← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17665

من حديث النفس

علي الطنطاوي

Полный текст (293 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الضاحكة، وفي عطر كل زهرة وصمت كل صخرة، وأشعة الشمس المطلة من وراء الذّرى للسلام، والمشرفة من آخر الأفق للوداع، وفي نور القمر الذي يغمر لبنان بفيض من الشعر والحب والسحر، وتعيش في كل ذروة من لبنان. * * * رَجَعتني هذه «الأبوذية» إلى سالفات أيامي، فذهبت أعراض صور حياتي فيها وهي تمر بي متتالية متعاقبة كمناظر السينما، ملتفّةً بضباب الماضي، فأرى مآسيها المغسولة بالدموع وفواجعها الدامية، ولكني لا أرى البهجة والسرور. فهل أرى البهجة والسرور بعد أن أشرفت على الثلاثين؟ كنت أفكر دائباً في المستقبل، وأنتظر المستقبل، فها هو ذا المستقبل قد صار حاضراً، فهل وجدت فيه إلاّ الخيبة والألم؟ لقد جربت الصناعات والفنون، وطوّفت في البلدان، فما أفدت من ذلك كله إلاّ أني تركت في كل بلد قبراً لأمل من آمالي. لقد أضعت الحب والمال، وأضعت المجد الأدبي، حتى هذه الألحان التي تدور في نفسي ضاعت مني؛ فلم أستطع أن أُسمِعَها الناسَ أغانيَ وأصواتاً. ما سمع الناسُ إلاّ أقصرَ أغانيَّ وأقبحَها، تلك هي مقالاتي التي نشرتها، فمتى يسمعون أجمل ألحاني وأطولها؟ في المستقبل!

стр. 37

يا ويح نفسي! هل بقي لي مستقبلٌ إلاّ الموت، الذي غدوت أحبه وأناديه لو كان يسمع النداء؟! * * * لقد وجدت المستقبل عدماً، فهل عليّ من لوم إذا عدتُ إلى ماضيّ أعيش فيه؟ في هذا الماضي دفنت أمي، وفيه دفنت أبي، وفيه دفنت أحلامي. لقد أحببت كثيراً وتألمت أكثر مما أحببت، ولكن الحب الحقيقي الواحد الذي انطوى عليه قلبي، والألم الفرد الصادق الذي عرفه، هو حبي أمي وألمي لموتها، وكل ما عداهما حب كاذب وألم عارض. إني لأنسى البلاد كلها حتى منازل حبي وربوع هواي، ولكني لا أنسى أبداً ذلك الزقاق الضيق الذي يمتد من العُقَيبة في دمشق إلى رحبة الدَّحْداح، لأن سعادتي وُلدت في أول هذا الزقاق، وماتت في آخره حين مات أبي وأمي. فيا رب ارحمني بالنسيان. وأين مني النسيان؟ إني لأنظر إليها الآن وهي مريضة على فراشها، كأنما كان ذلك منذ ساعة، فيبكي قلبي ولا أستطيع أن أكتب عنها حرفاً. لا أحب أن أنشر أحزاني حتى لا تلوكها ألسنة الناس، فليبقَ الألم في صدري أحمله وحدي. أنا لا أصدّق أن هذه السنين السبع قد مرت على ذلك

стр. 38

الحادث. أأنا أعيش سبع سنين لا أرى فيها أمي، وقد كنت آلم إن غبت عنها يوماً؟ أأعيش وهي نازحة لا تعود بعد عام ولا عشرة، لا تعود قبل يوم القيامة؟ اللهم صبراً، فإني والله ما أطيق الصبر. يقولون إن المصيبة تبدأ صغيرة ثم تكبر، ولكن مصيبتي بأمي تنمو في نفسي كل يوم! لم أعد أجد في الحياة ما يغريني بها ويرغّبني فيها. وماذا في الحياة؟ كل لذة فيها مغشّاة بألم؛ فيها الربيع الجميل، ولكن فيه بذور الصيف المحرق والشتاء القاسي. وفيها الصحة والشباب، ولكنهما يحملان الهرم والمرض. وفيها الغنى، ولكني ما عرفته وما أحسبني سأعرفه أبداً. لقد كرهت الحياة، وزادها كراهة إليّ هؤلاء الناس؛ فلم يفهمني أحد ولم أفهم أحداً. إن حزنت فأعرضت عنهم مشتغلاً بأحزاني قالوا: متكبر. وإن غضبت للحق فنازعت فيه قالوا: شرس. وإن وصفت الحب الذي أشعر به كما يشعرون قالوا: فاسق. وإن قلت كلمة الدين قالوا: جامد. وإن نطقت بمنطق العقل قالوا: زنديق. فما العمل؟ إليك يا رب المشتكى، فما لي في الدنيا بعد أمي صديق! تلك هي التي كانت تقبَلني على علاّتي، والناس لا يقبلون إلاّ محاسني. تلك التي كانت تحبني أنا، والناس يحبون أنفسهم فيّ.

стр. 39

تلك هي الحبيبة الوفية التي لا تهجر ولا تخون. تلك هي دنياي، فواأسفي؛ إن دنياي قد احتواها التراب! لم يبقَ من آثار هذا العالَم الحافل بالإخلاص والحب إلاّ قبر منعزل وساقية صغيرة تميل عليها شجرة صفصاف، وهذا كل شيء. إني لأستطيب ذكرى هذه الشجرة وأحِنُّ إليها. إن حركات غصونها لتحرك في نفسي عالَماً كاملاً ولكنها لا تبالي ذكرياتي ولا تحفلها. إنها قائمة تحنو على اللص الفاتك كما تحنو على المحب الثاكل، وتؤوي المجرم الهارب كما تؤوي الشاعر المتغزّل. فما أضيعَ ذكريات المحبّين عند الطبيعة، وما أضيعها عند الناس! * * * لقد انصرف عني السيد حيدر الجوادي، ونام عني أصحابي وتركوني أتجرع غصص آلامي وحيداً. فمن الذي يعطف عليّ ويشاركني حمل الآلام؟ لقد أيست من الطبيعة ومن الأصحاب، فهل تسعدني أنت يا أيها المحسن المجهول الذي لا أعرفه أبداً؟ أنت يا من يجوز مع الشمس بمقبرة الدحداح يزور حبيباً له طواه الرَّمس، هل تمنّ على غريب متألم فتحيي عنه هذه البقعة وتعطف على ذكريات له فيها، هي أعز عليه من الحياة لأنها كانت جمال الحياة؟ هل تترفق في سيرك وتتئد وتعلم أن في هذه الرمال التي تطؤها أطلالَ قلب كان من قبل عامراً سليماً؟ ترفقْ فإنك لو ملكت حاسة تدرك بها الذكريات لرأيت في هذه البقعة -ما بين رمالها

