩٣٨
[هل تذكر -يا صديقي (١) - يوم جزنا بمقبرة الدحداح ونحن طفلان يتيمان في طريقنا إلى المنزلين الصغيرين المتجاورين في «السمّانة»، فوقفنا ساعة على القبرين المتدانيين نزور أبوينا ... ثم ذهبنا مسرعَين لنودعَ آلامنا صدر الأم؟
أتذكر ما قلتَ لي يومئذ عن حبك أمك وتعلقك بها، وما قلتُ لك؟ أتذكر أننا اتفقنا على أن الحياة مستحيلة علينا بعد الأمهات، وأننا سنبقى معهن أبداً وشملنا جميع وعقدنا متصل؟
لقد كان ما ظنناه مستحيلاً. لقد ماتت أمي وأمك واحتواهما ذلك القبر الذي حوى أبوينا من قبل. وعشنا بعدهما ... لم نعد نملك منهما إلاّ دموعاً حرّى في العين وحسرات لاذعات في القلب ... لقد غابتا إلى الأبد!
«علي»]
لست أدري ما الذي يحملني على ذكر الماضي ونبش عظامه النخرة؟ وما الذي يغريني بأن أتلمّس مكان أحلامي من الواقع، وأنا أعلم أن الماضي قد ذهب بمسراته وأحزانه ولم يبقَ في يدي
стр. 33
منه إلاّ هذه الذكريات، التي طالما حاولت أن ألقي بها في الزاوية المظلمة من نفسي لتنام فيها إلى الأبد، فكانت تستفيق كلما أردت نسيانها فتسوّد صفحةَ الحياة في ناظري حتى لا أرى فيها جميلاً ولا بهيّاً ... وأنا أعلم أن أحلامي التي بنيتها بقطع قلبي وأنقاض أيامي، وروّيتُ رياضَها بدمع عيني، قد جفّ زهرها وصوّح نبتها، وانهارت أمام عيني دفعة واحدة كما ينهار بيت من ورق اللعب ضربَته كفُّ إنسان ... فأيست منها وذهبت أعيش بقلب محطوم وكبد مكلومة، فأضحك وأمزح حتى ليظنني الناسُ أسعدَ الناس، وأنا أشقاهم وأخيبهم أملاً وأشدهم ألماً!
فلماذا أعود الليلة إلى الماضي التي ماتت أيامه، وماتت أحلامه، ومات ناسه؟
* * *
كنت أطل من شرفتي في الفندق على شارع الرشيد في بغداد، الذي يمثل الحياة ويفسرها ويصور حقيقتها أكثر من تصوير الأدباء وتفسير الفلاسفة. بل إن ساعة واحدة تشرف فيها على شارع الرشيد أجدى عليك -في فهم الحياة- من دراسة عشر سنين في هذه الكتب.
وماذا في الكتب إلاّ الحيرة والضلال؟ ومَنْذا الذي تبلغ به الحماقة وتفيض على نفسه حتى يدّعي أنه فهم الحياة من الكتب؟ أنا أحد صرعى هذه الكتب وضحاياها، فسلوني عن خيبتي وخسارتي؟
قالت الكتب: «إن المستقيم أقصر الخطوط فاسلكه تصل،
стр. 34
واستقم تبلغ غايتك». فسرت قُدماً فاصطدمت بأول جدار لقيته فشج رأسي وقعدت مكاني، واستدار غيري والتوى كما تستدير طرق الحياة وتلتوي فوصل.
قالت الكتب: «كن فاضلاً واحرص على مكارم الأخلاق فهي السبيل». فوجدت أهل الرذيلة هم الذين يصلون، ورأيت أسفل الناس أخلاقاً صار أستاذاً للأخلاق في أكبر مدرسة، فعجبت من سخر (١) الحياة!
وقالت الكتب: «الحق»، وقالت الحياة: «القوة» ... وقالت الكتب: «الفضائل»، وقالت الحياة: «الشهوات». وقالت الكتب ... ولكن لم يكن إلاّ ما قالت الحياة!
ونظرت إلى شارع الرشيد فإذا السيارات من كل جنس ولون، والعربات من كل شكل ونوع، والدراجات والعجلات، كلها يعدو يريد أن يصل أولاً، وكلها يزأر ويصيح ويهدد، ولكنها إذا بلغت الغاية رأت أنها لم تصل إلى شيء فعادت أدراجها تزاحم وتعدو وتصيح!
فقلت: كذلك الحياة؛ سباق وتزاحم، ولكن ما هي الغاية؟
لا شيء!
