← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عذاب شديد"! فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد]! ولمَّا أرسلَ الرسول ﷺ كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم، دعا هرقل أبا سفيان ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبها، وقد كان أبو سفيان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله .. وهنا كانت إجابة عدوّ لو استطاع أن يقتل الرسول ﷺ ، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه .. ثم هو يُدعى إلى مجلس صاحب سلطان ليشهد عنده في عدوّه، ودعا هرقل بترجمانه، فقال فيما يرويه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄، من حديث طويل: أيّكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً! فقال: أَدْنُوه منّي، وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره! ثم قال لترجمانه: قل لهم: إِنّي سائل هذا الرجل، فإِن كذبني فكذّبوه! فوالله! لولا الحياء من أن يأثِروا عليّ كذباً لكذَبْتُ عنه! ثم كان أوّل مَا سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب! قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطّ قبله؟ قلت: لا! قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا! قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضُعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤُهم! قال: أيزيدون أم يَنْقُصون؟ قلت: بل يزيدون! قال: فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا! قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا! قال: فهل يَغْدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمْكِنِّي كلمةٌ أُدْخِلُ فيها شيئاً غير هذه الكلمة! قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم! قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منّا وننال منه! قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به

стр. 37

شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة! فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها! وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو قال أحد هذا القول قبله لقلت: رجل يأتي بقول قيل قبله! وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك. قلت: رجلٌ يطلب مُلك أبيه! وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا؛ فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله! وسألتك: أشراف الناس اتّبعوه أم ضُعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل! وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإِيمان حتى يتمّ! وسألتك: أيرتدّ أحدٌ سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب! وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر! وسألتك: بما يأمُركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف! فإِن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكُن أظُنُّ أنه منكم! فلو أنّي أعلم أنّي أخْلُصُ إِليه لَتجشَّمْتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسَلْتُ عن قَدَمه (١)!

стр. 38

فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة؟ إن الموقف حرج، وإن السائل ملك ذو شوكة وقوّة، يسأل رجلاً ملأ الضِّغن صدره عن أمر الرسول ﷺ ، فَلا يقول فيه إلا الصدق والحق! وإن هرقل لم يستطع أن يقف حيال هذه الشهادة صامتاً فقال ما قال! وأي شهادة أصدق من هذه الشهادة! إن تاريخ الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته لم يسجّل مثل هذه الشهادة عن غير محمد خاتم النبيّين ﷺ ! ثم إن الذين آمنوا كانوا من أمّة عريقة في الحرية، ذات عقول ناضجة وفطنة، ولهم حماسة وحميّة، لم تَلن قناتهم لحكومة قاهرة، ولا ذلّلت أنَفَتهم دولة قويّة منذ فجر التاريخ, وكَانت لهم تجارة واسعة النطاق، تصدر فيها وترد سلعهم وأمتعتهم بين بلاد وبلاد، وكانت مملكة فارس، وبلاد الشام، ومصر، وآسيا الصغرى، مضربهم ومورد تجارتهم، ولاحتكاكهم بالأمم المتمدنة، ولقائهم الرجال من مختلف الأمم، تفتّقت آراؤهم، واتسعت عقولهم، وازدادت تجاربهم، يدل على ذلك ما أثر عنهم من الأحكام، وما وصل إلينا من صفحات التاريخ من الأخبار، وكان من هؤلاء مَن قاد الجيوش وانتصر بها، فعدّ من أعظم الفاتحين! وكان منهم من ساس البلاد، وحكم الناس، فأحسن الإحسان كله في سياسته وحكمه، حتى عُدَّ من أعدل الولاة، وأحكم الحكّام سياسة وتدبيراً! وهل يسوغ في منطق العقل أن من أوتي مثل هذا العقل الراجح، والمواهب العظيمة، والرأي الحصيف، يخفى عليه شيء من أمر الرسول ﷺ أو ينخدع به؟

стр. 39

هؤلاء هم الذين نقلوا عن الرسول ﷺ ما شهدوه بأنفسهم، وسمعوه بآذانهم، وكانوا يرون الاقتداء به سعادة لهم .. والاهتداء بهديه شرفاً في الدنيا، وذخراً لهم في الآخرة، فاقتفوا آثاره، وسلكوا سبيله، واستنّوا بسنّته .. وهذا دليل واضح على أنه الرسول الكامل، وأنه على الحق، مما لا يرده ولا يجادل فيه إلا مكابر! ومن شواهد أن سيرة خاتم النبيّين ﷺ كانت نقيّة من كل ما يخدش في دعوى الرسالة، أن أشدّ الناس إيماناً به، وأملأهم قلوباً بمحبّته وإجلاله، هم أطول الناس صحبة له، ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلاً، كالسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار ﵃! ولو لم يكن من معالم سيرة خاتم النبيّين ﷺ إلا هذا التراث الفكري العظيم في مكتبات العالم قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، من شمالاً وجنوباً، وفي خزائن العلم والمعرفة التي يملكها الأفراد والجماعات، والهيئات والطوائف، في شتى بلاد العالم، لكفى في إبراز القيمة الحقيقيّة ما بذلته الأقلام في تسجيل وتدوين مجالات الفكر والعلم والبحث لكل ما دار حول محور الرسالة والرسول ﷺ ! ٩ - فتح فكري جديد: وحسب الباحث في باب الإيمان بصدق ذلك أن يتيح لعقله (١)، بل لخياله تصوّر ما كتب عن خصائص رسالة محمد ﷺ في هديها وإصلاحها، تصديقاً وتبياناً، وبحثاً ومعرفة، وأخذاً ونشراً، وحواراً وتحليلاً، ودرساً وتحقيقاً، ليؤمن