стр. 40

وترابها- بقايا قلب محطوم، بقايا دامية حزينة شاكية، ولسمعت نشيجها. ما تصدّع هذا القلب من هجر الحبيب ولا هدّته أحداث الغرام، ولكن عصفت به عاصفة من موت الأم فهدّت أركانه، فاسكبْ على بقاياه قطرةً من الدمع تَحْيَ بها ساعة، أو قل كلمة تسعد بها روحه الحزينة. ثم توجه إلى القبر المحبوب، إلى قبر أمي وأبي أيها الصديق المجهول، فاسأل الله لساكنَيه الرحمة والغفران، فما بقي لي بعدهم أحباء ولا بعدهم دنيا. لقد تركت تحت أقدامك قلبي وحبي يا أيها المحسن المجهول، فارفق بهما. أسعِدْ هذا اليتيم الضعيف، وإن كان الناس يدعونه شيخاً. ربِّ، رحمة لهذا اليتيم الضعيف، ابن الثلاثين! «ربِّ اغفرْ لي ولوالديَّ، ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً» (١). * * *

стр. 41

في الكُتّاب أذيعت سنة ١٩٥٩ نويت أن أجعل هذا الحديث ليوم الطفل، فصحّت النية ولكن لم يتم المراد. أردت أن أتكلم فيه عن مشكلات الطفولة اليوم، فكان عن ذكريات طفولتي أنا أمس، وأردته موعظة وعبرة، فجاء قصة وذكرى. والقلم قد يجمح بيد الكاتب أحياناً كما يجمح الفرس بالفارس، فيمشي حيث يريد هو لا حيث يريد صاحبه. وذلك أنني قعدت لأكتب هذا الحديث وأنا لم أعدَّ عدّته، لأن الوقت ضاق بي وأعجلني الموعد، فشرعت وما ركزت أسس الفكرة ولا بيّنت مسالك القول، وأخذت القلم أنتظر ما يُفتح به عليّ. فما فُتح عليّ باب القول ولكن فُتح باب الغرفة، ودخل مؤمن الصغير (١)، ابن بنتي، وهو محمرّ العينين، سائل الدمع على

стр. 42

الخدّين، ينشج نشيجاً مؤلماً. فظننت أن قد أصابه شيء ووثبت أسأله: ما لك؟ هل وقعت؟ فهزّ رأسه. قلت: هل ضربوك؟ فهزّ رأسه. قلت: ما لك؟ فأجاب بصوت مختنق بالبكاء، تقطعه الزفرات، قال: إدّوا (أي: جدّو)! قلت: نعم؟ قال: لوح ... قلت: لوح؟ لوح شوكلاطة؟ قال: لأ، لوح دَسِهْ، أمان. فلم أفهم، فجاءت خالته الصغيرة (يمان) (١) تترجم عنه، قالت بلسانها الناقص: بدُّو لوح أدَّسة، مع أمان.

стр. 43

قلت: للمدرسة مع أمان؟ فأشرق وجهه وسكت، وقال: لوح دسه أمان. قلت: وتبكي من أجل المدرسة؟! اقعد هنا أحسن، بلا مدرسة. فلما سمع ذلك صرخ من كلمتي صرخةَ مَن قرصته نحلة، وعاد يبكي ويعول. فهدأته ووعدته حتى سكت، وجعلت أعجب منه إذ يبكي شوقاً إلى المدرسة، وأذكر كيف كنا نبكي نحن خوفاً منها وكرهاً لها. * * * وكرّت بي الذكرى إلى سنة ١٩١٤، إلى أول خَطب من خطوب الدهر نزل بي. لا أعني الحرب العامة فلم تكن الحرب قد أعلنت، وما كنت يومئذ لأفقه معنى الحرب أو أبالي بها، ولكن أعني ما هو أشدّ وأفظع، أشدّ عليّ أنا؛ ذلك هو أول دخولي المدرسة. لقد كان يوماً أسود لا تُمحى من نفسي ذكراه، ولا أزال إلى اليوم -كلما ذكرته- أتصوّر روعه وشدّته. لقد كرّهَ إليّ المدرسة وترك في نفسي من بغضها ذخيرة لا تنفد، ولقد صرت من بعد معلّماً في الابتدائية ومدرّساً في الثانوية وأستاذاً في الجامعة، وعلّمت الكبار والصغار، والبنين والبنات، وما ذهب من نفسي الضيق بالمدرسة والفرح بالخلاص منها، والأنس بيوم الخميس واستثقال يوم السبت، وما ذهبتُ إلى المدرسة مرّةً إلاّ تمنيت أن أجدها مغلقة أو أجد فيها إضراباً يعطل الدروس!

стр. 44

لقد أخذني جدّي معه ذلك اليوم إلى جامع التوبة (١) فصلّى الصبح ولبث حيناً، ثم أدخلني باباً يقابل الجامع. وكنت في ضياء الصباح وسنا الشمس، فلبثت في ذلك المكان دقائقَ وأنا لا أبصر ما فيه، ولكنّ أنفي لمس رائحته العفنة المنتنة ونشق هواءه الآسن. ثم أبصرت المكان، فإذا هو غرفة فسيحة فيها عشرات من الأولاد قاعدون على الأرض، يهتزون ويتمايلون، يحملون في أيديهم كتباً ينظرون فيها، ويصوّتون أصواتاً متنافرة كأنها دويّ النحل منقولاً من مكبر للصوت، وتحتهم دكة واطية من الخشب تنتهي قريباً من الباب، وأمامها أرض مكشوفة موحِلة قد صُفّت إلى جوانبها القباقيب، والى اليسار عجوز (٢) مخيف على كرسيّ عال، بيده عصا طويلة يضرب بها الأولاد ينال بها من كان في آخر المكان. هنالك تركني جدي؛ فما أغلق البابَ وراءه وذهب حتى أحسست كأن قلبي قد ذهب معه، وكأنْ قد أُغلق عليّ قبر، وعراني من الوحشة والفزع ما لا أزال أرتجف إلى الآن كلما ذكرته! هذه هي المدرسة التي كانت في أيامنا.

стр. 45

كان على التلاميذ أن يكونوا فيها بُعَيْد مطلع الشمس وأن يبقوا فيها إلى قُبيل الغروب، لا يتحركون ولا يتكلمون ولا يكفّون عن القراءة والتمايل، يحملون أكلهم معهم فيأكلون وهم قاعدون، وإذا عطشوا قاموا إلى البركة فوضعوا أفواههم في مائها الملوَّث وعبّوا مثل الجمال، وإذا كانت لهم حاجة ذهبوا إلى مراحيض المسجد. والمكان مغلق دائماً، لا يُفتح له باب ولا نافذة ولا يُجدَّدُ له هواء، ولا يمضي على الولد فيه يوم لا تصيبه فيه من الشيخ بليَّة: خفقة بالعصا على رأسه من بعيد، أو ضربات على رجليه بالفلق (١) من قريب، أو (مونولوج) كامل من أبدع الهجاء يقرع أذنيه ... ولقد كان من المناظر المألوفة كل صباح منظر الولد «العَصْيان» (٢)، وأهله يجرُّونه والمارة وأولاد الطريق يعاونونهم عليه، وهو يتمسك بكل شيء يجده ويلتبط بالأرض ويتمرغ بالوحل، وبكاؤه يقرّح عينيه وصياحه يجرّح حنجرته، والضربات تنزل على رأسه، يُساق كأنه مجرم عات، يرى نفسه مظلوماً ويرى الناسَ كلهم عليه حتى أبويه ... فتصوروا أثر ذلك في نفسه، وعمله في مستقبل حياته! * * * وما عجب أن تبكوا -يا أولادي- رغبة في المدرسة وقد

