إلى حلبون
نشرت سنة ١٩٣١
سألتَني أن أحدثك عن رحلتي إلى حلبون، وتالله ما عجبت لسؤالك عجبي من تسميتك مثل هذه الزّورة القصيرة رحلة. إنما يرحل الناس يا صاحبي إلى باريز أو لوندره (١) لا إلى حلبون! وإنما يدوِّن الناس قصة فيها لذة أو فائدة، وما في قصتي شيء من ذلك، وما هي بالتي تستحق التدوين. ولكنك أصررت عليّ فكتبتها لك، وما أدري ماذا تريد أن تصنع بها؟ وأخاف أن تتلوها على الناس أو تنشرها بينهم فتفضحني بها، وما كتبتها لتُنشر أو تُتلى بل لتقرأها أنت وكفى.
* * *
أنشأت الحكومة في حلبون مدرسة ابتدائية كانت في نظر «الحلابنة» أعظم من جامعة السوربون في رأي الباريزيين، واختارت لها أستاذاً من أصدقائنا الشباب، فدعانا لنراها معه فلبينا الدعوة شاكرين مهرولين.
стр. 72
كنا -يا صاحبي- ثلاثة: الأستاذ، أعني أستاذ الجامعة الحلبونية (١) وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره، لطيف المعشر، فكه الحديث، تجلس إليه ساعات طويلة فلا تشعر بملل ولا تحس إلاّ الحديث الطلي المفيد.
وأنا ...
والثالث صديق لنا شاعر، وهو بيت القصيد من قصتنا. وأحسبك تفهم من كلمة «شاعر» كثيراً من صفاته وأطواره؛ فهو يرى العالَم كله فكرة بديعة، أو خيالة بارعة، أو صورة فاتنة، ولا يني يحدّثك عن الحب والجمال، والذكرى والأسى ... يأتيك بصُوَر لهوغو ولامارتين الفرنسيَّين، وفِكَر لملتون وبيرون الإنكليزيَّين، وأحاديث لشيلر وكوته الألمانيَّين، وآراء لدانتي ولومبروزو الإيطاليَّين، وحكمٍ لتولستوي الروسي، وفلسفات لطاغور الهندي ... ليس عند واحد من كل هؤلاء علم بها، وما هي إلاّ بنت ساعتها أخرجها رأس الشاعر الشاب!
* * *
كان موعدنا للرحيل دار الشاعر نلتقي فيها في الساعة الثامنة، فأتيناها على الميعاد، فإذا صاحبنا ينظم قصيدة.
حثثناه على الإسراع وألححنا عليه، فأجابنا وأسرع، ولكنه لبس ثيابه في نصف ساعة، وقرأ لنا القصيدة مرتّلاً منغّماً في ساعة،
стр. 73
ووصف لنا رواية شهدها في ساعتين. فخرجنا من البيت الظهر، فقال لنا الشاعر: إلى أين تذهبون؟
قلنا: إلى السيارة.
قال: هيهات؛ إنني لم أشترِ حوائجي بعد. إنني أريد خبزاً ولحماً وبصلاً وفجلاً.
قلت: وأنا أريد فراشاً ولحافاً ووسادة وسريراً.
قال: ولِمَ؟
قلت: لأنام، فإذا انتهيتَ أيقظتني!
وفارقته على أن نلتقي بعد ساعة. عدت بعد ساعة فإذا هو جالس في زاوية البيت، وإذا هو صامت حزين، فقلت في نفسي: ما له؟ أخسر أمواله؟ أضاعت أشعاره؟ أهدمت آماله؟ وسألته: هل اشتريت الحوائج؟
فقال: لا ... ولكن أمراً محزناً وقع لي.
- وما هو؟
- دجاجة مسكينة سقطت من السطح فكسرت رجلها، فأنا جالس أنظم فيها مرثية.
فقلت: يا ضلالة من يتبع شاعراً! أبهذا أضعت ساعتك؟ قم، قم ... فاشترِ الحوائج.
* * *
стр. 74
أسرعنا إلى السيارة فإذا هي من سيارات النقل، وإذا السيارة الصالحة قد سافرت، فلم نجد بداً من ركوبها، وليس فينا من يقدر على استئجار سيارة خاصة. أنا أفلس خلق الله ولا فخر، والأستاذ ليس من الموسرين، والشاعر مشغول عن عد دراهمه والتفكير فيها بالبكاء على الفقيدة الغالية: رجل الدجاجة!
كانت السيارة معدة لركوب تسعة نفر، ولكنهم أركبوا فيها خمسة عشر وخروفاً سميناً وفراشين وأربعين غرسة مشمش! وسدّوا شبابيكها جميعاً خشية البرد، فدُفنّا فيها أحياء. أما مولانا الشاعر فعزم علينا أن نؤثره على أنفسنا بالمكان الأجود (جانب السائق) حتى لا يشغله الازدحام عن إتمام معلقته. ولقد نسيت أن أقول لك إن مع كل راكب سلة أو سلتين وضعوها في الأحضان وبين الأرجل!
ثم سارت السيارة وهي تقوم بنا وتقعد، فإذا قامت وصلت مِعَدنا إلى حلوقنا وضربت رؤوسنا السقف، وإن قعدت آذتنا في مقاعدنا أجلّك الله ... وإذا دارت أو تلفتت ترنحنا ذات اليمين وذات الشمال؛ فلا ترى إلا قائماً وقاعداً، ورائحة الخروف وعطر البصل والثوم يملأ هذا المجلس المبارك ... وفوق هذا كله فتح السائقُ فمَه والخروفُ حلقَه، وراح ذاك يغني وهذا (يجعِّر) (١).
وأخيراً وصلنا بالسلامة (أو شئت بالموت الأحمر!) إلى التل. ثم حملتنا السيارة -وقد قذفت بمن فيها هناك- إلى منين، دار الشاعر الكريم، فدخلت منزله واستلقيت على الأرض،
стр. 75
أستعيد ما زهق من روحي وأتنشق الهواء النقي بعد أن لبثت ساعة أتنشق زمهرير جهنم. ولولا هذا، ولولا كأس من شراب الليمون أمر لي بها صديقنا الشاعر، لمتُّ لا محالة.
صحوت فرحت أتمثل بقول الأول:
فألقَتْ عصاها واستقرّ بها النَّوى كما قرَّ عيناً بالإيابِ المُسافرُ
وإذا بالشاعر يصيح بي: أيُّ عين هذه؟ سخنت عينك! لقد قطعتَ شق الطريق السهل وبقي شقه الصعب!
فصحت: ولكني لا أقطعه في سيارة ... لا أقطعه في سيارة. أفهمت؟ أبداً، أبداً ... لا أركب السيارة.
فقال: أَرْبِع عليك وهوِّنْ على نفسك؛ إنك ستقطعه راكباً على جحش أو بغل.
فقلت: الحمد لله؛ والله لَلْحمارُ خيرٌ من هذه السيارة!
وأسرع الأستاذ إلى الهاتف فهتف بأهل حلبون أن ابعثوا إلينا ثلاث دواب؛ للأستاذ ولضيفيه. واقترب الشاعر من الهاتف، فقال: ولتكن خيولاً عربية كريمة مطهّمة حسنة السروج، والوحَى الوحَى ... السرعةَ السرعةَ ... العَجَلَ العَجَلَ (١).
ولكنهم أغلقوا في وجهه الطريق لأنهم حسبوا ما يقول من رُقى الجن، فغضب وصاح: ألو، ألو، ألو يا أولاد الكلب يا حمقى، ألو ...
стр. 76
فلم يردّوا عليه، فعزم على الانتقام منهم إذا وصل حلبون. أما أنا فأزمعت على تملّقهم والتزلف إليهم، ليحملوا جثتي إلى أهلي إذا رمح بي البغل أو (عنفظ) فكسر رأسي أو دقّ عنقي.
ثم عدنا إلى منزل الشاعر في منين.