стр. 40

إيمان إيقان، ويعرف معرفة صدق أن رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ كانت ولا تزال فتحاً جديداً أمام الفكر الإنساني، أتاح له الانطلاق إلى لون جديد من المعرفة لم يسبق بحال، فهو لا يقف عند غاية، ولا تعرف الحياة له نهاية، ولا يتوقّف أمام عقبات، ولا تحول دون انطلاقه حواجز، ولكنه يقتحم الآفاق، ويثب إلى ذروات الشموخ والتطلّع، ويغوص إلى أعماق الكون وأسرار الوجود، متطلّعاً إلى مزيد من العلم والمعرفة، وفي وقائع التاريخ ومشهود رواياته ما يؤكد صدق هذه الحقيقة! وحادثة اندفاع جحافل التتار على عاصمة الخلافة الإسلامية (بغداد) - بموجاتها الساحقة المدمّرة واحدة من أحداث كثيرة حفل بها التاريخ - تصوّر مدى ضخامة ما كان من التراث الفكري الإسلامي في (بغداد) عاصمة الإسلام يومئذ، وهي واحدة من أخوات لها في أوطان المسلمين، في مجالات العلم والفكر والمعرفة! وكان في مكتباتها من آثار أقلام علماء الإسلام ومفكّريه وباحثيه، من المفسّرين، والفقهاء، والمحدّثين، والأصوليّين، واللغويّين، والأدباء، والمؤرخين، والناظرين في علوم الأوائل في الفلسفة والفلك، وآثار الفرق والمذاهب، والملل والنحل، ما لا يمكن أن يحصره الحساب والتعداد! وإذا ذكرت (بغداد) بما تحفل به مكتباتها العامة والخاصة من فنون المعرفة التي هي أثر من آثار الفكر في خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ ، فلا يمكن أن تغيب عن الذاكرة (القاهرة)، و (قرطبة)، و (دمشق)، و (فاس)، وغيرها من عواصم الفكر في سائر أقطار الإسلام وأوطانه! وليس بأهون دلالة على صدق هذه الحقيقة التاريخيّة في تقدير ضخامة

стр. 41

التراث الإسلامي الذي كُتب عن خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ كمًّا وكيفاً ما وقع على أيدي برابرة (الحضارة) الأوروبيّة الحاقدة في عواصم الأندلس، حينما تألّبت عصبيّات الحقد الأسود على (الدّين القيّم)، منتهزة فرصة تميّع الحكم الإسلامي، وتفاهة الحاكمين باسم الإسلام في هذا الجانب من العالم الإسلامي، فمزّقته شرّ ممزّق! وفي غمرة هذا التمزّق .. وفي حومة هذا الضعف والهوان .. استولى أولئك الحاقدون، ومتعصبو الصليبيّة الحمقاء على ما كانت تعجّ به خزائن الفكر والعلم من آلاف الألوف من مؤلفات المفكّرين والباحثين في شتى مناحي الفكر وجوانب المعرفة، فنهبوا منها ما نقلوه إلى بلادهم وأوطانهم، وأحرقوا منها ما أحرقوا في جنون حاقد، وحقد مجنون، وذهبت هذه الثروة الفكريّة الضخمة مع مُلك الأندلس إلى متاهات الفناء والضياع! والذي وقع من السلب والنهب والتحريق والتدمير في عواصم الإسلام الكبرى وقع مثله وأعظم منه في مكتبات العالم، وخزائن العلم التي كانت منتشرة في أنحاء العالم الإسلامي وغيره، عندما تعاوت ذئاب الفتن داخل الكيان الإسلامي على أيدي الزنادقة من القرامطة، والباطنيّة، والدول التي قامت على أنقاض دول غلبتها على أزمة الحكم؛ فدمّرت آثارها الفكريّة والعمرانيّة، ومحت من صفحة الوجود آثار علمائها ومفكّريها، وغيّرت أوضاعها ونظمها الاجتماعية! وعلى الجملة فكل أثر فكري يتصل بالإِسلام من قريب أو بعيد هو حصيلة الأقلام والأفكار التي كانت خصائص الرسالة والرسول ﷺ معينها الذي تنهل منه وتعل!

стр. 42

ومن هنا كان كل ما كتب ويكتب في مجال البحث الإسلامي بأيّة لغة من لغات الأمم والشعوب، على أيّة صورة من صور البحث، هو في لبابه جانب من جوانب خصائص محمد الرسول ﷺ في رسالته! والذين كتبوا، والذين يكتبون في مستقبل الحياة عن محمد الرسول ﷺ ، عاشوا ويعيشون في ظلال دائمة من نفحات الخلود في رسالة خاتم النبيّين التي لا يَنْضب معينها, ولا ينفد مدادها! ولقد تضاعفت أضعافاً مضاعفة الكتابة عن الرسالة والرسول ﷺ في هذا القرن الذي نعيشه، ولا تزال في سموّ وازدياد .. وجرت أقلام الكاتبين والباحثين من المسلمين وغير المسلمين بألوان من البحوث، وضروب من الدراسات المختلفة نوعاً وكثرةً، تواردت بين كتابة علميّة صادقة، عميقة الإدراك والتهدّي، وكتابة تتّجر بالبحث، وتتملّق الجماهير! وكتابة لا تجهل، ولكنها متعصّبة كافرة، تلحد في بحثها، حاقدة، سيئة القصد، متحيّزة الهوى، تروح وتجيء في أودية من الضلال، تنكر المعروف، وتعرف المنكر، وتثير الشكوك والشبه، وتعتصم بروايات الأباطيل الدخيلة تدعم به أكاذيبها! وكتابة كافرة جاهلة، تتبع كل ناعق، تنعب بالبهتان، بليدة التقليد، تساق بعصا العصبيّة العمياء! وفي هذه الكتابات بألوانها واتجاهاتها كتابات دارسة مبسوطة، فيها عمق وجديّة في بعض جوانبها، وفيها سذاجة ضحلة في بعض نواحيها! وفيها كتابات تعنى بالصور والشكل وزخرفة الإطار، تنسق اللمع البرّاقة من الأحداث، مهتمّة ببريقها، تنسيق بائع الورود، لتبهر الناظرين!