стр. 46

صارت لكم جنات، وما عجب أن نبكي منها وقد كانت علينا جحيماً. هي لكم مائدة، عليها الطعام اللَّذّ الخفيف في أجمل الأواني، وحولها الزهر والورد ومن ورائها الموسيقى، وقد كانت لنا طعاماً دسماً ثقيلاً، في أوسخ آنية وأقبح منظر. ولكن من استطاع منا أن يأكل أكثر، وأن يهضم ما أكل، وأن ينتفع به؟ أنتم على كل هذه المشهّيات، أم نحن على كل تلك المنفّرات؟! أنتم تلبسون للمدرسة أبهى الثياب، ونحن كنا نذهب والله بثوب النوم (السركس) الذي لا يصل لأكثر من نصف الساق، وفوقه رداء (جاكيت) الأب الذي رثّ فحوّلته الأم وصيّرته لنا، وفي الأرجل القبقاب أو الكندرة المصنوعة في المناخلية. ولقد صرت في الثانوية وما عرفت دكان الخياط، إنما ألبس ما تخيط أمي رحمها الله. وما كان فينا من اتخذ عقدة (كرافتة) حتى بلغنا البكالوريا، فأين هذه العناية التي تلقونها مما كنا فيه؟ ويراجع التلميذ اليوم درسه في داره على الكهرباء، وقد يكون لأولاد الأغنياء مكتب خاص يكتبون عليه، ونحن كنا نقرأ على ضوء الكاز (نمرة ٣)، وربما هبّت عليه نسمة هواء فتحرك فرسم على الجدار تهاويل كأنها صور الجن، وربما «شحَّرَ» وربما انقلب وسال زيته فأفسد الأوراق والكتب ... لم تكن هذه الكهرباء إلاّ في الطرق وفي قليل من البيوت، ولقد كانت أسرتنا من أسبق الناس إلى الاستضاءة بها، إذ مُدَّ إلى دارنا شريط من دار الجيران سنة ١٩١٦، وعرفت ضوء الكهرباء واستمتعت بها، ولكنها سبّبت

стр. 47

لي (فلقة) حامية؛ ذلك أني ذهبت إلى المدرسة أحدّث التلاميذَ أن في دارنا ضوءاً يشعل بلا كبريت وينطفئ بلا نفخ، ووصفته لهم، فعارضني أحدهم وكذّبني، فشتمته فشتمني، فضربته، فحكم عليّ الأستاذ بفلقة لا أزال أذكر طعمها! ويمرض الأولاد اليوم فيجدون الطبيب الحاضر والدواء الموجود، المسهل قطعة شُكلاطة أو كأس (ليموناضة) والعلاج حبة صغيرة أو جرعة لذيذة، ونحن كنا نمرض فلا يكون الدواء إلاّ الحقنة والسنامكّي وزيت الخَرْوَع، ولا يأتي الطبيب إلاّ إذا أتى الخطر، وما كان للطبيب كبير أثر، لأن نصف الطب الذي نستمتع به اليوم وثلاثة أرباع الأدوية التي نشفى بها إنما عُرفت بعد التاريخ الذي كنا فيه أطفالاً، فكانت طفولتنا محرومة من الوقاية ومن العلاج. وأنتم تعيشون في دمشق الجديدة ذات الشوارع الفِساح والحدائق الكثيرة، وعندكم في المدرسة السينمات والمسليات وعندكم في الصيف المصايف والجبال، ونحن كنا نعيش في تلك الأزقّة الضيقة، نخوض الشتاء في الوحل، ما كان في دمشق شارع واحد، وأول شارع شُقَّ فيها (شارع جمال باشا) شُقّ أمامنا، وما كنا نعرف من المصايف إلا أياماً نقضيها في بيوت الفلاحين في الجُدَيدة وبَسّيمة، وقلَّ مَن يذهب إليهما. أما السينمات فأنا أحلف أني حملت البكالوريا وذهبت إلى مصر للدراسة العالية سنة ١٩٢٨ وما عرفت ما هي السينما. * * *

стр. 48

فإذا بكى هذا الصغير وبكى أترابه شوقاً إلى المدرسة، وإذا تزاحم الآباء عليها، فلا عجب. ولا عجب إذا كنا نبكي نحن خوفاً من المدرسة، وإذا كنت -وأنا معلم في القرى- أنفّذ قانون التعليم الإجباري لإجبار الآباء على إرسال أبنائهم إليها. ولكن عندي كلمة لكم يا أولاد، أرجو أن تسمعوها وتفهموها، وإذا لم تستطيعوا فهمها فلتتلطف الأم أو فليتكرم الأب بترجمتها لكم: إنكم تنعمون بخيرات كنا نحن محرومين منها، وتستمتعون بمُتَع ما كنا نسمع بها، وما هذا الذي عددت لكم إلاّ الأقل الأقل منها، ولكنا -على ذلك كله- كنا خيراً منكم. كان آباؤنا يضربوننا، على حين نجد الآباء اليوم يدللون أولادهم ويلينون لهم. وكنا نرى طاعة والدينا واحترامَ معلمينا فرضاً علينا، فما كان منا من يجرؤ على مخالفة أمر أبيه، ولا كان في الآباء من يرضى لنفسه أن يخالف ابنُه أمرَه، وكان للأب سطوة وسلطان، لا حكم في الدار إلاّ حكمه، ولا كلام في الأسرة مع كلامه، وكنا نقبّل يده في الذهاب والإياب والقَوْمَة والقَعْدَة، ونجلس في مجلسه خاشعين ساكتين لا نتكلم حتى يأذن لنا، وكان الواحد منا يبلغ مبلغ الرجال ثم لا يتأخر في العودة إلى الدار عن المغرب، ولا ينكر على أبيه أن يشتمه علانية أو يضربه في الملأ، وكنا نبرّ أمهاتنا ونعلم أن حقهن من حق الله وأن برّهن من برّه. أما الأستاذ فما كان منا من يفكر في إزعاجه أو التهاون بأمره.

