بي اليوم يُدار بي من الرثاء له والخوف مما هو فيه، فلما غدوت مريضاً لم أجزع ولم أخف، وكانت تمرّ بي لحظات أضيق فيها بهذا القيد إلى السرير وهذا الألم، ويبلغ بي الضيق في الليل أقصاه، ولكنها كانت تمر بي لحظات كنت أرضى فيها كل الرضا، وأفيء فيها إلى ربي، وأرى ما أنا فيه امتحاناً لصبري ونعمة من الله تزيد في أجري، فأطمئنّ ويبلغ بي الأمر إلى أكثر من الاطمئنان ... إلى نوع من اللذة الخالصة لا أشعر بمثلها في الصحة، وإلى لون من النشاط القلبي لا أعرفه قط وأنا معافى. وأحسب أن لو أُصبت بأشد الأمراض وأقواها وأنا أقدر على هذا الرضا وأحس هذا الاطمئنان لما وجدت فيه إلاّ لذة!
هذا ما كنت أجده لا أبالغ ولا أتخيل، فأرجو أن يصدّقني القراء. وهذه نعمة من نِعَم الله الخفية على الإنسان ومظهرٌ من مظاهر القوة الهائلة التي أعطاه، فلا يحكم الإنسان على المريض أو البائس بظاهره فيشكّ في عدل الله ورحمته، ولكنْ ليدخل إلى الداخل، لعلّ وراء الجدار الخَرِب قصراً عامراً، ولعل خلف الباب الضخم كوخاً خَرِباً، ولعل في هذه الثياب الرثة وهذا الجسم الممزَّق البالي نفساً مشرقة سعيدة وإنساناً كاملاً.
عرفت من المرض أن المساواة التامة هي سنة الله في الحياة. انظروا المرض: هل يعرف غنياً أو فقيراً؟ هل يمتنع منه الملك الجبار رب القصر والحراس؟ وهل تمنع أبوابه وجنده هذا المخلوق التافه الصغير من الدخول؟ سدّ الأبواب وأغلق النوافذ وأقم الجند بالسلاح وعِشْ في صندوق مغلق ... إنه يدخل مع
стр. 212
الهواء الذي تنشقه والماء الذي تشربه والطعام الذي تأكله، ويحتل جسمك ويعيش في عينك وفمك ويسبح في دمك!
ترفّعْ عن المساكين وتكبّرْ على الفقراء يُرجِعْك المرضُ إلى صفوف المساكين والفقراء، فتَالَم كما يَالَمون، وتصيح مثل ما يصيحون. وكل ما في الحياة يسوّي بينك وبينهم. هل تنشق -أيها الغني- من الهواء هواء معطَّراً وينشقه الفقير بغير عطر، أم أن الهواء (وهو قوام الحياة) لك وله، قد سُوّي فيه بينك وبينه؟ هل تشرب ماء العيون معسولة مذاباً فيها السكر ويأخذها الفقير ملحاً أجاجاً؟ إن الهواء والماء والشمس والقمر والصحة والمرض والولادة والموت ... كل أولئك سطور خطَّ فيها اللهُ على صفحة الحياة أن الناس متساوون. هل سمعتم أن ابن الملك يولد -إذ يولد- مرتدياً الحرير، يمشي على رجليه إلى سريره ويلقي بنفسه خطبة ميلاده ويشرف من شبّاكه على شعبه، وابن السوقي يولد أخرس عارياً؟ افتحوا القبر المجصَّص الفخم وارفعوا ما فوقه من نصب وتماثيل وكتابات ونقوش، هل تجدون فيه عظاماً تضوع بالمسك وتفوح بالندِّ لأنها كانت تلبس الحرير وترتدي الديباج؟
هذا ما تعلمته من المرض!
وبعد، فلقد أطلت الكلام وآن أوان الطعام، ولا بد من قطع هذا الحديث! وأنا أحمد الله على الصحة والمرض، وأحمده على كل حال.
* * *
стр. 213
من التّعليم إلى القضاء
نشرت سنة ١٩٤١
يسألني كثير من الإخوان: كيف وجدت القضاء؟ إني وجدت القضاء راحةَ جسم وتعبَ بال، وعلوَّ منزلة وقلةَ مال، واكتسابَ علم وازديادَ أعداء، وحملاً كبيراً نسأل الله السلامة من سوء عاقبته.
أما أنه «راحة جسم» فذلك أني كنت في التعليم أتكلم ولا أسمع، فصرت الآن أسمع أكثر مما أتكلم. وكنت لا أقدر على السكوت لأني إن سكتّ تكلم العفاريت (أعني التلاميذ)، حتى إنه ربما أصابني أحياناً أذى في حلقي فجعلني أغصّ بالماء الزلال وأشرق بالريق وأجد للكلمة الواحدة أنطق بها مثل حزّة السكين، ثم لا أستطيع الصمت دقيقة لئلا يفلت من يدي طرف السّلكة فينفرط العقد ويبطل النظام. وكنت أدخل الصف (الفصل) وأخرج منه خمس مرات أو ستاً في اليوم ولا أقعد على كرسي، لئلا يرى الشيطان مني غفلة فيعطس في مناخر التلاميذ فيحدثوا في الفصل حدثاً، ويا ما أكثر أحداثهم! وأيسرُها ضجة كضجة حمّام انقطع ماؤه (كما يقول الشاميون في أمثالهم العامية). ثم إذا خرجت من الصف لأستريح راحة ما بين الدرسين (الحصتين)
стр. 214
لحقني طائفة من الطلاب يسألونني، فأقف لهم حتى ينفخ إسرافيل المدرسة في صُوره فيحشر الطلاب والمدرسون إلى نار العمل. فأصل آخر النهار بأوله وأنا قائم على أمشاط رجليّ ولساني لا يكف عن الدوران في فمي ... فغدوت الآن ولا عمل لي إلاّ القعود على كرسي القضاء، أقول الكلمة بعد الكلمة وأسمع سيلاً من الكلام مما له موضع أو ليس له مكان، وإلا كتابة القرارات (أي السجلات في عرف الفقهاء)، وقد كفاني الكاتب «أَحْمَدَ» الله فَعالَه كل ما سوى ذلك من الأعمال. وما ينغص عليّ هذه الراحة إلاّ خشية ثقل اللسان من كثرة الصمت فلا ينطلق -بعدُ- كما كان ينطلق، وإن كان ذلك نعمة تُرجى، وإن كان لساني هو مصدر أذاي ومن الخير لي أن يثقل أو يكِلّ!
أما «تعب البال» فلأني أحمل على عاتقي حقوق الناس وأحكم في الأعراض، وهي (لعمر أهل المروءة) أثمن من المال وأغلى، فإذا قمت أو قعدت لم أزل مفكراً في هذه القضية وتلك الدعوى، لا لصعوبة فيها أو تعقيد، فطريق القانون واضح لمن كان أكبر همه ظاهر القانون وكان دينُه عبادةَ حروفه، بل لأنفُذ من خلال الفكر إلى مقصِد القوانين، وهو إقامة العدل. فأنا أفكر لأعرف المحق من المبطل، وأنضو عن المتقاضيَين ثياب التصنّع والرياء لتبدو حقائقهم عارية، وما ذلك بالأمر اليسير ولا المطلب الهيِّن. وإذا كنت قد وصلت مرة بالفراسة في لحظة خاطفة إلى ما لا يوصل إليه بمرافعة شهود فذلك من فضل الله، بيد أنه لا يدوم، ولا بد من الرجوع إلى الحكم بالشهادات التي قد يعلم القاضي أنها شهادات الزور وأن الشهود فُسّاق لا عدالة لهم ولا تُقبل من
стр. 215
مثلهم شهادة (١) وكانت القرائن تقطع بكذبها. والقرائن والأمارات من أسباب الحكم (كما بيّن ذلك ابن قيم المدرسة الجوزية في كتابه الجليل «الطرق الحكمية»)، ولكن لا سبيل لنا إلى الأخذ بها إلاّ أن تنظر وزارة العدل في دمشق في الاقتراح الذي رفعتُه إليها في هذا الموضوع وتتخذه أساساً لإصلاح شامل يخلّص الناس من شهود الزور، الذين صارت لهم جماعات ومراتب وأجور مسعَّرة ودخل فيهم من يعتقد الناظر إليه أنه من الأولياء ويجده مباحثه من العلماء! وهذا شر استطار شرره وعمّ الأنام خبره وشملهم ضرره، فكيف يهدأ بال من يغلب على ظنه أو هو يعلم فساد البيّنة ثم يضطر إلى الحكم بها؟
هذا وقد نجاني الله -بما رُكّب في طبعي من الحدة في الخلق والشدة في الحق- من منغصات القضاء؛ من الوساطات والالتماسات والهدايا والرشوات والولائم والدعوات ... وسلمني من ذلك كله أني لا أعرف في الحق لطفاً ولا مجاملة ولا خجلاً ولا فرقاً، وأرجو دوام ذلك.