стр. 43

وهذا اللون من البحث النسّق المزخرف قد يرضي إحساس قارئه، ولكنه لا يرضي عقله؛ لأنها بحوث لا تبالي بالحقائق أن تجيء في إطارها أو لا تجيء! وفيها كتابات تلفت نظر الذين يعرضون عن قراءة هذه البحوث في مظانها الأصيلة القديمة، لصعوبة المسلك الكتابي في تلك المظان، وعدم العناية بالتنظيم في أسلوب القدامى من العلماء والباحثين، فتجذبهم هذه الكتابات المنسّقة بتنظيمها النسقي إلى القراءة، وقد تدفع ببعض القرّاء إلى حبّ الاستزادة والتعمّق، وربما وقفت بكثير من القارئين على مهيع الإرشاد إلى مفاتيح الهداية في الرسالة الخالدة، رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ ! وهذا اللون من الكتابة لا يشبع نهم المستشرق لمعرفة الحقائق، المتطلع للبحث الجاد؛ ولكنها تفيده وتوجهه، وكأنها لافتة إعلان مضيء، يثير شوق القارئ إلى التطلّع لمعرفة ما وراءها من حقائق فكريّة، وأفكار علميّة، وهذا ليس بالقليل من فوائد البحث ومنافعه! وفيها كتابات أشبه ما تكون بسلعة غريبة تعرض في السوق تحت لافتة لامعة، فإذا حركتها بيد فكرك لتختبر ما فيها من حقائق لم تجد إلا كلمات ملتقطة من هنا وهناك! ولا تزال أقلام الباحثين والكاتبين تتسابق في مضمار خصائص محمد ﷺ في رسالته وهدايتها، متخذة طرائق شتّى من البحث، في أسلوب يعتدل أحياناً، ويتعرّج أحايين أخرى .. وتختلف موضوعات الكتابة في دائرة تلك الخصائص، وإن كانت كلها أشبه بالروافد التي تنبع من منبع واحد، وتسير في أودية مختلفة أشدّ الاختلاف، فبعضها وسيع مترامي الجوانب، وبعضها ضيّق

стр. 44

متقارب الأطراف، وبعضها عميق غائص بعيد القرار، وبعضها ضحل قريب المستقر، ولكنها تنتهي كلها إلى مصب واحد، يرمي بزبدها وغثائها جفاء، ويمسك منها خصائل الحق، فيمزج بينها حتى يجعلها حقيقة واحدة، هي لباب الهداية، وروح الرسالة في قيادة الحياة! وإذا كان التراث الإسلامي الذي اتخذ من خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ محوره الذي دار حوله بهذه المثابة من الضخامة والعظمة، فالذين يكتبون اليوم وغداً عن هذه الرسالة، وخصائصها وسيرة صاحبها خاتم النبيّين ﷺ ماذا يكتبون؟ أتراهم يجترّون ما يجتنون من ثمار أولئك الكاتبين من القدامى والمحْدثين؟ أم أنهم سيجدون لأقلامهم مراتع جديدة لم تنسرب إلى مروجها أقلام من تقدمهم؟ وحينئذ يكتبون في خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين ﷺ وحقائقها، وفنون هدايتها، ويكتبون في خصائص الرسالة التي أعدّه الله بها جبلة وكسباً لحمل عبء هذه الرسالة الشاملة الخالدة .. ويكتبون في كشف الكثير مما توارى عن أعين الأقلام الباحثة في هذه الخصائص وراء سحب الإمكان الزمني، واقتدار العقول تحت تأثير البيئات والمجتمعات التي كان لها أثر في إبراز ما ظهر من تلك الخصائص! ١٠ - شمس الوجود الروحي: أليست هذه الشمس التي تشرق على الحياة كل يوم بهيئتها وصورتها المتكرّرة، ويرى الناس منها أول ما يرون ضوءها الذي يكشف أسجاف الظلام،

стр. 45

لتظهر أمام أبصارهم جوانب الحياة في تقلّباتهم على هذه الأرض، ثم يحسّون حرارتها الدافئة في خيوط أشعتها الملتهبة، لا يعلم العامة منها أكثر من هذه الظواهر التي يفيدون منها في مختلف مصالحهم، وينتفعون بها في شتى منافعهم، في دائرة علمهم المحدود بمستوى ما بلغته معارفهم من حقائق الكون، ومظاهر الطبيعة؟! ومع ذلك كأنما هم منها في جديد عند إشراقة كل يوم، لم يكونوا يرونه، ولا أحسّوه من قبل! فإشراقها على الحياة في جانب من جوانب هذا الكوكب الذي يحيا فوقه الناس حدث واحد في كل وحدة من وحدات الزمن في إصلاح الحياة، ولكنه يتراءى جديداً يقبل على الأحياء والأشياء بتجدد الحياة وتقلّباتها! واحتجابها عن الحياة وراء الأفق في جانب آخر من جوانب الأرض حدث واحد في وحدة أخرى من وحدات الزمن، يُرى وكأنه جديد، وهو مقبل ومعه رهبة الليل وهدأته وسكونه، لتهدأ فيه الحياة، وتسكن حتى تستجمع عناصر حركتها مقبلة مع إشراقة الشمس من جديد بكل جديد، يتراءى أنه يولد مع الشمس كل يوم في كل مكان تشرق من أفقه! وهذا الجديد (المتكرّر) هو معترك أفكار العلماء والباحثين والمفكّرين الذين لا يقفون مع ظواهر الأشياء في عناصر الكون، ولكنهم يحاولون أن ينفذوا إلى مداخلها وأعماقها ليعرفوا حقائقها .. ومن ثم فهم لا يكتفون بما اكتفى به العامة من رؤية ضوء الشمس، يرونه بأبصارهم، ولا بحرارة أشعتها يحسّونها بحواسّهم؛ بل إنهم يجهدون في تعرّف حقيقتها عن طريق تعرّف خصائصها الذاتيّة التي تنشأ عنها هذه الظواهر!