стр. 49

فهل يعرف أبناء اليوم لآبائهم وأمهاتهم، وهل يعرف تلاميذ اليوم لمعلميهم وأساتذتهم مثل هذا الحق؟ وكانت دروسنا أصعب وبرامجُنا أحفلَ وأملأ، وكنا مع ذلك أكثر منكم إقبالاً عليها، واشتغالاً بها، ونجاحاً فيها، وكنا نقرأ فوقها كثيراً من كتب العلم. ولقد قرأت عشرات من كتب الأدب واللغة والدين وأنا لا أزال في الثانوية. وكنا نؤم مجالس العلماء في المساجد وفي البيوت، فنجمع إلى علم المدرسة علوم الدين وعلوم اللسان، ونحفظ من بليغ القول ونروي من طريف الأخبار الشيء الكثير؛ كنا إذا أردنا التسلية قرأنا قصة عنتر والملك سيف وحمزة البهلوان، وهي كتب أدب وفروسية وبطولة، لا نعرف هذه المجلات ولا هذه القصص ولا هذه الأفلام، ولم يكن في أيامنا بحمد الله شيء من ذلك، ما كان إلا المجلات الدسمة النافعة كالمقتطف والهلال (القديمة)، وما كان في دمشق إلا داران للسينما تُعرض فيهما الأفلام الصامتة السخيفة، ولم يكن في الدنيا سينما ناطقة ولم يكن يدخلها أحد من أهل المروءات. لقد كان في دمشق ثانوية واحدة، هي مكتب عنبر، ولكن هذه الثانوية الواحدة أخرجت أكثر رجالات الأمة، ولم تكن تمضي سنة لا تقدم فيها كاتباً أو شاعراً أو نابغاً في الطبيعة أو في الرياضيات أو موسيقياً أو مصوّراً أو رياضياً قوي الجسم ... وعندنا اليوم في دمشق أكثر من عشر ثانويات رسمية للطلاب، فأين الأدباء والعلماء ورجال الفن الذين خرجوا منها؟ * * *

стр. 50

وبعد، فهل تروني كتبت شيئاً يصلح ليوم الطفل؟ لست أدري، ولكنّ الذي أدريه أني قلت حقاً، وأنه إذا كان يوم الإثنين القادم يوم الطفل العالمي، وكانت الحكومة قد احتشدت له واستعدت وعملت، فإن كل يوم للأب هو «يوم الطفل»، عليه أن يوليه فيه من نفسه ومن ماله ما يجعل من طفل اليوم اللاعب اللاهي رجلَ الغد الذي ينفع نفسَه والناس، ينفع بعلمه وبخلقه، وأن يمهد له بحسن التربية طريق السعادة في الدارين والنجاة في الحياتين. والسلام. * * *

стр. 51

في معهد الحقوق (١) نشرت سنة ١٩٣٢ أمس ... قبل أن تبدأ الدروس. كان الصف الثالث هادئاً (٢)، والطلاب الذين جاؤوا إلى المعهد في مثل هذه الساعة المبكرة من شهر الصيام (وقليل ما هم) يحفّون بالمدفأة على نظام غريب؛ واحد على كرسي الأستاذ وقد ألقى برأسه بين دفّتي مجلة، وآخر جالس بجانب المجلة على منبر الصف العريض، يقرع برجليه جانبه فيصيح به جاره الذي جذب كرسي المعيد فوضعه حيال المدفأة وجلس عليه ماداً رجليه إلى وجه آخر جالس على المقعد: حاجِه (٣) بقى!

стр. 52

وتمر دقيقة يتبادلان فيها «الشتائم الودّية» المعروفة، ثم يعود الهدوء كما كان حتى لا تُسمع في قاعة الصف الواسعة إلا صلصلة حديد الملقط في المدفأة، أو قرقعة جريدة «الأحرار» في يد طالب، أو سعال آخر في نغمة مزعجة يكون قرارَها صوتُ أحد الطلاب هاتفاً به: وآخرتها؟! واستمرت الحال على ذلك ربع ساعة، جاء فيها بعض الطلاب فجلسوا حول النار صامتين بعد أن ألقوا على الحاضرين تحية الصباح. * * * ثم ظهر فجأة دويّ حديث في زاوية الصف، لم يلبث أن استحال إلى ضجة هائلة اختلطت فيها الأصوات وتباينت فيها اللهجات، فأسرع الحاضرون من هنا وهناك يسألون: الطالب الشامي: شو، شو الحكاية؟ الطالب الحلبي: أشو خبر خيُّو؟ الطالب العراقي: شنو هي الكصّة (القصة)؟ الطالب المصري: طَبْ ... ما تقولوا إيه الحكاية؟ وبعد لأي ما، استطعنا أن نطفئ لسان النار، وبدأ الحديث بيننا بهدوء واتّساق، فقال السيد «خ»: أرجوكم أيها الإخوان ... لنتكلم بهدوء. هل تريدون أن تسمعوا؟ - ماذا؟

стр. 53

- إن أربعين ورقة (١) ندفعها في هذه الأزمة الخانقة رسماً للشهادة أمرٌ لا يُطاق، فيجب أن نتوسل بالطرق المشروعة. - لإلغاء الرسم؟ - كلا؛ لا تتعجل أرجوك. إن إلغاءه غير ممكن، ولكن نطلب إنقاصه. - كلام فارغ! آخر: وماذا يهمك أنت؟ دعه يتكلم. آخر: صَهْ؛ إن السيد «خ» معه الحق. خ: والطريقة المشروعة هي أن ... - أن نرفع عريضة ... أقترح ذلك. آخر: كلا. إن اقتراحك في غير محله. يجب أن نرسل وفداً. - العريضة أحسن من الوفد. آخر: وإذا لم تنجح العريضة؟ - إذا لم تنجح؟ ... يجب أن تنجح. - منطق!! - إذا لم تنجح نمتنع كلنا عن دخول الامتحان.

стр. 54

- موافق. آخر: بالعكس؛ غير موافق. فكرة سخيفة جداً. - حافظ على أدبك ... أرجوك. - أنا محافظ على أدبي، ولكن أنت اسحب كلامك. خ: أنا أسحبه عنه، لنرجع إلى صلب الموضوع. - إننا متفقون على الغاية، وسنتفق على الطريق التي نصل بها إليها. وأرى أن تؤجلوا ذلك إلى حين اجتماع الطلاب، وتسمعوا من الآن القصة. - لا؛ لا نسمعها، لا نريد أن نسمع قصصاً. - ولا أساطير (ضحك). خ: إنها قصة واقعة وليست أسطورة، ثم إنها تتعلق بالموضوع. - من كان لا يريد سماعها فليسُدّ أذنيه. تفضل قل القصة. سنتسلّى بها على الأقل، شهر رمضان تُطلب فيه التسلية البريئة. خ: هي قصة طالب في المعهد، كان منذ عامين. أظن أن بينكم مَن يعرفه، هو السيد سليمان الفالح. - أنا أعرفها جيداً ... ﵀. - وهل مات؟! خ: اسمعوا، سأتلو عليكم قصته. كان من أذكى طلاب

стр. 55

المعهد وأعمقهم ثقافة. اجتاز فحوص السنتين الأولى والثانية بتفوّق عظيم، وكان محلّ إعجاب الأساتذة والتلاميذ وتقديرهم، حتى إن المحاضرة التي ألقاها في ردهة المعهد تناقلتها ثلاثٌ من جرائد المدينة ولخّصتها مجلة «المقتطف» في مصر بعد أن أثنت على صاحبها وتنبأت له بمستقبل باهر. - وكيف مات إذن؟ - كان من أولئك الذين قال عنهم الفيلسوف: "وسَكَتَ يفكر". - اتركه ... مين ما كان. وبعد؟ - الفقراء جيوباً، الأغنياء نفوساً. أجل، لقد كان فقيراً، لا يملك من نشب الدنيا وثرواتها إلا هذه الثروة المعنوية التي جاد بها عليه الله، فلما أكمل الصف الثالث عُرض عليه رسم الشهادة، ولم يكن له إلى جمعه من سبيل ... فامتنع من دخول الفحص. - باختصار ... جاء الأستاذ. - وبالاختصار، فقد شعر أنه ضيّع مستقبله وأنه قد انهار صرح آماله، فأطلق على نفسه الرصاص في ساعة هياج وانفعال. - مسكين. - مسكين؟ إنه مجنون. - بل أنت المجنون.