أما «علو المنزلة» فلأن لاسم القاضي -دون الحاكم المدني وإن علت رتبته وزادت وظيفته- له في الأسماع رنة إكبار وفي القلوب صورة إعظام، وله هيبة وله جلال، خلع ذلك المجدَ عليه أولئك الأبطالُ نجوم فلك العدل ودَرَاريه الهاديات، أفذاذ الدهر وأبكار الزمان الذين يحق لنا أن نفاخر بهم أمم الإنس
стр. 216
والجن، وأن نجعل قضاءنا بهم أول ما نعقد عليه الخناصر إذا عددنا المفاخر (وما زال قضاء كل أمة أول مفاخرها)؛ قضاتنا الأولون شُريح وإياس وشريك وأبو يوسف والعز بن عبد السلام ومنذر بن سعيد (١)، ومن أذكر الآن ومن لا أذكر ممن يقصر عنه العد ويضيق الحصر.
ولولا أني عامل على تأليف محاضرة وافية بهذا الغرض ولا يجمل بي إذاعتها بالنشر قبل نشرها بالتلاوة (٢) لأفضت في هذا الموضوع إفاضة من وجد مجال القول واسعاً، والمقول جديداً مسعفاً، والسامع مصغياً متشوقاً متلهفاً. لذلك يعظم الناس اسم القاضي لأنهم يذكرون به هؤلاء وأمثالهم، وعهداً رحم الله ذلك العهد، كان فيه القاضي قاضياً في كل خصومة بشرع الله حاكماً بما أنزل، لم يكن المسلمون يهجرون فيه جواهرهم ولآلئهم لخزيفات يستجدونها من أيد أشحة بها لأنها لا تملك غيرها، ولا يدَعون شرع أحكم الحاكمين لشرع بشر من ماء وطين، وكان من مشاغل علمائهم البحث في الحسن والقبح هل هما شرعيان أو عقليان وكثر في ذلك الكلام، فلما صرنا إلى هذه الأيام ذهب ذلك الخصام وحلّ مكانه الوئام، واصطلح أهل عصرنا من الناشئة والشبان على أن الحسن ما حسّنه (أولئك ...) والقبح ما قبّحوه، وارتضينا
стр. 217
كلنا هذه النتيجة التي انتهينا إليها وصممنا الوقوف عليها، وسكن الجدال فلا قيل ولا قال، وكفى الله (المؤمنين) القتال، والحمد لله على (كل) حال!
وأما «قلة المال» فلأن أجر القاضي الشرعي في بلادنا (أي مرتّبه) قليل قليل، وهو أدنى من سائر الحكام المدنيين، مع أنه يشترط فيه إجازة (ليسانس) الحقوق، والفوز في الامتحان المسلكي، وسَبق الاشتغال مدة في المحاماة ... وهذا حديث له مكان آخر.
وأما «اكتساب العلم» فهو النعمة المفردة بين نِقَم القضاء المتعددة، اللهمّ بعد نعمة الثواب إذا كان الله يكتبه لمقصّر مثلي لا يستحقه بعمله ولم تصفُ له نيته ولم يتجرد -بعد- عن حب الشهرة والجاه، وإن ضعفت رغبته فيهما وهانا عليه! إن المطالعة هي نعمة هذه المحنة في المهنة، ولقد كنت أُطالع دائماً وأنا معلم، بل إني لا أعرف أنه مرّ عليّ يومٌ واحد منذ عقلت إلى اليوم لم أقرأ فيه شيئاً، غير أني استفدت من القضاء الأنس بكتب الفقه والاستمتاع بها مثل استمتاعي بكتب الأدب أو قريباً منه. وعندي مجموعة منها صالحة إذا أنا استمررت على النظر فيها رجوت أن أكون يوماً من الأيام من أوعية هذا العلم، ذلك لأني أدأب على القراءة ولا يمنعني من السؤال عما لا أعرف حياءٌ ولا كِبر، ولأن لي -بحمد الله- ذاكرة لا تمسك النصوص بحروفها ولا الأرقام ولا الأبيات، غير أنها في حفظ المسائل ومواطن وجودها من العجائب. وما أعهد أني نسيت مسألة قرأتها أو سمعتها، وما أعهد أني تعرفت بإنسان وحفظت اسمه إلاّ بعد المخالطة الشديدة الزمن
стр. 218
الأطول، ثم إني أنسى اسمه إذا فارقته مع أني لا أنسى الوجه ولو رأيته مرة واحدة، ولا أعرف تعليل هذا الأمر.
وأما «ازدياد أعداء» القاضي العادل القائم بإحقاق الحق والموظف النزيه المستقيم فشيء مشاهَد مسلَّم به لا يحتاج إلى بيان. وإذا كان قد رُوي عن أبي ذر أنه قال: «كلمة الحق ما تركت لي صاحباً» وذلك على عهد الصحابة وفي أفضل القرون، فما بالك بعصرنا؟ وماذا يقول القاضي وما قضيةٌ تُعرض عليه إلاّ وفيها اثنان يقضي لأحدهما على الآخر، فمَن قضى عليه جعله عدواً له ما عدا النادر الأندر من الناس الذي يرضى بالحق ولو كان على نفسه. وأكبر المصيبة أنه قد يكون المبطل المقضي عليه أو الشفيع المردودة شفاعته كبيراً في قومه وجيهاً في بلده، فإذا ألزمته ما يلزمه شرعاً أثار عليك الشعب والحكومة وافترى عليك الفِرَى، وأساء فيك رأي رؤسائك فآذوك وضروك وأخروا ترفيعك. والمعروف عند أولي الأمر أن الموظف الصالح هو الذي لا يسخط عليه أحداً ولا يثير مشكلة، ولا يكون ذلك لقاض عادل وموظف نزيه، وإنما يكون لمنافق في جيبه ألف وجه في كل وجه مئة لسان، يقابل كلاًّ بالوجه الذي يحبه ويخاطبه باللسان الذي يرضيه.
وخلاصة القول أن القضاء «حمل ثقيل» وهمٌّ طويل، ولو أن الله أغناني عنه وكتب لي أن أعيش بقلمي ومؤلفاتي، أو لو أني رُزقت مرتبة أهل الورع، لما أقدمت عليه ولآثرت التعليم؛ فهو أسلم. ولكني وقعت، والله لا يكلف نفساً إلاّ وسعها. وإن وسعي وغاية جهدي العزم الصحيح وبالله التوفيق على أن لا أحكم في قضية ما لم أعرف حكم الشرع فيها على مقدار طاقتي فأسير
стр. 219
عليه، وأن لا أتعمد الزيغ والظلم تعمداً ولا أنوي الميل مع أحد الخصمين، وأن لا تأخذني في الحق رغبة صديق ولا رهبة ذي سلطان. أما الخطأ فلا أملك دفعه إلاّ بالانتباه، أما الجهل فلا أقدر معه إلاّ على التعلم والسؤال.
هذا وقد فسّروا حديث القاضي والقاضيين أن القاضيَين اللذين في النار هما قاض يقضي بالجور وقاض يقضي بالجهل. ونحن نسأل الله لنا ولكل محب للحق أن يوفّقنا إلى اتباع الحق، وأن يعلمنا ما ينفعنا ويرزقنا العمل بما علمنا ويزيدنا علماً.
* * *
стр. 220
أنا والقلم
نشرت سنة ١٩٤٠
[بين يدي الآن رسائل من بيروت وحمص وبغداد والإسكندرية وأم درمان، من إخوان كرام ما كان لي شرف الاتصال بهم، كلهم يسألني لِمَ لا أكتب في الرسالة في هذه الأيام، ويشفق أن تكون الأرزاء قد هدت ركني وكسرت قناتي ... فكتبت هذا الفصل هدية إليهم وجواباً.]
أعترف أنها قد جفّتْ قريحتي فما تبضّ بقطرة، وكلَّ ذهني ومات خيالي، ومرّتْ عليّ أيام طوال لم أستطع أن أخط فيها حرفاً، وعدت -من العيّ والحصر- كأول عهدي بصناعة الإنشاء، وأصبحت وكأني لم أكن حليف القلم وصديق الصحف، وكأني لم أجرِ للبلاغة في مضمار ... وما أدري أأبرأني الله من حرفة الأدب التي ابتلاني بها وابتلاها بي، أم هي سكتة عارضة وعُقلة مؤقتة كالذي يعرض للشعراء والكتاب، ثم تزول السكتة وينطلق اللسان ويعود أحدَّ مما كان؟ وما أدري أَعلّة ذلك الزواج (وقد قالوا إن زواج الأديب يؤذيه وتغور منه ينابيع فكره)، أم هي الرزايا والآلام، وما يغيظ الأديب من انحراف الأمور عن صراطها، وتقدم مَن حقُّه التأخر وتأخر من يستأهل التقدم، وضياع الحقوق وغلبة
стр. 221
الجهّال ... أم هذه العزلة الحسية والروحية التي أبتُ إليها طوعاً أو كرهاً، فجعلت حياتي كالبركة الساكنة لا يسقط فيها حجر فيثير أوحالها ويخرج دررها؟
إني كلما أخذت القلم لأكتب أحسست أنه يحرن ولا يملكني زمامه، وأنه يستعصي عليّ ويستعصم مني، وأجدني أميل إلى مطالعة كتاب أو النظر في صحيفة، فأقبل على القراءة وأعوض على ذهني ما فاته منها في هذا الزمن الطويل. وإني لا أزال أحتاج إلى تعلم كثير مما أجهل، ولا يزال في الكتب ما لا أستوعبه في شهرين أو ثلاثة، ولست قائلاً مقالة ذلك الدعيّ الذي زعم أنه قرأ ديوان الفرزدق في خمسة عشر يوماً، ولا والله ما يفهم قصيدة منه واحدة في شهر ... ولا الذي ظن أنه علم كل شيء حتى ما يسائل واحداً عن علم مسألة لكي يزدادها! فأسلمتني المطالعة إلى الزهد في الإنشاء، ومال بي الزهد إلى إيثار الدعة وابتغاء السلامة ومحبة الخمول بعد الرغبة في الذكر، فسبحان مقلِّب القلوب!