عمَّ أحدثك؟ إنك اشترطت عليّ أن أوجز، ومثل هذا الحديث من حقه أن يُتبسَّط به ويُسهَب ... ولكن ماذا أصنع بشرطك؟
لبثنا ساعة في منين، رشفنا فيها من راح الجمال ما أنسانا شقاء السيارة وغرائب الشعراء، جلسنا على سطح المنزل مجلساً نشرف منه على ذلك الوادي الفاتن، وكانت أشجاره عارية تبدو من فُرَج أغصانها عينُ منين وهي تجري في الوادي، تتلوى وتميل تتدفق أمواجها فيعلوها الزبَد، ثم تلامسها أشعة الشمس فترى منها -إذ تنعكس على تلك الخمائل الخضراء- منظراً عجباً، نِثَار الذهب على بساط من سندس، والجبال الشمّاء تحيط به كأنما هي أم رؤوم تحدب على طفلها.
وكأنما هذه الجبال تطل علينا تحدّثنا عن الماضي، وتصف لنا آثار الروم في بطاحها وقصورَ الغساسنة البلق المنتثرة على سفوحها، ثم تخبرنا عن المأمون إذ يجر هذا الماء إلى قاسيون فيبلغ به قمته (١)، وتفيض علينا من هذه الأخبار، فنحس كأن أرواحنا تخرج من قيود الزمن، ثم تتخطى أعناق القرون وتتغلغل في أودية الماضي السحيق، فتستغرق في هذا الحلم ولا تكاد تفيق
стр. 77
منه، لولا أنها سمعت هذه الجبال تقهقه ساخرة من الإنسان هازئة من غروره، يرى نفسه شيئاً مذكوراً ويحاول أن يتكلم بعقله عن كل شيء وما هو بقادر على فهم نفسه، وما عمره في هذه الدهور (التي مرت من قبله كأنمّا لا أول لها، وتمر من بعده كأنمّا لا آخر لها) إلاّ كحبة من الرمل في صحراء جدباء أو هو أصغر من ذلك!
وما لي ولهذه الأفكار أتعبك بها؟ إني راجع إلى حديثي:
جاءنا الشاعر بطعام لذيذ كنّا أحوجَ ما نكون إلى مثله، فحملنا عليه حملة صادقة وحدَدنا أسناننا وشمرنا عن سواعدنا وهجمنا، فلم يثبت منه شيء أمامنا.
ثم قمنا نجول في منين، نمشي في الشارع الفرد الذي يمتد على سفح الجبل حتى يصل إلى العين، فيمر فوق منبعها على جسر رفيع الجنَبات متين الدعائم، تنظر إليها منه فترى صفحةً من الماء الزلال كأنها مرآة أزلية أقامها الإله ﷻ لتنعكس فيها العواطف والتأملات ويبدو فيها خيال الحب وطيف الذكرى ... ثم ملنا إلى الغرب فوقفنا عند مفترق الطرق نراقب طريق حلبون، ننظر هذه الخيول المطهمة وهذه السروج المحلاة بالذهب التي تفضل بطلبها مولانا الشاعر.
وراح الشاعر يحدثنا عن حلبة السباق التي ستقام عند وصوله، ويصف لنا المجلّي والمصلّي (١)، ويعِدنا أنه سيعدو
стр. 78
بفرسه عدْواً لا يدع معه مجالاً لسابق ولا شأواً للاحق، وأنه وأنه ... وهو لم يركب فرساً قط! أما أنا فقد علمت عجزي، ورحت أتمثل مصرعي تحت سنابك فرس الشاعر الفارس وأن الأمة ستخسر بموتي فرداً منها ويربح الأدب قصيدة في الرثاء جديدة، أحسب صاحبي الشاعر لا يضنُّ عليّ بها وقد منحها الدجاجة.
وقفنا على مفترق الطرق ننظر، وكلما هبَّ غبارٌ قلنا هذا غبار الموكب الذي جاء لاستقبالنا، ولكن الانتظار طال ولم نبصر إلاّ راكباً على دابة عجفاء قد ارتفع لنا في الأفق. فرقبناه حتى إذا ما اقترب منا سألناه: هل أبصرتَ موكباً طويلاً عريضاً فيه خيول مطهَّمة وسروج حسنة وحلية مذهّبة؟
فقال: والله ما أفقه حديثكم، وما أريد إلاّ أن تدلّوني على أستاذنا الجديد.
قلنا: ومن أنت حفظك الله وأكرمك؟
فقال: أنا حارس حلبون.
فقلنا: تشرفنا بك يا حضرة حارس حلبون، هذا هو الأستاذ ونحن ...
فولاّنا ظهره، قصم الله ظهره! ولم يرد أن يعرف مَن نحن، ولكن الشاعر لحقه يقول له: أنا ... أنا ... نعم، أنا الشاعر.
وخجل الأستاذ منا، وحار في أمرنا، فعزمنا على الذهاب مشياً. وكنت قد أقسمت على الشاعر أن يصحبنا، ليسلينا أحياء ويرثينا أمواتاً.
стр. 79
سألت حارس حلبون عن الطريق، فقال: أما السهل البعيد فهذا، وأما الحَزْن (١) القريب فهذا. يدور الطويل مع الوادي ويرقى القصير الجبل.
قلت: نحن ممّن يحب الارتقاء.
قال: إنه مخيف.
قلت: نحن شجعان.
قال: إنكم تملُّون.
قلت: معنا شاعر!
وركبت رأسي عناداً وأبيت إلاّ سلوك طريق الجبل، فأجابني القوم إلى ذلك ... ورضي الحارس، لا أدري أرضي اقتناعاً بحجتي أم ضجراً من كلامي؟!
* * *
أركبنا الشاعر الكريم وسرنا في ركابه، وكان الليل قد علا في الأفق والظلام قد تسرب إلى الكون. وذهبنا نصعد الجبل ... وكلما قلت هذه هي القمة بدت لي من ورائها قمم، حتى كدنا نلامس السماء. وتلفتُّ إلى الوراء، فإذا منين كلها بقدر الدرهم، وإذا هي كأنها في قعر البحر، وإذا أمامنا وعن أيماننا وشمائلنا جبالٌ وبِطاحٌ لا حدَّ لها، وإذا نحن نبلغ موضعاً نشرف منه على غوطة
стр. 80
دمشق وقرية منين ووادي بردى في آن، ونرى فيه قاسيون كأنه أكمة تحتنا. ثم ملأ الظلامُ الكونَ فلم نعد نبصر مواضع أقدامنا، ثم توعّر الطريق فأصبح شِعباً ضيقاً على يمينه جبل عال كأنه جدار، وعلى شماله واد لا يبلغ النظر قراره، كأنما هو وادي النسيان الذي يبتلع كل شيء.
نزل الشاعر عن الدابة وراحت تسير خالية، وتضاءل كلٌّ في عين نفسه، حتى لقد رأيتنا أضعف من الديك في يد الأسد.
إنك تقرأ هذا الوصف -وأنت في بيتك- آمناً مطمئناً، فلا تكاد تقدر على تصوره، ولو ألقى بك الدهر في مثله مرة واحدة لعلمت ما هو أثره في النفس؛ لم يبقَ فينا من يقدر على النطق، وكلما رأينا صخرة أو نبتة من نبت الجبال يتراءى لنا في هذا الظلام حسبناه واحداً من هذه الضواري التي نسمع أصواتها ... دِبَبَة حلبون، وما أدراك ما دبَبة حلبون؟ وربما تلفّتْنا إلى الوراء نبصر: هل يتبعنا من شيطان أو وحش؟ فتغوص أقدامنا في الثلج المنتشر من هذه الجبال كلها. هنالك يؤمن بالله الملحدون، ويعلمون أنه لا شيء إلا الله يُتوجَّه إليه أو يُرجى منه السلامة.