стр. 46

وقد عرف العلماء والباحثون من خصائص الشمس الذاتيّة الكثير مما قصرت دون معرفته أنظار العامة بمداركها المحدودة .. وهذا الكثير مما عرفه العلماء والباحثون هو الذي يفتح أمامهم في كل آن باباً جديداً من المعرفة والعلم بالمجهول .. وكل باب جديد يُفتح يكشف عن منافذ للعلم والمعرفة التي تتجدّد على مرّ الزمان في سائر الأمكنة والأوطان التي يأرز إليها العلم بفنونه وآلاته! وهكذا كلما ازداد العلماء والمفكّرون معرفة بحقائق الكون ازدادوا تطلّعاً إلى أبعد مما وصلوا إليه من العلم بالمجهول .. ولا يزال العلم يكشف للفكر الإنساني عن جديد مجهول من خصائص الشمس يزيده علماً ومعرفة بحقيقتها الكونيّة كنموذج لظاهرة كونية تمدّ الحياة بقوّة الحيويّة الخصبة! والشمس لا تزال -مع تعلق البحث وزيادة العلم والمعرفة بخصائصها- هي الشمس مشرقة وغاربة، لا تنقطع عنها سبحات الدراسة والبحث، ولا يتوقّف العقل الإنساني عن النظر وراء ما يكشفه من خصائصها الكونيّة! وهذه الشمس التي يبذل العقل الإنساني جهده في البحث عن خصائصها الكونية -ولن يصل إلى نهايتها- إن هي إلا شمس صغيرة إلى جانب الشموس الكبار، من مجموعة الكواكب والنجوم السابحة في فضاء الكون، محجوبة بأبعادها الشاسعة، وعظمتها الهائلة عن مجال الإدراك الحسّي والعقلي، حتى يستطيع العلم -وهو سيّار لا يتوقّف- بوسائله المعروفة وغير المعروفة، إبداع ما يشق طريقه لإخضاعها للنظر والدرس والبحث، ليكشف عن خصائصها الكونيّة، وقد بدأ يعرف طريقه إلى أطراف المجهول، وهو دائب طموح إلى الوصول!

стр. 47

وهذه الشموس الكبار العظام التي تعبر الوجود بكل خصائصها الذاتيّة المجهولة في غير توقّف إن هي إلا ذرّات من عناصر هذا الكون الهائل في هذا الوجود العظيم! وإذا كانت هذه الشموس بعظمتها الكونيّة مشهودة وغائبة هي ضياء الحياة الماديّة التي يعيش على ضوئها العالمون، وهم بعد -على دأب عالميهم وجدّ باحثيهم في تعمّق الدراسة- لم يبلغوا من معرفة خصائصها الذاتيّة وآثارها الكونيّة، ومظاهر عناصرها الطبيعيّة إلا الشيء القليل الضئيل! والرسول ﷺ في خصائص رسالته الخالدة، وخصائص إنسانيّته السامية هو شمس الوجود الروحي في هذا الكون المحجّب بغلائل الجلال الإلهي! حظّ العامة منه حظّهم من شموس الوجود المادي، رأوا ضوء رسالته بأعين بصائرهم، فمشوا إلى نورها يستبشرون برحمتها، وأحسّوا حرارة هدايتها فدلفوا لها يستظلّون بعدلها! والوجود الروحي الذي جعل الله تعالى محمداً ﷺ شمسه هو القوّة الربّانيّة المنبثّة في ذرّات الكون، تبثّ فيها الحياة، وتحرّكها حركتها المقدّرة في كتاب الغيب، فلا تحيد عنها مسرعة ولا مبطئة! فكما لا يزال العلماء والمفكّرون والباحثون في جديد من شمس هذا الوجود الماديّ والحسيّ، يكشفون كل يوم من خصائصها الكونيّة الشيء بعد الشيء .. فكذلك شأن العلماء والمفكّرين والباحثين لا يزالون في جديد من خصائص رسالة محمد ﷺ وهدايتها .. ولا يزالون في جديد من خصائص محمد ﷺ الروحيّة وشمائله الإنسانيّة التي أعدّه الله بها جبلّة وتأدّباً، ليكون خاتم

стр. 48

النبيين، ورسولاً إلى العالمين برسالة شاملة عامة خالدة، يجد فيها كل جيل في كل زمان وفي كل مكان مطالب حياته الروحية، ومجال عقله وتفكيره، ونظام حياته وعيشه، ووشائج علائقه في أفراده وجماعاته وأممه وشعوبه! فما كُتب وما يكتب عن رسالة محمد ﷺ في شمولها تشريعاً وهدياً، وعمومها زماناً ومكاناً، وأعصراً وأجيالاً، وفي خلودها بمعانيها وحقائقها، وأنظمة الحياة في تقنينها وأحكامها، وحكَمها ودعائم قيمها الروحيّة، وأسلوبها في التعبير عن مقاصدها وأهدافها، ووسائلها، وطرائق منهجها في التوجيه والإرشاد لم يسجّل إلا نقطةً في خط الدراسة والبحث! وما كُتب وما يكتب عن شخصيّة محمد الرسول ﷺ في حياته وشمائله وأخلاقه وخلائقه، وإبراز خصائصه الإنسانيّة التي جبله الله عليها، وأدّبه بها, لتكون عدّته في اقتداره على حمل عبء رسالته الخالدة الخاتمة لرسالات السماء، لم يأت ولن يأتي إلا على بعض معالم هدايته في رسالته، وإلا على بعض خصائصه في إنسانيّته، وما حباه الله به من الكمالات البشريّة؛ لأنه اختاره رسولاً إلى الناس كافة في الأزمنة والأمكنة والأحوال كافة! فلابدّ إذن أن يكون لكل جيل من البشريّة في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر، وعلى أيّة حال من العلم والمعرفة حظّه من رسالته، وحظّه منه في دعوته وهدايته، ومنهجه وشمائله .. مهما اختلفت بالناس مناحي الحياة، وطرائق التفكير .. ومهما (تطورت) العلوم والمعارف ووسائلها، ومهما تنوّعت أساليب الحياة الاجتماعيّة في المجتمع البشري .. ومهما بلغ العقل الإنساني من مراتب النضج في التفكير!

