(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ ، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا, ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
стр. 8
إهداء
إلى المهاجرين في سبيل الله:
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨]
إلى أنصار الحق ودعاته، وجنده وحُماته .. الذين يرجون الشهادة في سبيل الله!
إلى أصحاب البصائر والأبصار .. الذين يتطلعون إلى آفاق النور والإخاء، والإيثار والفداء، والبذل والعطاء، والحب والنقاء، والود والصفاء، ليعيشوا في أجواء الروح الرفافة الندى والظلال!
إلى أهل القرآن .. أهل الله وخاصته .. الذين قال فيهم الرسول ﷺ فيما
رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لله أَهلينَ من الناسِ". فقيل: منْ أَهلُ الله منهم؟ قال: "أهلُ القرآنِ
هُم أهلُ الله وخَاصّتُه" (١)!
стр. 9
إلى الإخوة الأحبّة جُند الحق .. الذين صبروا وصابروا ورابطوا .. وزادتهم المِحنُ منحًا وثَبَاتاً: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣]!
أصدق الناس قولاً، وأجمعهم لُبًّا، وأقواهم عزماً، الجهاد شعارهم، واليقن دثارهم، لا تتغيّر بهم في خشية الله عادة، ولا تملكهم في مخافته هوادة: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]!
إلى البراعم المؤمنة، والأجيال القادمة، الذين يأتي الله بهم، على امتداد آباد الزمان، وأبعاد المكان: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]!
إلى الأخُوَّة الزّكيّة، الصافية النقيّة، والمحبّة النديّة، والمودّة الرضيّة، والنفحة العلويَّة، والألفة القدسيّة، التي تنشئ في القلب إدراكاً كاملاً، ونورًا شاملاً، ونبضاً متصلاً، وحياة مباركة، هي سراج ما بطن، وملاك ما علن، تنطف نوراً كأنها قناع رحمة الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]!
стр. 10
﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]!
وهنا يقف الفكر سابحاً مستبحاً، والحسّ مشدوهاً، أمام وقع التصوير والتعبير، والإدراك والتَّقدير، في لمسات وجدانيّة عقليّة، روحيّة فكريّة، فطريّة، نفسيّة، لا يؤثّر فيها إلا الضمير، ولا يطلع عليها إلا اللطيف الخبير .. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن يجمعنا الحق جل شأنه في مستقر رحمته: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧]!
آمين.
إلى هؤلاء وهؤلاء أهدي هذا الكتاب ..
стр. 11
مقدمة
стр. 12
مقدمة
١ - السيرة ومكانتها
٢ - في حياة الرسول ﷺ
٣ - مكانة النبوة والأنبياء
٤ - النبوَّة وبناء الحضارة
٥ - أعظم دوافع التطوّر
٦ - الطفولة الفكريّة
٧ - أعظم تراث إنساني
٨ - أعظم شهادة
٩ - فتح فكري جديد
١٠ - شمس الوجود الروحي
١١ - في علم المغازي خير الدنيا والآخرة
١٢ - الله أكبر
стр. 13
مقدمة
ما أحوجنا أن نبصر مكانة السيرة النبويّة .. وأنها تسع الحياة كلها، وأعظم تراث إنساني فريد، وفتح فكري جديد، على مدى التاريخ .. وما يجب أن ندرسه .. ونفقه في معالمها خيَريْ الدنيا والآخرة!
وما أحوجنا أن نبصر خصائص الرسالة والرسول ﷺ .. ومصادر تلك الخصائص، ومناهج المؤلفين قديماً وحديثاً .. والمنهج الأمثل في الدراسة .. وأنه واسع الآفاق، متنوّع المعالم، غزير العوالم .. تسابقت الأقلام في حلبته، تنافست الأفكار في ديباجته!
وقد عشت أكثر من نصف قرن في تلك الرحاب .. وقمت بتدريس السيرة في الجامعة سنين؛ مما جعلني بعون الله وتوفيقه أكتب بعد طول مراجعة للمصادر الأصليّة، وفق أصول التحديث روايةً ودرايةً!
وسجل التاريخ منذ فجر الرسالة صيحات من هنا وهناك، تشكّل في إطارها سيل منهمر من الحقد الأعمى على خاتم النبين محمد ﷺ ، تحيطه جهالة جهلاء، وفوضى عمياء، وأصبحت تلك المفتريات غريزة موروثة، وخاصّة طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلفتها تلك الحرب الضروس في القديم والحديث سواء!
١ - السيرة ومكانتها:
وإذا كانت السيرة في اللغة بمعنى الطريقة والسنة، فإنها يراد بها التعرّف على حياة الرسول ﷺ ، منذ ظهور الإرهاصات التي مهّدت
стр. 14
لرسالته (١)، وما سبق مولده من سمات تلقي أضواء رحمانية على طريقة الدعوة المحمديّة، ومولد الرسول ﷺ ، ونشأته، حتى مبعثه .. وما جاء بعد ذلك من دعوة الناس إلى (الدّين القيّم) .. وما لقي في سبيل نشر هذا الذين من معارضة، وما جرى بينه ﷺ وبين من عارضوه من صراع بالبيان والسنان، وذكر من استجاب له ﷺ ، حتى علت راية الحق، وأضاءت شعلة الإيمان!
إنها نور وهّاج، أفضى إلى ظلمات الجهل والوثنيّة، فانجابت كما ينجاب الغمام، وهدى من الله أرسله إلى الإنسانيّة الضالّة، فانتشلها من ضياع، وانتاشها من هلاك، وأنقذها مما كانت تتخبّط فيه من دياجير الظلام، وعقابيل الضلال!
إن الله خلق محمداً ﷺ بشراً سويًّا، ولكنه فوق سائر البشر، وآثاره التي حملتها الأجيال من بعده فوق القُدَر، ونحن معشر المتبعين كان فينا شرف هذا الاتباع إنما ندرك بالتصوير أمثالنا، ومن خواطرنا ومنازع نفوسنا نتعرف نفوس غيرنا، ونحكم على أحوالهم، وإن حاولنا أن ندرك من هو أعلى منا فإنه يجب أن يكون علوه على مَرأى أنظارنا، وفي مطالع آفاقنا، وعندئذ نحاول، وقد نصل .. ولكن الحديث عن حياة الرسول ﷺ ، في علو لا نصل إليه، وفي سماك لا نراه، وليس منّا من يقاربه حتى نتمثّله ونتخيّله، فأنّى لأمثالنا أن يكتب في شأنه، وأن يعلو إلى قدره؟!
