← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17665

من حديث النفس

علي الطنطاوي

Полный текст (293 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الحق والقوة في غير ظلم، والنظام الكامل من غير أن يفقدكم النظام شخصياتكم واستقلالكم. كنت أذكر ما كنت أستاء منه في المدرسة مما كان يصنع معنا معلمنا، فلا أصنع معكم منه شيئاً: كنّا نفر من المدرسة لأننا لا نجد فيها إلا جبّاراً عاتياً عَبوس الوجه قوي الصوت بذيء الكلمات، فجعلتكم تحبون المدرسة لأنكم تلقون فيها أباً باسماً شفيقاً يحبكم ويشفق عليكم، ويحرص على رضاكم كما يحرص على نفعكم. وكنا نكره الدرس لأننا نجده شيئاً غريباً وطلاسم لا نفهمها ولا ندرك صلتها بالحياة، ونعاقَب على إهماله ونجازَى على الخطأ فيه، فجعلتكم تحبون الدرس لأنكم ترونه سهلاً سائغاً، تدركون صلته بحياتكم وفائدته لكم، وتحفظونه لأنه لازم ومفيد لا خوفاً من العقاب ولا هرباً من الجزاء. وكنا ننتظر المساء لننجو من المدرسة، لأننا نُسجن فيها سجناً لا نستطيع أن نميل أو نتلفت أو نتكلم، ولا نسمع من الأستاذ إلا عبارة الدرس المبهمة وألفاظ الشتائم المؤلمة. فجعلتكم تكرهون المساء لأنه يفصلكم عن المدرسة التي تقولون فيها ما شئتم من طيب القول، وتفعلون ما أردتم من صالح العمل، وتقرؤون ما زلتم نشيطين للقراءة، فإذا مللتم من الدرس سمعتم قصة لطيفة ونكتة حلوة، هي أيضاً درس من الدروس، ووجدتموني أحادثكم كما أحادث الرجال لا الأطفال. كنا نشعر بأننا أذلاء في المدرسة لأننا لا نقدر أن ندافع عن حقنا أو نطالب بما لنا، وإذا قلنا كلمة فالعصا نازلة على رؤوسنا، أو رددنا على المعلّم لفظة فالبلاء

стр. 247

مستقر على عواتقنا، فجعلتكم أعزة أحراراً، تدافعون عن حقكم وتطالبون بما لكم، ولكن بأدب واحترام واتباع لقوانين المجتمع وأنظمة المدرسة. * * * أتذكرون يوم جئتكم كيف كان أكثركم يأتي إلى المدرسة بادية أفخاذه مرجَّلاً شعره، في جيبه مشطه ومرآته وكمّتُه (بيريه) على رأسه، تفخرون برقتكم وتعتزون بجمالكم وتتخلعون في مشيتكم، ولا تجدون من معلميكم إلاّ إقرار ما تفعلون واستحسان ما تأتون، لا تربطكم بالإسلام إلاّ رابطة الاسم ولا بالعروبة إلاّ صلة الجنسية، ولا تعرفون من تاريخكم ما تعرفون من تاريخ الحثيّين والآراميّين الذي قرأتموه مفصّلاً قبل أن تدرسوا سيرة محمد بن عبد الله ﷺ ، وقبل أن تعلموا من هو أبو بكر، وقبل أن تسمعوا باسم معاوية! فعلّمتكم أن فخر الرجل بقوته وعلمه، واعتزازه بدينه ولغته. فاشتدت أعصابكم وقويت نفوسكم وتنبهت عزائمكم، وصرتم تمشون كالأسود وتلعبون كالعفاريت، وتطالعون كالعلماء وتفكرون كالفلاسفة وتراقبون الله كالصديقين، وصرتم وأنتم في هذه السن تهيئون محاضرة في عشرين صفحة عن عمرو بن العاص أو عبد الملك أو عبد الرحمن الناصر، وسمعتم أن في الدنيا علوماً إسلامية، واستقر في نفوسكم أن هذه العلوم وهذه الحضارة وهذا المجد لا بد لها من بعث كالبعث الأوربي (الرينسانس). ولكنكم لا تستطيعون -يا أولادي- أن تفهموا التضحية التي قدمتها من أجلكم؛ لأنكم لم تعرفوا قبلي هذا الطراز من المعلمين،

стр. 248

فحسبي أن أخبركم أنني أشتغل بالأدب. أعني أن لي نفساً تشعر وتحِسّ، وتَالَم وتسرّ، وتغضب وترضى، وتثور وتهدأ، وتأمل وتقنط، وأن لي غاية في الحياة أكبر من هذه الوظيفة، وأنني أهتم بأشياء غير صفّارة المناوب وعصا التأديب وحفظ النكات الباردة لتقطيع الوقت بها، ولف رجل على رجل في عظمة جوفاء لانتظار الدرس ... ذلك أنني أغدو إلى المدرسة كل يوم وفي نفسي عشرات من الصور والأفكار أبني منها هياكل فخمة لآثاري الأدبية القيمة التي لم أكتب منها شيئاً بعد، فإذا بلغت المدرسة ونشقت هذا الهواء المليء بجراثيم البلادة والخمول طار من رأسي كل شيء، وأحسست أني غدوت -حقيقة- معلماً أولياً! أجل! لقد ضحيت من أجلكم بفكري ونفسي ... فخسرتهما من أجلكم، وهأنذا أخسركم أنتم أيضاً. إنكم لا تعلمون أيّ فراغ سيدع في نفسي فراقكم، وتحسبون معلّمكم واحداً من هؤلاء البشر الآليين الذين يذهبون ويجيئون ويعملون ويتركون، ولكن بلا قلوب، فسأقص عليكم قصة وقعت لي منذ أسبوع: كان اليوم عطلة، وكنت أرقبه من زمن بعيد لأستريح فيه من هذا العناء الذي هدّني هدّاً وطمس بصيرتي وبلغ بي إلى الحضيض الفكري. فلما أصبحت عمدت إلى المطالعة فلم أفهم شيئاً، ووجدت شيئاً يدفعني إلى الخروج، فارتديت ثيابي وأنا لا أدري أين أقصد، فإذا أنا أمشي في الطرقات التي أمشي فيها كل يوم،

стр. 249

وإذا رجلاي تقودانني إلى المرجة حيث ركبت السيارة إلى حيّ السفح (المهاجرين) (١)، إلى باب المدرسة. هنالك انتبهت وعدت إلى نفسي، فإذا أنا لم أقدر أن أعيش يوماً واحداً بعيداً عنكم، وإذا صوركم وبسماتكم الحلوة وشيطنتكم البريئة وصداقتكم الخالصة وأصابعكم الممدودة للسؤال قِيد بصري حيثما ذهبت! ولكن لا عليكم مني يا أبنائي، لا تفكروا فيّ ولا تحملوا همّي، بل فكّروا دائماً في «مبادئي» التي علّمتكم إياها، واذكروا في المستقبل أني كنت أستاذكم وأنكم أحببتموني وأحببتكم، ولا تحقدوا عليّ أني كنت أحياناً أقسو عليكم أو أعاقبكم، فإنما كان ذلك لفائدتكم. وبعد، فقوموا يا أولادي ودّعوا أباكم الذي لن تلقوه بعد اليوم! * * * وخرج صاحبي من المدرسة مهدود الجسم خائر القوى، فألقى عليها النظرة الأخيرة، فرآها من خلال دموعه مشرقةً بهيّةً كأنها ألماسة تلمع في شعاع الشمس، ثم ولّى ... يفكر تفكيراً مضطرباً. * * * هذه هي حياة المعلم؛ يغرس غصون الحب في قلبه فتمزقه بجذورها، فإذا أزهرت جاؤوا فنزعوها من قلبه فمزقوه مرة ثانية