قطعنا هذه الجبال الوعرة في ثلاث ساعات، لا أذكر في حياتي ما هو أشد عليّ منها. ولقد عرضنا فيها على الموت ورأينا عزرائيل يهم بنا مراراً، ولم نبصر أضواء حلبون حتى تقطعت أباطين قلوبنا من الخوف، وأخماص أقدامنا من السير.
هنالك رأينا منظراً أنسانا الشقاء والآلام، ذلك هو منظر الاستقبال. إنه كان -في الحق- استقبالاً عظيماً لم يَحظَ به من
стр. 81
قبلنا أحد؛ لقد خرجوا للقائنا إلى مقبرة القرية، وبلغت أصوات هتافهم لنا قلب الصحراء التي أفلتنا منها ووثبوا للسلام علينا فرحاً بقدومنا.
ولكن أتدري مَن هؤلاء؟
إنها يا صاحبي كلاب المقبرة، رأتنا فعوتنا ووثبت إلينا لتقطع ثيابنا وتنهشنا.
فعرفنا أننا قد بلغنا حلبون (١).
* * *
стр. 82
عيدي الذي فقدته
أذيعت سنة ١٩٤٦
يا آنسين بالعيد، يا فَرِحين به: هل تسمعون حديث رجل أضاع عيده، وقد كانت له أعياد، أم يؤذيكم طيف الشجى إذ يمر بأحلام أفراحكم الضاحكة؟ إذا كنتم تصغون إلى حديثي فلكم شكري، وإن أنتم أعرضتم عني فما يضرّني إعراضكم، وإن من نِعَم «المِذياع» أنه لا يدري المتكلم فيه مَنْ ينصت له ومن يَشْغب عليه، ولا يسمع مدحاً ولا قدحاً، وما يرى إلا «العلبة» يكلمها، وما ترد علبةٌ على متكلم جواباً.
ولا تقولوا إذا سمعتم حديثي: هذا رجل لا يتكلم إلاّ عن نفسه. فكذلك الأدباء كلهم؛ لا يتكلمون إلاّ عن أنفسهم، ولكنهم إذ يصفون أحلامها وآلامها يصفون أحلام الناس كلهم وآلامهم، فهم تراجمة العواطف، وألسنة القلوب، وصدى الخواطر، حتى ليقول القارئ إذ تمرُّ به آثارهم: ما هذا؟ إن في هذا التعبيرَ عما أحسّ به، إنه وصفٌ لي أنا وحدي ... وما هو له وحده، إنه وصف لكل نفس بشرية.
ألا ما أعظم فضل الأدباء على الناس! ولكن الناس لا يشكرون.
стр. 83
يا سادة: إنه كان لي في حياتي عيد واحد، ولكن طمَسَ القِدَمُ صورتَه في نفسي فلا أرى منها إلاّ ملامح. لقد وجدت عيدي في (صُرْماية) (١) حمراء أصبحتُ يوماً فلقيتها إلى جانب الفراش. وكنا نبسط الفرش وننام على الأرض، لم تكن قد انتشرت هذه الأسِرَّة وعمّت، لم تكن إلاّ للأكابر، ولقيت معها (قمبازاً) من (الألاّجة) (٢)، له خطوط حمر على أديم أخضر كأنه حقل قمح قد نبتت فيه سطور من شقائق النعمان، وعقالاً «مقصَّباً» كأنما قد نُسج بخيوط الذهب، يبرق كأنه تاج ملك جديد، وعباءة رقيقة فيها مناطق حمر وأُخَر بيض وحواشٍ من القصب اللمّاع، لها طُرَر مختلفات الألوان تخطف ببريقها النظر.
فلم أصدق أن ذلك كله لي أنا، وسألت متحققاً. فقالوا: إنه لك، إنه لباس العيد. قلت: وما العيد؟ قالوا: العيد؟! ألا تعرف العيد؟ فلم أعرفه، ولكني قنعت بما وجدت من نعمائه، وتخيلته ضيفاً جميلاً نزل البلد.
وذهبنا نبصر العيد، ومشينا في الطرقات، وإذا الوجوه باسمات الثغور منبسطات القسمات، فكأن أصحابها قد لبسوا مع الثياب البراقة الزاهية حلّة من اللطف والظرف، ولم نرَ -نحن الصغار- مَن يزجرنا ذلك اليوم عن حماقة نأتيها أو ذنب نذنبه، بل وجدت كل من أسلم عليه من أقربائي وأصحاب أبي يعطيني نقوداً «نحاسات» صفراً لامعات كالدنانير، و «مَتاليك» جدداً (ولم
стр. 84
تكن قد عُرفت هذه القروش الورقية القذرة الممزقة التي يأنف المرء من مسّها)، فاجتمع لديّ مبلغ من المال هو بالنسبة إلى طفل مثلي ثروة كثروة بعض مَن عرفنا من المحتكِرين، ولكني أخذته حلالاً بطيب نفس وأخذوا هم ما أخذوه حراماً، انتزعوه من فم الأرملة واليتيم، فكان برداً على قلوبهم وسلاماً في لهب هذه الحرب (١)، ولكنه سيكون من بعد ناراً آكلة في أكبادهم، وسمّاً هارياً في أمعائهم، وغصة خانقة في حلوقهم، ولعنة متسلسلة في ذراريهم، وجحيماً متسعّراً يوم المآب. فارتقبوا -أثرياءَ الحرب- إنّا معكم من المرتقبين!
* * *
وكانت دارنا في العُقَيْبة، فكان أول ما لقيت من العيد «جامع التوبة»، هذا الجامع المأنوس الذي يملأ جوَّه دائماً خشوعٌ وأنس. ولم أكن أدري يومئذ ما الخشوع وما أنس الروح، ولكني أحسست فيه فرحة شاملة ملأت نفسي. وذهبنا إلى الأموي، وكان صوت التكبير ينبعث منه قوياً مجلجلاً كأنه هدير بردى عند شلال التكيّة، فشعرت بحال لم أعهدها في نفسي من قبل ولم أعلم ما هي، شعرت بالحماسة التي تغلي منها دماء المسلم حينما يسمع هذا النشيد السماوي الذي لم تسمع أذنا الأرض نشيداً بشرياً أروع منه روعة أو أشد أو أقوى؛ هذا النشيد الذي علمتُ -بعدُ- أن أجدادنا كانوا يهدرون به في أشداقهم فتتداعى أمامهم الحصون،
стр. 85
وتَسَّاقط الأسوار، وتُفتح لهم أبواب المجد حتى فتحوا به الدنيا، هذا النشيد الذي كان من بشائر الرجاء أن اتخذه جنود الإسلام اليوم شعاراً لهم ليصلوا به ما كان انقطع من قِلادة أمجادنا التي طوّقنا بها عنقَ الزمان، ولينشروه مرة ثانية في آفاق الأرض، فتردده معهم الجبال والأودية والمدن والقرى.
دخلت فوجدت في المسجد متعة لم أجد مثلها في لهو كنت أتخذه أو متعة كنت أسرّ بها، وجدت -ولم أكن أدري- متعة الدين والدنيا إذا اجتمعا: الكثرة والألفة، والثياب البراقة والنظافة والنظام، والتقى والإخلاص، والغنى السمح الشاكر والفقر المتجمل الصابر، والمعاونة على الخير، والمواساة والإيثار ... وكان في المسجد نساء قد اجتمعن في «المشهد» (١) بالأُزُر البيض والمِلاءات الساترة، ما يظهر منهنّ عين ولا بنان ولا ساق، قد جئن للصلاة.
كذلك كان بلدنا قبل أن تبلغه هذه «الحضارة» الجديدة، كذلك كان يوم كان أهله متأخرين جامدين، فيا ليته يعود كما كان، يا ليتنا بقينا متأخرين عن هوّة الفساد لم نَقْدم عليها، جامدين لم نعرف هذا المَيْع. إن الجامد يتماسك ويثبت، أما المائع فيسيل ويجري حتى ينصب في البَلُّوعة (٢) ... أفعرفتم الآن مصيركم يا أيها «المائعون»؟!