إن ذلك لأمر فوق المنال، ويعلو على مدارك الخيال!
стр. 15
من أجل هذا نضرع إلى الله -جلّ شأنه- أن يشملنا بغفرانه، إن تسامينا محاولين الوصول إلى الحديث عن حياة الرسول ﷺ ، فالمعذرة قائمة، والقصور ثابت، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها!
وهنا نحسّ النور يغمر حياتنا، ونشعر بالضوء المنير يكفّ أبصارنا، فأنّى ندرك، وأنّى نرى، وقد صرنا كذي رمد غمره ضوء الشمس، أو ما هو أعلى، فأصابته الحيرة، ولا هادي له يخرجه منها، إلا أن يكون الهُدى من الله، والعون والرشاد، والتوفيق والسداد!
ومن ثم نسأل الله أن يهدينا لتصوير حياة الرسول ﷺ ، أو لتقريبها ما دام التصوير فوق الطاقة، والقاصر معذور، والله ﵎ عفوّ غفور!
ومعلوم أن وجوه عظمة الرسول ﷺ قد تعدّدت، بحيث يعجز المحصي عن الإحصاء، والمستقري عن الاستقراء!
وإذا نفدت الطاقة كان الإقرار بالعجز، وبأن الله قد صانه وحفظه، وتولاه بعنايته، ورعاه برعايته، حتى كان وحيداً بين الغلمان بما كلأه الله به وحماه، وصبيًّا فريدًا بين الصبيان، والشابّ الأمين البعيد عن رجس الجاهليّة بين الشباب، فكل شيء في حياته الأولى كان من الخوارق التي علت عن الأسباب والمسبّبات، فلم تكن أثر تربية موجهة، ولا أثر بيئة حاملة، ولا أثر شرف رفيع وإن كان محقّقاً؛ ولكنه كان صنع الله، تمثّلت فيه المعجزة بشخصه وكونه ووجوده، ففيه البشريّة، وفيه المعجزة الإلهيّة!
وصدق الله العظيم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]!
стр. 16
والرسالة أمر هائل خطير (١)، أمر كونيّ تتّصل فيه الإرادة الأزليّة الأبديّة بحركة عبد مصطفى، ويتّصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثّل فيه الحق الكليّ في قلب بشر، وفي واقع حياة، وفي حركة تاريخ، وتتجرّد فيه كينونة بشريّة من حظ ذاتها لتخلص لله، لا خلوص النيّة والعمل وكفى؛ ولكن خلوص المحلّ الذي يملؤه هذا الأمر الخطير، فذات الرسول ﷺ تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة، وهي لا تتّصل هذه الصلة إلا أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقّي المباشر بلا عوائق ولا سدود، ولا قيود ولا حدود!
وهنا نبصر النبوة أمراً عظيماً حقًّا، ونتصوّر مجرّد تصوّر لحظة التلقّي عظيمة حقًّا (٢)!
هذا الوحي .. هذا الاتصال العجيب .. هذا الاتصال المعجز الذي لا يملك إلا الله أن يجعله واقعاً يتحقق .. ولا يعرف إلا الله كيف يقع ويتحقّق؟!
تُرى، أيّة طبيعة هذه التي تتلقّى ذلك الاتصال العلويّ الكريم؟!
أيّ جوهر من جواهر الأرواح ذلك الذي يتّصل بهذا الوحي، ويختلط بذلك العنصر ويتّسق مع طبيعته وفحواه؟!
إنه إنسان ذو حدود وقيود، وتلك حقيقة .. ولكنها تتراءى هنالك بعيداً بعيداً على أفق عال، ومرتقى صاعد، لا تكاد المدارك تتملاّه!
روح هذا النبيّ .. روح هذا الإنسان الكريم .. تُرى، كيف كانت تحسّ بهذه الصلة؟! وهذا التلقّي؟! كيف كانت تتفتّح؟!
стр. 17
كيف كان ينساب فيها ذلك الفيض؟!
كيف كانت تجد الوجود في هذه اللحظات العجيبة التي يتجلّى فيها الحق على الوجود، وتتجاوب جنباته كلها بكلمات الحق؟!
أيّة رعاية؟!
وأيّة رحمة؟!
وأيّة مكرمة؟!
والله العليّ الكبير يتلطّف فيكرم هذه الخليقة فيوحي إليها لإصلاح أمرها، وإنارة طريقها، وردّ شاردها، والله هو الغنيّ الحميد!
٢ - حياة الرسول ﷺ -:
وحياة الرسول ﷺ صفحة عريضة فريدة وحيدة، من صفحات الجهاد لإنقاذ البشريّة، ومثلاً صادقاً فريداً وحيداً لمُثُلِ البرّ والمرحمة، وسيرة عالية، رفيعة الشأن، جليلة القدر، عظيمة النفع، كبيرة الفائدة، تلمع أضواؤها في الكتاب والسنّة وفق قواعد التحديث روايةً ودرايةً، متضمنة نفحات هذا الهُدى، وومضات ذلك الإشراق!
وما كان لباحث منصف يسعى إلى إيفاء حياة الرسول ﷺ حقها من البحث والتحليل، إلا أن يدرك أنها غنيّة بأحداثها، من حيث كونها:
- واقعيّة مثاليّة!
- حركيّة أخلاقيّة!
- قياديّة روحيّة!
стр. 18
- فقهيّة حضاريّة (١)!
وقد شهد الرسول ﷺ في هذا العالم تعليم الله وهدايته (٢)، وبشّر الصالحين بالفوز والنجاح، والنجاة والفلاح، فهو (مبشّر)!
ونادى الغافلين، وأسمع الصمّ، وحذّر المذنبين عاقبة ذنوبهم، وأنذر المشرفين على الهلاك، وأيقظ النائمن، فهو (منذر)!