стр. 49

١١ - في علم المغازي خير الدنيا والآخرة: وإن خير ما يتدارسه المسلمون (١)، ولا سيما الناشئة وطلاب العلم، ويُعنى به الباحثون والكاتبون دراسة السيرة المحمدية، إذ هي خير معلّم ومثقف، ومهذّب ومؤدّب، فيها ما ينشده المسلم، وطالب الكمال من دين ودنيا, وإيمان واعتقاد، وعلم وعمل، وآداب وأخلاق، وسياسة وكياسة، وإمامة وقيادة، وعدل ورحمة، وبطولة وكفاح، وجهاد واستشهاد في سبيل العقيدة والشريعة، والمُثل الإنسانيّة الرفيعة، والقيم الخُلقيّة الفاضلة! لقد كانت السيرة مدرسة تخرج فيها أمثل النماذج البشريّة، وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين! وكان السلف الصالح من هذه الأمة الإسلاميّة يدركون ما لسيرة الرسول ﷺ ، وسيرة أصحابه النبلاء، من آثار حسنة في تربية النشء، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام، والتضحية في سبيل تبليغها بالنفس والمال .. ومن ثم كانوا يتدارسون السيرة ويحفظونها، ويلقنونها للغلمان، كما يلقنونهم السور من القرآن! قال زين العابدين علي بن الحسين بن علي: (كنا نُعلم مغازي رسول الله ﷺ ، كما نعلم السورة من القرآن)! وقال الزهري: (في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!

стр. 50

وقال إِسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص: (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني، هذه شرف آبائكم، فلا تضيّعوا ذكرها) (١)! نعم، والله! إنها لشرف الآباء، والمدرسة التي يُرَبَّى فيها الأبناء! وسبق أن أشرنا إلى أن التاريخ سجل منذ فجر الرسالة صيحات من هنا وهناك، تشكّل في إطارها سيل منهمر من الحقد الأعمى على الرسالة والرسول ﷺ ، في القديم والحديث سواء! وهنا يطالعنا قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]! وقوله جل شأنه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]! ونبصر هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق، وعبادة أرباب من دون الله، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر -وفق المفهوم الصحيح للإيمان بالله واليوم الآخر- إنما هم يعلنون الحرب على الرسالة والرسول ﷺ ويريدون إطفاء نور الله في الأرض، المتمثّل في هذا (الدّين القيّم)، وفي الدعوة التي تنطلق به في الأرض، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة البشر!

стр. 51

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾! فهم محاربون لنور الله، سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن، على الرسالة والرسول ﷺ ، أو بما يحرّضون به أتباعهم على حرب هذا الدّين وأهله، والوقوف سدًا في وجهه، كما يشهد الواقع على مدار التاريخ (١)! ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]! وهو الوعد الحق من الله، الدال على سنّته التي لا تتبدّل، في إتمام نوره بإظهار دينه، ولو كره الكافرون! وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا فيدفعهم إلى المضيّ في الطريق على المشقّة واللأواء في الطريق، وعلى الكيد والحرب من الكافرين .. ويتضمّن الوعيد لهؤلاء وأمثالهم على مدار الزمان! ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾! وهذا توكيد لوعد الله .. ولكن في صورة أكثر تحديدًا .. فنور الله الذي قرر سبحانه أن يتمّه، هو دين الحق الذي أرسل به رسوله محمداً ﷺ ليظهره على الدّين كله! ولقد وقف هؤلاء في وجه (الدّين القيّم) وقفة العداء والتضليل (٢) ..

стр. 52

حاربوه -كما سيأتي- بالاتهام .. وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي، للإيقاع بي المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج! وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة! وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين، كما وقع في غزوة الأحزاب! وحاربوه بالإشاعات الباطلة، كما جرى في حديث الإفك! ولم تضع الحرب أوزارها حتى اللحظة! وهي حرب طويلة سنعرض لها في هذه الدراسات بعون الله وتوفيقه! ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾! وأتمّ الله نوره في حياة الرسول ﷺ ، فأقام الجماعة الإسلاميّة صورةً حيّةً واقعةً من المنهج الإسلامي .. ذات معالم واضحة، وحدود مرسومة، تترسّمها الأجيال، لا نظريّة في بطون الكتب، ولكن حقيقة في عالم الواقع! وأتم الله نوره فأكمل للمسلمين دينهم، وأتمّ عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام ديناً يحبّونه، ويجاهدون في سبيله .. وتمّت حقيقة (الذين القيم) في القلوب وفي الأرض سواء! وما تزال هذه الحقيقة تنبعث بين الحين والحين، وتنبض وتنتفض قائمة، على الرغم من كل ما جرد على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد، وبطش شديد!

стр. 53

ونور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه النار والحديد، في أيدي العبيد! وإن خيّل للطغاة البغاة العتاة، ومن يشايعهم، أنهم بالغوا هذا الهدف البعيد! ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾! وشهادة الله لهذا الدّين بأنه (الهدى ودين الحق) هي الشهادة، وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة! وقد ظهر الدّين قوّةً وحقيقةً، فدانت له معظم الرقعة المعمورة في الأرض، في مدى قرن من الزمان! ثم زحف زحفاً سلمياً بعد ذلك إلى قلب آسيا وأفريقيا وغيرهما! وما يزال يمتدّ بنفسه .. رغم ما يرصد له في أنحاء الأرض من حرب وكيد، ومن تحطيم للحركات الإسلاميّة، على أيدي عملاء السيل المنهمر من الحقد الأعمى على الرسالة والرسول ﷺ ! وما تزال لهذا (الدّين القيّم) أدوار في تاريخ البشريّة يؤدّيها، ظاهراً بإذن الله تعالى على الدّين كله، تحقيقاً لوعد الله، الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل، مهما بلغوا من القوّة والكيد والتضليل! ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح]!