стр. 250

بنزعها: يأخذ المعلم أولاداً لا يعرفهم ولا يعرفونه، فلا يزال يجهد فيهم ليفهم طبائعهم ويألفهم ويحبهم، ويقوّم اعوجاجهم ويصلح فاسدهم، حتى إذا أثمر الحب الفائدة وأتى العطف بالمنفعة جاء ولاة الأمور فقطعوا بجرّة قلم واحدة هذه الأسباب كلها، وفرقوا بنقطة من حبر بين الأب وأولاده ... لا لشيء، بل لوشاية سافلة أو مؤامرة دنيئة، أو لإخلاء مكانه ليبوّأه بعض الملتمسين من ذوي الوساطات. وانطلق صاحبنا يهمس في أذن نفسه: إني أشعر بالانحطاط والضعف وأحسّ كأنني شمعة قد انطفأت، لم يكفِ أنهم أضاعوني وألقَوني في هذا الطرْق (١) حتى جعلوني أسبح فيه، ثم أغوص إلى أعماقه، بينما يمرح الأدعياء واللصوص بالعيون الصافية ويقطفون وردها وزهرها! لم يبقَ لي أمل ... لقد سقطت في المعركة قبل أن أنال ظفراً ... لقد بعت نفسي ومستقبلي وآمالي بتسعة جنيهات في الشهر ثمناً لخبز عيالي! أفكان حراماً أن أجدها من غير هذا الطريق؟ ألم يكن بدٌّ من أن أموت لأعيش؟! أستغفرك اللهمّ، فلا اعتراض ولا انتقاد، ولكنما هي شكوى. أفيخسر المرء ماله فيشكو ويفقد حبيبه فيبكي؟ ويرى آماله تنهار أمام عينيه ونفسَه تذوب وحياتَه تنضب ومواهبَه تذوي ولا يقول شيئاً؟! إنني أشكو ولكن إلى الله، فليس في الناس من يُشكى إليه! * * *

стр. 251

عدد ١٠٠٠ من الرّسالة نشرت سنة ١٩٥٢ لما سمعت أن الرسالة كادت تستكمل أعدادها الألف دُهشت وفرحت، كما يُدهش من يُقال له لقد غدا ولدك شاباً ويفرح به كأنه يرى شبابه لأول مرة، وما ذاك عن جهل به أو إهمال له، بل لأنه لا يزال يذكر مولده وطفولته، ولأنه يراه كل يوم فلا يحسّ أنه تغير ولا يدري متى جاوز الطفولة إلى الشباب. وأنا أذكر أبداً فرحتي بصدور الرسالة، وموقف أخي أنور العطار وقد جاء بالعدد الأول منها فخبأه وراء ظهره، وقال: احزر! قلت: ماذا؟ قال: الزيات أخرج مجلة أدبية. إنني أحس -من شدة وقع الفرح في نفسي لمّا قالها- كأنْ قد كان ذلك أمس ... فكيف مرت الأيام حتى بلغ عمر الرسالة ألف أسبوع؟ كيف مر هذا الأمد الطويل وكأنه من قصره ليالي الوصال؟! * * * ألف عدد؟! كم أنفقت من ذهني في إعداد المقالات لها ومن أعصابي في ارتقاب وصولها! وكم سألت الباعة عنها،

стр. 252

في شارع رامي في دمشق، وفي سوق السراي في بغداد، وفي العشار في البصرة، وعلى السور في بيروت، وعند باب السلام في مكة، وعند الجسر في الدير، وفي شارع الملوك في حيفا ... وفي كل بلد عشت فيه أو مررت به! وكم قرأت مسوّداتها وراء مكتب رئيس التحرير في الإدارة وأمام الآلات في المطبعة! كانت الأيام عندي السبت والأحد ويوم «الرسالة»، وكانت تتبدل عليّ المشاهد ويتغير الرفاق، ولكن الرسالة هي رفيقي الدائم، أذكر كل عدد منها وكل مقالة نشرت فيها وكل مناقشة فيها وكل بحث، ولقد قالت زوجتي أول ما قدمت عليّ: إنني لا ضرة لي، ولكن هذه الرسالة ضرتي! ثم رأت (وهي من أعقل النساء وأفضلهن) أنها ضرة لا تضر ولا تؤذي. * * * كم وضعت فيها من قلبي ومن فكري، ومن مشاهد حياتي ومن ذكرياتي، ومن آلامي ومن آمالي، من سنة ١٩٣٣ إلى اليوم! ألف عدد، وستعيش الرسالة -إن شاء الله- حتى تبلغ الألف العاشر (١) وحتى تكون من أعلاق المكتبة العربية وكنوزها ... وقد

стр. 253

كانت. ستعيش حتى تصير في مثل عمر «المقتطف»، وليست المقتطف (مدّ الله في عمرها) بأحق منها بالخلود. ولقد كان للرسالة فضل على اللغة، وفضل على الأدب، وفضل على الأخلاق، وكان لها عمل كبير في إحياء روح الدين في دنيا الإسلام. ولقد أخرجت للناس كتّاباً وشعراء وكانت مدرسة للبيان العربي؛ جئناها شباباً فمشينا في رِكاب شيوخ الأدب، وبقينا فيها حتى أوشكنا أن نُعَدّ في الشيوخ، وهل بعد خمس وأربعين شباب؟ لقد ولّى الشباب وذبلت زهرة العمر وجاءت الكهولة، إن نسيتها ذكّرتني بها كل جارحة من جوارحي وكل عضو من أعضائي؛ إن أثقلت الطعام قالت المعدة: حاذر، إنك لم تعد شاباً. وإن مارست ما كنت أمارس من الرياضة قال القلب: قف، إنك لست بشاب. وإن تعرضت للبرد قالت المفاصل: تنبه، لقد فارقت عهد الشباب! وإن تطلعت إلى الحب أو ابتسمت للجمال، قال الفؤاد المَلول السّامان ... ويا ما أشد ما يقول الفؤاد السأمان الملول! وإن اشتعلت في الأعصاب نيران الحماسة وأخذت (ذلك) القلم الذي كنت أكتب به في الأيام الخوالي، تراءت لي هموم الأسرة فأطفأت نار الحماسة في أعصابي. كنت وحيداً خفيفاً وكان لي جناحان من أحلامي وأماني، فأثقل ظهري بناتي الأربع وأمهن وعماتهن وعمة أبيهن، واصطدم جناحايَ بأرض الواقع، وتبيّنتُ ضلال الأحلام وكذب الأماني، فتحطم الجناحان، فكيف يطير بغير جناحين مَن يحمل همَّ ثماني نساء؟

стр. 254

إني لأقف الآن لأراجع حسابي وأنظر ماذا ربحت وماذا خسرت! أما الرسالة فقد أفضلت عليّ وأضاءت للناس مكاني ومشت باسمي إلى بلاد ما كنت أسمع بها، وجاءتني بالشهرة والجاه ومجد الأدب، وعرفتني بإخوان كرام في أقطار ما دخلتها ولا أظن أني سأدخلها، وهذي رسائلهم تحت يدي من المشرق والمغرب، من إيران وأندونيسيا واليابان، فهل تعلمون أن للرسالة سوقاً وقراء في اليابان؟ ومن تونس والجزائر ومراكش وأميركا. ولقد كتبت مرة مقالة عن «الحياة الأدبية في دمشق» (١) فتجاوبت في الرسالة أصداؤها ببضع عشرة مقالة عن حياة الأدب في هاتيك البلدان، وكانت مناقشة -مرة- بيني وبين الأستاذ محسن البرازي (الذي صار رئيس وزراء حسني الزعيم، ثم قضى ﵀ فجاءني التأييد من جاوا، وهذه جريدة «برس» بشيراز تنشر الآن كتابي الجديد «كلمات» (٢) مترجَماً إلى الفارسية بقلم الأديب الفارسي الأستاذ أحمد آرام، مع تعليقات في المدح والتأييد شعراً ونثراً يمُنّ

стр. 255

بها عليّ القراء، وهي على وشك الترجمة إلى الأوردية، ولولا الرسالة ما كان هذا كله. ولكن ما جدوى هذا كله؟ ما الشهرة؟ ما الجاه؟ إني لأكتب هذه الكلمة وأنا في دار في مضايا (١) منفردة في الجبل وأنا مريض وحيد منعزل، فهل أذهبت الشهرة عني المرض أو دفع الجاه عني الملل؟ وكذلك أنا في دمشق؛ أنا منذ سنين أعيش في حلقة مفرَغة لا تكاد تتجاوز الدار والمحكمة، حتى يوم الجمعة وحتى يوم العطلة أذهب إلى المحكمة، كالحمار (ولا مؤاخذة ...) الذي يدور بالسّانية (٢)، إن أطلقت عنقه من الحبل عاد يدور لأنه مربوط من قيد العادة بحبل لا تراه العيون. فماذا ينفعني في عزلتي وسأمي أن يمدحني في بلاد الله مئة ألف؟ وماذا يضرني أن يذموني أو ألاّ يكونوا قد سمعوا باسمي؟ وماذا يفيدني -وأنا أعيش في دمشق عيش الغريب- أن يكون (وهذا هو الواقع، ولا فخر) بين كل عشرة يمرون في أي شارع