ودعا إلى الله من ضلّ عن سبيل الحق والهُدى والفوز، فهو (داع)!
وإن هو إلا نور يستضاء به إلى يوم القيامة، ونبراس يستنار بأشعّته في شعاب الحياة الملتوية، فتنكشف به الظلمات المتراكمة، فهو (السراج المنير) إلى الأبد!
وصدق الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]!
نعم، إن جميع الأنبياء كانوا شهداء ودعاة ومبشّرين ومنذرين، بيد أن هذه الصفات لم تكن هكذا في جميع الرسل .. بل كان بعضها في بعضهم أظهر من أخواتها!
فقد غلبت على يعقوب وإسحاق وإسماعيل ﵇ صفة الشهادة، فكانوا شهداء الحق!
стр. 19
وغلبت على إبراهيم وعيسى ﵉ صفة التبشير، فكانا مبشّريْن!
ومن الأنبياء من غلب عليه وصف الإنذار لمن خالف الحق وجحده، فكانوا منذرين، كنوح، وموسى، وهود، وشعيب ﵈!
ومنهم من غلبت عليه صفة الدعوة إلى الحق، وامتاز بها أكثر مما امتاز بسائر النعوت الأخرى، كيوسف ويونس ﵉!
وأما من كان جامعاً لهذه الصفات كلها، واتصف بها جميعاً، وكان مبشّراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، وكانت حياته ملأى بهذه النعوت والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال وتلك الخلال، فهو محمد خاتم النبيين ﷺ ، المبعوث ليختم الله به النبوات؛ فأُعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافة، وجاء بالشريعة الكاملة التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها, ولن تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة!
لقد حظيت الرسالة المحمديّة بالخلود، واختصّت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد ﷺ جامعةً لجميع الأخلاق العالية، والعادات السنيّة!
٣ - مكانة النبوة والأنبياء:
والذين يقرؤون كتاب الرسالة المحمديّة: (القرآن العظيم) (١) الذي هو أول مصدر من مصادر السيرة النبويّة، قراءة فهم وتدبّر، وبحث متعمّق في معانيه وحقائقه الكونيّة، وعقائده وتشريعاته، ونظمه الاجتماعيّة وأخلاقيّاته،
стр. 20
ويقرؤون السيرة النبويّة في مصادرها الوثيقة -كما سيأتي- قراءة إمعان وإنصاف، يعلمون أن هذا الكتاب الحكيم، وهذه السيرة الكريمة عُنيا أكثر ما عُنيا في نصوصهما بالنبوّة والرسالات الإلهية، فأشادا بهما، وأعظما شأنهما، وجعلا معرفتهما والإيمان بهما شطر الإيمان الصحيح، فلا تكمل حقيقة إيمان مؤمن - في شرعة هذا الكتاب الكريم، وفي هدي سنة نبيّه الأمين ﷺ إلا بصدق الرسالات الإلهية والإيمان بها، إيماناً لا يفرق بين أحد من رسل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]!
وإيمان الرسول ﷺ هو إيمان التلقّي المباشر (٢) .. تلقّي القلب النقي للوحي العلي، واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة .. الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كدّ ولا محاولة، وبلا أداة أو واسطة، وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها، فلا يصفها إلا من ذاقها, ولا يدركها من الوصف -على حقيقتها- إلا من ذاقها كذلك!
فهذا الإيمان -إيمان الرسول ﷺ هو الذي يكرم الله عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم، على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول ﷺ بطبيعة الحال وكيان أي سواه، ممن لم يتلقّ الحقيقة من مولاه!
ترى، ما حقيقة هذا الإيمان وحدوده؟
﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]!
стр. 21
إنه الإيمان الشامل الكامل الذي جاء به (الدّين القيّم) .. الإيمان الذي يليق بهذه الأمّة الوارثة لدين الله، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة، الضاربة الجذور في أعماق الزمان، السائرة في موكب الدعوة في حياة الرسول ﷺ ، وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري!
وهذا الإيمان قاعدة التصوّر، وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة، وقاعدة الخُلق، وقاعدة الاقتصاد، وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك!
والإيمان بالملائكة شأنه شأن الإيمان بالحقائق الغيبيّة المستيقنة التي جاءت من عند الله .. وهو يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود، فلا تنكمش صورة الكون في تصوّر المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه، وهو ضئيل، كما أنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله، تشاركه إيمانه بربّه، وتستغفر له، وتكون في عونه على الخير بإذن الله، وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك .. ثم هناك المعرفة بهذه الحقيقة، وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين به وبملائكته!
والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها، فالإيمان يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين بعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمّنه الكتب التي نزلت عليهم!
ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم؛ فكلهم جاء من عند الله بالإِسلام، في صورة من الصور المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم، وكلهم مسلمون!
стр. 22
والمسلمون أولى الناس بهم إيمانًا وتصديقًا، وجاء خاتم النبيّين ﷺ بالصورة الأخيرة لـ (الدّين القيّم) لدعوة البشريّة كلها إلى يوم القيامة!
وهكذا تتلفى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله، وتقوم على دين الله في الحياة، ويشعر المسلمون -من ثم- بضخامة دورهم في هذه الأرض إلى أن تقوم الساعة، ويتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم، ويعرفون أنهم صائرون إليه، فيطلبون مغفرته من التقصير!
إنها الوحدة الكبرى التي هي طابع العقيدة الإسلامية:
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، بلا تفريق بين الرسل .. والسمع والطاعة، والإنابة إلى الله .. واليقين بيوم الحساب!
وإنها العقيدة التي تصوّر موكب الإيمان الواحد، من مبتدأ الخليقة إلى منتهاها، وخط الهداية المتّصل الموصول بأيدي رسل الله جميعاً، المتدرجّ بالبشريّة في مراقي الصعود، الكاشف لها عن الناموس الواحد، بقدر ما تطيق، حتى كانت الرسالة الخاتمة التي أعلنت وحدة الناموس كاملة!