стр. 54

وما من صاحب دين آخر أو مذهب مادي، ينظر في الإسلام نظرةً مجرّدة من التعصّب والهوى، حتى يقرّ باستقامة هذا (الدّين القيّم) وقوّته على قيادة البشريّة قيادةً رشيدةً، وتلبية حاجاتها النامية المتطوّرة في يسر واستقامة! ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾! فوعد الله قد تحقق في الصورة الظاهرة قبل مضيّ قرن من الزمان بعد البعثة المحمديّة! ووعد الله ما يزال متحقّقاً في الصورة الموضوعية الثابتة، وما يزال الدّين ظاهراً في حقيقته، في معالم الرسالة، وحياة الرسول ﷺ ! ويطالعنا بعد ذلك مباشرة قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح]! ونبصر ذكر منزلة الرسول ﷺ بالثناء عليه من الله تعالى، وذكر منزلة الصحابة ﵃ بالثناء عليهم، وأنهم -كما قال ابن كثير (١): (خلصت نيّاتهم، وحسنت أعمالهم، وكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم)!

стр. 55

وقال مالك ﵁: (بلغني أن النصارى كانوا إِذا رأوا الصحابة ﵃ الذين فتحوا الشام يقولون: والله! لهؤلاء خير من النصارى فيما بلغنا)! وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمّة معظمة في الكتب المتقدّمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد نوّه الله تعالى بذكرهم في الكتب المنزلة، والأخبار المتداولة! ونبصر صورة مؤلفة من عدة معالم لأبرز حالات هؤلاء الصحابة الكرام ﵃ (١) .. فهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾! فهي الشدّة لله، والرحمة لله .. وهي الحميّة والسماحة للعقيدة .. فليس لهم في أنفسهم شيء، ولا لأنفسهم فيهم شيء .. وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها، يشتدّون على أعدائهم فيها، ويلينون لإخوتهم فيها .. قد تجرّدوا من الأنانية ومن الهوى، ومن الانفعال لغير الله، والوشيجة التي تربطهم بالله! وإرادة التكريم واضحة، وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم، هيئة الركوع والسجود، وحاله العبادة! ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾! والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيث رآهم .. ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة، وهي الحالة الأصيلة لهم في

стр. 56

حقيقة نفوسهم، فعبر عنها تعبيراً يثبتها كذلك في زمانهم، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركّعاً سجّداً! وتطالعنا بواطن نفوسهم، وأعماق سرائرهم! ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾! وتلك صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة .. كل ما يشغل بالهم، وكل ما تتطلّع إليه أشواقهم، هو فضل الله ورضوانه، ولا شيء وراء هذا الفضل والرضوان يتطلّعون إليه، ويشغلون به! ويطالعنا أثر العبادة الظاهرة، والتطلّع المضمر في ملامحهم، ونضحها على سماتهم! ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾! والسيما: العلامة، وقيل: المراد بها بياض يكون في الوجوه يوم القيامة، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وهو رواية عن ابن عباس ﵄ وفي رواية عن مجاهد: السيماء في الدنيا: هو السمت الحسن، وعن مجاهد أيضاً: هو الخشوع والتواضع! ولا منافاة بينها، حيث يكون السمت في الدنيا: الحسن الذي ينشأ عن التواضع والخشوع، وفي الآخرة يكون في جباههم نوراً (١)! واختار لفظ السجود؛ لأنه يمثل حالة الإذعان والخشوع، والانقياد والخضوع، والعبوديّة لله في أكمل صورها، فهو أثر الخشوع والخضوع، في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة، ويحلّ

стр. 57

مكانها التواضع النبيل، والشفافية الشافعية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءةً وصباحةً ونبلاً! قال أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁: (من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيّته)! وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁ (١): (ما أسرّ أحد سريرة إِلا أبدلها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه)! والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله ظاهره للناس! وقال بعضهم: (إِن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبّة في قلوب الناس)! وتلك الصورة الوضيئة المضيئة للصحابة ﵃ ليست مستحدثة، إنما هي ثابتة في لوحة القدر، ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة! ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾! وصفتهم التي عرفهم الله بها، وبشّر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها! ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾! وهكذا نبصر مثلهم ثابتاً في صفحة القدر، قبل أن يجيء محمد خاتم النبيّين ﷺ ومن معه!

стр. 58

ونبصر صفة هذه الجماعة المختارة .. صحابة رسول الله ﷺ واضحةً ثابتةً في صلب الوجود، تتجاوب بها أرجاؤه .. وتبقى نموذجاً للإنسانيّة، تحاول جاهدة أن تحققها, لتحقّق معنى الإيمان في أعلى الدرجات! ونبصر فوق هذا التكريم كله .. وعد الله بالمغفرة والأجر العظيم! وهو وعد يجيء في هذه الصيغة العامة، بعد ما تقدّم من صفتهم التي تجعلهم أوّل الداخلين في هذه الصيغة العامة! ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾! وذلك التكريم وحده حسبهم، وذلك الرضى وحده أجر عظيم .. ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود. والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ! قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): (ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات، وهو الشدّة على الكفار، والرحمة بينهم، والركوع والسجود، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً .. والوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات، بل على الإِيمان والعمل الصالح، فذكر ما به يستحقون الوعد، وإِن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم، ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إِذا ذكر الإِيمان والعمل الصالح، فإِن الحكم إِذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم)!