стр. 256

فيها خمسة على الأقل يعرفون اسمي، ويحفظون طرفاً من مناقبي أو أطرافاً من مثالبي؟! ولقد اشتغلت الجرائد منذ سنة أسبوعاً كاملاً بشتمي وسبّي في صفحاتها الأولى من أجل تلك الخطبة المشهورة (١)، وفعلت مثل ذلك أيام الانتخاب سنة ١٩٤٧ ونسبت إليّ نقائصَ تشين إبليس، فهل يصدق القراء أني لم أبالِ بها، حتى إني لم أقرأ أكثرها؟ أقسم بالله أن هذا الذي كان! ولقد نشرت الجرائد مرات أخرى أطيب الثناء عليّ وألصقت بي مناقب تزين الملائكة فما باليت بها أيضاً، لأن «كِلا طرفَي قَصْدِ الأمور ذميم»، والثناء إن زاد كالهجاء إن زاد؛ كلاهما أقرب إلى الكذب، وما أنا ملَك ولا أنا شيطان، ولي حسنات ولي سيئات، وأنا أعرف بنفسي من سائر الناس. * * * إني لأسأل مرة ثانية: ما الشهرة؟ إن الشهرة وهمٌ ليس له في سوق الحقيقة قيمة وليس له في ميزان الواقع وزن، حتى إن هذا الحرف (أي الشهرة) لا يصح لغة، ولا تكون الشهرة في الفصيح إلاّ بالعيب والعار والفضيحة، ولكن الألسنة أدارتها على هذا المعنى فكتبنا للناس ما يفهمون.

стр. 257

إن الشهرة سراب زائف. إنها مثل «المستقبل» الذي يركض وراءه الناس كلهم فلا يصلون إليه أبداً، لأنهم إن وصلوا إليه صار «حاضراً» وعادوا يفتشون عن مستقبل آخر يعدُون إليه؛ كحزمة الحشيش المربوطة برأس الفرس، يسعى ليدركها وهي تسعى معه أبداً! إنني أقول هذا من أعماق قلبي مؤمناً به، ولقد مرّ عليّ زمانٌ كان أحلى أمانيّ فيه أن أسير فيشير إليّ الناس بالأيدي يقولون: "هذا علي الطنطاوي"، وأن أعلو خطيباً كلَّ منبر، وأن أجد اسمي في كل صحيفة، وكان قلبي يتفتح للجمال ويستشرف للحب، فلما جربت هذا كله وذقت لذته صار كل ما أرجوه أن أتوارى عن الناس وأن أمشي بينهم فلا يعرفني منهم أحد. لقد مرّ بي أكثر العمر، ورأيت الحياة ونلت لذاتها وجرعت آلامها. لم تبقَ متعة إلاّ استمتعت بها، فلا اللذائذ دامت ولا الآلام، ولا الشهرة أفادت ولا الجاه. ولقد شهدت حربين عالميتين، ورأيت تعاقب الدول على الشام من العثمانيين إلى الفرنسيين إلى مَن جاء بعد، ومَن قام ومَن قعد، ومَن أتى ومَن ذهب، ولو أردت الوزارة وسلكت طريقها لبلغتها من زمان كما بلغها من مشى على إثري في الدراسة وفي الحياة، ولو شئت لكنت من المشايخ الذين تُقبَّل أيديهم ثم تُملأ بالمال، فيملكون الضياع والسيارات ويصيرون -بحِرفة الدين- من كبار أبناء الدنيا! ولكني ما وجدت شيئاً يدوم. تذهب الوزارة فلا تترك إلاّ حسرة في نفوس أصحابها، ويصحو الناس فيعلمون أن الذي يأكل الدنيا بالدين لا يمكن أن يكون من الصالحين المصلحين ... فزهدت في المناصب والمراتب

стр. 258

والمَشْيَخات، وهانت عليّ وصَغُرت في عيني، ولم يبقَ لي من دنياي (الآن) إلاّ مطلب واحد: يقظة قلب أدرك بها حقائق الوجود وغاية الحياة وأستعد بها لما بعد الموت. وهيهات يقظة القلب في هذا العالم المادي! إن الذي يبلغ ذروة الجبل تنكشف له الجهة الأخرى فيرى ما بعد الانحدار، وأنا قد بلغت ذروة العمر وانحدرت ولكني لم أبصر شيئاً ... إن الطريق مغطى بالضباب، وقد أضعتُ مصباحي في زحمة الحياة ومعترك العيش! * * * أما الرسالة فقد أفضَلَت عليّ وأحسنت إليّ. وما أشكوها، إنما أشكو دهري وأشكو نفسي، ومن حق الرسالة عليّ تحيةٌ خيرٌ من هذه التحية في عيدها الألفي، ولكني أكتب بيد عليل من فكر كليل، ولي من الأستاذ الزيات الصديق النبيل العذر الجميل. * * *

стр. 259

من رسائل الصيف [وهي سلسلة كنت أنشرها في «ألف باء» سنة ١٩٣٣، لم يبقَ لديّ منها إلاّ هذه الرسالة ورسالة أخرى، وقد ضاع سائرها فيما ضاع من مقالاتي.] إلى صديقي (فلان): لست أدري من أين أبدأ أحاديثي الكثيرة التي سأصبّها في هذه الرسالة صباً؟ وأخشى أن أبعث بها إليك مهوّشة مضطربة قد تَداخلَ بعضها في بعض، فلا تفقه منها شيئاً. وأنا -كما عهدتني قبل أن تأخذ طريقك إلى مَصِيفك هذا الجميل الذي تنعم فيه وكما يعهدني أصدقائي جميعاً- رجل فوضى واضطراب، أغدو ولي وجهة أنا موليها وعمل أريد أن أذهب إليه، فلا أبعد حتى تحملني موجة من موجات الحياة إلى غير ما قصدت ... وما لي أحدثك عني قبل أن أسألك: كيف أنت؟ وهل أنت ساكن إلى حياتك في هذا المَغْنى الوادع، قانع من الدنيا بجلسة على صخرة «بقّين» والسهل تحت قدميك كأنه بساط من السندس، لولا أنه يفيض بالحياة فهو أسمى وأبهى ... أم أنت متبرّم بهذه العزلة تَحِنُّ إلى صخب المدينة وضوضائها؟ وهل الطبيعة -كما يقولون- كائن حي له كآبته وبهاؤه

стр. 260

وحزنه وسروره؟ وهل يفيض بهاؤها وكآبتها على من يجاورها ويلقي بنفسه في حضنها؟ أما أنا فأحسب ذلك حديث خرافة، وأعتقد أن الإنسان هو الذي يمنح الطبيعة (وأسألك الإغضاء عن هذه الكلمة، فلستُ أول من استعملها في غير مكانها)، أقول إن الإنسان هو الذي يمنح الطبيعة الحزن والسرور، فيراها ضاحكة مستبشرة إذا كان هو الضاحك المستبشر، ويراها كامدة مظلمة إذا كان مظلم النفس خاثرها. وأكاد أؤمن برأي هذا المجنون الإنكليزي بركلي (ولا تغضبك كلمة المجنون، فلقد عنيت بها العبقري!) ذاك الذي يقول: الدنيا صحيفة بيضاء كصحيفة السينما، لا شيء فيها وإنما تسقط الصور إليها من الصندوق. وما صندوق الحياة إلا رأسي ورأسك ورؤوس إخواننا أعضاء المجمع الأدبي، وإننا قادرون بعون الله الذي جعلنا أدباء (أو أنصاف أدباء، لا بأس) على أن نرى الدنيا على غير ما خلقها الله، ونأخذ كل شيء مقلوباً، ونخترع أشياء ما وُجدت كالحب العذري، ولا أثر لمدلولاتها إلاّ في رؤوسنا الطاهرة وصفحات الكتب. مالك بُهِتّ ورحت تلحف في السؤال عن هذا المَجْمَع. ألا تسكت لحظة فأحدثك حديثه (١): أنشئ هذا المجمع -يا صديقي- من السيد منير العجلاني «سكرتيراً» (أو ناموساً إذا اخترت الكلمة العربية) والسيد محمد الجيرودي «خازناً» والسيد أنور العطار والسيد ميشيل عفلق والسيد سعيد الأفغاني والسيد أنا «أعضاء