ونظرة إلى قصص الأنبياء والرسل في القرآن الكريم (١)، وفي أحاديث الرسول ﷺ ، وما أنزل الله من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبوديّة لله تعالى وحده، وعرض ما جرى لهم من أممهم وأقوامهم، وبيان ما كان في أقوامهم من رذائل الشرك والوثنيّة، ومنكرات الأخلاق، وسفساف الاجتماع، وتحذير الأنبياء والرسل لهم من عواقب هذه الخبائث، وإنذارهم بطش الحق وبأسه، وما رمى الله به تلك الأمم من عذاب استأصل به الظالمين،
стр. 23
وقطع دابر المعاندين، كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]!
تبيّن مقدار العناية التي أضفاها القرآن الكريم، والسنة الصحيحة المطهرة، على النبوّة ومكانتها، وعلى حياة الأنبياء، ومقام الرسالات والرسل، من تعظيم وتقدير!
وقلما يجد الباحث سورة من سور القرآن الكريم في طِوَلَه، لا يجد فيها ذكراً للنبوّة والأنبياء، والرسل والرسالات .. وقد يطول الحديث عن بعضهم في إسهاب تقتضيه المناسبة، يكشف كثيراً من أحداث التاريخ, كما في قصص نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈ .. وقد يختصر الحديث عن بعضهم في إيجاز معبّر أصدق تعبير .. وفي القرآن سورة تسمّى سورة الأنبياء!
والقرآن الكريم يقصد إلى استكمال الحجة والموعظة، عندما يتطلّب الحديث تنويع البرهان والموعظة، فيذكر شيئاً في موضع آخر من القصة، يجعله كالتمهيد، ليضيف إليه ما لم يذكر هناك، حتى تكتمل القصة في جوّها ومناسبتها، بما يقتضيه مقام الحديث عنها، ومن هنا قال علماء البلاغة:
(لكل مقام مقال)!
بيد أن الذين يقفون في سفح البحث ممن لا يستطيعون القدرة على السبح في محيطه، لا يرتفع نظرهم إلى حقيقة الأسلوب البياني في هذا الكتاب المبين، ولكنهم يرون لأول نظرة عابرة أنهم أمام قصص مكرّرة، وسير معادة،
стр. 24
وآيات مردّدة .. وهذا عند التأمّل في سياق كل قصة، يبدو خيالاً واهماً، لا يركن إليه ويعتقده إلا من لم يكن له صبر على البحث لمعرفة الحقائق التاريخيّة في سير الأنبياء والمرسلين، وإلا من لم يعرف وسيق الوشائج التي تربط بين رسالة محمد ﷺ بكافة نبوّات الأنبياء، وسائر رسالات الرسل ﵈!
ألا ترى إلى هذا الكتاب الحكيم في صنيعه بقصة يوسف ﵇ وقد نزلت -كما تقول روايات أسباب النزول- إجابة لطلب قصد القصة كاملة؛ فإنه لما استوفى أحداث القصة متكاملة في سورتها، تحقيقاً للمطلوب، وإعجازًا للمعاندين، وتصديقاً للرسول ﷺ ، لم يعد إليها في سورة أخرى إلا إشارة ورمزًا!
والقرآن الكريم، وهو كتاب هداية وعبرة، في وزنه للحياة، وتقديره لحقائقها، يقصد في قصص الأنبياء والرسل فيما يقصد إليه من معان وحقائق إلى تنبيه العقول والأفكار إلى ما وقع في التاريخ البشري من غمط ظالم لأعظم حقائق الحياة، وتقصير متعمّد فيما كان يجب أن يكون في موضوع الصدارة من صحائفه!
٤ - النبوّة وبناء الحضارة:
ومن ثم جعل القرآن الكريم حديثه في عقائده، وعباداته، وتشريعاته، وآدابه، وأخلاقيّاته، ونظمِه في بيان علاقات الناس الاجتماعية، متصلاً أكمل اتصال بسيرة الأنبياء والمرسلين؛ لأنهم جميعاً لبنات في بناء الحضارة المثلى الرفيعة، التي جاءت رسالة خاتم النبيّين ﷺ لتكميلها، كما قال رسول الله ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "إِنَّ مثَلي
стр. 25
ومثلَ الأنبياء مِنْ قبْلي كمثَل رجل بَنى بيتاً فأحسنَهُ وأجمله، إِلاّ موضِع لبِنة مِنْ زاويةٍ، فَجعَل الناسُ يطوفونَ بهِ، ويعجبون له، ويقولون: هلًا وُضِعَتْ هذه اللَّبنة؟ قال: فأنا اللَّبنةُ، وأنا خاتم النبيين" (١)!
وفي رواية عن جابر ﵁: "مثَلي ومثلُ الأنبياء كرجل بَنى دارًا فأكملَها وأحسَنها، إِلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجّبون، ويقولون: لولا موضعُ اللَّبنة"!
زاد مسلم: "فأنا موضع اللّبنة جئت فختمت الأنبياء" (٢)!
فهذا الحديث الشريف يضع النبوّة في أفقها الواقعي من آفاق الحياة، ويضع حملة لوائها من المصطفين لتلقّي كلمات الله في ذروة بناء الحضارة الإنسانية، حتى كأنهما حقيقة واحدة، هي التي تصنع الحياة، وتبني الحضارة الفكريّة والماديّة في صورة إنسانيّة موحّدة الإحساس والشعور والاتجاه!
فالحضارة الإنسانيّة الرفيعة، أو الحياة الإنسانيّة المهذّبة، في معنى هذا الحديث الشريف بناء وضع كل نبيّ من الأنبياء، وكل رسول من الرسل، لبنة في صرحه، حتى استقام مستعلياً سامقاً في أجواء الحياة، مزيّناً مجملاً، إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه لم توضع، وبقي مكانها فارغاً، يُنْقِص من
стр. 26
إعجاب الناس بالبناء، وهم يطوفون به في أطوار الحياة، ودورات الفلك، ويتمنّون لو أن هذه اللبنة جاءت بحقيقتها وصورتها, لتوضع في موضعها، ليتكامل حُسن البناء، ويتم الإعجاب به .. وجاءت اللبنة بحقيقتها الجامعة لكل ما في لبنات البناء من طبيعة وحقيقة، فكانت درّة البناء الفريدة، وكانت الرسالة الخالدة لخاتم النبيّين ﷺ !