ولقد كنت أشكو الغربة وأضيق بها، فصرت أشكو فقدها. ويا حبذا الغربة، وأنعم بها مثيراً للشعور موقظاً للهمم. كنت أتألم منها فأصف ألمي، وأشتاق فأصور شوقي، وأرى فيها جديداً فأنتبه إليه فأكتب فيه، فرجعت أمرُّ على المشاهد غافلاً عنها لأني آلفها كلها وأعرفها، ورجعت لا آلم ولا أسر، ولا أقول إني راض ولا مبتئس ... وهذا لعمري شرّ ما يمر على الأديب من الأحوال، وهذا هو الموت! ولربما شغلني سفساف الأمور وأضاع عليّ الكثير من وقتي. وهل ينفع القراء أن يعلموا أن عملي منذ شهر الطواف في أحياء دمشق من شرقها إلى المغرب، ومن شمالها
стр. 222
إلى القبلة (١)، أفتش عن دار أستعيض بها عن داري (في الجادة الخامسة)، لأن حماقة صاحبها كرهت إليّ جمال مستشرَفها وطيب موقعها ... وأن أعصابي في ثورة دائمة عفتُ معها الحياة، من صبية عشرة (أحياهم الله لأبوَيهم) يسكنون الطبقة التي تحتنا، لا يهدؤون لحظة ولا يسكنون ولا يفترون عن بكاء أو صياح أو غناء أو قرع باب أو كسر شبّاك ... وقلبي يخفق وأعصابي تتمزق ولا أنتفع من نفسي بشيء، وإن شكوت إلى أحد سخر مني وضحك عليّ! فليتصور القراء مبلغ ما أجد من الضيق والأذى، فيا ليت أني لم أُعطَ ملكة الكتابة، أو ليتني -إذ أُعطيتها- عرفت كيف أستفيد منها، فما شيء أصعب على الرجل من أن يريد ولا يقدر أو يقدر ولا يريد.
وليثق القرّاء أن يوماً يمرّ عليّ لا أكتب فيه شيئاً أو أعد في نفسي شيئاً لأكتبه لهو يوم بؤس عليّ لا يوم نعيم، وأن أول ما أفكر فيه -إذا سرني أمر أو ساءني، أو أعجبني أو راعني- كيف أصوره وأعرض على الناس صورته كي أنقل إليهم شعوري وأقاسمهم عواطفي؛ لا أفعل ذلك للشهرة والمجد الأدبي، ولا للنفع ولا للضرر، فقد بلغت من الشهرة ما يصح الوقوف عليه لو كانت الشهرة أكبر همي، ولكني رغبت عنها لأني وجدت ما نلت منها لم يُنلني خيراً قط. ثم إنه ليس بين الرجل وبين أن يشتهر في بلادنا بصفة الأدب إلاّ أن يكتب فصلاً أو فصلين، فإذا هو ومَن ملأ الأسماع أدباً حقاً وبلاغة باقية سواء! ولكني أكتب -علم
стр. 223
الله- لأدفع عن نفسي الملل وما يصيبها من الألم إذا أنا لم أكتب، فكأنني أعمل بالغريزة التي تدفع النحل إلى اتخاذ العسل والعقارب إلى نفث السم وكل حي من الحيوان إلى ما سُخِّر له من نفع أو ضرر! ولا أعلم أأحسن أم أسيء، ومتى يكون الإحسان وكيف يجيء، وكل ما أعلم أن فكرة تخطر على بالي تأتي بها نظرة أو سمعة، فتنمو فيها حتى تملأ ذهني وتسيطر عليّ فلا أملك عن تدوينها تأخراً؛ فآخذ القلم فإذا هي تجر وراءها أخوات لها، وإذا أنا أمضي في الكتابة لا أكف حتى يكون القلم هو الذي يقف، ثم أبعث بذلك إلى المجلة أو الجريدة، فإذا أبطأت بنشره أو أهملته سخطت وثرت، وإن نشرته فرحتُ به وقرأته مستمتعاً، فإذا مضى عليه يوم عدت إليه فرأيت عيوبه، فقلت: ليتني نقصت من هنا وزدت من هناك وحذفت هذا أو أثبتّ ذاك ... ثم لا يمنعني ذلك أن أعود إلى خلتي من الإسراع كَرّة أخرى. ولقد حاولت التنقيح والصناعة مرة فأفسدت من حيث توهمت الإصلاح، فعدت إلى طبعي. فإذا كان في الناس من يعجبه ما أكتبه فالحمد لله.
وما سكتّ لقلة في الموضوعات، ولكن لجفاف في القريحة. ولو كان بي أن أكتب لوجدت في كل شيء موضوعاً لفصل، غير أنه لا بد من العاطفة والفن، ولو كان الأدب الواقعي أن تسرد كل ما «وقع» لك لكان الناس كلهم أدباء، ولكن الأدب الواقعي أن تأتي بالصورة الجميلة، قد صقلها الطبع وبَرقَشها الخيال وزانتها العبارة الصحيحة والسبك الدقيق، لكنك لا تخرج فيها عما «يمكن أن يقع».
ولو أسعدتني القريحة لكتبت في وصف هذا الفتى الذي
стр. 224
صحبنا في لجنة من لجان الامتحان كان فيها الأستاذ الشيخ بهجة البيطار ليصحح معنا أجوبة التلاميذ، فكان كلما وجد استعارة أو مجازاً خط تحته خطاً، وكلما وجد مترادفاً من اللفظ أو مزدوجاً من الجمل مدّ مَدّة فوقه، ثم نقص عليه من درجات التلاميذ درجة. فحاورناه في ذلك فكان من رأيه الذي تعلّمه في باريز وعلّمه التلاميذ الذين جعلوه معلّمهم أن المذهب الجديد ينكر ذلك ويعُدّه غلطاً، وكانت حجته القاطعة على صحة رأيه أنه رأيه. وبذلك دفع كل ما ردّ به عليه الشيخ وما بيّنَ له من سنن العرب من كلامها وما جرى عليه بلغاؤها وما نزل به الكتاب، ومال ناظر المدرسة إلى «رأيه» لأنه هو وحده بيننا الذي يحمل شهادة التخصص في اللغة العربية من ... باريز!
ولو أسعدتني القريحة لكتبت في التعليق على الامتحانات وما يكون فيها من الوساطات والشفاعات والالتماسات وما نالني منها، وكم أبصرت في داري من وجوه ما كانت لتكون فيها لولا الحاجة وطلب «الشفاعات» ... وما يحيق بالمدرس المستقيم الشريف من عنت ومشقة وما يقال عنه وما يلقى ... وما يتخذ التلميذ من طرق الغش والحيل، فإذا أظهرتَها وعاقبته عليها زعم أنك ظلمته وتَمَسْكَنَ وجعل نفسه ضحية فأثار عليك الناس، أو «تَنَمْرَدَ» واستكبر فبطش بك، أو شتمك أو وكل بك من يقوم بـ «الواجب»!
ولو أسعدتني القريحة لكتبت في تاريخ الأدب فصلاً أجعل إهداءه للدكتور فلان ليرى أن الله لا يستحيل عليه أن يمنح ملكة الأدب مَن لا يحمل شهادة اختصاص فيه ... وأن الشهادة بلا علم ليست دائماً أفضل من العلم بلا شهادة!
стр. 225
ولو أسعدتني القريحة لوصفت هذا المشهد الذي يملأ النفس ألماً ويفجر القلب أسى، منظر زميلنا المعلم الشاب (مصطفى شكري خسرو) الذي كان موعد زفافه اليوم وكان صحيحاً معافى، فرئي اليوم نعشه يمشي إلى المقبرة وعليه غطاء سرير العرس، ووقفت زوجته التي كانت ترقب الزفاف تشهد الدفن.
مثل هذا الموضوع ينشد الأديب ويبتغي، إنه ينشد لحظات الإشراق والتجلي، إذ يحس بأنه خرج من ذاته فدخلتها روح أخرى فطارت به إلى الملأ الأعلى، فأرته ما لا تراه عين ولا تحيط بوصفه لغة بشر، وإنما يصور بإشارات ورموز ترفع قارئيها إلى هذا العالم النوراني العجيب.