стр. 261

إداريين» والسيد سليم الزركلي والسيد جميل سلطان والسيد حلمي اللحام والسيد زكي المحاسني والسيد مصطفى المحايري «أعضاء عاملين» ... هؤلاء جميعاً هم الأعضاء المؤسسون، وقد انضم إليهم السادة: كامل عياد ومصطفى العظم وأنور حاتم، وكل هؤلاء ممن تعرف غناءهم. أما غاية المجمع فهي إنعاش الروح الأدبية في هذا البلد والتعاون على الإنتاج، والأخذ بضَبْعَي (١) كل أديب نابغ أقعده عن الظهور عارض من عوارض الدهر، وإنشاء أدب جديد قوي ... والتجديد كما نفهمه (أو كما أفهمه أنا على الأقل) لا يكون بقطع الصلة بالماضي ولا بالخروج على قواعد اللغة العربية وسنن العرب في كلامها، ولا بالدعوة الحمقاء إلى اللغة العامية وإلى تحطيم قواعد النحو وإعلان الحرية اللغوية وإنزال الفاعل الذي تعب من الارتفاع هذه العصور الطويلة ورفع المجرور الذي طالما انخفض وذل ... كلا. ولست أسمي شيئاً من هذا بالتجدد ولكنه هو التجرد والحماقة. فاللغة يجب أن تبقى كما هي في قواعدها وسننها، ولنصبَّ فيها -بعد ذلك- ما شئنا من أساليب جديدة وأفكار جديدة وكتب جديدة، أي أن نفعل فعل العرب في فجر الدولة العباسية حين ترجموا كتب اليونان والفرس فجعلوها عربية، ولم يجعلوا لغتهم من أجلها يونانية ولا فارسية ولا لغة ممسوخة، كل كلمة فيها هي من أصلها العربي كالقرد والخنزير من الإنسان ... هذه اللغة القردية التي نراها في الصحف والمجلات التي تترجم

стр. 262

عن الإنكليز والفرنسيين أدبهم وشعرهم، والتي أُنفقُ ساعة كاملة في تفهّم الفقرة الواحدة منها ثم لا أفهمها! فأول شرط إذن من شروط التجديد هو حفظ الصلة بين أدبنا وأدب العرب، ولا يكون ذلك إلاّ بانقطاع طائفة منا إلى تراثنا الأدبي الثمين الذي يسميه بعض الجاهلين -سخرية وهزءاً- بتراث «الكتب الصفراء». نعم، يجب أن تنقطع طائفة منا إلى هذه «الكتب الصفراء» فيقرؤوها ويفقهوها حق الفقه؛ يجب أن نقرأ النحو لا في هذه الكتب المدرسية فحسب بل في المغني والأشموني وفي كتاب سيبويه وفي مفصّل الزمخشري. وأن نقرأ كتب اللغة، وأن نطالع كتب الأدب العربي الكبرى كالأغاني والكامل والبيان والأمالي، وأن نقرأ كتب البلاغة وأن ندرس الأصول والمنطق، ونقرأ تفسير الكشاف مثلاً وكتاباً آخر في الحديث، وأن يكون تحت أيدينا كتاب من كتب اللغة موسَّع كاللسان أو التاج أو القاموس على الأقل، وأن نرجع إليه عشر مرات في اليوم ... ولعلي أفزعتك وأوقعت في وهمك أني رجعي لأني أفرض هذا كله على كل أعضاء المجمع! كلا يا سيدي؛ أنا لا أفرض على أحد فرضاً ولكني أراه فرض كفاية علينا، يجب أن يقوم به بعضٌ كما يقوم بعضٌ بتفقه الأدب الإنكليزي أو الفرنسي ودراسة مناهج النقد فيه وأصول التحليل وتطبيقها على أدبنا، وكما نجد كثيرين منا (كالسيد العجلاني وعفلق) يقبلون على العمل في هذه الجهة نرى آخرين (كالسيد الأفغاني والسيد الجيرودي وأنا) يقبلون على العمل في الجهة الأخرى، وأكاد أثق أن الأفغاني والجيرودي لا يَقبلان منذ الآن إدراكاً وفقها لهذه العلوم الإسلامية العربية عمّن أفنى عشرين سنة من حياته في دراستها وحدها، فإذا

стр. 263

راضا نفسيهما على دراستها من جديد والانقطاع إليها كان منهما ومن أمثالهما تلك الطبقة من الأدباء التي تألّمَ الأستاذ أحمد أمين لفقدها في مصر ودعا إلى تكوينها (١). * * * وبعد، فلعلي أزعجتك يا صديقي بهذه الأحاديث، ولعلها جوفاء لا شيء فيها، فأنا أعتذر إليك وإلى أصدقائنا القراء وأرجو ألاّ يكثروا لي الشتائم ... وإلى الملتقى في رسالة أخرى تكون أقل سخفاً! * * *

стр. 264

في لجّ البحر نشرت سنة ١٩٥٥ مات علي الطنطاوي ... وليس عجيباً أن يموت، والموت غاية كل حي، ولكن العجيب أن يرجع بعدما مات ليصف لقراء «المسلمون» الموت الذي رآه! وكان ذلك من شهرين، وكان على سيف (١) البحر في بيروت، وكان البحر هائجاً غضبان يرمي بأمواج كأنها الكثبان، وقد فرّ منه الناس فليس في الشطوط كلها -على طولها وامتدادها (من سان سيمون إلى الأوزاعي) - إلاّ نفر قليل. ولم يكن يعرف من السباحة إلاّ درساً واحداً، كان قد تلقاه من أكثر من ثلث قرن على معلم لم يسبح أبداً، هو أن يقف حيث لا يصل الماء إلى الصدر، ثم يحاول أن ينبطح ويسيب قدميه ويخبط (٢) بيديه، ويبقى على ذلك مقدار ما يبتلع من ماء

стр. 265

البحر (وهو كشربة الملح الإنكليزي.) ما يملأ معدته وأنفه ... ثم يخرج! وكان معه شاب تونسي من علماء جامع الزيتونة، لا يمتاز في السباحة عنه إلاّ بأنه أجهل فيها منه، حتى هذا الدرس لم يحضره لأنه لم يكن وُلد، فلما كبر لم يستطع أن يأخذ مثله لأن ذلك «المعلّم» كان قد مات. وتركا (الحمام) حيث النساء العاريات مضطجعات ومنبطحات، رافعات السوق باديات العورات، وابتغيا مكاناً منعزلاً وراء صخرة مستديرة تطيف به إطافة الجدار، فتجعل من مائه الذي لا يبلغه من ورائها الموج بركةً آمنة ساكنة الماء قريبة القرار لا تغط (١) صبياً، فنزلا فيها. قال: وأخذت أسبح السباحة التي أعرفها، أرفع رجليّ وأحرك يديّ، فإذا تعبت خرجت أستمتع بالشمس والهواء. وكنت ممتلئاً صحة، أكاد أتوثب من النشاط توثباً، أحسّ كأن الأرض تدفعني عنها دفعاً. وكان الموت بعيداً عن فكري، والموت -أبداً- أبعد شيء في أفكارنا عنا، وإن كان أقرب شيء في حقيقته منا، نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا، نشيّع الجنائز ونمشي معها ونحن في غفلة عنها نتكلم كلام الدنيا، ونرى مواكب الأموات تمر بنا كل يوم فلا نفكر ولا نعتبر، ولا نقدّر أننا سنموت كما ماتوا ومات من كان أصح منا صحة وكان أشد منا قوة وأكبر سلطاناً وأكثر أعواناً، فما دفعت عنه الموتَ -لمّا جاءه- صحتُه ولا قوته ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه، نعرف بعقولنا أن الموت كأس سيشرب منها