стр. 59

ترى، هل آن لنا أن نبصر مكانة هؤلاء الصحابة الكرام، ﵃ .. ونبصر وجوب محبّتهم وتعظيمهم وتوقيرهم، ونبصر ضرورة الاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، لما شرفهم الله به من صحبة رسول الله ﷺ ، والجهاد معه، لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين ومن على شاكلتهم، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم، وتقديم حبّ الله ورسوله ﷺ على ذلك كله (١)! ونحاول أن نستشرف وجوه هؤلاء الصحابة الكرام وقلوبهم .. وهم يتلقّون هذا الفيض الإلهيّ من الرضى والتكريم والوعد العظيم .. وهم يرون أنفسهم هكذا في كتاب الله .. وينظر بعضهم في وجوه بعض فيرى أثر النعمة التي يحسّها هو في كيانه! ولكن أنّى لبشر لم يكن معهم ولم يعايش حياتهم أن يتذوّق ذلك إلا من بعيد .. رجاء أن يكرمه الله بحبّهم فيقرّب له البعيد! ونحاول -جاهدين- أن نعيش معهم في رحاب السيرة النبويّة، وهم يجاهدون في الله حق جهاده، ويرفعون لواء الحق عالياً، وهم أزكى الأمّة وأطهرها .. ونترسم خطاهم! رجاء أن ترجع إلينا سيرتنا الأولى، وتهبّ نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد يكون قضاءَ الله الغالبَ، وقدرَه الذي لا يرد!

стр. 60

١٢ - الله أكبر: وتفاعلت في نفسي من نفحات السيرة النبوية، ودورها في بناء المجتمع الإسلامي .. ما يبصّرنا معالم الطريق في واقعنا المعاصر .. منذ صبيحة ليل بيروت، وما جدّ بعده من أحداث .. فيما يلي (١): يا قومنا هل تذكرون بشائرا ... دَقَّت على الأفهام أن تُتَصوّرا أعطت لنا معنى الحياة وعزّها ... من وحيها النور الوضيء تحدّرا وبنورها فجرٌ فريد قد بدا ... لنرى به وجه الحقيقة مُسْفرا فجر أتى فمحا الظلام بنوره ... وبنى المصلَّى بل أضاء المنبرا وكأننا في الغار نرقب ما جرى ... ومحمد في الغار يعتزل الورى * * *

стр. 61

يا قومنا هل تذكرون محمداً ... والروح هلّل في السماء وكبّرا؟ يا قومنا هل تذكرون حبيبكم ... والوحي في آياته متكررا؟ هل تذكرون اقرأ فهذا أمرنا ... واجهر بدين الله واصدع منذرا؟ فهنا سما فوق الحياة وإِصرها ... متسامياً لمعالمٍ لن تحصرا في لمحة ترك المكان خلالها ... ليقول عمن لا يُحدّ ولا يُرى وهنا بدا صوت الحقيقة واضحاً ... لم يُبقِ منه قصّةً أو منظرا أعطى الحياة جلالها ووقارها ... حتى نرى فيه الوجود الأكبرا * * * صلى عليك الله يا خير الورى ... في يوم مولدك الشريف وطهّرا

стр. 62

يا خير خلق الله يا علم الهدى ... يا نفحة الرحمن يا نوراً سرى قد كان قبلك كل شيء مظلما ... والحق كان لدى المكابر منكرا كانت حياة الناس طرًّا لعبة ... شنعاء بل سفرت أخسّ وأحقرا ما بين أصنام تُطاف وعصبة ... تدعو بعزّ جدودها وتكاثرا حتى أتيت فأشرقت شمس الهدى ... فإِذا جميع الخلق أضحى مبصرا وإِذا طواغيت تهاوت جملة ... فتحرّرت من ظلمها أممٌ ترى وإِذا الإِخاء يعمّ حتى أصبحوا ... جسداً يحس بما لأضعفهم جرى والعدل والإِحسان رفرف عالياً ... والنصر للإِسلام أصبح مظهرا

стр. 63

فإِذا أُصبنا في الحروب بنكسة ... ترتاد من ظلم النفوس القهقرى فاليوم أوضحت الأمور وأظهرت ... ما كان من سبب الهزائم مضمَرا الغرب والشرق الجحود كلاهما ... كالرجفة الهيجاء تعصف بالقرى يعطون من كل القذائف نحونا ... ناراً تؤجّج في الضلوع وخنجرا ناراً تحرِّق كل ما فوق الثرى ... تصلي مزيداً في البلاء ومحورا في ليلة ليلاء قامت عصبة ... ملعونة رعناء تأتي المنكرا في أرض لبنان الأبيّ مهازل ... كالموج يعصف بالديار مزمجرا وكان قومي في غياهب ليلهم ... والموت يدخل كل دار في الذرا والحقد غذته اللعوب مرارة ... والبيت في شعب هنالك أقفرا

стр. 64

والجبن في هذا الجبان قد انزوى ... وكأننا في الكهف نرقب ما جرى وهنا نلاقي في الشوارع خنفسا ... ببغاء يصرخ في الهواء مكررا من كل لون في الضلال ووزره ... وإِذا تقدمّ للقتال تأخّرا يا أيها الهيبي المخالف ربه ... ماذا أقول بما أحسّ وما أرى؟ يا أيها الرجل المدلّي شعره ... طولاً أشدّ من البنات وأنضرا أنت الجهالة والضلالة ركّبا ... من كل شيطان هوى أن يحفرا قبراً هنا للمسلمين جميعهم ... والكلّ يهوي في متاهات السرى قبراً هنا يبني بكل خطيئة ... ليضمّ جيلاً للمعاصي سخّرا