* * *
أما المشفقون عليّ الخائفون أن تلوي الحادثات قناتي وتهد ركني فليعلموا أني في أمان، وأن رسالة الأديب أن يطاعن عن الحق ويناضل حتى تعلو كلمته أو يُصرع دونه، ولينظروا أيهما أسيَر في الناس وأشهر: أوَرقة الشهادة الناطقة بفضل صاحبها، أم مجلة يكتب فيها الأديب فيقرؤها مئة ألف؟ وأيهما أقوى وأمتن: أهذا القلم الدقيق أم أرجل الكراسي التي يثبت عليها «أولئك» ويَعلون بها؟ وأيهما أحد وأمضى: أَلِسان البليغ المفوَّه أم ألسنة ببغاوات الليسانس والدكتوراه؟
إن لكل أديب رسالة، فليقوِّنا الله على تأدية الرسالة.
* * *
стр. 226
على عتبة الأربعين
نشرت سنة ١٩٤٨
نزعت رجلي من الركاب، وطردت من ذهني همَّ السفر، ونفضت ما علق بذاكرتي من غبار الحاضر ثم نفذت إلى ما احتوت من كنوز الماضي من معجزات البطولة والنبل، من تاريخنا الواقع الذي لا يصل إليه خيال غيرنا ولا يتعلق به وهمهم، وحاولت أن أكتب للعدد الممتاز من الرسالة. فما سرت في الفصل غيرَ بعيد حتى تباطأ قلمي، ثم تعثر، ثم توقف ... وأحسست في نفسي بهذا الضيق الذي ما انفكّ يلازمني منذ أكثر من عشر سنين، فيطفئ وَقدة حماستي ويعقل نشاطي ويغلق أبواب الإلهام دوني، فلا أكتب ما أكتب إلاّ لملء الفراغ وتَزجية الوقت، كالذي يمشي العشيةَ يجر نفسه جراً، لا يسوقه مقصد ولا تجذبه غاية.
ونظرت فإذا أنا بعد شهرين أُتمّ الأربعين ... أربعين سنة قمرية درت فيها مع الفلك وسايرت الشمس، واستقبلت السنين ثم ودعتها كما استقبلتُها، واستولدت الآمال ثم دفنتها كما استولدتُها، ورأيت أفراحاً ورأيت أتراحاً، وصادقت وعاديت وأحسنت وأسأت، فما الذي خرجت به من ذلك كله؟
لقد قطعت في هذه السنين الأربعين أكثرَ الطريق، ولكن لم
стр. 227
أعرف بعد إلى أين المسير! ومشيت أكثر من أربعة عشر ألف يوم تباعاً، ولكن لم أدرِ إلى أين أمشي!
إنني أصحو كل يوم، فأكلم أهلي وآكل طعامي وأذهب إلى عملي، ثم أعود إلى داري فأكتب مقالتي أو أنظر في كتابي، أو أزور أصحابي أو ألهو بما يلهو به مثلي، ثم أنام لأصحو من الغد فأعيد الفصل ذاته ... والأيام تكرّ، والسنون تطوى، والعمر ينصرم، وأنا «أمثّل الرواية» الأبدية: صحو ومنام، وشراب وطعام، وصمت وكلام، ووداد وخصام ... أما أن أعرف نفسي وأخلو بها ساعة كل يوم وأسأل: من هي ومن أين جاءت؟ وفيمَ وُجدت وإلى أين تمضي؟ فهذا ما لم أفعله إلى اليوم. بل إني لأفر منها فراراً وأخاف أن أخلو بها، فأتشاغل عنها بحديث تافه أو كتاب سخيف أو لهو باطل، وإذا أنا أُلزمت صحبتها وعدمت الشواغل عنها ضقت بنفسي وضجرت وأحسست كأني سأجنّ!
وأنا أصرف العمر في قطع العمر وأجعل أكبر همي إضاعة يومي، كأني أُعطيت الحياة لأعمل على تبديدها، فإذا لم أجد ما أمزق به الوقت واضطررت إلى مواجهة الزمان في ساعة كساعات الانتظار ضقت بعمري، وضجرت وأحسست كأني سأجنّ!
إني أركض أبداً وراء المستقبل؛ ففي المستقبل أبلغ آمالي، وفيه أصلح نفسي، وفيه أنيب إلى ربي، وفيه أكتب تلك المعاني التي طالما جاشت بها نفسي ولم يجرِ بها قلمي، وفيه أؤلف الكتب الكبار التي طالما أزمعت تأليفها ... وفيه أصنع كل شيء. ولكن المستقبل لن يأتي أبداً، وحين يأتي يصير «حاضراً» وأذهب أفتّش
стр. 228
عن «مستقبل» آخر، فأنا كالفرس الذي يعدو ويشتد ويكدُّ نفسه ليدرك حزمة الحشيش، والحزمة معلقة في عنقه، يبصرها أبداً أمامه ولا يصل إليها، فلا يزال يسعى حتى يدركه الكلال فيقع، أو تعترضه حفرة فيسقط فيها ... ولكن الحفرة التي أسقط فيها أنا لا قيام منها ولا مناص من ورودها، ولا يستطيع أن يجتنبها كبير ولا صغير، ولا غني ولا فقير، ولا أمير ولا أجير.
وإذا أنا وصلت إلى الأمل الضخم هان عليّ وذهب بهاؤه وامَّحت روعته، كأن الآمال سراب لا يلمع إلاّ من بعيد.
لقد كان أكبر أملي يوم كنت في الابتدائية أن أكون معلماً، وكنت أتوهّم حياة المعلم فأجدها جنة أنزلت الأرض فيها ما تشتهي الأنفس ... أليس المعلم يأمر فيُطاع أمره، وينهى فيُجتنب نهيه، ويوفى التبجيل وينال الإكبار؟ فلما صرت معلماً لم أجد من تلك الجنة إلاّ الذي تجده من الغوطة في الشتاء: أرضاً موحلة ما فيها إلاّ الشوك، وأشجاراً يابسة ما فيها إلاّ الحطب، ورأيت مدرّس الثانوية أعلى قدراً وأقل عملاً وأكبر مرتباً وأوسع جاهاً، فأملت أن أكونه. وأملت أن أكون كاتباً، وأن أكون قاضياً، وأن أكون خطيباً، وأن أسيح في البلاد ... فلم أجد في الأمل إلاّ الألم لانتظاره، ثم الملل من بقائه، فتيقنت الآن أني لو صرت رئيس الجمهورية أو صاحب «الأهرام» أو كان لي مال «عبود»، لذهبت الأيام بلذة ذلك كله وهوّنه الاعتياد، فلم أستفد منه إلاّ حسد الحساد عليه والحسرة -إن فُقِدَ- لفقده ... وأن متع الدنيا أوهام، مَن لم ينلها تشوّقَ إليها وحسد عليها، ومَن نالها ملّها وتمنى غيرها:
стр. 229
المتزوج يتمنى العزوبة والعَزَب (١) يشتهي الزواج، والمقيم يرجو السفر والمسافر يطلب المعاد، والريفي يحن إلى المدينة والمدني يتشهى الريف، ونحن كلنا أطفال ... تشتري للطفل اللعبة النفيسة فيفرح بها ويهش لها، ثم يلقيها ويطلب غيرها ولو كان دونها! ثم إن الآمال لا تنتهي؛ فمن أُعطي المليون ابتغى المليونين، ومن رُفع في الوظيفة درجة طلب درجتين، فلا يزال في شقاءين: شقاء بالحاضر الذي لا يقنع به، وبالآتي الذي لا يصل إليه.
أفلهذا وجدت وسعيت أربعين سنة؟ أسعيت لأدرك السراب؟
وتتالت عليّ الفِكَر، وعاودني الضيق الذي طالما كاد يدفعني (لولا خوف الله) إلى طلب الموت من سنين! وما أشكو المرض فصحتي جيدة، ولا أشكو الفقر فما أجد من المال يكفيني، وإنما أشكو فراغاً في النفس لا أعرف مأتاه، وقوىً فيّ لا أجد لها مصرفاً، وحنيناً إلى شيء غامض لا أدري ما هو على التحقيق.
وتركت القلم والورق وقمت أدور في الغرفة، فوجدت على نضد إبريقاً من البلّور الصافي طويل العنق واسع البطن، فيه نحلة قد دخلت ولم تستطع الخروج، فهي تتحفز وتتجمع وتثب متقدمة بقوة وبأس، فيضرب الزجاج رأسها ويردها، فتعاود
стр. 230
الكرّة وهي لا تبصر الجدار وإنما تبصر ما وراءه، فتحسب أنه ليس بينها وبين الفضاء حجاب. فجعلت أنظر إليها وهي تعمل دائبة، كلما ضربت مرة عادت تحاول أخرى لا تقف ولا تستريح، حتى عددت عليها أكثر من أربعين مرة، تجد الصدمة كل مرة فلا تعتبر ولا تدرك الحقيقة، ولا ترفع رأسها لتبصر الطريق وتعلم أن سبيل الفضاء وباب الحرية هو من «فوق» لا عن يمين ولا عن شمال ...