стр. 266

كل حي، ولكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا وتحجبها عنا شواغل يومنا وتوافه دنيانا، يقول كل واحد منا بلسانه: إن الموت حق وإنه مقدر على كل حيّ، ويقول بفعله: لن أموت، لقد كُتب الموت على كل نفس إلاّ نفسي، فلا يزال في العمر فسحة لي دائماً ولن يأتي أجلي أبداً. وعاودت الدخول في الماء وأطلت البقاء فيه، وما أحسست -وأنا أتزحزح شبراً فشبراً- أني جاوزت هذه البركة وبلغت موضعاً من البحر عميقاً، علمت بعدُ أن فيه تياراً يتحاماه السباحون القادرون، فكيف بمن لم يكن يتقن من السباحة إلاّ فن الرسوب؟ وحاولت الوقوف فإذا أنا لا أجد الأرض الصلبة من تحتي، وحاولت أن أرفع رأسي فأنظر فإذا أنا لا أجد الهواء ولا أبصر شيئاً، وأحسست الماء الملح قد تدفق على فمي وأنفي، فأنا لا أملك إلاّ أن أبلعه وأنشقه. وبدأت أحسّ آلاماً لا تُصوَّر ولا توصَف، ليست في الرأس وليست في عضو من الأعضاء وحده، ولكنها في كل ذرة من جسدي وروحي ... وشعرت كأنْ قد ألقيت عليّ صخرة ضخمة وأن أعصابي تجذب من تحتها وتقطع كما تجذب خيوط الحرير مما خالطها من الشوك! وصار كل همي من دنياي أن أجد نسمة واحدة من الهواء فلا أجدها، فقلت: هذا هو الموت، هذا هو الموت الذي أفر من الكلام فيه والحديث عنه، والذي أراه بعيداً عني لم يحِنْ حينُه ولم يَدْنُ موعدُه، لذلك كنت أؤجل التوبة من يوم إلى يوم، أقول: إذا بلغت سن الشباب تبت، فلما بلغتها قلت: أتوب في الأربعين، فلما جاوزتها قلت: أنتظر حتى أتم بناء الدار، فلما أتممتها قلت: أتوب وأتفرغ إلى الله إذا بلغت

стр. 267

سن التقاعد (١) ... كأني أخذت على مَلَك الموت عهداً ألاّ يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد، فها هو ذا قد جاء على غير ميعاد! وكان أول ما خطر على بالي أني كنت أتمنى ميتة سهلة سريعة تكون على الإيمان، وأن هذه الأمنية تلازمني من أزمان، فخشيت أن أكون قد سعيت إلى هذه الميتة فأكون (والعياذ بالله) منتحراً. ورحت أفكر فيما صنعته من لَدُن دخلت الماء، فإذا أنا لا أذكر من ذلك شيئاً، وإذا أنا أشعر أنه غدا بعيداً عني كأنه قد كان من مئة سنة لا من دقائق معدودات، وصَغُرَت الدنيا في عيني كأني أراها من طيّارة قد علت في طِباق الجو. ومن كان على سفر يسرع ليلحق القطار، هل يرى من الشوارع التي يجتازها شيئاً؟ وهل يغريه منها جمال ساحر أو فن طريف؟ إنه يحسّ بها غريبة عنه وأنها ليست له، ويغدو منظرها في عينه كصورة زائغة، فكيف ينظر إلى هذه الدنيا من أيقن بالموت؟ لقد امّحَت (والله) صورة الدنيا كلها من أمامي. وما لي وللدنيا ولم يبقَ لي فيها إلاّ لحظات معدودات، أنا أتجرع فيها ثمالة كأس الآلام؟ لم يبق لي منها ما يغريني بها، حتى الأهل والولد شُغلت بنفسي عنهم؛ فلا تصدّقوا ما تقرؤونه في القصص من أن المشرف على الغرق يفكر في أحبائه أو في أعماله أو في أدبه وعلمه ومقالاته وأشعاره، أو يهمه ما يُقال فيه من بعده ... ربما

стр. 268

كان ذلك من غير المسلم، أما المسلم فلا يرى في تلك الساعة إلاّ ما هو قادم عليه. وازدحمت عليّ الخواطر فيما أفعله، فحاولت التشهد والتوبة أولاً، فلم أستطع النطق بشيء مما كان في فمي من الماء. وازدادت عليّ الآلام ولكنها لم تقطع خواطري، وكان ذهني في نشاط عجيب ما أحسست مثله عمري كله، وكنت بين خوف من الموت ورغبة فيه: أرغب فيه أرجو أن تكون هذه الميتة على الإيمان، وأخاف لأنه ليس لديّ ما أقدم به على الله، وقد فاجأني الموت كما يفاجئ الامتحان التلميذ المهمل الذي لا يزال يؤجل المطالعة والحفظ ويقول: الامتحان بعيد ... وتمضي الأيام، حتى إذا رآه صار أمامه قطع أصابعه ندماً وأذهب نفسه حسرة، وما نفعه ذلك شيئاً. هذا وهو امتحان يسير أسوأ ما فيه أن تذهب بالسقوط فيه سنة من عمره سدىً، فكيف بالامتحان الأعظم الذي ما بعده إلاّ النعيم الأبدي في الجنة، أو الشقاء الطويل في النار؟ الامتحان الذي ليس فيه «إكمال» ولا تُعاد له دورة ولا يُجبر فيه «كسر» درجة، ولا تنفع فيه شفاعة شافع ولا وساطة ذي جاه أو مال؟ ورأيت موقف الحساب رأي العين، وقد شَغلت كلَّ امرئ نفسُه، والناس يُدعَون ليأخذوا نتائج الامتحان، فمَن أخذ كتابه بيمينه وحُمل إلى الجنة فهذا هو الفائز، ومن أخذ كتابه بشماله وسيق إلى النار فهذا هو الخاسر، وهذا هو الخسران المبين. وعرضت عملي فلم أجد لي عملاً من أعمال الصالحين، فلا أنا من أهل المراقبة الذين لا يغفلون عن الله طرفة عين، ولا أنا من

стр. 269

المتعبدين الذي يقومون الليالي الطوال والناس نيام ويناجون ربهم في الأسحار، وما أنا من المتقين الذين يجتنبون المحرمات ... ما أنا إلاّ واحد من الغافلين المذنبين، إي والله، فبِمَ أقدُمُ على الله؟ ونظرت فإذا كل الذي ربحته من عمري لحظات، لحظات كنت أحسّ فيها حلاوة الإيمان وأخلص فيها التوجه إلى الله، تقابلها عشرات من السنين كنت سابحاً فيها في بحار الغفلة تائهاً في بَيداء الغرور، أحسب -من جهلي- أن الأيام ستمتدّ بي، لم أدرِ أن العمر ساعات محدودة وأن ذلك هو رأس مالي كله، فإن أضعته لم يبقَ لي من بعده شيء. وذكرت حديثاً كنت حفظته في صباي: «اغتنم خمساً قبل خمس: حياتَك قبل موتك، وصحتَك قبل سقمك، وفراغَك قبل شُغلك، وشبابَك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» (١) وندمت على أنْ لم أكن وضعته في صدر مجلسي واتخذته منهجاً لحياتي، ولكني لم أعرف -مع الأسف- معناه ولم أدرك حقيقته إلاّ عندما انتهت حياتي. وفكرت فيما كنت أكابد من ألم الطاعة، فإذا الألم قد ذهب وبقي الثواب، ونظرت فيما استمتعت به من لذّة المعصية، فإذا هو قد ذهب وبقي الحساب؛ فندمت على كل لحظة لم أجعلها في طاعة.