стр. 56

ولما وصل «خ» من حديثه إلى هذا الحد كان الأستاذ قد دخل الصف، فأسرع كلٌّ إلى مكانه وعهدوا إليّ أن أكتب مقالة لتكون الخطوة الأولى في سبيل المطالبة بتخفيض «هذا الرسم ... الباهظ». وقد فعلت. * * *

стр. 57

شهادة ليسانس للبيع نشرت سنة ١٩٣٣ أنا -يا سادتي القراء الكرام- ليسانسيه في الحقوق من أربعة أيام فقط، وقد اتخذت لهذه الشهادة الجميلة الكبيرة المزينة بعشرة أختام وتوقيعات لأصحاب الفخامة والدولة والمعالي وما لست أدري ماذا: رئيسَي الجمهورية والوزارة ومندوب العميد ورئيسَي الجامعة والمعهد ... والداعي، الفقير إليه تعالى حامل الشهادة! اتخذت لها إطاراً جميلاً ثميناً حصلت عليه بوسيلة من الوسائل لا أحب أن أكشف سرها للقراء، ولكن لهم أن يثقوا أني لم أنفق فيها قرشاً واحداً، وعلقتها في داري في الغرفة التي كان يجب أن تكون غرفة استقبال وأن تكون منظمة مرتبة لا كما هي الآن: يضلّ الداخل إليها بين آكام الكتب المنتشرة فيها، والتي تدور أبداً كما تدور تلال الصحراء الكبرى وينقلب عاليها سافلها كلما فتشت عن كتاب، علّقتها هناك إلى جانب أخواتها البكالوريا والكفاءة (١) والابتدائية ... ووقفت سبعاً وسبعين دقيقة خاضعاً أمامها خاشعاً،

стр. 58

وذكرت تلك الأعوام الستة عشر التي أنفقتها في تحصيلها، وكان خيراً لي أن أقضيها في حانوت حلاق أجيراً أتمتع بالجمال والمال، أو ممثلاً في جوقة أعيش عيش النعيم والتعظيم، أو عاملاً في مطبعة يدور عليّ الزمان فإذا أنا «صاحب جريدة كبرى» ... أو لو قضيتها في تلاوة الروايات والأقاصيص أنال منها لذة ومتعة (إذا لم أنَلْ فائدة ونفعاً). وتأملت فيها معظِّماً مبجِّلاً، وتجرأت فلمستها (أي الشهادة) بيدي في ابتسامة بلهاء، كما يلمس الإنسان تحفة ثمينة ليزيد إحساسه بها، أو أثراً مقدساً ليتبرك به (١). وجلست بعد ذلك أفكر: ماذا أصنع بها بعد أن زالت من نفسي رغبة النجاح ونشوة الظفر؟ وأغلقت الأبواب، وأطفأت الأنوار، وأشعلت البخور ... وتلوت أسماء الجن واستصرخت الملك الأحمر والأخضر، ثم أحرقت الشهادة فخرج من لهيبها مارد طويل وقام أمامي في خضوع. فقلت له: ما اسمك أيها المارد؟ - ليسانس يا سيدي. - ماذا تقدر أن تصنع؟ - كل شيء يا سيدي؛ أزحزح لك أصحاب الكراسي الجهال عن كراسيهم لتجلس يا صاحب الليسانس عليها. - أتثق من قدرتك على ذلك؟

стр. 59

- نعم يا سيدي، على أن تمنع عني عدوي الألد. - وَمنْ هو عدوك أيها المارد؟ - شيطان قوي مرعب لا يغلبه أحد، يُقال له «الالتماس». - لا أقدر أن أمنعه عنك، فماذا تستطيع غير ذلك؟ - آتيك بالأموال التي كدسها المحتالون والكذابون في خزائنهم، وأسلمها إليك وإلى أصحابك «أصحاب» الليسانس. - بارك الله ... هيا اذهب، هاتها. - ولكني أخاف. - مَن تخاف أيها المارد؟ - شيطاناً قوياً فاجراً، أعمى له أيد من نار، حيثما ضرب بها انفتحت ثغرة إلى الجحيم، ومن رضي عنه هذا الشيطان ملّكه ما يريد ويشتهي. - وما اسم هذا بين الأبالسة؟ - الحظ يا سيدي. - وماذا تستطيع غير ذلك أيها المارد؟ - أمنحك يا سيدي الزعامة وأنتزعها لك من هؤلاء الجاهلين. - عالْ عالْ، أسرع.

стр. 60

- ولكن أخشى صديق الزعماء، وهو شيطان بأربعة وأربعين رِجلاً يمشي إلى الجهات كلها في وقت معاً ويصيح في الأنحاء كلها: يعيش يعيش! - أعوذ بالله، هذا شرّ الأبالسة ... ما اسمه؟ - التدجيل يا سيدي. - إذن ما جاء بك يا أيها الليسانس الضعيف العاجز؟ اذهب من وجهي. * * * وبعد، فماذا نصنع يا أيّها الناس بهذه الشهادة؟ لقد عرضت على أحد المحامين -لما لي عليه من الجرأة بأنه أستاذي في المعهد- ليقبلني عنده متمرّناً، فـ ... أبى! وقالوا: إن هناك من يقبل المتمرنين، ولكنه لا يعطيهم شيئاً؛ يعني أن المتمرنين يشتغلون على أرواح أمهاتهم وينفقون ماء حياتهم ويكسرون رؤوسهم وأقدامهم -ولا مؤاخذة- في أشغال المكتب الذي يشتغلون فيه، ليأخذ الأساتذة ثمرة أتعابهم ... لماذا بالله؟ لأنهم أساتذة؟ تشرّفنا! وإن ذهبنا نطلب وظيفة قضائية وجدنا كل وظيفة مشغولة، وكل شاغل وظيفة يخشى أن تنزو نزوة في رأس رئيس له فيلقيه كما تُلقى النواة نُزع عنها «حلوها».

стр. 61

وإن تركنا هذا البلد ويممنا شطر بلد آخر أنكروا شهادتنا ومعهدنا، ولم تغنِ عنا منهم شيئاً هذه التوقيعات وهذه الأختام. وإن رَغِمت أنوفُنا وعملنا في هذه المكاتب (بلا شيء) ولوجه الله، على أن نعمل عملاً آخر في ذنَب النهار نشتري به خبزنا، قالوا: لا يجوز ... أي إنهم لا يرحموننا ولا يتركوننا إلى رحمة الله؛ يحسبون أن المحامي المتمرن يشبع ويمتلئ بطنه ويكسى ويجد الراحة والدفء إذا أكل المحامي الأستاذ عشرة ألوان واتخذ عشر حلل! * * * فيا أيها القراء الكرام، إني أعرض شهادتي ولقبي الكريم للبيع برأس المال (الرسوم والأقساط)، أما فوسفور دماغي وأيام عمري فلا أريد لشيء منه بديلاً، وأجري على الله. فمَن يشتري؟ ... المراجعة في جريدة «ألف باء» الغراء. شهادة بيضاء ناصعة كبيرة، خطها جميل، ذات إطار بديع ... جديدة (طازة)! من يشتري؟ * * *