стр. 86
ثم أمَمنا مقبرة الدحداح، فإذا الحياة الضاحكة جاءت تزاحم الموت العابس على أرضه وتنتزع منه مثواه، وإذا المقبرة، دار الوحشة والعبرة، قد أحالها العيد منزل الفرح واللهو، ففيها «الدُّوَّيْخات» منصوبات، و «القلاَّبات» قائمات، والعربات الصغار مزيَّنات بالأعلام الملونات مشدودة في جوانبها الأجراس والجلاجل، والأطفال بثيابهم التي تحكي زهر الربيع، منها الأحمر والأصفر والأخضر والفضي والمقصَّب وذو الطرر وذو الحواشي، راكبون على أفراس «الدُّوّيْخة» تدور بهم، أو جالسون في سرر «القلاّبة» تصعد بهم وتنزل، أو متعلقون بالعربة، والنساء قاعدات عند النهر، والرجال مجتمعون عند التلّ، وعلى القبور الآس الأخضر معقود بشُرُط الحرير يخيل للرائي من كثرته أنه في جنة ملتفة الأفنان، وخلال الآس الخيام المنقوشات والسّرادقات، وباعة «القضامة» و «اللب» و «عِرْق السوس» يجولون بين الناس ينادون أعجب النداء، وبياع «الفول النابت» قد أوقد ناره ورفع قدره ونصب مائدته، وحفَّ به الصبيان والبنات، وصاحب «صندوق الدنيا» قد حطَّ صندوقه، وقعد حوله الأولاد ينظرون، فإذا هم يسيحون في البلاد ويرون عبلة وعنتر بن شداد، فلا يكادون يستمرئون الحلم ويستغرقون فيه حتى يرخى الستار فيهبطوا إلى أرض الواقع، فإذا الذي كانوا فيه قد مرَّ كما تمرّ الأحلام لم يخلّف إلاّ ذكرى مشوبة بألم الفقدان.
كذلك كانت المقبرة أول ما عرفت العيد؛ إنها صورة المقبرة يوم نفخ إبليس في بوق الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤.
صبرَكم -يا أيها المستمعون- ودعوني أُطِل وقوفي على
стр. 87
هذه المقبرة، فإنكم لا تعلمون منزلتها في قلبي، ولا أستطيع أن أعلمكم، وكيف؟ أوَ تصدقون إذا قلت لكم إن لهذه المقبرة صوراً في نفسي أحلى من صور الرّوض، وذكريات أجمل من ذكريات الحب؟ وإن نهرها هذا الصغير القذر أعزُّ عليّ من بردى ودجلة والنيل، وأشجارها هذه المنحنية عليه أبهى عندي من صنوبر فالوغا ونخيل الأعظمية، وكراسيها هذه الواطية أفخم في عيني من أسرّة «أوريان بالاس» و «شبرد»؟
إن في هذه المقبرة بقايا من قلبي، إن لها تاريخاً في نفسي يعرف أكثره أخي أنور (١). فسلوا أنور متى يقوم بحق الوفاء لهذه الذكريات فيخلدها بقصائد بارعات من شعره العبقري؟ فما أُحسنُ أنا تخليدها، لا أطيق أن أفِيَ لها هذا الوفاء. سلوه أنَسِيَ ليالي نمشي فيها لنزور قبور الأحبة في ظلمة الليل: أبي وأمي وأمه وأبيه، ونبكي عليها والمقبرة ساكنة خالية، ما ترانا إلاّ عيون النجم وما تسمعنا إلاّ الشواهد الشواخص، ونحدق في سدفة الزمان نرقب أن نرى طلعة الأحباب الذين اشتد إليهم الشوق وطال الغياب، فلا نرى إلاّ ظلاماً متراكباً، ونعود فنحاول أن نخترق حجاب الآتي لنبصر طيف الأمل الحلو فلا نبصر إلا الظلام؟ ... ليالي كنا نعود وقد برّح بنا الألم وهدّنا الحزن، فأستمع من أنور بواكير أشعاره ويسمع مني بوادر رسائلي، تلك البواكير التي قرأها الناس فرأوها ندية بالدمع فياضة بالحزن، فقالوا: ما لهذا الشاب والألم، ما له
стр. 88
لا ينظم إلا الشعر الباكي؟ ما دروا أن هذا الشعر قد نُظمت حبّاته على قبر الوالدين في ليالي اليتم الكوالح.
مساكين الأدباء؛ يجبلون فلذات قلوبهم بدموع عيونهم ليقيموا منها تماثيل الأدب، فيأخذها الناس عابثين، وينظرون إليها لاهين، ويعيبونها ظالمين، ثم يملّونها كما يملُّ الصبي لعبته فيرمونها فيَحْطِمونها ويفتّشون عن لعبة جديدة!
مساكين الأدباء!
* * *
يا سادة:
لقد مشيت -بعدُ- في الزمان، وسحت في البلدان، فكبرت ورأيت أياماً قال (التقويم) إنها أيام عيد، رأيتها في دمشق بلدي، ورأيتها في الأعظمية في بغداد، ورأيتها في البصرة ذات الشط والنخيل، وفي الحرش من بيروت، وفي القاهرة أم الدنيا ... ولكني لم أعد أجد في ذلك كله تلك البهجةَ التي كانت للصّرماية الحمراء والعقال المقصَّب، والعربة ذات الشراع الأحمر والجلاجل، والثياب الملونة الزاهية التي تحكي زهر الربيع.
أفتغيرت الدنيا أم قد أضعتُ عيدي؟
أتغيرت الدنيا يا ناس، أم الناس قد فقدوا فرحة العيش حينما تركوا تلك الحياة السمحة القانعة الطاهرة المبرّأة من أدران حضارة الغرب؟
стр. 89
تلفتوا أيها السادة حولكم، واسألوا من تلقون من الكهول عن ذلك الزمان ... تجدوا في عيونهم عَبْرة، وفي قلوبهم حسرة، وعلى ألسنتهم جواباً واحداً: رحم الله تلك الأيام، لقد كانت أيام انشراح ...
كانوا لا يعرفون دسائس السياسة، ولا التزاحم على الرياسة، ولا شبه العلم، ولا رذائل الحضارة؛ لا يختلفون على مذهب اجتماعي، ولا يقتتلون لمصلحة حزب سياسي، ولا يقرعون أبواب الوظائف، إن تعلموا العلم تعلّموه لله لا للشهادات، وإن طلبوا المال طلبوه من التجارة لا من المضاربات والاحتكار والرشوات، وإن أرادوا تسلية ولهواً قصدوا الربوة أو الميزان أو الشاذِروان، ينصبون سَماوَرات الشاي وسماط الأكل وبساط الصلاة، لا يعرفون سينما ولا ملهى ولا ماخوراً ولا «نادي دمشق»! المساجد ممتلئة بهم، ومدارس العلم حافلة بأبنائهم، والعلماء هم الأمراء؛ طلبوا العلم للآخرة لا للدنيا فأعطاهم الله الدنيا والآخرة، والبيوت جِنان الأرض، والنساء حور تلك الجنان لا يعرفن التبرج ولا التكشف، ولا يراهنّ أحد في الطريق إلا خارجات لضرورة لا بدّ منها ومعهنّ الزوج أو الأب، يسبقهن وهنّ يتبعنه، لا يعرفن بيوت الفجور ولا أماكن العصيان ولا «دوحة الغضب»، ولا يخطر على بالهنّ أن الدنيا ستبلغ من الفساد أن سيكون فيها «فرق مضلاّت» ... !
كذلك كانوا فكانت أيامهم كلها أعياداً، فأين أعيادنا نحن؟
أرَبِحنا من هذه المدنية وهذا العلم ... أم خسرنا؟ سلوا هذه الحرب عما صنعته علومهم بسعادة البشر، وسلوا التاريخ عما صنعت بها علومنا وشريعتنا.