стр. 270

ونظرت فإذا المقاييس كلها تتبدل ساعة الموت، وإذا كل ما كنت أحبه وأنازع عليه قد صار عدماً! وإذا أنا لم آخذ معي شيئاً؛ بنيت داراً فما حملت معي منها حجراً، واقتنيت مالاً فما كان لي منه إلاّ ما ظننت من قبل أني خسرته، وهو ما أخرجته لله، وكتبت آلافاً من المقالات في عشرات من السنين، وكان لي من القراء والمستمعين ملايين وملايين، فما نفعني إلاّ كلمة قلتها لوجه الله، وأين هي؟ لقد تركني هؤلاء المعجبون (كما يقولون) بأدبي وبياني أموت الآن وحدي، ما جاء واحد منهم ليأخذ بيدي وما أقبلَ واحدٌ منهم يدفع الموت عني! وعرفت لذائذ الحياة كلها، فما الذي بقي في يدي وأنا أموت غرقاً من لذائذ الحياة كلها؟ وما الذي استبدلته بالعمل الصالح (١) الذي لا أرجو النجاة الآن إلاّ به؟ لقد كان إبليس يشغلني عن الخشوع في الصلاة بالتفكير في البنطال (٢) أن يُفسد كيَّه السجودُ، ويخوّفني أن تذهب صحتي بقطع المنام لصلاة الفجر أو صيام أيام الحر من آب، وأن أخسر حسن رأي الناس فيّ إن جهرت بقولة الحق أو أن ينالني من ذلك أذىً في جسدي أو في رزقي! فوجدتني الآن أخسر الناس، إذ بعت النعيم الباقي، بهذا الوهم الزائل (٣)؛ كزنوج إفريقية الذين يعطون

стр. 271

كنوز بلادهم وخيراتها ليأخذوا خرزات لماعة، أو ساعة طنانة، أو هنة هينة من هنات الحضارة! أو كأهل الجزيرة التي أراد الأميركيون أن يُخلوها ليتخذوها مكاناً لتجربة قنبلة ذرية يفجرونها فيها، فبعثوا إلى أهلها رسلاً منهم يخبرونهم وينذرونهم: إن هذه الجزيرة ستدمَّر وإنه لن يبقى فيها لحي مقام، وإنها صارت دار ممر وإن أمريكا هي دار المستقر، وإن مَن سلَّمَ أثاثه ورياشه وماله أعطوه في أميركا خيراً منها وأبدلوه بالخيمة في الجزيرة داراً في نيويورك، وإن الطيارات ستتوالى على الجزيرة لنقل أهلها فليكونوا جميعاً على استعداد، فإنه لا يدري أحدٌ متى سيُنقل، وليعلموا أنه ليس لأحد أن يحمل معه من متاعه شيئاً إلاّ ما كان قدّمه وسيجده أمامه. أما العاقل فيبذل ما لديه من متاع، ويعلم أن الذي يعطيه اليوم هو الذي يبقى له غداً وأن الذي يحتفظ به ويخفيه يخسره ويخرج من يده، ويكون مستعداً للسفر في كل لحظة ... وأما الأحمق فيتمسك بخيمته ومتاعه القليل ويقول: "أنا باق هنا، هذه هي داري وهذا متاعي، وما الدار الآخرة في أميركا إلاّ أكاذيب جرائد وأساطير محررين، ولن أكون أحمق فأبيع عاجلاً حاضراً

стр. 272

بآجل موهوم". ويرى الناس يطيرون كل يوم فلا يفكر ويظن أنه وحده هو الباقي، حتى يجيء دوره فيُحمَل قسراً لا يملك دفعاً ولا منعاً، ويخسر ما كان له في الجزيرة ولا يلقى في أمريكا إلاّ جحيم الفقر والحاجة إلى الناس. وطغى عليّ ألم الموت ولم يعد في طَوقي أن أفكر، فتوجهت إلى الله وتصورت كرمه وعفوه، وكان يغلب عليّ الأمل وحب الحياة فأضرب بيديّ ورجليّ وأرفع يميني أشير بها، ثم يدركني اليأس فأسلم أمري إلى الله. ولم أكن أتمنى بعد المغفرة إلاّ شيئاً واحداً؛ هو أن يخفف الله عني بتعجيل موتي، أخشى أن يطول بي هذا الألم فوق ما طال. وقد خُيِّل إليّ أني بقيت على ذلك ساعات، ولكن تبين لي من بعد أني لم ألبث أكثر من دقيقتين ... في دقيقتين أحسست هذه الآلام ومرّت في ذهني هذه الخواطر! وهذا من العجائب التي أودعها الله النفس البشرية، فأنت ترى حلماً تعيش فيه عشرين سنة بأحداثها، ولا تكون قد نمت أكثر من خمس دقائق. ثم لما خارت قواي وأوشكت أن أغوص فلا أطفو أبداً خُيِّل إليّ أني أسمع أصواتاً تناديني، وأحسست بيدي تمسّ شيئاً صلباً أدركت أنه طرف زورق، ففرحت فرحة ما فرحت قط مثلها، وشعرت أني أُرفع إلى الزورق، ثم غبت عن نفسي وهم يمسكون برجليّ لأخرج بعض ما في جوفي من ماء البحر. لقد خرجت بنفس جديدة، واتّعظت موعظة أرجو أن تدوم لي، وعرفت قيمة الحياة وحقيقة الموت. ونحن لا نعرف مِن

стр. 273

الموت إلاّ ظاهره دون حقيقته، نراه عدماً ونندب القريب والحبيب أنْ وضعناه في حفرة باردة وخلّفناه وحيداً تأكله الدود! وليس حبيبك الذي أودعته الحفرة ولكن جسده، والجسدُ ثوبٌ يُخلَع بالموت كما تخلع الحية ثوبها، فهل يبكي أحد على ثوبٍ خُلع؟ وما الموت إلاّ انتقال إلى حياة أرحب وأوسع، إلى النعيم الدائم أو الشقاء الطويل، ولو كان الموت فناء لكان نعمة. ولو أنّا إذا متنا تُرِكنا ... لكانَ الموتُ راحةَ كلِّ حيِّ ولكنّا إذا مِتْنا بُعثنا ... ونُسأَلُ بعدَها عن كلِّ شيِّ فإذا كان الموت سفرة لا بدّ منها، فالعاقل من تهيّأ لها وأعدَّ لها الزاد والراحلة وذكرها دائماً كيلا ينساها، ونظر في كل شيء، فإن كان مما يستطيع أن يحمله فيها حرص عليه، وإن كان مجبراً على تركه وراءه زهد فيه وانصرف عنه. وبعد، فلا يهنّئْني أحدٌ بالسلامة، بل ليدعُ لنفسه ولي بحسن الخاتمة، فإني أخاف -والله- ألاّ أجد ميتة أكون فيها حاضر القلب مع الله، مستشعراً التوبة، متصوراً الدار الآخرة، كما كنت هذه المرة. * * *

стр. 274

شكوى أذيعت سنة ١٩٥٩ هذه شكوى. ولكن ممّن؟ ولمن؟ لست أدري؟ أسمع الآن أذان الفجر وأنا في الفراش، أكتب وأجفاني مطبقة من النعاس، فاليد تكاد تجري بنفسها وأنا لا أبصر، أما الخط فخرابيشُ لا يقرؤها إلاّ أنا. ذلك أني لبثت أتقلّب في الفراش إلى الآن؛ أغفي لحظة ثم أستيقظ. وما ذاك عن مرض، فأنا ولله الحمد نشيط قوي أمارس الرياضة وأحس دبيب الصحة في عضلاتي كأني شاب في الثلاثين. وما عن همِّ العيش والفكر في المال، فإنه يَرِدُ عليّ والحمد لله ما يكفيني ويزيد عني. وما عن خلاف في البيت أو مشاكل (١) مع الناس، فأنا مستريح في بيتي وقد تركت الناس فلا أعاملهم ولا أقاربهم ولا أشتري ولا أبيع، ولا أشتغل بسياسة ولا رياسة، فاسترحت من الناس.

стр. 275

فمالي إذن لا أنام؟ إنه همٌّ أكبر من هذه الهموم كلها؛ إنه هم الأدب! إن ما أنا فيه أصعب من عمل العامل الذي يحفر الطريق ويضرب المعول من الصباح إلى المساء، أصعب والله، لأن العامل يتعب حتى يسيل عرقه ولكنه يجد إذا أكل شهية حاضرة وإذا وضع جنبه على الأرض نام، وأنا أصبح جائعاً فلا أجد الرغبة الصحيحة في الطعام، فإذا أكلت وأنا أفكر لم أهضم ما أكلت. ويقتلني النعاس فأتقلب فلا أستطيع أن أنام، وهل ينام من يدق رأسه بالحجر؟ إن رأسي يدق ولكن من داخل، فيه أفكار تجري وتصطدم فتقرعه، فكيف أنام وهذه الأفكار تدق رأسي دق الحجارة؟ أفكار المقالات والأحاديث والقصص. إن عليّ أن أعدّ لكم كل جمعة هذا الحديث، وعليّ أن أعدّ خطبة الجمعة في مسجد الجامعة أو أفتش عمّن أوكله بها، وعليّ أن أكتب مقالة الإثنين في «الأيام»، وأنا مرتبط بثلاث مجلات أكتب بها ومجلات أخرى أعاود الكتابة فيها حيناً بعد حين، وعندي كتب أعدّها للطبع، وقد عهدت إليّ داران للنشر أن أكتب لهذه سلسلة من القصص للصغار ولتلك سلسلة في تراجم الرجال (١)، وعليّ فوق ذلك عملي في المحكمة، وهو وحده يملأ وقت مثلي ورأسه