٥ - أعظم دوافع التطوّر:
وفي حديث آخر عن أبي هريرة وغيره: "إِنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق" وفي رواية: "صالح الأخلاق" (١)!
وفي هذا الحديث يبيّن الرسول ﷺ ما قدّمه إخوانه أنبياء الله ورسله للحياة من إصلاح وتقدّم، يقوم على القيم الروحيّة، والفضائل الخلقيّة، ومبيّناً
стр. 27
مكانته منهم في رسالته الخاتمة، مكمّلاً ما أسّسوا، وما أقاموا من حضارات إنسانيّة رفيعة الشأن!
ويبيّن -أيضاً- أن بناء الحضارة الذي أقامته النبوّة بكلمات الله ووحيه ليس بناءً ماديًّا كأبنية الناس في حضاراتهم الماديّة، ولكنه بناء روحاني يقوم على دعائم الأخلاق والفضائل، ومحاسن الشيم والشمائل التي شيّدوا بها بناء الحضارة الفكريّة والاجتماعيّة!
وقد أبان الحديث عن عمل النبوة باعتبارها الحقيقة العظمى المسيطرة على التفكير في إقامة صرح البناء الحضاري، بإسهام كل نبيّ وكل رسول في إرساء هذا البناء حتى جاء خاتم النبيّين ﷺ ، وكمّله برسالته الخاتمة الخالدة!
وهذا المعنى الذي أبان عنه الحديث هو إجمال لمعنى الحديث الأول، وفيه بيان المعاني والحقائق التي أقيم بناء الحضارة الإنسانيّة من لبناتها!
والنبوّة في عمومها حرية أن تكون بمنزلة من التاريخ البشريّ ترفعها فوق كل منزلة من منازل حقائق الحياة وفضائلها .. ورسالاتُ الله تعالى إلى الناس لإخراجهم من ظلمات الضلالات إلى نور الهداية جديرة أن تكون بموضع من مسيرة الإنسانية، يسمو بها إلى أرفع مكان في ذروة تاريخ الحياة!
بيد أن التاريخ البشري لم ينصف النبوّة -وهي أعظم مراتب الحضارة الفكرية- ولم يعط الرسالات الإلهيّة حقها من التقدير، وهي أجل صور الحياة في العلم والمعرفة، بل هي أبلغ وأقوى وأثبت وأعظم دوافع التطوّر الاجتماعي في حياة الإنسانيّة!
стр. 28
٦ - الطفولة الفكريّة:
ونستعرض التاريخ منذ بدأ يكتب ويسجّل أحداث الحياة في المجتمع البشري فنجده شغل -حتى أتخم- بالفلسفة الوضعيّة، التي هي في كثير من موضوعاتها وقضاياها حصيلة العقل الإنساني، وقد كان هذا العقل في مهد الطفولة الفكرية لا يزال يحبو، وحصيلة الهوس الخيالي الجامح في كثير من مسائلها وبحوثها التي شغلت بجدلها العقيم قسطاً كبيراً من عمر الحياة، وكانت هذه الفلسفات تعج بأوضار الوثنيات التي كانت أساساً لما يُسمّى (الفن)، ولا سيما في دائرة التصوير المجسّم والنحت!
لقد مضى على هذا العقل وهو يفكّر وينظر ويتحرك عشرات الألوف من السنين، ولكنه لم يصل إلى شيء في قضاياه التي استقل بها من شؤون الحياة والكون؛ بل إنه زادها تعقيداً وشتاتاً، ولم يستطع أن يحسم رأياً فيما شارك فيه من شؤون الحياة، ولم يقول على البت في قضايا الغيب التي جاءت النبوّات بحقائقها، إخباراً عن واقع مشهود؛ لأن النبوّات تطير إلى هذا الغيب بأجنحة الوحي والتلقّي عن الله تعالى، خالق الغيب والشهادة، والعقل تعبّد للحسّ وجعل منافذه وسيلة إلى إدراك الحقائق، والحسّ محدود الجوانب إذا تعدّاها سقط في هاوية الجحود والتشكيك!
ولو أن العقل خفّف من غلوائه، واستقام على نهج النبوّة يهتدي بهديها في موازين إدراكاته لكان له اليوم مع الحياة شأن غير شأنه الذي يعيش فيه، ويقود الحياة بزمامه، ولا يدري أحد ما تكون نهاية هذه القيادة القاصرة عن إدراك كثير من حقائق الحياة!
стр. 29
وكان بحسب العقل أن يتفقّه فيما يقال له من وحي النبوّات مما هو وراء الحسّ المادّي، ويلائم بين مدركاته الماديّة وحقائق الوجود الكونيّة العظمى، ليظفر بلون من الشفافية والإشراق، يتيح له من معارف الغيب وحقائقه ما يتحرّر به من أغلال الحسّ ومنافذه!
وإلى جانب شغل التاريخ بتلك الفلسفة الوضعيّة نجده شغل بالمظاهر الماديّة في سائر جوانب الحياة، وملأ كثيراً من صفحاته بالحديث عن آثار الوثنيّات وأصنامها وتماثيلها وأساطيرها وخرافات أهلها، وتناسى النبوّات وآثارها الفكريّة والرّوحيّة وقيمها الأخلاقيّة!
وتناسى الرسالات الإلهيّة وعملها في دفع عجلة الحضارة الإنسانيّة إلى التقدّم الأدبي، والرقيّ الفكري، والسموّ الخلقي، وحفاظها على القيم الأصلية في توجيه العقل، وأقوم الطرق في تطوّر الفكر!
فكم من صفحات هذا التاريخ البشري الظالم -منذ كان- شغلها تاريخ النبوة؟
وكم من صفحات هذا التاريخ شغلها عمل الرسالات الإلهيّة في تقدّم المجتمع البشري؟ إنها أقل من القليل!