стр. 90
يا سادة:
إننا صرنا اليوم نلبس «البذلة» بدل «القنباز»، وننام على السرير، ونأكل بالشوكة والسكين، ونقرأ أخبار أمريكا وأوروبا ونتكلم في الجغرافيا والكيمياء وفي السياسة، ونركب السيارة والطيارة، ونسمع الرادَّ ونبصر أفلام السينما ... هذا الذي ربحناه، ولكنّا خسرنا التقى والعفاف والاطمئنان. لقد كان أجدادنا أبعد عن حضارة أوربا، ولكنهم كانوا أرضى لله منا وأقرب إليه، وكانوا أقوم أخلاقاً، وأطهر قلوباً، وأصفى سرائر، وأصدق معاملة، وكانوا أسعد منا في الحياة ...
لا يا سادة؛ إني لم أعد أجد للأعياد بهجة، فردوا إليّ ماضيّ، أرجعوني إلى عيد المقبرة والمسجد فإني لم ألقَ السعادة إلاّ فيه، أنقذوني من هذا العلم وهذه الحضارة، فأنا جامد، أنا رجعي، رجعي، رجعي!!
والعفوَ يا سادة؛ لقد نغّصتُ عليكم بهذا الحديث القاتم المضطرب عيدكم. لقد نسيت قواعد الآداب الاجتماعية فكدرتكم يوم الصفاء، وكنت عندكم فاسد الذوق سيء الاختيار، فلا تؤاخذوني ... وأقبلوا على عيدكم وسروركم، ودعوني أبكي -يوم العيد- ماضيات أيامي.
وكل عام وأنتم بخير.
* * *
стр. 91
على أبواب الثلاثين
نشرت أول سنة ١٩٣٩
نظرت اليوم في سجل ميلادي فوجدتني على أبواب الثلاثين، فتركت عملي وجلست أفكر: ماذا بقي لي من هذه السنين الثلاثين يا أسفى؟ لم يبقَ إلاّ ذكريات واهية تحتويها بقية قلب تناثرت أشلاؤه على سفوح قاسيون في دمشق، ومسارب الأعظمية في بغداد، وغابات الصنوبر في لبنان ... أي والله، وعلى طريق الأهرام في مصر، وضفاف «الشط» في البصرة، وحوائط النخيل في يثرب ... أشلاء من قلبي وأشلاء. فماذا أفدت من عمري الضائع وشبابي الآفل؟ لا شيء! لا مجد ولا مال ولا بنين. لم أفد إلاّ اسماً مشى في البلاد فحمل قسطه من المدح والذم والتمجيد والشتم، ولكني كنت في معزل عن هذا كله فلم ينلني منه شيء. إن اسمي ليس مني؛ إنه مخلوق من حروف، ولكني إنسان من لحم ودم. فهل تشبعني الشهرة، أو يكسوني الثناء؟ ولم أملك إلاّ قلباً أحبَّ كثيراً وأخلص طويلاً، ولكنه سقط كَلِيماً على عتبات الحب والإخلاص، ورأساً حشوته بما وجدت من العلوم والمعارف، فأثقلته علومه عن التقدم فاحتلت مكانَه الرؤوسُ الخفيفة الفارغة!
стр. 92
فيا ليتني علمت من قبل أن الحياة مثل اللجة، يطفو فيها الفارغ ويرتفع، وينزل الممتلئ ويغوص!
* * *
أني لأتصور الآن كيف كنت أنظر في طفولتي إلى أبناء الثلاثين، أولئك الشباب الكُمَّل الذين بلغوا قمة الحياة وعرفوا الاطمئنان والاستقرار، فأجد بيني وبينهم بوناً شاسعاً وأرى أني لن أبلغ الثلاثين أبداً ... ذلك لأن كل ما أعلمه أني وُلدت وأنا ابن أربع سنين، فأُدخلت المدرسة، فكنت أعيش فيها سنة لأنجح في الامتحان وأرتقي من صف إلى صف وأستمتع بالعطلة. فلما أكملت دراستي العالية ولم يبقَ من مدرسة ولم يبقَ امتحان وقفت فلم أتقدم، وفقدت غايتي فلم أعد أحسُّ أني أعيش. ثم تلفتُّ إلى الماضي أعيش بذكراه، فأصبحت كلما انقضى عليّ عام رجعت فيه سنة إلى الوراء، فأنا أصغر كلما كبرت، وأدنو من الطفولة كلما نأيت عنها.
فمتى أبلغ الثلاثين، وأين أحط رحالي بعد هذا المسعى؟
* * *
وغشيت قلبي غاشيةٌ من غمّ، فأشعلت عوداً من الكبريت لأوقد المدفأة -وكنت في ذَهلة- فسرت النار في العود، ثم تأججت وتوقدت وأنا أنظر إلى اللهيب جامد العين محدقاً في عالم بعيد الغور، حتى أحسست بحرارة النار في يدي، فانتبهت وألقيت العود، فإذا هو قد استحال إلى فحمة سوداء ضعيفة تطير
стр. 93
مع النسيم ... فقلت: هذه هي الحياة؛ إن الألم الذي أحسسته يلذع نفسي هذه العشية كلذع النار إصبعي، سينتهي بي إلى مثل هذا المصير. سأمضي كما مضى هذا العود، ولكني لا أخلِّف ورائي شيئاً. لن أدع مالاً ولا جاهاً ولا عملاً، لأني اشتغلت -واحسرتى- بالأدب!
ويا ليتني تفرغت -بعدُ- للأدب ولم يستغرق حياتي الكدحُ للعيش. إني لم أعمل شيئاً؛ إن في رأسي وقلبي شيئاً كثيراً، ولكنّ قلمي مكسور، ودواتي جافة، ولساني مشدود بنَسْعة، فأنا لا أستطيع أن أقول ...
عندي ألحان كثيرة فأنا أحب أن أغني، ولكن الغناء يستحيل -من الضيق- إلى زفرات تخرج مقالات، فيحسبها الناس ألحاني كلها، إلاّ أن ألحاني لا تزال في صدري لم يسمعها بشر. وماذا ينفعني أن يسمعها الناس فيطربوا ويصفقوا وأتفرد أنا بالخيبة والألم؟ إن الناس لا يألفون إلاّ الأغاني الفارغة المدوية، فلتبق أغانيَّ العذبة في صدري، أسمعها وحدي من غير أن يتحرك بها لساني لأن لساني مشغول بإلقاء الدرس.
كل ما أكتب زفرات متألم وإشارات أخرس، فهل يأتي اليوم الذي تنحسر فيه الزفرات عن الأغاني، والإشارات عن الألفاظ والمعاني؟
* * *
على أن هذه الزفرات وهذه الإشارات عزاء نفسي، فكم لهذه
стр. 94
«الرسالة» من فضل عليّ، وكم من الفضل لهؤلاء الأدباء الذين يستطيعون أن ينقلوني من دنياي هذي الضيقة إلى دنيا واسعة تطير روحي في أجوائها حرة طليقة، أمثال الرافعي ومعروف والزيات! فهل يدري الزيات، أو هل يدري معروف الأرناؤوط، أني طالما أصرمت الليالي الطويلة في فرتر ورفائيل (١) وسيد قريش وعمر ابن الخطاب (٢) وأني طالما لجأت إليها أقرع أبوابها وأتوارى وراء أسوارها في جنان سحرية، لا أستطيع أن أصفها بأكثر من إعلان العجز عن وصفها؟ فأيّ عالم في رأس معروف، وأيّ دنيا في صدره؟ وأيّ نبل وسمو في هذه اللغة، لغة معروف ولغة الزيات ولغة الرافعي، هذه التي تتيه بجواهرها ولآلئها، على حين تمشي لغات كتاب العصر بأسمالها البالية ومزقها المخرَّقة ... لغة فخمة تشعرك بالسيادة والعظمة، لا كهذه اللغات الهزيلة العارية.