فتعلمت من هذه النحلة ما كان خافياً عني: تعلمت أننا مثل هذه النحلة نحسب أن الانطلاق إنما يكون على الأرض فنقدم، فتضرب العوائق وجوهنا وتردنا، فنقعد يائسين أو نعاود الكرة مستميتين، نحسب الانطلاق في الشهرة أو في المال أو في متع الجمال، وهيهات! وها هم أولاء السياسيون والممثلون والمغنون، تطبق الأرض بأحاديثهم ويشتغل الناس بأخبارهم، ويرون صورهم ويسمعون أصواتهم، فما الذي يحصل من ذلك في أيديهم؟ وماذا ينفعك أن يكون الناس كلهم يمدحونك إذا كنت منفرداً في غرفتك مبتئساً تَعِس النفس محزون القلب؟
وها هم أولاء الشباب الأغنياء، يؤمون كل ملهى ويستمتعون كل يوم بجمال جديد، فهل ذهب ظمأ قلوبهم إلى ارتياد منابع الجمال؟ هل شبعت شهواتهم؟ أم أن ذلك كالماء المالح كلما شربتَه جدّدَ لك ظمأً؟ وها هم أولاء المحبون المدنفون، يعانقون مَن يحبون، والنفس لا تزال بعد مشوقة ليس يرويها عناق ولا اقتراب، ولا يشبعها شيء من متع الجسد. وها هم أولاء «الملايِرة» (١) المؤلِّفون، هل أشبعت ملايينهم نفوسَهم ورزقتهم القناعة والاطمئنان؟
стр. 231
فما هذا طريق السعادة. إن الطريق على الأرض مسدود، والفضاء من حولك له حدود، وما طريق الفضاء وسبيل الانطلاق إلا من «فوق»، هناك عالم النفس، تنشط النفس كلما برقت لها منه بارقة أو لاح علم، كلما سمعت نغمة سحرية فيها رنّة من ذلك العالم أو قرأت قصة عبقرية فيها إشارة إلى ذلك المجهول، أو وعت موعظة علوية فيها قطرة من ذلك الينبوع.
الآن عرفت، فيا ضيعة هذه السنين الأربعين!
* * *
لا تقولوا: إنك تكتب في الدين وفي الفضيلة وإنك تدعو إلى الخير، لأني عزمت على أن أقول الليلة الحق ولو كان على نفسي.
الحق -يا سادة- أن الدعاة اليوم إلى الله (لا أستثني واحداً ممن أعرف منهم) كلهم ممثلون؛ يلبسون في المجلة أو على المنبر ثياب المسرح فيبدون بالجبة والعمامة، فإذا انقضى «الفصل» خلعوها وعادوا إلى بيوتهم، فعكف عابد الدينار منهم على معبوده ما له إلاّ جمع المال همّ، وعابد الشهوة عليها، وعابد الجاه، وعابد المنصب ... تعددت الأصنام والشرك واحد!
إنهم ممثلون وأنا أول الممثلين. ولو كنت صادقاً لما ألّفت في سيرة أبي بكر وعمر ثم عدلت عن سنتهما وسرت غير سيرتهما،
стр. 232
ولو كنت صادقاً إذ أدعو إلى الإسلام لكنت في سري وجهري وفي لساني ويدي واقفاً عند أمر الإسلام ونهيه، ولو كنت صادقاً لما انغمست في حمأة هذه الحياة التي سال علينا سيلها من الغرب، ولو كنت (وكان عشرة مثلي، صادقين) لما بقي في الأرض فساد. ولقد طهّر الأرضَ من أوضارها منبر واحد من الخشب، ثلاثُ درجات ليس لها درابزين ولا عليها قبة ولا لها باب، فلِمَ لا تطهر الأرضَ مئةُ ألف منبر مزخرفة منقوشة محلاة لها أبواب جميلة وقِباب؟ ألأنّ الناس فسدت طبائعهم؟ ألأنّ الزمان قد دنا آخره؟
لا؛ بل لأن القائمين عليها وعّاظ من خشب، يحملون سيوفاً من خشب!
* * *
أما إن الحق الذي لا بد الليلة من الصدع به أنه: لا هذه المواعظ ولا هذه المقالات هي التي توصل إلى الله، ولكن يوصل إليه أن يعود كل إلى نفسه فيسأل: من أين جاءت، وفيمَ خُلقت، وإلى أين المصير؟ وأن يعلم كلٌّ أن الطريق من «فوق»، فيرفع رأسه ليرى الطريق. ومَنْ منا يرفع اليوم رأسه، ونحن كالنحلة لا نبصر إلاّ الأرض؟ بل إن منّا مَن هو كالفراشة تسعى إلى النار، تحسب أنها باب الانطلاق!
إن المسيحيين يصلّون لربهم قبل الطعام على المائدة وقبل الدرس في المدرسة ويوم الأحد في الكنيسة، فتعلم أنهم مسيحيون، فما يصنع كثير من المسلمين؟ وأي علامة تدل على أنهم مسلمون، من ساعة يصبحون إلى ساعة يمسون؟!
стр. 233
لا صلاة، ولا ذكر، ولا تمييز لحلال من حرام ... إن عملوا خيراً فباسم الأخلاق والفضيلة والصحة لا باسم الإسلام. فما الفرق بينهم وبين غيرهم؟
يقولون إن الدين المعاملة والصدق والقصد والاعتدال وأن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك. صحيح؛ ولكن هذا من الدين، وليس هو الدين! وهذا شأن كل شريف، يستوي فيه الشرفاء جميعاً، فما معنى تفريقهم إلى مؤمنين وملحدين وعبّاد وثن؟ وهذا كله للحياة الدنيا، فما الذي نعمله للحياة الأخرى؟
لا، بل الدين أن تتصل بالعالم العلوي، وأن تراقب الله، وأن تعلم أنه مطلع عليك أبداً، وأنه يرعاك بعينه فترعاه بقلبك وتطيعه بجوارحك.
هذه غاية الخلق وهذا سرّ الوجود: ﴿مَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدون﴾، لا عبادة عادة، وصلاةَ رياضة، وصومَ استشفاء، وحجَّ سياحة؛ بل العبادة التي يحسّ بها القلب حلاوة الإيمان، ويذوق فيها لذة العبودية، ويستشعر فيها القيام بين يدي الله. ولتغامر مع ذلك في ميدان الحياة، ولتقحم لجَّها، ولتأخذ أوفر قسط من طيباتها ومن علومها ومن فنونها، ولتكن قوياً ولتكن غنياً.
هذه حقيقة الدين وهذه غاية الحياة، فهل يصل إلى الغاية من مشى أربعين سنة مائلاً عنها ضالاً طريقها؟
ألا يا ضيعة هذه السنين الأربعين!
* * *
стр. 234
بيوتنا هدمناها بأيدينا
نشرت سنة ١٩٥٩
لقيت أمس -وكنت رائحاً إلى الدار- إخواناً لي، فقالوا: هَلُمّ معنا إلى زيارة فلان. قلت: إني في شغل. قالوا: هو على طريقك، في العفيف. قلت: إذن أذهب، فلي في العفيف ذكريات أحب أن أجدد العهد بها.
وانطلقت أسايرهم وأحدثهم حديث ذكرياتي في العفيف.
ذلك أني كنت أيام الحرب الأولى تلميذاً في المدرسة الابتدائية، وكان سكننا في طرف «السمّانة»، في تلك الأزقة الملتوية الضيقة التي يستطيع الماشي فيها أن يمدّ يديه فيدرك طرفيها. وكانت مدرستنا في سوق صاروجا (١) فكنا نصرّم الأيام الطوال نعيش وراء الجدران لا نستطيع أن نطلق البصر في رحب الفضاء، ولا أن نمتع العين بخضرة الحقول وزرقة الأنهار، ولا أن نستمع إلى خرير السواقي وهدير النواعير ...
لذلك كان من أحب الأيام إلى نفسي يوم تذهب الأسرة إلى
стр. 235
زيارة بيت عمي في العفيف. وكان الذهاب إليه سفرة، فكنا نمشي إلى «بوّابة الصالحية» ... وهي اليوم لب دمشق وهي أعظم ميدان فيها وحولها أضخم عماراتها، ولكنها كانت يومئذ مجازاً خطراً لا يستطيع أن يسلكه في الليل إلاّ الجَسور، وكان في نهاية سوق صاروجا «بوابة» من الخشب تُغلق في الليل، فإذا خرجت منها وجدت طريقاً ضيقاً يسلكه الترام وعلى جانبيه بساتين تتخللها بيوت متفرقة، وكان في موضع الشارع العظيم «شارع ٢٩ أيار» بستان الكركه، وفي موضع البرلمان (سينما) أخذونا إليها ونحن تلاميذ فأرونا (فِلماً) عن موقعة «شناق قلعة». ثم احترقت السينما وبقيت أنقاضها سنين طويلة حتى أقيم البرلمان.