стр. 62

مشروع مقال نشرت سنة ١٩٣٥ إنّ من دأبي إذا كان العيد أني أغلق عليّ بابي، ثم لا أفتحه لداخل إلى الدار أو خارج منها حتى ينتهي العيد، إلاّ أن تكون صلاة لا خِيرَةَ فيها أو صديق لا بدّ من لقائه. وأغْنَم هذه الأيام في الرجوع إلى نفسي، والأنس بأهلي، والإقبال على كتبي ودفاتري. فلما نَدَبني الأستاذ وحيد أيبش إلى الكتابة في «الشعلة» أجبته ووعدته بفصل أكتبه في أيام العيد وأنا متعزِّل متفرِّد، وأحبّره له تحبيراً. ولكن الشيطان أنساني الاستثناء وأمسك بلساني أن أقول: «إن شاء الله»، وما لم يشأ الله لم يكن؛ فلما جلست لأكتب سُدَّت في وجهي الأبواب، وضلّت عنّي الموضوعات، ونفر مني الكلام، فعدت وكأنني امرؤ يحاول أن يبدأ الكتابة ولمّا يمارسها من قبل، وعهدي بنفسي أني إذا أردت الكتابة تناولت القلم فأجريته على القرطاس، فإذا هو يجري قُدُماً حتى أكون أنا الذي أرفعه لأقرأ الفصل وأضع التوقيع! وطال بي التفكير وأنا لا أزداد إلا إبْعاطاً وخُرْقاً (١)، فألقيت

стр. 63

القلم وعلمت أن قد أُرْتِجَ عليّ. والنفس كالسماء؛ تُفتَّح أبوابُها ويهمي غيثها حتى يحيي الله به البلد المَيْت، ويروي به الأرض العطشى فتهتزّ وتربو وتُنبت من كل زوج بهيج، وقد يغلقها الله فتشحّ وتضِنّ بالقطرة الواحدة من الماء! وعمدت إلى شيء ألهو به، فسألت أخي ناجي عن درسه الذي يقرؤه وقلت: لعلي أجد فيه موضوعاً أكتب فيه، فطَفِق يلقي عليّ كلاماً ثقيلاً على السمع بغيضاً إلى النفس، ضاق منه صدري وخثرت نفسي، ولم أفهم منه شيئاً، ولكني ذكرت أنني سمعته من قبل، واتضحت الذكرى فعلمت أن قد كان ذلك في صف «البكالوريا الثانية»، وأنني استودعته قلبي حتى اجتزت الامتحان وأُعطيت الشهادة، ثم نسيته كما نسيت تلك الأشياء الأخرى التي كنا نَهْذي بها في دروس الكيمياء والحكمة (١) والمثلثات والجغرافيا ... فتركت أخي يُطَنْطِن بهذا الهَذَر الذي يُعلَّمهُ في المدرسة وأقبلت أفكر فيّ: ما الذي أبقته لي الأيام من هذا البرنامج الطويل العريض الذي أنفقنا فيه من أعمارنا سبع سنين، هي زهرة العمر وهي سنّ القوة والنشاط، سنّ الشباب الغريض والنفس السامية؟ ما الذي أفدناه من دروس التجهيز والدراسة العالية؟ نظرت فإذا أنا قد نسيت كل شيء من الرياضيات، إلاّ أنها علم الكميات، وأن هذه الكميات متصلة تبحث فيها الهندسة أو منفصلة يبحث فيها الحساب، وأن من الحساب ما تكون أرقامه حروفاً تدل على أكثر من قيمة محددة، وهو الجبر، وأن من الهندسة هندسة سطحية وهندسية فراغية وهندسة نسبية، وأن منها شيئاً لم يفهمه

стр. 64

قط بشر، وهو المثلثات! وأن الذي أُحسنه من هذا كله هو الأعمال الأربعة التي يعرفها السمّان (١) والعطّار وكسّار الحطب ... أما سائر تلك النظريات والدعاوى فشيء عالٍ سامٍ لا يمكث في النفس، وليس من شأنه أن يمكث فيها، وإنما سبيله أن «يطير»! وإذا أنا قد نسيت كل شيء من الكيمياء إلا شيئاً لا طائل تحته، ونسيت قوانين الحكمة ومسائل الجغرافيا، وما إلى ذلك مما درسناه وحفظناه و «شُهِدَ» لنا بأنّا قد أحسناه وأتقنّاه! وكل ما أعرفه اليوم هو شيءٌ من اللغة والأدب والتاريخ قرأته بنفسي وزاولته بعد خروجي من المدرسة، أما المدرسة فلم تعلمني إلاّ أسماء العلوم وأوصافها العامة، ولم أخرج منها إلاّ بالروح التي صبَّها فيّ شيوخنا ومعلمونا (٢). إن المدرسة لا تعلّم التلميذ شيئاً ولكنها تدله على الطريق وترسم له الخُطّة، أفلا يجب إذن على المعلمين أن يدلّوا التلميذ على الطريق السويّ والخطة المستقيمة؟ أفلا يجب عليهم -قبل أن يعلّموه قوانين الحكمة ومعادلات الكيمياء ونظريات الهندسة التي سينساها ويجهلها- أن يعلّموه من هم أجداده وما هي حضارتهم، وأن يصبّوا في نفسه أخلاق العروبة وآداب الإسلام، وأن يحبّبوا إليه العلم حتى يُقبل عليه بلذة وشغف؛ لا لنيل الشهادة والنجاة من الامتحان، بل ليستفيد منه في ترقية حياته وحياة أمته وخدمة بلاده وقومه ... وأن يُفهموه «حقائق الحياة» ويعرضوها عليه عارية لا يسترها شيء؟ * * *

стр. 65

هذا هو الموضوع الذي كنتُ أنشده وَجَدتُه، ولكنْ حين لم يبقَ بدٌّ من ختم هذا الفصل. فليبق -إذن- بلا موضوع وبلا عنوان! * * *

стр. 66

قصة معلم نشرت سنة ١٩٣٥ قلت لصديق لي أديب: إني لأقرأ لك منذ عشر سنوات، فما رأيتك أسففتَ إسفافك في هذه الأيام، وإني لأشك: أأنت تكتب ما تكتبه أم يجري به قلمك وأنت نائم، فتأخذه فتضع عليه اسمك؟ فماذا عراك أيها الصديق فأضاع بلاغتك ومحا آيتك؟ قال: دعني يا فلان، دعني؛ فإن سراج حياتي يخبو وشمعتي تذوب، وما إخالني إلاّ ميتاً عما قريب أو دائراً في الأسواق مجنوناً. إنني انتهيت، بعت رأسي وقلبي برغيف من الخبز. قلت: أربع عليك أيها الرجل وأخبرني ما بك، فلقد والله أرعبتني. قال: وماذا بي إلاّ أني معلم. إني معلم في مدرسة ابتدائية، نهاري نهار المجانين وليلي ليل القتلى، فمتى أفكر ومتى أكتب؟ وأنا أروح العشية إلى بيتي مهدود الجسم، مصدوع الرأس، جاف الحلق، فلا أستطيع أن أنام حتى أقرأ مئة حماقة، وأصحح مئة كراسة، فأعمي عيني بقراءتها والإشارة إلى خطئها، وبيان صوابها وتقدير درجاتها، فإذا انتهيت من هذا كله (ولا يقرأ تلميذ من كل