* * *
стр. 35
ودخلت الغرفة وأغلقت عليّ بابي، وأردت أن أفيء إلى عزلة أسكن فيها نفسي وأجد فيها راحتي، ولكن الباب قُرع وجاء السيد حيدر الجوادي، الرجل الذي ملك على الدكتور زكي مبارك أمره وأطربه وأعجبه، حتى غدا لا يصبر عن سماعه حيثما رآه، وحتى اضطره إلى الغناء في المكتبة العامة، وقال له: غنِّ ها هنا، فوالله ليتحدثن بها الناس، وليقولُنّ إن زكي مبارك ابتدع الغناء في المكتبات ... جاءني فغنّاني «أبوذِيّةً» من «أبوذيّات العراق»، التي ما أظن أن إنسِياً أو جِنّياً عرف نغمة أشجى منها وأسرع إلى القلب وصولاً وأشدَّ للألم تصويراً. هي قطرات من الدمع صُوّرت نغماً، هي خفقات القلب صيغت نشيداً، هي ... هي خلاصة الفن العبقري الذي يصور الألم العبقري.
فهزّ نفسي هزاً عنيفاً، فتح صفحاتها جميعاً، ووصل ماضيها بحاضرها، وأسلمها إلى ذهلة عميقة، لَذّة (١) ممتعة، ولكنها أليمة موجعة. ذكرت «العتابا»، تلك الأغنية التي ترنُّ بها أبداً أودية لبنان وتنحدر أصداؤها على سفوحه وحدوره، ولا يدري أحدٌ من هو الذي وضعها ونظم مطلعها وألف لحنها، «العتابا» الخالدة التي يشترك في تأليفها العصر الجديد والعصر الغابر، ويزيد فيها كل جيل أدواراً، فيكون منها الصورة الصادقة لعواطف الشعب وهواجسه وأمانيه وذكرياته، تلك التي تعيش في ترنيمة السواقي المتكسرة على الشعاف والصخور لتبلغ قرارة الوادي، وفي نشيد الرياح في الأودية البعيدة، وفي همس الأوراق في غابات الصنوبر
стр. 36
الضاحكة، وفي عطر كل زهرة وصمت كل صخرة، وأشعة الشمس المطلة من وراء الذّرى للسلام، والمشرفة من آخر الأفق للوداع، وفي نور القمر الذي يغمر لبنان بفيض من الشعر والحب والسحر، وتعيش في كل ذروة من لبنان.
* * *
رَجَعتني هذه «الأبوذية» إلى سالفات أيامي، فذهبت أعراض صور حياتي فيها وهي تمر بي متتالية متعاقبة كمناظر السينما، ملتفّةً بضباب الماضي، فأرى مآسيها المغسولة بالدموع وفواجعها الدامية، ولكني لا أرى البهجة والسرور. فهل أرى البهجة والسرور بعد أن أشرفت على الثلاثين؟
كنت أفكر دائباً في المستقبل، وأنتظر المستقبل، فها هو ذا المستقبل قد صار حاضراً، فهل وجدت فيه إلاّ الخيبة والألم؟
لقد جربت الصناعات والفنون، وطوّفت في البلدان، فما أفدت من ذلك كله إلاّ أني تركت في كل بلد قبراً لأمل من آمالي. لقد أضعت الحب والمال، وأضعت المجد الأدبي، حتى هذه الألحان التي تدور في نفسي ضاعت مني؛ فلم أستطع أن أُسمِعَها الناسَ أغانيَ وأصواتاً. ما سمع الناسُ إلاّ أقصرَ أغانيَّ وأقبحَها، تلك هي مقالاتي التي نشرتها، فمتى يسمعون أجمل ألحاني وأطولها؟
في المستقبل!
стр. 37
يا ويح نفسي! هل بقي لي مستقبلٌ إلاّ الموت، الذي غدوت أحبه وأناديه لو كان يسمع النداء؟!
* * *
لقد وجدت المستقبل عدماً، فهل عليّ من لوم إذا عدتُ إلى ماضيّ أعيش فيه؟
في هذا الماضي دفنت أمي، وفيه دفنت أبي، وفيه دفنت أحلامي. لقد أحببت كثيراً وتألمت أكثر مما أحببت، ولكن الحب الحقيقي الواحد الذي انطوى عليه قلبي، والألم الفرد الصادق الذي عرفه، هو حبي أمي وألمي لموتها، وكل ما عداهما حب كاذب وألم عارض.
إني لأنسى البلاد كلها حتى منازل حبي وربوع هواي، ولكني لا أنسى أبداً ذلك الزقاق الضيق الذي يمتد من العُقَيبة في دمشق إلى رحبة الدَّحْداح، لأن سعادتي وُلدت في أول هذا الزقاق، وماتت في آخره حين مات أبي وأمي.
فيا رب ارحمني بالنسيان. وأين مني النسيان؟
إني لأنظر إليها الآن وهي مريضة على فراشها، كأنما كان ذلك منذ ساعة، فيبكي قلبي ولا أستطيع أن أكتب عنها حرفاً. لا أحب أن أنشر أحزاني حتى لا تلوكها ألسنة الناس، فليبقَ الألم في صدري أحمله وحدي.