وكم من الفضل لهيكل عليّ، فلقد سلخت في قراءة كتابه «منزل الوحي» أياماً كنت أعيش فيها في عهد النبوة، ولقد مررت
стр. 95
بهذه البقاع التي يصفها وأثارت في نفسي عوالم من الذكريات والآمال والخواطر، فإذا أنا أجدها كلها وأجد أكثر منها في كتاب هيكل.
* * *
يا رحمة الله على تلك الأيام! أيام كنت أغلق فيها بابي عليّ، ثم أقبل على كتبي أجالس فيها العلماء والأدباء وأجد في حديثهم الصامت لذة ومتاعاً. كنت أقرأ لأني كنت أجهل الحياة، فلما عرفتها لم أعد أطيق قراءة ولا بحثاً. ولماذا أقرأ؟ ولماذا أتعلم؟ ولماذا أكون فاضلاً؟ والحياة حرب على أهل العلم والفضل، والناس كالحياة لأنهم أبناؤها وتلاميذها!
ألا يحيا الكاذب المنافق سعيداً موقراً ويموت الصادق الشريف فقيراً محتقَراً؟ ألا يُصدّق الناس الشيخ المشعوذ لأنه يدخل إلى نفوسهم من باب الدين ويُكذّبون العالم الفاضل؟ أليس طريق الشعبذة (١) وادعاء الكرامات والمَخْرَقة على الناس بعلم أسرار الحروف واستحضار المردة واستخراج الجنّ من أجسام بني آدم، آثرَ عند عامة الناس من العلم الصحيح والأدب المحض؟ ألا يتمتع هذا اللص بالثقة التي لا يحلم بها عالِم متخصص أو باحث مدقق، وتنهال على يده الأموال وتزدحم على يده الشفاه؟ ألا يبلغ المنافق ذو الوجهين أعلى المراتب وأسماها ويبقى الصادق الشريف في الحضيض؟ ألا يركب الجاهل السيارة الفخمة ويسكن
стр. 96
القصر العظيم ويحتل المرتبة العلمية العليا، ويمشي العالم إلى بيته الحقير لا يدري به أحد؟ أليست أسواق الرذيلة عامرة دائرة، وأسواق الفضيلة داثرة بائرة؟
ألا يظفر الكاذب المفتري بالبريء؟ ألا يغلب القوي الضعيف؟ ألا ينتصر المال على العلم؟
فلماذا أقرأ؟ ولماذا أتعلم؟ ولماذا أكون فاضلاً؟
* * *
وقمت وقد صفَّيْتُ حسابي مع الحياة، فإذا أنا قد خسرت ثلاثين سنة هي زهرة عمري وربيع حياتي ولم أربح شيئاً!
* * *
стр. 97
صورة المؤلف بقلمه
نشرت سنة ١٩٣٦، وقد ظنها أحد الشعراء صورته هو فأودعها صدر ديوانه!
كان معروفاً بالشذوذ والخروج عن المألوف، لا يبالي -إذا اتجه له الرأي- ما يقول فيه الناس، ولا يحفل -إذا أزمع الأمر- نهْيَ ناه ولا نصيحةَ ناصح. وكان يعرف ذلك من نفسه ولا يُغضبه أن يوصف به، بل كثيراً ما سمعناه يتحدث به ويطيل الحديث، يجد في كشف دخيلته للناس لذة وارتياحاً، كأنما هو يلقي عن عاتقه حملاً ثقيلاً.
يجمع في نفسه المتناقضات: فبينا هو منغمس في لج الحياة المضطربة المائجة يفزع من الوحدة، ويكره الهدوء، ويركب متن المغامرات في الأدب وفي السياسة، يخطب في المجامع ويناقش في الصحف، وبينما هو مطمئن إلى هذه الحياة مقبل عليها، إذا به قد استولت على نفسه «فكرة صوفية»، فغمرت الكآبة روحه، وفاض اليأس على قلبه، وأحس الحاجة إلى الفرار من الناس والرغبة في العزلة المنقطعة، وأصبح يكره أن يرى أمسَّ أصحابه به وأدناهم إلى قلبه، ويحب الحياة الساكنة الهادئة، ويجد الأنس في حديث قلبه ومناجاة ربه.
стр. 98
وهو أسرع الناس إلى المزاح والفكاهة، وأضيقهم بمجالس الجد، وأبعدهم عن تكلف الوقار واتباع «الرسميّات»؛ فلا يكون في مجلس إلاّ حرّكه بحديثه وإشاراته ونكاته، وأفاض عليه روح المرح والودَّ الخالص. ولكن موجة من الحزن المفاجئ قد تطغى على قلبه في أشد الساعات سروراً وأكثر المجالس طرباً، فإذا هو حزين كئيب، قد ضاق بالناس وتبرّم بمزاحهم وهزلهم، وغدا راغباً في الجِد محباً للوقار، متلبساً بالصرامة والحزم، منصرفاً عما كان فيه منذ لحظة واحدة؛ لا يعرف الناسُ (ولا يعرف هو) ماذا أصابه فنقله من حال إلى حال.
تغلب عليه العاطفة حيناً فيمسي أرق الناس شعوراً وأرهفهم حساً، يرى المشهد الجميل من مشاهد الكون، أو يسمع النغمة العذبة الشجية، أو يقرأ البيت الغزلي الرقيق أو القصة العاطفية المحزنة، فتوقظ في نفسه عالَماً من الذكريات، فيخفق لها قلبه ويهفو لها فؤاده، ويحس بها تلذعه لذعاً، وتفيض على نفسه شعوراً طاغياً بحب مُبهم غامض لا يجد طريقاً ينبعث منه، فيزلزل كيانه زلزلة كما يزلزل البركانُ الأرضَ إن لم يجد فوّهة يندفع منها، ويدعه شخصاً متهافتاً، لا يقوم إلاّ على أعواد من العواطف الرقيقة المتداعية (١).
ويسيطر عليه العقل أحياناً فيحتقر العاطفة ويدعو إلى أدب قوي نافذ، ويسخر من الحب ويهزأ بالعاشقين، ويزدري هذه القصص وهذه الأشعار التي كان يرقص لها قلبه وتفيض لها
стр. 99
مدامعه ... ويقبل على العمل بهمة عجيبة ورغبة قوية، فيطالع ويكتب، ويعمل كآلة دائبة الحركة لا يأخذه ضعف ولا خور، ثم يشعر فجأة بكراهية العمل والنفور من المطالعة الجدية والعزوف عن الكتابة والتأليف، ويستولي عليه كسل عقلي عجيب لا يطيق معه عملاً من الأعمال!
* * *
كان يعمل في مدرسة ابتدائية، نزلوا به إليها، فلا يكلّفه العمل فيها جهداً ولا مشقّة ولا يشغل من تفكيره شيئاً؛ فكان يستمتع بوقته ونفسه كما يشاء، ويشتغل بالأدب للّذة والمتعة الفنّية، فيقرأ ما طابت له القراءة، ويكتب ما رغب في الكتابة، ويؤلف ما مال إلى التأليف. فكره هذه الحياة وَهوي الحياة العقلية المنظمة التي تضطره إلى نوع من الدرس بعينه، وتجبره على نوع من الكتابة بذاتها.
كان يعيش في أسرة رفرف عليها الحبّ وسادها الإخلاص وأسبغ عليها ثوب السعادة، بين إخوة له ما رأى الراؤون مثلهم في ذكائهم واستقامتهم وطاعتهم إياه وحبّهم له وحرصهم على رضاه، وصحابة له ما فيهم إلاّ أريب طيب النفس صادق الودّ صافي السريرة حسن السيرة، وكان له في بلده منزلة يحسده عليها من هو أكبر منه سناً وجاهاً وأكثر علماً ومالاً، فملَّ هذه الحياة ومال إلى الهجرة وانتجاع أفق جديد، فأزمع السفر إلى بغداد، تاركاً عمله في وزارة معارف الشام، عاصياً الناصحين والناهين من الأهل والأصحاب.