وكان بيت عمي من تلك البيوت الشامية الأصيلة. قصر رحيب له براني وجواني (١) وشتائي وصيفي، له صحن واسع في وسطه بركة مثمّنة تخرج منها (نافورة) قطرها شبر يمدها نهر يزيد، يتدفق منها عمود من الفضة المذابة يرتجّ ويتمايل كراقصة تتثنى وتتخلع، يحسبه الناظر متدفقاً بالزئبق، وعلى أركانها الثمانية ثماني شماشير (٢) مدوّرات كأنما أُدرن بـ «بركار»، ومن ورائهن صفوف من نفائس الأشجار من الخوخ والدراق والمشمش والرمان، تحفّ بها من عند سوقها غرائب الأوراد والأزهار تظللها الدوالي صاعدات إلى السطوح، والأرض والجدران من الرخام الأبيض والمجزّع والحجر الملون المنقش تتسلقها فروع
стр. 236
الملّيسا والياسمين، وفي صدر الدار إيوان له قوس عال (١) تزيّن جدرانه وسقفه صنعةٌ شامية عجيبة من الحجر المتداخل والخشب المتشابك والقاشاني وبين يديه «فسقية» عجب من العجب، قطعة واحدة من الرخام الوردي على مثال الكأس لها عنق طويل، وتطل نوافذ الإيوان من جهة البلد على بساتين الجسر الأبيض التي تنحدر خلالها السواقي متعاقبة متتابعة، تحمل الماء من يزيد إلى تورا (٢) تهدر به وتتكسر، لا تسرقه كلص متخفّ يخافت الخطو بل كأطفال مدللين يولون بما يخطفون وهم يزأطون ويضحكون ... وتبدو هام الأشجار دُوَين النوافذ فيحس الناظر منها كأنه على أرض من الغصون، وتلوح البلد من بعيد بمآذنها وسقوفها تبدو من خلال الأشجار كمشهد في حلم، وينظر الإيوان من أمام إلى قاسيون الحبيب ... منظر عجب وفتنة لا تنقضي. وإلى جنب الإيوان من هنا القاعة الكبرى بدكتَيها ونقوشها وبركتها، ومن ورائها البستان. ومن هناك القسم الشتوي من الدار: غرف دافئات يسبحن في الضياء ويغتسلن بأشعة الشمس في الشتاء. والبراني قريب منه في بنيانه وبستانه، وهو للضيوف من الرجال لئلا يدخلوا الدار فينتقصوا من حرية النساء (٣).
стр. 237
فكنا إذا بلغنا الدار وثبنا ننعم بالحرية والانطلاق بعد السجن والضيق، فلعبنا وتسلقنا الأشجار وصعدنا السطح وأكلنا العنب (وكانت دوالي الدار تحمل كل سنة أربعة قناطير (١) من العنب البلدي النادر) وأشرفنا على دار عثمان باشا، ولم يكن ثمة غيرها، وقد صارت هذه الدار -من بعد- قصر الملك فيصل لما كان في دمشق، ثم صارت المفوضية الفرنسية، وهي اليوم خالية خاوية قائمة تسخر ممن يثق بالزمان ويطمئن إلى السلطان!
فإذا مللنا دخلنا الجُنينة فبقينا فيها وأفسدنا ما فيها من نوادر الغراس، وكان في آخرها باب صغير هو في أنظارنا -يومئذ- نهاية العمران وآخر المسكون في الأرض، وكنا نتهيب أن ندنو منه، ثم تجرأنا مرة فولجناه فإذا نحن في مثل غابات إفريقية بهولها وعجائبها: بساتين متصلة وأشواك معترضة وسَواقٍ هدّارة مرعبة (٢)، تعترضها شلالات عميقة وكلاب شرسة ونواطير أشرس من الكلاب ... وكنا مجموعة من الأولاد؛ أنا وأبناء عمي وأولاد الجيران ... وأظلم علينا الليل ونحن في هذه المجاهل وكانت ليلة ليلاء.
* * *
كذلك كانت دورنا الشامية، كانت سكناً ونزهة، وكانت مَصِيفاً ومشتىً، وكانت كالمرأة المحجبة لا تبدي زينتها لغير أهلها، تراها من الخارج كأنها مخازن التبن ما تكشف عنها نافذة
стр. 238
ولا شرفة، فإذا دخلت رأيت الصحون الكبار والبِرَك والأنهار وغرائب الأشجار، وفي كل دار أسرة كاملة يجمعها الحب والإخلاص، وقد يختلف مَن فيها ويتنازعون، ولكنه اختلاف لا يمحو المحبة وتنازع لا يولد البغضاء، وإنما هو كاصطدام الغصن بالغصن في الروض الممرع من نسيم الأصيل.
يأكلون جميعاً من قدر واحدة على مائدة واحدة، فإذا كان العصر غُسلت أرض الصحن حتى صار رخامها وبلاطها كالمرايا، ورُشَّت الأشجار حتى قَطَرَ منها الماء، وزقزقت عليها العصافير التي تأوي إليها كل عشية، واصطفت الأسرة على الإيوان: الجد وأولاده وبناته وكناته وأحفاده، ونُصب (سماور) الشاي وأُديرت الكؤوس، وقفز الأولاد ولعبوا وتحدث الكبار وضحكوا، لا تصل إلى الجيران أصواتهم ولو صاحوا وغنوا ولا تصل إليهم أصوات الجيران، ولا يراهم أحد ولو تعروا ولا يرون أحداً، فهي مملكة مستقلة يحس ساكنها أنها له وحده، لا يؤذي جاراً ولا يؤذيه جار، وهي كثيرة الغرف متعددة الأجزاء، وهي لرجل الفكر نعمة يستطيع أن يجد فيها غرفة يقرأ فيها هادئاً ويكتب والضجة في الدار على أشدها فلا يسمعها، وهي عالم كثير المشاهد مختلف المناظر، إن مللت منه مكاناً قصدت غيره، فمن قعود في القاعة أو صعود إلى القصر (١) أو جلوس على بساط تحت الشجرة، أو عزلة في المشرقة (٢).
стр. 239
هذه هي بيوتنا التي خُلقت لنا والتي هندسَتْها طبيعةُ جوّنا وآداب ديننا وعاداتنا وأوضاعنا، وهي البيوت الشامية الأصلية التي رسخت أصولها فينا، ثم امتدت فروعها فقطعت البحر من ضفة إلى ضفة، من الشام إلى الأندلس، فملأت الأندلس ثم انتقلت إلى المغرب فلا تزال فيه إلى اليوم، ما ملّوها كما مللناها ولا انصرفوا عنها تقليداً للغرب الذي اتخذنا تقليده ديناً ورأينا كل ما يأتي من عنده حسناً، ولو كان الفجور والعهر، والرقص والخمر، والفسق والكفر!
* * *
وكنا قد بلغنا منزل الرجل حين بلغتُ هذا المحطّ من الحديث، فنظرت فإذا الأرض قد بُدِّلت غير الأرض، وإذا تلك الدار التي كانت مدارج صباي ومرابع هواي قد ذهبت مع أمس الدابر، وإذا في مكانها عمارتان جديدتان في إحداها دار صديقنا الذي جئنا نزوره، فأحسست -مما فقدت وما وجدت- كأني قد ودّعت عزيزاً وفارقت حبيباً، وتردد بي الزمان بين الماضي والحاضر حتى شعرت كأن قد أصابني دوار، ودخلت متحاملاً على نفسي غائباً عن حسي، فإذا الدار سجن من هذه السجون التي تُسمّى الطوابق: صناديق من (الإسمنت) تتلظى في الصيف حراً وتشتعل لهباً، فكدنا نختنق وقلنا: افتح النافذة نجد مسَّ النسيم.
قال: لا نستطيع، إن نافذة الجيران أمامنا، فإن فتحنا أبصروا كل ما في الدار.
فصبرنا على مضض، فما هي إلاّ هنيهة حتى ارتجّ البيت
стр. 240
رجة ظننت أن قنبلة قد تفجرت فيه! قلت: ما هذا؟
قال: شيء قد سقط عند الجيران.
وهنيهة أخرى، وإذا بصوت يملأ الدار ويصم الآذان. قلت: وهذا؟
قال: رادّ (١) الجيران.
قلت: أعوذ بالله، فكيف تعيشون في هذه الدور؟
قال: في عذاب. لقد تعجلنا الجحيم في الدنيا حين زهدنا في بيوتنا العربية واتخذنا هذه الطوابق؛ هي جحيم على الكبار وعلى الصغار. ألا ترى الأولاد يلعبون في كل طريق، يتعلمون في مدرسة الشوارع كل سيء من العادات وبذيء من القول، ويعودون إلى أهلهم بوساخة الثياب ووساخة الخلق ووساخة اللسان ... هذا إن لم يعودوا بشجة في الرأس من الحجارة أو كسر في الرجل من السيارات.
إن السبب فيها هو هذه البيوت، لو كان في الدور مثل تلك الصحون وتلك الحدائق لما خرج الأولاد إلى الطرق والشوارع.