أنا لا أصدّق أن هذه السنين السبع قد مرت على ذلك
стр. 38
الحادث. أأنا أعيش سبع سنين لا أرى فيها أمي، وقد كنت آلم إن غبت عنها يوماً؟ أأعيش وهي نازحة لا تعود بعد عام ولا عشرة، لا تعود قبل يوم القيامة؟
اللهم صبراً، فإني والله ما أطيق الصبر.
يقولون إن المصيبة تبدأ صغيرة ثم تكبر، ولكن مصيبتي بأمي تنمو في نفسي كل يوم!
لم أعد أجد في الحياة ما يغريني بها ويرغّبني فيها. وماذا في الحياة؟ كل لذة فيها مغشّاة بألم؛ فيها الربيع الجميل، ولكن فيه بذور الصيف المحرق والشتاء القاسي. وفيها الصحة والشباب، ولكنهما يحملان الهرم والمرض. وفيها الغنى، ولكني ما عرفته وما أحسبني سأعرفه أبداً.
لقد كرهت الحياة، وزادها كراهة إليّ هؤلاء الناس؛ فلم يفهمني أحد ولم أفهم أحداً. إن حزنت فأعرضت عنهم مشتغلاً بأحزاني قالوا: متكبر. وإن غضبت للحق فنازعت فيه قالوا: شرس. وإن وصفت الحب الذي أشعر به كما يشعرون قالوا: فاسق. وإن قلت كلمة الدين قالوا: جامد. وإن نطقت بمنطق العقل قالوا: زنديق. فما العمل؟ إليك يا رب المشتكى، فما لي في الدنيا بعد أمي صديق!
تلك هي التي كانت تقبَلني على علاّتي، والناس لا يقبلون إلاّ محاسني. تلك التي كانت تحبني أنا، والناس يحبون أنفسهم فيّ.
стр. 39
تلك هي الحبيبة الوفية التي لا تهجر ولا تخون. تلك هي دنياي، فواأسفي؛ إن دنياي قد احتواها التراب!
لم يبقَ من آثار هذا العالَم الحافل بالإخلاص والحب إلاّ قبر منعزل وساقية صغيرة تميل عليها شجرة صفصاف، وهذا كل شيء.
إني لأستطيب ذكرى هذه الشجرة وأحِنُّ إليها. إن حركات غصونها لتحرك في نفسي عالَماً كاملاً ولكنها لا تبالي ذكرياتي ولا تحفلها. إنها قائمة تحنو على اللص الفاتك كما تحنو على المحب الثاكل، وتؤوي المجرم الهارب كما تؤوي الشاعر المتغزّل. فما أضيعَ ذكريات المحبّين عند الطبيعة، وما أضيعها عند الناس!
* * *
لقد انصرف عني السيد حيدر الجوادي، ونام عني أصحابي وتركوني أتجرع غصص آلامي وحيداً. فمن الذي يعطف عليّ ويشاركني حمل الآلام؟ لقد أيست من الطبيعة ومن الأصحاب، فهل تسعدني أنت يا أيها المحسن المجهول الذي لا أعرفه أبداً؟ أنت يا من يجوز مع الشمس بمقبرة الدحداح يزور حبيباً له طواه الرَّمس، هل تمنّ على غريب متألم فتحيي عنه هذه البقعة وتعطف على ذكريات له فيها، هي أعز عليه من الحياة لأنها كانت جمال الحياة؟ هل تترفق في سيرك وتتئد وتعلم أن في هذه الرمال التي تطؤها أطلالَ قلب كان من قبل عامراً سليماً؟ ترفقْ فإنك لو ملكت حاسة تدرك بها الذكريات لرأيت في هذه البقعة -ما بين رمالها
стр. 40
وترابها- بقايا قلب محطوم، بقايا دامية حزينة شاكية، ولسمعت نشيجها. ما تصدّع هذا القلب من هجر الحبيب ولا هدّته أحداث الغرام، ولكن عصفت به عاصفة من موت الأم فهدّت أركانه، فاسكبْ على بقاياه قطرةً من الدمع تَحْيَ بها ساعة، أو قل كلمة تسعد بها روحه الحزينة. ثم توجه إلى القبر المحبوب، إلى قبر أمي وأبي أيها الصديق المجهول، فاسأل الله لساكنَيه الرحمة والغفران، فما بقي لي بعدهم أحباء ولا بعدهم دنيا.
لقد تركت تحت أقدامك قلبي وحبي يا أيها المحسن المجهول، فارفق بهما. أسعِدْ هذا اليتيم الضعيف، وإن كان الناس يدعونه شيخاً.
ربِّ، رحمة لهذا اليتيم الضعيف، ابن الثلاثين!
«ربِّ اغفرْ لي ولوالديَّ، ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً» (١).
* * *