стр. 100
وجاء إلى بغداد، فلم يكد يلقي فيها رَحلَه حتى عراه اكتئاب وملل لا يعرف له سبباً، وأحس الحنين يحز في قلبه والشوق يدمي فؤاده، وانتابته إحدى نوباته العاطفية فلم تدع في رأسه إلاّ فكرة واحدة، هي الرغبة في العودة، لا يبالي معها ماذا قيل عنه وماذا ضاع منه، ولكنه لم يكد يستجيب لها حتى أدركه مدَدٌ من عقله، فصحا من نوبته وتخلص من عاطفته، فآثر البقاء وأقبل على العمل، فلم يمضِ عليه يوم حتى سمع من ينشد:
فيمَ الإقامةُ بالزوراء؟ لا سَكَني ... بها، ولا ناقتي فيها ولا جملي
فنشطت عاطفته المكبوتة من عقالها، تصرخ في وجه العقل أن: فيمَ الإقامة بالزوراء؟ فغُلب العقل واستخذى وذهب يستعد لمعركة أخرى.
ولقد وجد في بغداد من الإكبار فوق ما كان يرجو، ووجد اسمه قد سبقه إليها، وحفَّ به قرّاؤه والمعجبون به وأسرعوا للسلام عليه والاجتماع به، فلم يكن أبغضَ إليه وأشدَّ عليه من هذه الاجتماعات، فكان يُعرض عنهم ويرتكب في هذا الباب أشد الحماقات، حتى إنه ليدع الجماعة من علية القوم في ردهة الفندق ويفر منهم، وما جاؤوا إلاّ من أجله، فيقوم من غير استئذان ولا اعتذار ويذهب إلى غرفته فيعتصم بها. وإنه ليعلم ما في عمله من الجفاء، ولكنه يضطر إليه اضطراراً، فهو يشعر أن جو هذه المجالس ثقيل عليه حتى ليوشك أن يخنقه ويغدو فيه كمن سُدّ أنفه وفمه، ويلام فلا يدفع عن نفسه لوماً ولا يحاول إنكاراً، ويعترف بالضعف ويقر بالعجز.
стр. 101
إنه لا يستطيع أن يحمل اسمه، لا يقدر أن يتلقى بوجهه وجسمه هذا الإعجاب الذي يزعمون أنهم يوجّهونه إلى الشخص الآخر الذي ينشر في «الرسالة»، كأن له شخصيتين، فهذه التي يأكل بها ويشرب ويمشي ويضحك ويمزح غير تلك التي يفكر بها ويكتب ويؤلف، وليس بينهما من صلة ولا يربطهما سبب من الأسباب. والعجيب من أمره أنه يضيق بالكلام في مثل هذه المجالس ويتهيبه، وتظنه أول ما تلقاه حَييّاً عَييّاً لا يُفصح ولا يَبين، فإذا أنت اتصلت به وعلّقت حبالك بحباله رأيته مفوّهاً طَلْق اللسان شديد البيان، وإن أنت خالطته وعرفتَ دخيلته أبصرته لا يتهيب موقفاً خَطابياً مهما كان شأنه، ولا يخشاه ما يخشى الرد على ألفاظ المجاملة ويتهيب مجلس تعارف وانتساب.
* * *
كان يأمل أن يجد لذة في تدريس الأدب، ولكنه لم يكد يمارسه حتى اجتواه ومله، وعلم أن الاشتغال بالأدب للّذة لا يستقيم مع هذا العمل النظامي المستمر. إنه يصبح وفي رأسه فكرة يريد أن يكتب فيها فصلاً، فيدركه وقت المدرسة، فيذهب وتذهب الفكرة في طريقها. أو يصبح وهو يكره الكلام ويميل إلى الصمت، يحب أن يفكر فيطيل التفكير ويحلم فيغرق في الأحلام، فتراه ملزماً بالكلام خمس ساعات أو ستاً. وهو يحب الشاعر أو الكاتب ويميل إليه فيُكرهه المنهج على درس شاعر آخر لا يحبه ولا يفهم أدبه، ويضطره الطلاب إلى إطالة الحديث حين ينبغي له الإيجاز أو إيجازه حيث تُطلب الإطالة، أو لا يفهمونه ولا يسايرونه
стр. 102
فيهبط من سماء متعته الأدبية ليمشي مع أفهامهم وعقولهم ...
* * *
إنه رجل شاذ الطباع متناقض العواطف؛ يشتاق إلى بلده، فإن عاد ندم على العودة، وإن أقام هاجَه الشوقُ، وإن لجأ إلى عقله ثارت عاطفته، وإن اتّبع عاطفته أبى عقله ...
لا يفهمه أحد، ولا يفهم هو نفسَه ... إنه أديب!
* * *
стр. 103
زفرة مصدور
نشرت سنة ١٩٤٠
إلى صديقي (فلان):
أنا الآن في شرفتي أطلُّ على دمشق من فوق خمس جوادَّ (١) علوّها مئتا متر، فأراها كلها كصفحة الكف، وقد انتصف الليل وانصرف السامرون آنفاً بعدما أحيوا ليلة من الليالي التي تعرف مثيلاتها في دارنا، وسكن الكون وشمله الجلال، وأنا جالس
стр. 104
وحدي أفكر؛ لا أفكر في دمشق التي حننتَ إليها وشاقتك ذكراها، دمشق التي باكرها الربيع فضحك في غوطتها الزهر وغمر جوَّها العطر، وماست في جناتها الحور الفاتنات من الحور والصفصاف ومن بنات أمنا حواء، لا أفكر فيها لأن قلبي لا يتفتح الآن لإدراك الجمال، وقريحتي لا تنشط لوصف الربيع، ومكان الشعر من نفسي مقفر خال. وما لي لا تخمل قريحتي ويذوي غصن الشعر في نفسي، وقد عدت إلى دمشق على طول شوقي إليها وازدياد حنيني، وتركت أهلاً في العراق كراماً، وبلداً طيباً، وأمة حية، تحمل اللواء وتهز العلَم، وتتقدم لتجمع الشمل الشتيت، شمل العرب المتفرق، وتوحّد الشعب وتُرجع المجد والجلال، وتؤلف بين أهل الضاد من حاضر وباد ... تركت ذلك كله وعدت إلى بلدي الأول (ويا ليت بغداد كانت هي بلدي الأول!) فلم أجد في دمشق إلاّ النكران والأذى، ولم أجد إلاّ ما يسوء ويؤلم.
ولكن هل يشكو امرؤٌ بلدَه؟ هل يهدم بيده دارَه؟
إن تكلمت قال الحساد: بغى وظلم، وإن سكتّ قال الشامتون: رضي أو عجز! والقلب بالسكوت يتفطر، والصدر من الصمت يتمزق، والكلام ... هل يجوز لي الكلام؟
يا ليتني بقيت بعيداً أقنع من بلدي بهذه الصورة الحلوة التي تتراءى من خلال أحلام المشوق الولهان ويوحي بها الحنين الطاغي! يا ليتني ... وهل تنفع شيئاً «ليتني»؟
لقد عَمِيَ أولو الأمر والنهي عن أدبي وعلمي وعما نشرت في الكتب والمجلات والصحف، وهو شيء يملأ ثلاثة آلاف
стр. 105
صفحة على أقل تقدير (١)، هَبْ أن فيها كلاماً مرصوفاً لا معنى وراءه تجد أني حملت في كتابتها ورصفها عناء، فكيف وكلها ثمرة التأمل الطويل، ونتيجة كد الخاطر وعصر الدماغ، وما منها شيء سرقته من أديب من أدباء فرنسا ولا إنكلترا! عمي أولو الأمر عن هذا كله ولم يعدلوه بهذه الورقة السحرية التي جاء بها أولئك من ديار العجم يشهد لهم فيها مَن يسكن هناك بأنهم صاروا يفهمون العربية وغدوا أهلاً للتصدّر لتدريسها ... ولم يجدوني أهلاً لأكثر من «أستاذ معاون»!