* * *
وخرجنا من الزيارة، فودعت صحبي ووقفت وحدي أبكي
стр. 241
الماضي الذي افتقدته. أفتّش عن بقية منه فلا أجدها، وأستنطقُ الديار فلا أسمع جوابها ... ثم رأيت وراء العمارتين خربة صغيرة مهجورة فيها بحرة عتيقة لا يزال ينساب منها الماء، وقد اخضرّت حجارتها ونبتت الطحالب عليها، فأحسست بقلبي يدق في صدري لمرآها، وتسارعت أنفاسي كأنني رأيت في زحمة الناس وجه حبيب طال منه الهجر وعز اللقاء ... إنها بركة القاعة الكبرى في بيت عمي؛ البركة التي كانت تلمع حجارتها كالمرايا ويبرق ماؤها كالألماس (١)، إنها تبدو اليوم كسائلة عجوز بأسمالها الباليات، ولكني أراها كما كنت أعرفها في أيام عزها، أراها الصبية الحسناء المدللة اللعوب. ووقفت أصغي إلى خريرها الخافت فأغفي عليه كما يغفي الطفل على الأغنية الناعمة تهمس بها أمه في أذنيه، ورحت أحلم:
رأيت البركة قد انجلت وصُقلت والماء قد عاد متدفقاً قوياً، وقامت من حولها الجدران المزخرفة وظللها السقف المنقوش، وعاد الإيوان والصحن، ورجعت الدار، وعاش الماضي. وسمعت طرق القباقيب وصياح النسوة وزئيط الأولاد.
واستغرقت في الماضي حتى ذهبت أنادي وأهتف بأسماء أهل الدار وقد نسيت أني أنادي من وراء أربعين سنة، أهتف بأسماء مِن أصحابها مَن واراه التراب، ومنهم من رمت به الأيام أبعد المرامي.
ولم يجب أحد.
стр. 242
ما في الدّيار مُخَبِّرٌ ... إلاّ صَدىً لِمُصَوّتِ
ناديتُ: أين أحبّتي؟ ... فأُجِبتُ: أين أحبتي؟
وفُتحت النوافذ وأطل مَن فيها ينظرون. قالوا: من هذا الغريب الذي يصيح في الخربة كالمجانين؟ زعموا أني أنا الغريب.
أنا الغريب؟ ويحكم! إنها دارنا؛ إن فيها قطعاً من قلبي وبقايا من حياتي، أفأغدو غريباً في داري؟
وعدت إلى الحاضر، وتصرّمَ الحلم كأنه سطور خُطّت على الماء. وانصرفت وأنا أسائل نفسي أن لماذا نلوم الذين هدموا تلك المنازل الغالية التي كانت في الميدان والشاغور وسيدي عامود (١)؟ لماذا نلومهم إذا رحنا نحن نهدم بأيدينا ما ترك الفرنسيون من منازلنا؟! لقد كان الفرنسيون أعداءنا فهل نحن أعداء أنفسنا؟ ألا يا أسفي على تلك المنازل! يا أسفي علينا!
* * *
стр. 243
الدّرس الأخير
نشرت سنة ١٩٣٦
أولادي!
انتظروا، لا تخرجوا كتبكم ولا تفتحوا دفاتركم؛ فما جئت لألقي عليكم درساً، وإنما جئت لأودعكم لأني نُقلت من مدرستكم. إن الوداع صعب يا أولادي لأنه أول الفراق، وما آلام الدنيا كلها إلاّ ألوان من الفراق: فالموت فراق الحياة، والثّكل فراق الولد، والغربة فراق الوطن، والفقر فراق المال، والمرض فراق الصحة.
إن الوداع صعب ولو إلى الغد، فكيف إن كان المودَّع صديقاً عزيزاً، فكيف إن كان ولداً، فكيف إن كانوا أولاداً؟
أنتم أولادي، أولادي حقيقة، لا أقولها مجاملة ولا رياء ولا أسوقها كأنها كلمة تقال، ولكن تنطق بها كل جارحة فيّ وأحسها من أعماق قلبي!
ولم لا؟ ألستم تحبونني وأحبكم؟ ألم أفكر فيكم دائماً وأخَفْ عليكم؟ ألم تروني آلم إذا تألم أحدكم وأثور إذا تعدى أحد
стр. 244
عليكم؟ ألم أفتح لكم قلبي حتى اطمأننتم إليّ وأنِستم بي وخرقتم حجاب الخوف الذي كان بيني وبينكم، كما يكون بين كل معلم وتلاميذه، وغدوتم تدعونني لأشارككم في ألعابكم، وتقصون عليّ أخباركم وتبثونني أحزانكم، وتنبئونني بأسراركم وتشكون إليّ ما يصيبكم من آبائكم وأهليكم؟ فأي صلة بين الآباء والأبناء أوثق من هذه الصلة، وأي سبب أقوى من هذا السبب؟
أنتم أولادي. فهل رأيتم أباً يودِّع أولاده الوداع الأخير ثم يملك نفسه أن تسيل من عينيه؟ لقد شغلتم نفسي زماناً وأخذتم عليّ مسالكي في الحياة، فلا أرى غيركم ولا أفكر إلاّ فيكم، وأقنع بصداقتكم هذه الخالصة المتعِبة المرهِقة عن الصداقة الكاذبة والود المدخول.
فكيف أقدِر أن أملك نفسي وأنا أقوم بينكم لألقي عليكم كلماتي الأخيرة، ثم أمضي لطيّتي لا أدري أأراكم بعد اليوم أم لا أراكم بعد أبداً؟
أما أنتم فاملكوا أنفسكم! لا تحزنوا ولا تأسفوا ولا تبكوا لأني علّمتكم كيف تكونون في طفولتكم أكثر منا في شبابنا رجولة وصبراً، ونشّأتكم على القوة التي فقدناها والبعد عن العاطفة التي رُبّينا عليها، وإنكار الألم الذي لا نزال نهرب منه، والمغامرة التي نكرهها ونجهلها لأرى صبركم في مثل هذا اليوم.
إنكم الآن تجتمعون حولي، ولكنكم ستتفرقون في المستقبل وستُنثرون على درجات السلم الاجتماعي نثراً، وسيكون منكم الغني والفقير، والكبير والصغير، والتاجر والصانع، والموظف
стр. 245
الكبير، والمدير والوزير ... ولكن قلبي سيتبعكم، وحياتي ستمتد فيكم، ومبادئي ستبقى في قلوبكم لا تستطيعون أن تتناسوها، وكلماتي سترنّ في آذانكم لا تقدرون أن تتغافلوا عنها، وستسمعونها تدعوكم باسم الواجب في ساعات الهوى، وباسم الحق في جولة الباطل، وباسم الفضيلة في غمار اللذة. فطوبى لمَن لبّى وسمع واستجاب، وويلٌ لمن نسي وأنكر وأعرض واستكبر!
إنني لقّنتكم مبادئ الحق والفضيلة، ولكنكم ستجدون في تطبيقها عناءً كبيراً، ستجدون أول خصومها معلّميكم في المدرسة وأهليكم في البيت ورفاقكم في الطريق، فالسعيد السعيد من ثبت على الحق وأوذي في سبيله، والبطل من درأ بصدره السهام عن أمته وأطفأ بدمه النار التي تحرق وطنه. إن في أمتكم طاعوناً أخلاقياً مروعاً أصيبت به منذ خمسمئة سنة فذلّت واستكانت وفقدت عزتها وصبرها وقوتها، وقد جاء الوقت الذي تبرأ فيه الأمة. إنها لن تبرأ إلا على أيديكم.
لقد دللتكم على الطريق ووضعت في أيديكم مفتاح النجاح، فعلّمتكم فضائلي كلها مع ما عرفت من فضائل، وجنّبتكم نقائصي كلها مع ما عرفت من نقائص، فاحترمتكم لتحترموني، وأخطأت أمامكم لتردّوني، ورجعت عن خطئي لتتعلموا مني، وأنصفتكم من نفسي لتُنصفوا الناس من نفوسكم، وعلّمتكم معارضتي إذا جِرتُ لتتعلموا المعارضة لكل جائر ... ولم آتِ في ذلك بدعاً؛ فهذه مبادئ الإسلام الذي علمتكم اتباع سبيله والوقوف عند أمره ونهيه، والفخر به والجهر باتّباع شعائره، وربيتكم على الطاعة في غير ذل والعزة في غير كِبر، والتعاون على الخير، والثبات على
стр. 246
الحق والقوة في غير ظلم، والنظام الكامل من غير أن يفقدكم النظام شخصياتكم واستقلالكم.
كنت أذكر ما كنت أستاء منه في المدرسة مما كان يصنع معنا معلمنا، فلا أصنع معكم منه شيئاً: كنّا نفر من المدرسة لأننا لا نجد فيها إلا جبّاراً عاتياً عَبوس الوجه قوي الصوت بذيء الكلمات، فجعلتكم تحبون المدرسة لأنكم تلقون فيها أباً باسماً شفيقاً يحبكم ويشفق عليكم، ويحرص على رضاكم كما يحرص على نفعكم.