стр. 276

ويستنفد قواه. إني أتمنى أن أعيش شهراً لنفسي كما يعيش الناس، وأين مني ما أتمناه؟ إن الناس إذا سمعوا خبراً أو قرؤوا قصة فكروا في ذلك لأنفسهم، وأنا إن سمعت أو قرأت فكرت كيف أبني على ذلك مقالة أو أصوغ منه قصة، وإن رأى الناس مشهداً من مشاهد الطبيعة أو فِلماً من أفلام السينما استمتعوا به لأنفسهم، وإن رأيته أنا فكرت كيف أصفه لأمتع به القراء والمستمعين، وإن فرحوا أو حزنوا كان فرحهم أو حزنهم لهم، وفرحي أنا أو حزني للناس، أعمل من أجل ذلك عمل المجانين. أقف في الطريق لأدوّن فكرة طرأت عليّ تصلح لحديث أو مقال، وأكتب في زحمة الترام أن ذكّرني الترام بشيء يصلح لحديث أو مقال، وإلى جنب سريري الورق والقلم مربوط بالمصباح، فكلما خطرت لي فكرة أضأت المصباح وكتبت. ويقول مدرّسو الأدب إن الأفكار تجيء في المناظر الجميلة، في الرياض حيث تزقزق العصافير وتهدر السواقي والمرء مستريح نشيط، أما أنا فلا تجيئني الأفكار إلاّ في الفراش وأنا محطم من النعاس، فأنا أشعل النور كل ليلة وأطفئه عشرين مرة، لذلك يهرب مني الأهل فلا يستطيع أن ينام أحد في الغرفة التي أنام فيها. أما الناس فقد هربت منهم أو هربوا مني، فأنا من سنين منفرد معتزل لا أكاد أزور أحداً ولا يزورني الناس إلا قليلاً. وإن زارني صديق على شدة الشوق إليه والرغبة فيه لم أستطع أن أستقبله، وهل يستقبل الطالب أحداً ليلة الامتحان؟ إن عليّ في كل ليلة إعداد مقالة يمتحن بها القراء أو السامعون أدبي، ليروا هل أنا حيث كنت أم قد أدركني الونى والكلال فسقطت في المعركة.

стр. 277

فكيف أجلس مع الضيف أساقطه لغو الحديث وهو فارغ الفكر جاء يتسلى ويدفع الساعات التي لا يجد له فيها عملاً، وأنا قاعد على مثل الجمر أفكّر في المطبعة التي تنتظرني فاتحةً فاها كجهنم تنتظر المقالة؟ لقد صيّرتني هذه المقالات وهذه الأحاديث غريباً وأنا في بلدي، وحرمتني حديث المجالس ولقاء الإخوان. لقد طار النوم من عيني الآن فقمت إلى المكتبة ... وسألتني ربة الدار والنوم يغالبها: هل من شيء؟ فلم أجب ... إنها ستسمع الجواب في هذا الحديث. وهذه أيضاً من مصائب الأدب. للناس أسرار بينهم وبين أهليهم وأسرار يطوون عليها جوانحهم، والأديب المسكين ليس له سرّ، عليه أن يشرك القراء معه في أسراره كلها، حتى في أخباره في بيته، حتى في أدق مشاعره وأعمق عواطفه، عليه أن يصفها للناس ويحدثهم بها، فخفايا الأديب معلَنة وأسرار الأديب مذاعَة، فيا بؤس الأدباء! هذه حالي يا أيها السامعون، وهذه هي الليلة الرابعة التي لا أنام فيها. هذه حالي وأنا في هذا البلاء من إحدى وثلاثين سنة. نعم يا سادتي، من إحدى وثلاثين سنة وأنا أفكر للقراء، وأحس للقراء، وأعيش للقراء؛ همّي أن أصفّ كل يوم كلاماً أقدمه لهم، أنتزعه من روحي ومن نفسي ليكون متاعاً لهم يتسلون به في أوقات

стр. 278

الفراغ، أما السامعون فإن لي معهم سبع عشرة سنة ما انقطعت فيها عن حديثهم إلا فترات. سبع عشرة سنة وأنا أحدثكم! أفما تنفد الموضوعات؟ أما أمَلُّ أو تملّون مني؟ دعوني أسترِح قليلاً وتستريحوا مني! أقسم لكم بالله أني حين أجد في برامج الإذاعة ما يمنع من حديثي، حفلة أو مباراة أو شبهها، أفرح كما يفرح التلميذ الذي يجد المدرسة مغلقة لأن اليوم عيد! لقد لبثت ثلث قرن وأنا أكتب، أكتب دائماً، حتى زاد ما طُبع من كتاباتي على خمسة عشر ألف صفحة لم أعُدَّ منها الخطب التي خطبتها ولم أكتبها فضاعت (وهي تزيد على ألف خطبة)، وأنا أحسُّ -مع ذلك- بأن عندي شيئاً لم أقله، ولا أجد الوقت الكافي لأقوله ... هو العمل الأدبي الخالد الذي أهم به وتشغلني عنه هذه الأحاديث وهذه المقالات. إن لكل امرئ طاقة، وأنا لم أعد أحتمل. فإذا رأيتموني قد انقطعت فجأة عن هذا الحديث وعن الكتابة في الصحف والمجلات فلا تعجبوا، لأني أكون قد قررت الهرب. إني أطلب إجازة، فهَبوني موظفاً أو عاملاً، أفليس من حق الموظف أو العامل أن يُجاز أياماً ليستريح؟ لقد كنت أكتب والشباب موات والحماسة تملأ النفس والرغبة في الشهرة والمجد الأدبي تحفز إلى العمل، أكتب وأعرض المقالة على الناشر لا أطلب منه مالاً ولا أجراً إلا نشرها، فإن رأيتها منشورة ملأ الزهو والفرح قلبي فوجدت المكافأة حاضرة، فأقبل

стр. 279

عليّ الآن الناشر يطلب مني، وعرض الأجر الكبير والمال الوفير، ولكني فقدت الحماسة وماتت في نفسي الرغبة في الشهرة حين نلتها فوجدتها سراباً. سراب والله! هل تعرفون السراب؟ إن سالك الصحراء يراه من بعيد كنبع الماء الصافي، فإذا جاءه لم يجد شيئاً. هذه هي الشهرة! وأنا أكتب عنها عن خبرة. لقد صار يعرف اسمي ملايين، وتُرجم كثير مما كتبت إلى الفارسية والأوردية وترجم شيء منه إلى الإنكليزية، وتجيئني كتب من القراء والسامعين من أندونيسيا في أقصى المشرق ومن مراكش في المغرب. فماذا في هذا كله؟ ما ينفعني وماذا يصير في يدي منه؟ ما ينفعني وأنا منفرد في داري أن يمدحني ملايين من الناس ويقولوا إني أديب العرب، وما يضرني أن يقولوا إني أكبر دعيّ وأجهلُ جاهل؟ أو أن لا يمر على ألسنتهم اسمي ولا يعرفوني؟ وما المجد الأدبي؟ هو أن تَرِد عليك كتب المعجبين، وأن تُقام لك حفلات التكريم، وأن تكتب عنك الصحف؟ لقد رأيت هذا كله من أكثر من عشرين سنة، فصدقوني حين أقول لكم إنه سراب. إن الحقيقة الوحيدة من ثمار الأدب هي أجور المقالات وما نرجو من ثواب الله! ولقد أخذت على مقالاتي أكبر أجر أخذه كاتب عربي؛ قبضت غير مرة ثلاثمئة ليرة على المقالة الواحدة، وقبضت ألف ليرة على المحاضرة الواحدة ... والمال حقيقة ليس سراباً، ولكن ماذا أصنع بهذا المال؟