قد يقبل في منطق الوثنيّات وفنونها الأسطوريّة أن يُشغل التاريخ البشري - وهو من أوضاع تلك الوثنيّات- عن العناية بالنبوّة والرسالات الإلهيّة، ويتعوّض عنها الأباطيل والخرافات وأساطير الوثنيّات عند الإغريق والفراعنة والكنعانيّين، ومَن إليهم من الأمم الراسبة في قاع حمأة الوثنيّات؛ لأن النبوّة إنما جاءت لتصحيح أوضاع الحياة التي شوّهتها الوثنيّات بأباطيلها، وذلك
стр. 30
بالقضاء على منطقها المهلهل، لتقيم صرح العقيدة التوحيديّة التي تحرّر الحياة من عبوديّة الأحجار والتماثيل تحت عنوان (الفن)!
ولكن الذي لا يقبله منطق العقل المستقيم أن يتغلّب منطق هذه الوثنيّات المتهالكة على عقول الذين أوتوا منطق التوحيد على ألسنة الأنبياء والرسل، ونزلت عليهم كتب النبوّات، فبدّلوا كلمها طواعية وعناداً، وحرّفوا آياتها قصداً إلى أحطّ منطق في تاريخ الوثنيّات!
فهذه التوراة كتاب موسى نبيّ الله ورسوله وكليمه، وهذا الإنجيل كتاب عيسى نبيّ الله ورسوله وروحه وكلمته، وهما اليوم بأيدي الأخلاف نرى فيهما ما لا يمكن أن يتصوره عاقل من بهت للنبوّة والرسالات الإلهيّة في تصوير حياة أنبياء الله ورسله!
ومن ثم أبصرنا تلك الحرب الضروس في القديم والحديث على خاتم النبيّين ﷺ !
ولم يكتف التاريخ البشري في إهماله أمر النبوّات والرسالات الإلهيّة ليتعوّض عنها بهذه الوثنيّات وأقاصيصها، بل أضاف إليها -ليستغرق في ضلالاته- أنباء الطغاة البغاة العتاة من سفّاكي دماء البشريّة، ومدمّري عمران الحياة، ومخرّبي بناء الحضارات الإنسانيّة، فجعل من أحاديثهم في معاركهم الظالمة أقاصيص الإعجاب، ومفاخر البطولة، وهي في حقيقتها نزوات من الطغيان الأحمق الذي يرقص على طبول الخراب!
هذا التاريخ الظلوم المظلوم حمل على كاهله طوال أحقاب ما مرّ عليه من دورات الفلك أثقال الوثنيّات بكفرياتها وإلحادها ومذاهبها، وأفكارها
стр. 31
وأساطيرها، وآثارها الماديّة في تفصيل مسهب، بل في مبالغة وإغراق وأكاذيب، ولم يسمح بأسطر يكتبها في سجلاته عن النبوّات والرسالات الإلهيّة إلا بقدر ما يصلها بهذه الوثنيّات في معاركها معها ونضالها ضدّها!
أما بيان مكانة النبوّة من الحياة، وبيان أعمالها في توجيه الحياة، وتهذيب الغرائز، وإرشاد العقل في سيره، وبيان ما يطيق إدراكه وما لا يطيق، وبيان أقدار الرسالات الإلهيّة، وجهاد الرسل في سبيل تقدّم الحياة، وإقامة موازين العدالة، وإصلاح ما أفسده الطغاة البغاة العتاة بطغيانهم ومظالمهم، وكفاح البطولات الروحيّة، واصطبار المكافحين من الأنبياء والمرسلين، وأتباعهم من المؤمنين برسالاتهم، على محن الجبروت، وبلاء الطغيان، وفدائح الظلم .. أما هذا كله فأمر لا يعني هذا التاريخ البشري أن يفرد له بين صفحاته قدراً يعطيه حقه من التقدير والاعتزاز!
وقد صوّر التاريخ النبوّة والرسالات الإلهيّة في أسطره التي سمح بها في سجلاته للحديث عنها، وعن حملتها من المصطفين، على أنها مرشد لمن يريد اعتزال الحياة، ليعيش روحانيًّا قانعاً زاهداً، قعيد الكهوف والصوامع، جوعان ذا مسغبة، عريان ذا متربة، سموحاً لا يزاحم في معترك العيش، خانعاً في ذلة، مستسلماً لنوازل الحياة، شروداً نفوراً، يحيا ويموت دون أن تحسّ به الحياة!
والتاريخ بهذا التصوير الظالم يضع النبوّة والرسالات الإلهيّة في إطار من السلبيّة، لا تعني الحياة في شيء، ولا تعنيها الحياة في شيء!
ومن هنا نشأت فكرة (الدّين والدنيا) فالدّين- عند هذا التاريخ الظلوم- هو السلبيّة التي تعيش مع خيالات الأوهام، وأوهام الغيبيّات التي لا تحسّ ولا تمسّ .. والدنيا عند هذا التاريخ هي كل المعاني التي قامت على دعائمها فلسفة
стр. 32
الوثنيّات والإلحاد، والتفكير المادي الكفور، وعلى أساسها قامت الحضارات الماديّة بكل سوآتها وما يتصل بها!
٧ - أعظم تراث إنساني:
وجاءت رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ لتصحّح أغاليط التاريخ, وتنصف النبوّة والرسالات الإلهيّة وتردّ اعتبار الحقائق الكونيّة، فوضعت هذا التاريخ في مواجهة النبوّة وأحداثها، ووضعت الحياة كلها أمام الرسالات الإلهيّة وأعمالها، ووضعت الوثنيّات وفلسفاتها في مكانها من منازل الجحود!