وكنا نكره الدرس لأننا نجده شيئاً غريباً وطلاسم لا نفهمها ولا ندرك صلتها بالحياة، ونعاقَب على إهماله ونجازَى على الخطأ فيه، فجعلتكم تحبون الدرس لأنكم ترونه سهلاً سائغاً، تدركون صلته بحياتكم وفائدته لكم، وتحفظونه لأنه لازم ومفيد لا خوفاً من العقاب ولا هرباً من الجزاء.
وكنا ننتظر المساء لننجو من المدرسة، لأننا نُسجن فيها سجناً لا نستطيع أن نميل أو نتلفت أو نتكلم، ولا نسمع من الأستاذ إلا عبارة الدرس المبهمة وألفاظ الشتائم المؤلمة. فجعلتكم تكرهون المساء لأنه يفصلكم عن المدرسة التي تقولون فيها ما شئتم من طيب القول، وتفعلون ما أردتم من صالح العمل، وتقرؤون ما زلتم نشيطين للقراءة، فإذا مللتم من الدرس سمعتم قصة لطيفة ونكتة حلوة، هي أيضاً درس من الدروس، ووجدتموني أحادثكم كما أحادث الرجال لا الأطفال. كنا نشعر بأننا أذلاء في المدرسة لأننا لا نقدر أن ندافع عن حقنا أو نطالب بما لنا، وإذا قلنا كلمة فالعصا نازلة على رؤوسنا، أو رددنا على المعلّم لفظة فالبلاء
стр. 247
مستقر على عواتقنا، فجعلتكم أعزة أحراراً، تدافعون عن حقكم وتطالبون بما لكم، ولكن بأدب واحترام واتباع لقوانين المجتمع وأنظمة المدرسة.
* * *
أتذكرون يوم جئتكم كيف كان أكثركم يأتي إلى المدرسة بادية أفخاذه مرجَّلاً شعره، في جيبه مشطه ومرآته وكمّتُه (بيريه) على رأسه، تفخرون برقتكم وتعتزون بجمالكم وتتخلعون في مشيتكم، ولا تجدون من معلميكم إلاّ إقرار ما تفعلون واستحسان ما تأتون، لا تربطكم بالإسلام إلاّ رابطة الاسم ولا بالعروبة إلاّ صلة الجنسية، ولا تعرفون من تاريخكم ما تعرفون من تاريخ الحثيّين والآراميّين الذي قرأتموه مفصّلاً قبل أن تدرسوا سيرة محمد بن عبد الله ﷺ ، وقبل أن تعلموا من هو أبو بكر، وقبل أن تسمعوا باسم معاوية! فعلّمتكم أن فخر الرجل بقوته وعلمه، واعتزازه بدينه ولغته. فاشتدت أعصابكم وقويت نفوسكم وتنبهت عزائمكم، وصرتم تمشون كالأسود وتلعبون كالعفاريت، وتطالعون كالعلماء وتفكرون كالفلاسفة وتراقبون الله كالصديقين، وصرتم وأنتم في هذه السن تهيئون محاضرة في عشرين صفحة عن عمرو بن العاص أو عبد الملك أو عبد الرحمن الناصر، وسمعتم أن في الدنيا علوماً إسلامية، واستقر في نفوسكم أن هذه العلوم وهذه الحضارة وهذا المجد لا بد لها من بعث كالبعث الأوربي (الرينسانس).
ولكنكم لا تستطيعون -يا أولادي- أن تفهموا التضحية التي قدمتها من أجلكم؛ لأنكم لم تعرفوا قبلي هذا الطراز من المعلمين،
стр. 248
فحسبي أن أخبركم أنني أشتغل بالأدب. أعني أن لي نفساً تشعر وتحِسّ، وتَالَم وتسرّ، وتغضب وترضى، وتثور وتهدأ، وتأمل وتقنط، وأن لي غاية في الحياة أكبر من هذه الوظيفة، وأنني أهتم بأشياء غير صفّارة المناوب وعصا التأديب وحفظ النكات الباردة لتقطيع الوقت بها، ولف رجل على رجل في عظمة جوفاء لانتظار الدرس ...
ذلك أنني أغدو إلى المدرسة كل يوم وفي نفسي عشرات من الصور والأفكار أبني منها هياكل فخمة لآثاري الأدبية القيمة التي لم أكتب منها شيئاً بعد، فإذا بلغت المدرسة ونشقت هذا الهواء المليء بجراثيم البلادة والخمول طار من رأسي كل شيء، وأحسست أني غدوت -حقيقة- معلماً أولياً!
أجل! لقد ضحيت من أجلكم بفكري ونفسي ... فخسرتهما من أجلكم، وهأنذا أخسركم أنتم أيضاً.
إنكم لا تعلمون أيّ فراغ سيدع في نفسي فراقكم، وتحسبون معلّمكم واحداً من هؤلاء البشر الآليين الذين يذهبون ويجيئون ويعملون ويتركون، ولكن بلا قلوب، فسأقص عليكم قصة وقعت لي منذ أسبوع:
كان اليوم عطلة، وكنت أرقبه من زمن بعيد لأستريح فيه من هذا العناء الذي هدّني هدّاً وطمس بصيرتي وبلغ بي إلى الحضيض الفكري. فلما أصبحت عمدت إلى المطالعة فلم أفهم شيئاً، ووجدت شيئاً يدفعني إلى الخروج، فارتديت ثيابي وأنا لا أدري أين أقصد، فإذا أنا أمشي في الطرقات التي أمشي فيها كل يوم،
стр. 249
وإذا رجلاي تقودانني إلى المرجة حيث ركبت السيارة إلى حيّ السفح (المهاجرين) (١)، إلى باب المدرسة. هنالك انتبهت وعدت إلى نفسي، فإذا أنا لم أقدر أن أعيش يوماً واحداً بعيداً عنكم، وإذا صوركم وبسماتكم الحلوة وشيطنتكم البريئة وصداقتكم الخالصة وأصابعكم الممدودة للسؤال قِيد بصري حيثما ذهبت!
ولكن لا عليكم مني يا أبنائي، لا تفكروا فيّ ولا تحملوا همّي، بل فكّروا دائماً في «مبادئي» التي علّمتكم إياها، واذكروا في المستقبل أني كنت أستاذكم وأنكم أحببتموني وأحببتكم، ولا تحقدوا عليّ أني كنت أحياناً أقسو عليكم أو أعاقبكم، فإنما كان ذلك لفائدتكم.
وبعد، فقوموا يا أولادي ودّعوا أباكم الذي لن تلقوه بعد اليوم!
* * *
وخرج صاحبي من المدرسة مهدود الجسم خائر القوى، فألقى عليها النظرة الأخيرة، فرآها من خلال دموعه مشرقةً بهيّةً كأنها ألماسة تلمع في شعاع الشمس، ثم ولّى ... يفكر تفكيراً مضطرباً.
* * *
هذه هي حياة المعلم؛ يغرس غصون الحب في قلبه فتمزقه بجذورها، فإذا أزهرت جاؤوا فنزعوها من قلبه فمزقوه مرة ثانية
стр. 250
بنزعها: يأخذ المعلم أولاداً لا يعرفهم ولا يعرفونه، فلا يزال يجهد فيهم ليفهم طبائعهم ويألفهم ويحبهم، ويقوّم اعوجاجهم ويصلح فاسدهم، حتى إذا أثمر الحب الفائدة وأتى العطف بالمنفعة جاء ولاة الأمور فقطعوا بجرّة قلم واحدة هذه الأسباب كلها، وفرقوا بنقطة من حبر بين الأب وأولاده ... لا لشيء، بل لوشاية سافلة أو مؤامرة دنيئة، أو لإخلاء مكانه ليبوّأه بعض الملتمسين من ذوي الوساطات.
وانطلق صاحبنا يهمس في أذن نفسه: إني أشعر بالانحطاط والضعف وأحسّ كأنني شمعة قد انطفأت، لم يكفِ أنهم أضاعوني وألقَوني في هذا الطرْق (١) حتى جعلوني أسبح فيه، ثم أغوص إلى أعماقه، بينما يمرح الأدعياء واللصوص بالعيون الصافية ويقطفون وردها وزهرها!
لم يبقَ لي أمل ... لقد سقطت في المعركة قبل أن أنال ظفراً ... لقد بعت نفسي ومستقبلي وآمالي بتسعة جنيهات في الشهر ثمناً لخبز عيالي! أفكان حراماً أن أجدها من غير هذا الطريق؟ ألم يكن بدٌّ من أن أموت لأعيش؟!
أستغفرك اللهمّ، فلا اعتراض ولا انتقاد، ولكنما هي شكوى. أفيخسر المرء ماله فيشكو ويفقد حبيبه فيبكي؟ ويرى آماله تنهار أمام عينيه ونفسَه تذوب وحياتَه تنضب ومواهبَه تذوي ولا يقول شيئاً؟!
إنني أشكو ولكن إلى الله، فليس في الناس من يُشكى إليه!
* * *