стр. 67

هذا شيئاً ولا ينظر فيه) عمدت إلى دفتر تحضير الدروس (وهو الموت الأحمر والبلاء الأزرق الذي صُبَّ علينا هذا العام صباً) فكتبت فيه ماذا أنا فاعل غداً في الفصل، دقيقة دقيقة ولحظة لحظة ... وماذا أنا قائل من كلمة، أو مقرر من قاعدة، أو ضارب من مَثَل. حتى إذا بلغت آخر كلمة فيه استنفدت آخر قطرة من ماء حياتي، فسقطت في مكاني قتيلاً فحُملت إلى السرير حملاً ... فنمت نوماً مضطرباً ملؤه الأحلام المزعجة والصور المرعبة، فأحسُّ كأن أمامي ركام الدفاتر التي سأصححها غداً، فلا أنجو منها حتى أبصر المفتش يتكلم من فوق المآذن، فلا يدع قاعدة من قواعد التربية ولا نظرية من نظريات التعليم ظهرت في فرنسا أو إنكلترا إلاّ أرادني على تطبيقها، في فصل فيه سبعون تلميذاً قد حُشيت بهم المقاعد حشواً وصُفّوا على الشبابيك ووُضعوا على الرفوف، مما لا يرضى عنه منهج من مناهج التربية ولا قانون من قوانين الصحة. فإذا انمحت هذه الصورة رأيتُ كأني أُفهم تلميذاً وهو يصغي إليّ ولا يفهم، فأكرر وأعيد فلا يفهم، فأقوم إليه أنظر ما يصنع، فإذا هو منصرف إلى دُبَيرة (١) يربط رجلها بخيط. فإذا شتمته أو أخرجته من الفصل ذهب يستنجد القانون، فينجده القانون الذي حرّمَ العقوبات كلها، وكفّ يد المعلم وشدّ لسانه بنسعة ... ولا أزال في هذه الأحلام، تنوء بي فأتقلب من جنب إلى جنب، أحس كأن رأسي من الصداع بثقل أُحُد، حتى يصبح الله بالصباح، فأفيق مذعوراً أخشى أن يسبقني الوقت، فلا أدري كم ركعت وكم سجدت، ولا كيف أكلت ولبست، وأهرول

стр. 68

إلى المدرسة، لا أستطيع التأخر عنها ولو طحنتني الأوجاع أو أحرقتني الحمّى، لأن المعلم لا يسمح له القانون أن يمرض في أيام المدرسة وعنده أربعة أشهر «عطلة الصيف» يستطيع أن يمرض فيها، فإذا خالف ومرض حُرم الراتب ومُنع العطاء (١)! أغدو إلى المدرسة فأدخل على تلاميذ السنة الثالثة الأولية، وهؤلاء هم تلاميذي لم يجدوني أهلاً لأكبر منهم ... فلا أنفكّ أقطع من عقلي لأكمل عقولهم، وأمزّق نفسي لأرقّع نفوسهم، ثم لا أُفلح في تعليمهم ولا أنجح في تفهيمهم ولا أدري من أين السبيل إلى مداركهم، فأنفق ساعة كاملة أقلّب أوجهَ القول وأستقري عبارات اللغة، لأفهمهم كيف يكون «الاسم هو الكلمة التي تدل على معنى مستقل في الفهم وليس الزمن جزءاً منه»، فلا يفهمون من ذلك شيئاً، ولا أقدر أن أطرح هذا التعريف السخيف أو أستبدل به، فأهذي ساعة ثم أقول: مَن فهم؟ فيرفع ولد أصبعه، فأحمد الله على أن واحداً قد فهم، وأقول: قم يا بني بارك الله فيك، فأخبرني عن معنى هذا التعريف. فيقول: يا أستاذ! هذا داس قدمي. فأصيح به: ويحك أيها الخبيث! إني أسألك عن تعريف الاسم، فلماذا تضع فيه قدمك؟ ألم أقل لكم إن هذه الشكاوى ممنوعة أثناء الدرس؟ فيقول: ولماذا يدوس هو على رجلي؟!

стр. 69

فأصيح بالآخر: لِمَ دست على رجله يا شيطان؟ فيقول: والله لقد كذب، ما دست على رجله ولكن هو الذي عضّني في أذني. فأغضب وأصرخ في وجهه: وكيف يعضّك وأنا قاعد هنا؟ فيقول: ليس الآن، ولكنه عَضّني أمس. ويتطوع العفاريت الصغار للشهادة للمدّعي وللمدّعَى عليه، ويزلزل الفصل، فأضرب المنصة بالعصا وأسكتهم جميعاً مهدّداً مَن يتكلم بأقسى العقوبات (ولا أدري أنا ما أقسى العقوبات هذه؟)، فيخنسون ويُبْلسون، فأعود إلى الدرس فإذا هو قد طار من رؤوسهم، على أنه ما استقر فيها قط! ويُنفَخ في الصور، فتقوم القيامة ويخرج الأولاد إلى الفرصة، ثم نرجع إلى درس القرآن. فأقول: من يحفظ سورة الفاتحة؟ فيتصايحون: أنا ... أنا ... أنا. - سكوت! واحد فقط ... اقرأ أنت. - الحمد لله رب العالمين. إياك نعبِد ... فأقول: إياك نعبُد. فيقول: نعبِد. - ويحك؛ نَعْ بُ د. فيقول: نَعْ بِ د.

стр. 70

- انتبه يا بني: نَعْ بود. فيقولها. - حسن، قل: نعبُد. فيقول: نعْبِد. فلا نزال في «نعبُد» و «نعبِد» حتى ينتهي الدرس، ولا يلفظونها إلاّ بالكسر لأنهم حفظوها من السنة الأولى خطأ. * * * ولا أزال في هذا البلاء بياضَ نهاري، ولا يأتي المساء وفيّ بقية من عقل أو أثر من قوة. ثم لا أنا أرضيت الوزارة، ولا أنا نفعت أبناء المسلمين، ولا أنا انصرفت إلى مطالعاتي وكتابتي. وهذه مكتبتي لم أدخلها منذ أول العام المدرسيّ، وهذه مشروعات المقالات والبحوث التي أكتبها، وهذه مسوَّدات الكتاب الجديد الذي أؤلفه مبثوثة في جوانب الغرفة، ضائعة مهملة. أفتلومني -بعد- على أني لا أجوِّد في هذه الأيام؟ قلت: هذه والله حالي فلست ألومك، فرَّجَ الله عني وعنك (١)! * * *

стр. 71

إلى حلبون نشرت سنة ١٩٣١ سألتَني أن أحدثك عن رحلتي إلى حلبون، وتالله ما عجبت لسؤالك عجبي من تسميتك مثل هذه الزّورة القصيرة رحلة. إنما يرحل الناس يا صاحبي إلى باريز أو لوندره (١) لا إلى حلبون! وإنما يدوِّن الناس قصة فيها لذة أو فائدة، وما في قصتي شيء من ذلك، وما هي بالتي تستحق التدوين. ولكنك أصررت عليّ فكتبتها لك، وما أدري ماذا تريد أن تصنع بها؟ وأخاف أن تتلوها على الناس أو تنشرها بينهم فتفضحني بها، وما كتبتها لتُنشر أو تُتلى بل لتقرأها أنت وكفى. * * * أنشأت الحكومة في حلبون مدرسة ابتدائية كانت في نظر «الحلابنة» أعظم من جامعة السوربون في رأي الباريزيين، واختارت لها أستاذاً من أصدقائنا الشباب، فدعانا لنراها معه فلبينا الدعوة شاكرين مهرولين.