فلم يستطع التاريخ بعد بعثة محمد خاتم النبيّين ﷺ أن يلوي عنقه مشيحاً عن الحديث في النبوّة ومكانتها في دنيا الناس والأشياء .. ولم تستطع أن تُنْغض رأسها متجاهلة مكانة الذين شُرِّفوا بقلائد النبوّة من المصطَفين الأخَيار .. ولم تستطع -أيضاً- أن تُصَعِّر خدّها متغافلةً متعاميةً عن أشعة الحق في رسالات رسل الله الذين بعثهم إلى الحياة نوراً يبدّد ظلام القلوب والعقول والأرواح، ويهذب جموح الغرائز الإنسانيّة الضارية، ويشذّب أشجار الأفكار الشائكة بشبهات الجهالة، وأغلوطات الضلالة، في أدمغة أحلاس هوس الفلسفة، بما لا يعني شيئاً غير هوس التعالي، في ألغاز مريبة غامضة، وألفاظ مظلمة قاتمة، تسبح في محيط خيالي لا مرفأ له, تستقر فيه حقيقة من حقائق الحياة في واقعها الوجودي الذي جاءت به النبوّة والرسالات الإلهيّة، وعرفت الحياة للدّين معناه الشامل القويم الذي يعني المعاني والقيم والحقائق الإيجابية في منهج النبوّة والرسالات الإلهيّة .. وعرفت ألا تقابل بين الدّين والدّنيا، وإنما التقابل الحق بين حياتين:
стр. 33
- هذه الحياة التي يحياها الناس والأشياء، وللدّين فيها منهجه الأعم والأشمل الذي استقاه من معين النبوّة، والرسالات الإلهيّة!
- وحياة آتية لا ريب فيها, وللدّين فيها معرفته التي تلقاها عن وحي النبوّة، والرسالات الإلهيّة!
٨ - أعظم شهادة:
وقد قضى خاتم النبيّين ﷺ أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث -كما سيأتي- فكان بين أهلها، يعاملهم في أمور الحياة ليل نهار (١)، وهي الحياة اليوميّة، وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء .. ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء، فيتبيّن للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة، وإخفار عهد، وأكل مال بالباطل، وعقبات في الخديعة والخيانة، وتطفيف الكيل، وبخس الحقوق، وإخلاف الوعد .. وقد اجتاز الرسول ﷺ هذه السبل الشائكة الوعرة، وخلص منها سالماً نقيًّا، لم يصبه شيء مما يصيب عامة الناس، حتى دعوه (الأمين)!
ومع كل هذا خالفه المخالفون أشدّ الخلاف في دعوته، ولم يتركوا سبيلاً إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه وعاندوه، وصدّوا عن سبيله، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم!
ولكن لم يجرؤ أحد منهم أن يقول شيئاً في أخلاقه، ولا أن يرميه
стр. 34
بالخيانة، أو ينسب إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد، أو إخفار الذمة، أو نقض العهد!
وإن من ادّعى النبوّة وقال: إن الله يوحي إليه، فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد، ومساوئ الأعمال!
ألم يكن يكفي قريشاً في ردّهم على الرسول ﷺ أن يذكروا أمورًا عمل فيها الرسول ﷺ بغير الحق، وأن يشهدوا عليه بأنه أخلفهم وعداً، أو خانهم في أموالهم، أو كذب في شيء مما قاله لهم؟!
إن قريشاً أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسالة والرسول ﷺ ، وضحّوا بفلذات أكبادهم في قتاله، حتى قُتل وجُرح منهم كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه .. وكانت أحوال الرسول ﷺ وشؤونه ظاهرة لجميع الناس، معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه، ولم يَخْفَ عليهم شيء من أمره!
روى ابن جرير عن السدي (١):
(لمَّا كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إِن محمداً ابن أختكم، فأنتم أحق من كفّ عنه، فإِنه إِن كان نبيًّا لِمَ تقاتلونه اليوم؟ وإِن كان كاذباً كنتم أحقّ من كفّ عن ابن أخته، قِفوا هنا حتى ألْقى أبا الحكم، فإِن غَلَب محمد ﷺ رجعتم سالمين، وإِن غُلِبَ فإِن قومكم لا يصنعون بكم شيئاً، فيومئذ سُمّي الأخنس، وكان اسمه أبي، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني
стр. 35
عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإِنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك، والله! إِن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إِذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوّة، فماذا يكون لسائر قريش؟) فذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام]!
إنهم لم يكونوا يشكّون في صدق محمد ﷺ ، فلقد عرفوه صادقاً أميناً، ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة .. كذلك لم تكن الطبقة التي تتزعّم المعارضة للدعوة تشك في صدق رسالته، وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله .. ولكنهم كانوا يرفضون إظهار التصديق، ويرفضون الدخول في (الدّين القيّم)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال (١): لمَّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء]! صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي" لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إِذا لم يستطع أن يَخرُج، أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تُريد أن تُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟! "
قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إِلا صدقاً، قال: "فإِني نذير لكم بين يدي
стр. 36
عذاب شديد"! فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد]!
ولمَّا أرسلَ الرسول ﷺ كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم، دعا هرقل أبا سفيان ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبها، وقد كان أبو سفيان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله .. وهنا كانت إجابة عدوّ لو استطاع أن يقتل الرسول ﷺ ، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه .. ثم هو يُدعى إلى مجلس صاحب سلطان ليشهد عنده في عدوّه، ودعا هرقل بترجمانه، فقال فيما يرويه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄، من حديث طويل: أيّكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً! فقال: أَدْنُوه منّي، وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره! ثم قال لترجمانه: قل لهم: إِنّي سائل هذا الرجل، فإِن كذبني فكذّبوه! فوالله! لولا الحياء من أن يأثِروا عليّ كذباً لكذَبْتُ عنه! ثم كان أوّل مَا سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب! قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطّ قبله؟ قلت: لا! قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا! قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضُعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤُهم! قال: أيزيدون أم يَنْقُصون؟ قلت: بل يزيدون! قال: فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا! قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا! قال: فهل يَغْدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمْكِنِّي كلمةٌ أُدْخِلُ فيها شيئاً غير هذه الكلمة! قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم! قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منّا وننال منه! قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به
стр. 37
شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة! فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها! وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو قال أحد هذا القول قبله لقلت: رجل يأتي بقول قيل قبله! وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك. قلت: رجلٌ يطلب مُلك أبيه! وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا؛ فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله! وسألتك: أشراف الناس اتّبعوه أم ضُعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل! وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإِيمان حتى يتمّ! وسألتك: أيرتدّ أحدٌ سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب! وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر! وسألتك: بما يأمُركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف! فإِن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكُن أظُنُّ أنه منكم! فلو أنّي أعلم أنّي أخْلُصُ إِليه لَتجشَّمْتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسَلْتُ عن قَدَمه (١)!