стр. 280

إن راتبي يكفيني، وقد كنت أتمنى أن يكون لي بيت فصار لي بحمد الله بيت، وأنا لا أدّخر مالاً ولا أريد أن أكون من كبار المثرين، فلماذا الحرص على المال؟ وهل يعدل المال الذي آخذه الراحةَ التي أفقدها والنوم الذي أشتهيه فلا أجده؟ أما ثواب الله فأرجو أن يكون لي من الإخلاص ما أستحقه به أولاً، وأرجو ثانياً أن لا يحرمني الله الثواب إن استرحت حيناً لأجمَّ النفس وأجدد العمل. لا؛ إن ثواب الله هو الحقيقة الواحدة الباقية وما عداه متاع الغرور، خدع نخدع بها أنفسنا وأوهام، قبض الريح! اقبض على الريح تَجِد يدك فارغة لا شيء فيها، وكذلك الدنيا. ما الذي نحمله معنا إن ذهبنا إلاّ العمل الصالح؟ كله سراب إلا ما تقدمه بين يديك لآخرتك. وبعد، فإنكم -يا سادتي- تسمعون حديث المحدث أو تقرؤون مقالة الكاتب فلا تتصورون ماذا أنفق في ذلك من جهد وما حمل من تعب حتى وصل ذلك إليكم. إنه كرغيف من الخبز تأكلونه بلا فكر فيه أو بحث عن حاله، ولو فكرتم لعلمتم ماذا عملت فيه من يد وما صُبّ فيه من جهد، من يوم حرَثَ الأرضَ الزارعُ إلى أن عجنَ العاجنُ وخبَزَ الخبّاز. بل إن عمل الأديب في المقالة أشق وبلاءَ الأديب بالأدب أكبر، فسامحوني إذا نفّست اليوم عن نفسي بهذا الحديث، فإنها شكوى:

стр. 281

ولا بُدَّ مِن شكوى إلى ذي مروءةٍ ... يُواسيكَ أو يُسْليكَ أو يتوجّعُ * * * إني أشعر أني ألقيت بهذه الشكوى حملاً عن عاتقي، وأنا قائم الآن لأصلي الصبح وأحاول المنام، فسامحوني أنْ أتعبتكم بالحديث عن نفسي وتصبحون على خير. * * *

стр. 282

بعد الخمسين نشرت سنة ١٩٥٩ نظرت في التقويم فوجدت أني أستكمل اليوم (٢٣ جمادى الأولى ١٣٧٩ هـ) اثنتين وخمسين سنة قمرية، فوقفت ساعة أنظر فيها في يومي وأمسي، أنظر من أمام لأرى ما هي نهاية المطاف، وأنظر من وراء لأرى ماذا أفدت من هذا المسير. وقفت كما يقف التاجر في آخر السنة ليجرد دفاتره ويحرر حسابه، وينظر ماذا ربح وماذا خسر. وقفت كما تقف القافلة التي جُنّ أهلوها وأخذهم السُّعَار، فانطلقوا يركضون لا يعرفون من أين جاؤوا ولا إلى أين يذهبون، ولا يهدؤون إلاّ إذا هدّهم التعب فسقطوا نائمين كالقتلى! وكذلك نحن إذ نعدو على طريق الحياة؛ نستبق كالمجانين ولكن لا ندري علامَ نتسابق، نعمل أبداً من اللحظة التي نفتح فيها عيوننا في الصباح إلى أن يغلقها النعاس في المساء، نعمل كل شيء إلا أن نفكر في أنفسنا أو ننظر من أين جئنا وإلى أين المصير! وجردت دفاتري، أرى ماذا طلبت وماذا أُعطيت. * * *

стр. 283

طلبت المجد الأدبي وسعيت له سعيه، وأذهبت في المطالعة حِدّة بصري وملأت بها ساعات عمري، وصرّمت الليالي الطِّوال أقرأ وأطالع، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتباً من أدباء اليوم مَن لم يفتحها مرة لينظر فيها! وما كان لي أستاذ يبصرني طريقي ويأخذ بيدي، وما كان من أساتذتي مَن هو صاحب أسلوب في الكتابة يأخذني باتّباع أسلوبه، ولا كان فيهم مَن له قدم في الخطابة وطريقة في الإلقاء يسلكني مسلكه ويذهب بي مذهبه (١). وما يسميه القراء أسلوبي في الكتابة ويدعوه المستمعون طريقتي في الإلقاء شيء مَنَّ الله به عليّ لا أعرفه لنفسي، لا أعرف إلاّ أني أكتب حين أكتب وأتكلم حين أتكلم منطلقاً على سجيتي وطبعي، لا أتعمد في الكتابة إثبات كلمة دون كلمة ولا سلوك طريق دون طريق، ولا أتكلف في الإلقاء رنّةً في صوتي ولا تصنّعاً في مخارج حروفي. وكنت أرجو أن أكون خطيباً يهز المنابر وكاتباً تمشي بآثاره البرد (٢)، وكنت أحسب ذلك غاية المنى وأقصى المطالب، فلما نلته زهدت فيه وذهبت مني حلاوته، ولم أعد أجد فيه ما يُشتهى ويُتمنّى. وما المجد الأدبي؟ أهو أن يذكرك الناس في كل مكان وأن يتسابقوا إلى قراءة ما تكتب وسماع ما تذيع، وتتوارد عليك كتب الإعجاب وتقام لك حفلات التكريم؟ لقد رأيت ذلك كله، فهل

стр. 284

تحبون أن أقول لكم ماذا رأيت فيه؟ رأيت سراباً ... سراب خادع، قبض الريح! وما أقول هذا مقالة أديب يبتغي الإغراب ويستثير الإعجاب، لا والله العظيم (أحلف لكم لتصدقوا) ما أقول إلاّ ما أشعر به. وأنا من ثلاثين سنة أعلو هذه المنابر وأحتل صدور المجلات والصحف، وأنا أكلم الناس في الإذاعة كل أسبوع مرة من سبع عشرة سنة إلى اليوم، ولطالما خطبت في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وأندونيسيا خطباً زلزلت القلوب، وكتبت مقالات كانت أحاديث الناس، ولطالما مرت أيام كان اسمي فيها على كل لسان في بلدي وفي كل بلد عشت فيه أو وصلت إليه مقالاتي، وسمعت تصفيق الإعجاب، وتلقيت خطب الثناء في حفلات التكريم، وقرأت في الكلام عني مقالات ورسائل، ودرَس أدبي ناقدون كبار ودُرّس ما قالوا في المدارس، وتُرجم كثير مما كتبت إلى أوسع لغتين انتشاراً في الدنيا: الإنكليزية والأردية، وإلى الفارسية والفرنسية ... فما الذي بقي في يدي من ذلك كله؟ لا شيء. وإن لم يكتب لي الله على بعض هذا بعضَ الثواب أكُنْ قد خرجت صفر اليدين! إني من سنين معتزل متفرد، تمر عليّ أسابيع وأسابيع لا أزور فيها ولا أزار، ولا أكاد أحدّث أحداً إلاّ حديث العمل في المحكمة أو حديث الأسرة في البيت. فماذا ينفعني وأنا في عزلتي إن كان في مراكش والهند وما بينهما مَن يتحدث عني ويمدحني، وماذا يضرني إن كان فيها من يذمني أو لم يكن فيها كلها مَن سمع باسمي؟

стр. 285

ولقد قرأت في المدح لي ما رفعني إلى مرتبة الخالدين، ومن القدح فيّ ما هبط بي إلى دركة الشياطين، وكُرِّمت تكريماً لا أستحقه وأُهملت حتى لقد دُعي إلى المؤتمرات الأدبية وإلى المجالس الأدبية الرسمية المبتدئون وما دُعيت منها إلى شيء، فألفت الحالين وتعوّدت الأمرين، وصرت لا يزدهيني ثناء ولا يهزّ السبُّ شعرةً واحدة في بدني. أسقطت المجد الأدبي من الحساب لما رأيت أنه وهم وسراب. * * * وطلبت المناصب، ثم نظرت فإذا المناصب تكليف لا تشريف، وإذا هي مشقة وتعب لا لذّة وطرب، وإذا الموظف أسير مقيَّد بقيود الذهب، وإذا الجزع من عقوبة التقصير أكبر من الفرح بحلاوة السلطان، وإذا مرارة العزل أو الإعفاء من الولاية أكبر من حلاوة التولية. ورأيت أني مع ذلك كله قد اشتهيت في عمري وظيفة واحدة، سعيت لها وتحرّقت شوقاً إليها ... هي أن أكون معلماً في المدرسة الأولية في قرية حرستا (١) وكان ذلك من أكثر من ثلاثين سنة، فلم أنلها فما اشتهيت بعدها غيرها. وطلبت المال وحرصت على الغنى، ثم نظرت فوجدت في الناس أغنياء وهم أشقياء وفقراء وهم سعداء.
следующие страницы →