أفيكون ظلماً مني وعدواناً إذا أعلنت ما أصابني وشكوته إلى القراء، وهم أصدقائي، لم يبقَ لي من صديق غيرهم؟ لم يبق لي صديق في هذه الحياة ... إنك لتعلم ذلك، ولكني لا أشكو!
إنهم يقولون إني عنيد، وإني مشاغب، وإني أثير المشاكل ... ولست أفهم لهذا كله إلا معنى واحداً، هو أني أؤثر الصدق وأعلنه ولا أفعل ولا أقول إلاّ ما أطمئنّ إلى أنه الحق.
وهل كان ذنباً أني حَمِيت للفضيلة تُمتهَن وللأخلاق تُهان، فناضلت عنها وقاتلت، وقلت لتلاميذي: ناضلوا عنها وقاتلوا؟ وهل كان ذنباً أني غضبت لمحمد أن ينكر نبوّتَه ويَجحدَ رسالتَه جاهلٌ غرير، في حفلة أقيمت لتكريم محمد وتمجيد ذكراه؟ (٢)
стр. 106
وهل كان ذنباً أني لا أقول لسواد الليل: أنت أبيض مشرق، ولا أقول للأعور: ما أحلى عينيك!؟
هذه هي ذنوبي التي خسرت من أجلها صداقات الأصدقاء، وكسبت عداوات الرؤساء، وربحت خصومة الجاهلين، وعُددت بها من كبار المشاغبين.
* * *
لقد قارب الفجر وانطفأت أنوار المدينة. لقد مرّ عليّ ساعتان وأنا أفكر، وكل شيء من حولي ساكن ميت، وكذلك حياتي! إنها خالية منذ سنوات، ليس فيها شيء متحرك ... فأنا أعيش عيش الحالمين، أرقب أبداً الحادث الذي يهز حياتي الساكنة ويحرك مواهبي الخاملة ويدفعني إلى العمل، ولكن انتظاري قد طال حتى كدت أيأس من الانتظار.
إنك تغريني بما حصلت من شهرة وما نلت من مكانة، ولعل في ذلك تسلية لي لو كنت أحسُّ به أو ألمسه، إنني لا أحس والله بهذه الشهرة، إنني كالمغني الأصم الأعمى، يطرب الناس
стр. 107
فيصفقون له ويهتفون ولكنه لا يسمع ولا يرى، فينصرف حزيناً يحسب أنه خاب وأساء!
إن أهل بلدي ينكرون عليّ كل شيء حتى الأدب!
لقد قرأت أمس مقالة سقطت إليّ عرضاً، فرأيت فيها مقالاً يخبط فيه صاحبه خبط عمياء، فيعدّ أدباء دمشق أو الذين يراهم هو أدباء، فيذكر فيهم كل موظف في وزارة المعارف وكل تلميذ يدرس في أوربة وكل مدرسي التاريخ والجغرافيا! ولكنه لا يذكر علي الطنطاوي ولا سعيد الأفغاني، أفسمعت أبلغ من هذا الجهل وهذا النكران؟
هذه حالنا في دمشق التي كنا نَحِنُّ إليها في مصر، ونحيي الليالي نفكر فيها، وتتراءى لنا صورتها حيال الأفق من عند قنطرة الزمالك أو من ذروة الهرم، ونساهر النجم نفكر فيها ونعد الأيام للوصول إليها ... دمشق صارت كالهرة تأكل -من حبّها- بنيها!
لقد حمل إليّ البريد رسائل جمة ممن أعرف ومن لا أعرف يسألني أصحابها: لِمَ لا أكتب في الرسالة في هذه الأيام؟ فوجدت في هذه الرسائل عزاء، وشكرت لأصحابها، وتوهمت حين قرأتها أن في الدنيا من يفكر فيّ ويقرأ ما أكتب، ولكني لم أُجِبْ واحداً منهم. وبماذا أجيبهم؟ وكيف أقول لهم إن دمشق قد قتلت في نفسي روح الأدب؟
كيف أشكو دمشق التي أحبها؟ وكيف أذمّها بعملها؟
* * *
стр. 108
ثلاثون سنة ما خرجت منها إلا بشيء واحد، هو أني رأيت الحياة كمائدة القمار؛ فمن الناس مَن يخسر ماله ويخرج ينفض كفه، ومنهم مَن يخرج مثقلاً بأموال غيره التي ربحها، ومنهم مَن يقوم على الطريق يمسح الأحذية، ومَن يمد إليه حذاءه ليمسحه له، ومَن ينام على السرير، ومَن يسهر في الشارع يحرس النائم، ومَن يأخذ التسعة من غير عمل، ومَن يكدّ ويدأب فلا يبلغ الواحد، وعالِم يخضع لجاهل، وجاهل يترأس العلماء، ورأيت المال والعلم والخلق والشهادات قسماً وهبات؛ فرُبّ غني لا علم عنده، وعالِم لا مال لديه، وصاحب شهادات ليس بصاحب علم، وذي علم ليس بذي شهادات، ورُبّ مالك أخلاق لا يملك معها شيئاً، ومالك لكل شيء ولكن لا أخلاق له، ورأيت في مدرِّسي المدارس مَن هو أعلم من رئيس الجامعة، وبين موظفي الوزارة مَن هو أفضل من الوزير ... ولكنه الحظ الأعمى، أو هي حكمة الله لا يعلم سرّها إلا هو، ابتلانا بخفائها لينظر: أَنَرضى أم نسخط؟
ولكن ما أضيع أيامي في مدرسة الحياة إن كان هذا كل ما تعلمت منها في ثلاثين سنة!
* * *
لقد أذّنَ الفجر وأنا ساهر، وأضيئت منارات دمشق التي لا يحصيها عدّ، ورنّ صوت المؤذّنين في أرجاء الوجود صافياً عذباً: الله أكبر ... الله أكبر.
الله أكبر من كل شيء، اللهم إني أرفع إليك شكاتي.
стр. 109
اللهمّ إني قد نفضت يدي من الناس، وإني أسألك أمراً واحداً: ألاّ تقطعني عنك، وأن تدلني عليك، حتى أجد بمراقبتك أنس الدنيا وسعادة الآخرة.
* * *
стр. 110
زفرة أخرى
نشرت سنة ١٩٤٠
توالت عليّ الذكريات، فألقيت كتابي وأقبلت على ماضيّ، أفتش في حدائقه القاحلة عن وردةٍ أخطأَتها رياح الشتاء العاتية وثلوجه وأمطاره، فتوارت في كنف صخرة أو في حِمى جدار، تكون صورة من الربيع الغابر ... فلم أجد إلاّ رفات الأوراق التي كانت مخضرَّة زاهية، وهياكل الأشجار العارية التي كانت تلبس من حلل الربيع سندساً وحريراً، قد خيّمَ عليها الموت وشملها برده القارس. فحولت وجهي شطر المستقبل، فلم ألقَ إلاّ ظلاماً فوقه ظلام، ووجدت حاضري راكداً ركود الفناء، ساكناً سكون العدم؛ فضاق صدري وأغرقتني في بحرها الهموم، فجعلت أفتّش عن رفيق يأخذ بيدي، وصديق أبثّه همي وأشكو إليه بثي، فلم أجد لي صديقاً إلاّ القراء؛ أولئك هم أصدقائي الذين لا أعرفهم ولا أنتفع منهم بشيء، وما لي منهم إلاّ اعتقادي بأنهم يعطفون عليّ ولا يشاركون الحاسدين المؤذين حسدهم إيّاي وإيذاءهم لي، فكتبت إليهم أحدّثهم بشكاتي وأروي لهم ذكرياتي. ولعل هؤلاء القراء يضيقون بحديثي صدراً ويعرضون عنه ويستثقلونه، ولعلّ