стр. 38
فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة؟
إن الموقف حرج، وإن السائل ملك ذو شوكة وقوّة، يسأل رجلاً ملأ الضِّغن صدره عن أمر الرسول ﷺ ، فَلا يقول فيه إلا الصدق والحق!
وإن هرقل لم يستطع أن يقف حيال هذه الشهادة صامتاً فقال ما قال!
وأي شهادة أصدق من هذه الشهادة!
إن تاريخ الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته لم يسجّل مثل هذه الشهادة عن غير محمد خاتم النبيّين ﷺ !
ثم إن الذين آمنوا كانوا من أمّة عريقة في الحرية، ذات عقول ناضجة وفطنة، ولهم حماسة وحميّة، لم تَلن قناتهم لحكومة قاهرة، ولا ذلّلت أنَفَتهم دولة قويّة منذ فجر التاريخ, وكَانت لهم تجارة واسعة النطاق، تصدر فيها وترد سلعهم وأمتعتهم بين بلاد وبلاد، وكانت مملكة فارس، وبلاد الشام، ومصر، وآسيا الصغرى، مضربهم ومورد تجارتهم، ولاحتكاكهم بالأمم المتمدنة، ولقائهم الرجال من مختلف الأمم، تفتّقت آراؤهم، واتسعت عقولهم، وازدادت تجاربهم، يدل على ذلك ما أثر عنهم من الأحكام، وما وصل إلينا من صفحات التاريخ من الأخبار، وكان من هؤلاء مَن قاد الجيوش وانتصر بها، فعدّ من أعظم الفاتحين!
وكان منهم من ساس البلاد، وحكم الناس، فأحسن الإحسان كله في سياسته وحكمه، حتى عُدَّ من أعدل الولاة، وأحكم الحكّام سياسة وتدبيراً!
وهل يسوغ في منطق العقل أن من أوتي مثل هذا العقل الراجح، والمواهب العظيمة، والرأي الحصيف، يخفى عليه شيء من أمر الرسول ﷺ أو ينخدع به؟
стр. 39
هؤلاء هم الذين نقلوا عن الرسول ﷺ ما شهدوه بأنفسهم، وسمعوه بآذانهم، وكانوا يرون الاقتداء به سعادة لهم .. والاهتداء بهديه شرفاً في الدنيا، وذخراً لهم في الآخرة، فاقتفوا آثاره، وسلكوا سبيله، واستنّوا بسنّته .. وهذا دليل واضح على أنه الرسول الكامل، وأنه على الحق، مما لا يرده ولا يجادل فيه إلا مكابر!
ومن شواهد أن سيرة خاتم النبيّين ﷺ كانت نقيّة من كل ما يخدش في دعوى الرسالة، أن أشدّ الناس إيماناً به، وأملأهم قلوباً بمحبّته وإجلاله، هم أطول الناس صحبة له، ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلاً، كالسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار ﵃!
ولو لم يكن من معالم سيرة خاتم النبيّين ﷺ إلا هذا التراث الفكري العظيم في مكتبات العالم قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، من شمالاً وجنوباً، وفي خزائن العلم والمعرفة التي يملكها الأفراد والجماعات، والهيئات والطوائف، في شتى بلاد العالم، لكفى في إبراز القيمة الحقيقيّة ما بذلته الأقلام في تسجيل وتدوين مجالات الفكر والعلم والبحث لكل ما دار حول محور الرسالة والرسول ﷺ !
٩ - فتح فكري جديد:
وحسب الباحث في باب الإيمان بصدق ذلك أن يتيح لعقله (١)، بل لخياله تصوّر ما كتب عن خصائص رسالة محمد ﷺ في هديها وإصلاحها، تصديقاً وتبياناً، وبحثاً ومعرفة، وأخذاً ونشراً، وحواراً وتحليلاً، ودرساً وتحقيقاً، ليؤمن
стр. 40
إيمان إيقان، ويعرف معرفة صدق أن رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ كانت ولا تزال فتحاً جديداً أمام الفكر الإنساني، أتاح له الانطلاق إلى لون جديد من المعرفة لم يسبق بحال، فهو لا يقف عند غاية، ولا تعرف الحياة له نهاية، ولا يتوقّف أمام عقبات، ولا تحول دون انطلاقه حواجز، ولكنه يقتحم الآفاق، ويثب إلى ذروات الشموخ والتطلّع، ويغوص إلى أعماق الكون وأسرار الوجود، متطلّعاً إلى مزيد من العلم والمعرفة، وفي وقائع التاريخ ومشهود رواياته ما يؤكد صدق هذه الحقيقة!
وحادثة اندفاع جحافل التتار على عاصمة الخلافة الإسلامية (بغداد) - بموجاتها الساحقة المدمّرة واحدة من أحداث كثيرة حفل بها التاريخ - تصوّر مدى ضخامة ما كان من التراث الفكري الإسلامي في (بغداد) عاصمة الإسلام يومئذ، وهي واحدة من أخوات لها في أوطان المسلمين، في مجالات العلم والفكر والمعرفة!
وكان في مكتباتها من آثار أقلام علماء الإسلام ومفكّريه وباحثيه، من المفسّرين، والفقهاء، والمحدّثين، والأصوليّين، واللغويّين، والأدباء، والمؤرخين، والناظرين في علوم الأوائل في الفلسفة والفلك، وآثار الفرق والمذاهب، والملل والنحل، ما لا يمكن أن يحصره الحساب والتعداد!
وإذا ذكرت (بغداد) بما تحفل به مكتباتها العامة والخاصة من فنون المعرفة التي هي أثر من آثار الفكر في خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ ، فلا يمكن أن تغيب عن الذاكرة (القاهرة)، و (قرطبة)، و (دمشق)، و (فاس)، وغيرها من عواصم الفكر في سائر أقطار الإسلام وأوطانه!
وليس بأهون دلالة على صدق هذه الحقيقة التاريخيّة في تقدير ضخامة