стр. 72

كنا -يا صاحبي- ثلاثة: الأستاذ، أعني أستاذ الجامعة الحلبونية (١) وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره، لطيف المعشر، فكه الحديث، تجلس إليه ساعات طويلة فلا تشعر بملل ولا تحس إلاّ الحديث الطلي المفيد. وأنا ... والثالث صديق لنا شاعر، وهو بيت القصيد من قصتنا. وأحسبك تفهم من كلمة «شاعر» كثيراً من صفاته وأطواره؛ فهو يرى العالَم كله فكرة بديعة، أو خيالة بارعة، أو صورة فاتنة، ولا يني يحدّثك عن الحب والجمال، والذكرى والأسى ... يأتيك بصُوَر لهوغو ولامارتين الفرنسيَّين، وفِكَر لملتون وبيرون الإنكليزيَّين، وأحاديث لشيلر وكوته الألمانيَّين، وآراء لدانتي ولومبروزو الإيطاليَّين، وحكمٍ لتولستوي الروسي، وفلسفات لطاغور الهندي ... ليس عند واحد من كل هؤلاء علم بها، وما هي إلاّ بنت ساعتها أخرجها رأس الشاعر الشاب! * * * كان موعدنا للرحيل دار الشاعر نلتقي فيها في الساعة الثامنة، فأتيناها على الميعاد، فإذا صاحبنا ينظم قصيدة. حثثناه على الإسراع وألححنا عليه، فأجابنا وأسرع، ولكنه لبس ثيابه في نصف ساعة، وقرأ لنا القصيدة مرتّلاً منغّماً في ساعة،

стр. 73

ووصف لنا رواية شهدها في ساعتين. فخرجنا من البيت الظهر، فقال لنا الشاعر: إلى أين تذهبون؟ قلنا: إلى السيارة. قال: هيهات؛ إنني لم أشترِ حوائجي بعد. إنني أريد خبزاً ولحماً وبصلاً وفجلاً. قلت: وأنا أريد فراشاً ولحافاً ووسادة وسريراً. قال: ولِمَ؟ قلت: لأنام، فإذا انتهيتَ أيقظتني! وفارقته على أن نلتقي بعد ساعة. عدت بعد ساعة فإذا هو جالس في زاوية البيت، وإذا هو صامت حزين، فقلت في نفسي: ما له؟ أخسر أمواله؟ أضاعت أشعاره؟ أهدمت آماله؟ وسألته: هل اشتريت الحوائج؟ فقال: لا ... ولكن أمراً محزناً وقع لي. - وما هو؟ - دجاجة مسكينة سقطت من السطح فكسرت رجلها، فأنا جالس أنظم فيها مرثية. فقلت: يا ضلالة من يتبع شاعراً! أبهذا أضعت ساعتك؟ قم، قم ... فاشترِ الحوائج. * * *

стр. 74

أسرعنا إلى السيارة فإذا هي من سيارات النقل، وإذا السيارة الصالحة قد سافرت، فلم نجد بداً من ركوبها، وليس فينا من يقدر على استئجار سيارة خاصة. أنا أفلس خلق الله ولا فخر، والأستاذ ليس من الموسرين، والشاعر مشغول عن عد دراهمه والتفكير فيها بالبكاء على الفقيدة الغالية: رجل الدجاجة! كانت السيارة معدة لركوب تسعة نفر، ولكنهم أركبوا فيها خمسة عشر وخروفاً سميناً وفراشين وأربعين غرسة مشمش! وسدّوا شبابيكها جميعاً خشية البرد، فدُفنّا فيها أحياء. أما مولانا الشاعر فعزم علينا أن نؤثره على أنفسنا بالمكان الأجود (جانب السائق) حتى لا يشغله الازدحام عن إتمام معلقته. ولقد نسيت أن أقول لك إن مع كل راكب سلة أو سلتين وضعوها في الأحضان وبين الأرجل! ثم سارت السيارة وهي تقوم بنا وتقعد، فإذا قامت وصلت مِعَدنا إلى حلوقنا وضربت رؤوسنا السقف، وإن قعدت آذتنا في مقاعدنا أجلّك الله ... وإذا دارت أو تلفتت ترنحنا ذات اليمين وذات الشمال؛ فلا ترى إلا قائماً وقاعداً، ورائحة الخروف وعطر البصل والثوم يملأ هذا المجلس المبارك ... وفوق هذا كله فتح السائقُ فمَه والخروفُ حلقَه، وراح ذاك يغني وهذا (يجعِّر) (١). وأخيراً وصلنا بالسلامة (أو شئت بالموت الأحمر!) إلى التل. ثم حملتنا السيارة -وقد قذفت بمن فيها هناك- إلى منين، دار الشاعر الكريم، فدخلت منزله واستلقيت على الأرض،

стр. 75

أستعيد ما زهق من روحي وأتنشق الهواء النقي بعد أن لبثت ساعة أتنشق زمهرير جهنم. ولولا هذا، ولولا كأس من شراب الليمون أمر لي بها صديقنا الشاعر، لمتُّ لا محالة. صحوت فرحت أتمثل بقول الأول: فألقَتْ عصاها واستقرّ بها النَّوى كما قرَّ عيناً بالإيابِ المُسافرُ وإذا بالشاعر يصيح بي: أيُّ عين هذه؟ سخنت عينك! لقد قطعتَ شق الطريق السهل وبقي شقه الصعب! فصحت: ولكني لا أقطعه في سيارة ... لا أقطعه في سيارة. أفهمت؟ أبداً، أبداً ... لا أركب السيارة. فقال: أَرْبِع عليك وهوِّنْ على نفسك؛ إنك ستقطعه راكباً على جحش أو بغل. فقلت: الحمد لله؛ والله لَلْحمارُ خيرٌ من هذه السيارة! وأسرع الأستاذ إلى الهاتف فهتف بأهل حلبون أن ابعثوا إلينا ثلاث دواب؛ للأستاذ ولضيفيه. واقترب الشاعر من الهاتف، فقال: ولتكن خيولاً عربية كريمة مطهّمة حسنة السروج، والوحَى الوحَى ... السرعةَ السرعةَ ... العَجَلَ العَجَلَ (١). ولكنهم أغلقوا في وجهه الطريق لأنهم حسبوا ما يقول من رُقى الجن، فغضب وصاح: ألو، ألو، ألو يا أولاد الكلب يا حمقى، ألو ...
следующие страницы →