стр. 65

ويضمّ جيلاً للرسول مخالفا ... ويضم جيلاً للمعارك قصّرا ويضمّ جيلاً للمكارم تاركاً ... والعلم نزراً والحديث مثرثرا عصر الهزائم عاش فيه جنابهم ... عاث المضلّل فيه حتى أدبرا باسم التقدّم يهدمون لأنهم ... يجدون كل حديث دين منكرا * * * يا أمة الأخلاق هذا جيلنا ... يلقاك بالخلق الوضيع مصعّرا إِن كان لا يدري فتلك جهالة ... مهما ادّعى أن الحياة تحرّرا كنا نؤمل أن يكون سلوكهم ... خلقاً قويماً في المدائن والقرى يا أمتي إِن الصراط لواضح ... والحق قد أوحى السبيل وحرّرا

стр. 66

يا أمة الإِسلام هذا حالنا ... هلاً بصف واحد لن يكسرا؟ هلاّ بدين الحق يحمي جيشنا ... ويعيد في يده اللواء مظفرا فالله قد رسم الطريق لنصرنا ... فلم المتاهة في المذاهب يا ترى؟ * * * الله أكبر قالها خير الورى ... للعالمين هدايةً وتحرّرا وسراجها الوهّاج أرسل نوره ... يهدي الضرير ويرشد المتحيّرا نور سرى فكسا المنارة ضوؤه ... وعلا نداء الله جلّ مكّبرا * * * الله أكبر قالها جيش سرى ... فوق الحمام ليستعين ويعبرا

стр. 67

فإِذا القناة تقاصرت أطرافها ... وكأن كل الجيش يزحف في الثرى وحباه وعد الله ﷻ ... نصراً أتى بعد الهزائم مبهرا في شدة الأحداث يأتي وعده ... ليعين من عرف الكتاب وأبصرا ويعين من تبع النبي محمداً ... ويريه نور الحق أوضح ما يرى في قوة بدأ القتال وجنده ... ملك الزمام وذلّل المتكبّرا ومشى على متن القناة ومائها ... ورقى على هول الصعاب غضنفرا لولا العقيدة ما تحرّك خطوة ... أبداً ولا بالنصر عاد مظفّرا حمل اللواء وقام بضرب وافداً ... داس الكرامة والقداسة مهدرا دستوره بين الأنام خيانة ... عدد النجوم شواهد لن تنكرا

стр. 68

إِن ترجع الماضي تجد لك شاهداً ... حقًّا وإِن يك في الصحائف سطّرا فحقائق التاريخ خير مواعظٍ ... للمؤمنين وسل بذلك من قرا حقب من الأهوال تحمل عبرة ... ماذا بهذا القزم حتى يفخرا؟ والخطب أكبر والحياة مريرة ... بين الأنام سفاهة وتحدّرا * * * الله أكبر دوحة أحيى بها ... أشهى لديّ من الحياة وأنضرا وزعيم دوحتها الحبيب محمد ... نور من الرحمن أهدي للورى ما إِن قرأت ولا سمعت حديثه ... حتى أحسّ به بروحي قد سرى وكأنه يوحى لأول مرة ... والروح يزجيه مهيباً نيّرا

стр. 69

في حبه أجد الحياة سعيدة ... وأحسّ وجه الحور فيه مسفرا قبس من الإِيمان شع ضياؤه ... فأنار ما أخفى الظلام وأظهرا لو كان فينا نوره ما أطبقت ... كسف الظلام على النفوس كما نرى لو كان دستور السماء دليلنا ... لرأيت من فيض العجائب أنهرا لو كان فينا سنة الهادي لما ... جرؤ الطغاة وطأطأت لهم الذرا * * * عفواً حبيب الروح إِني حائر ... وبكل ناحية أرى خَطْباً عرا وعلى ربوع القدس خيّم باطل ... من ظلم صهيون تجبّر وافترى والحرب قائمة نخوض غمارها ... وتواجه الأخلاق حرباً أخطرا

стр. 70

والصوت في سمع الزمان شعاره ... شر المبادئ ما يباع ويشترى * * * الله أكبر باسم ربّي وحده ... نحمي الشريعة والكتاب النيّرا والظلم يأذن بالرحيل ولن ترى ... من ملحد باغ ولا متجبّرا * * * قسماً سأصدع بالكتاب مجاهراً ... ومجاهداً حتى أغيَّب في الثرى حتى يعود إِلى النفوس صفاؤها ... فترى هداها بالجلال مسورا حتى يعود إِلى القلوب ضياؤها ... فترى النبي مشفّعاً ومبشّرا وترى الحبيب مجاهداً ومصابراً ... وترى الرسول مثابراً ومبصّرا وترى الحياة سعيدة وهنيئة ... وترى الطريق موضّحاً ومحرّرا

стр. 71

صدق الولاء يشدّني حيث التُّقى ... باسم الحنيفة بالكتاب مذكّرا من كل معنى للعقيدة قائم ... وبكل حب كان نوراً نيّرا نوراً ترى فيه إِذا أحببته ... معنى الحياة وعزّها متفجّرا حبًا لدين الله كان ولم يزل ... مسكاً بأفواه الزمان وعنبرا * * * يا حبّنا لك في القلوب مكانة ... تسمو وتعلو كل حب أثّرا الحبّ أنت فمنك يعلم أمره ... وإِليك يرجع يا حبيبي آخرا صدق اليقين أمانة لك في دمي ... يأبى لها الإِيمان أن تتغيّرا لست الذي يرضى الحيانة مذهباً ... ويرى التقلّب في العقيدة متجرا

стр. 72

إِن كنت للرسل الكرام إِمامهم ... فلأنت للدنيا صباح أسفرا ولأنت للقلب المعنَّى حبه ... أبداً أرى فيك الحبيب الأطهرا * * * يا حبّنا لما ذكرتك أشرقت ... روحي فأنظر للبرايا حضّرا في ساحة الميزان أرقب رحمة ... تسمو فتهدي المخلصين الكوثرا والنار في غليانها وحريقها ... والظالمون على الصراط تعثّرا يهوون في نار تذيب جلودهم ... والعقل من هول العذاب تحجّرا فمضى يولول في الجحيم ونارها ... وهوى يجلجل في الوعيد مكشّرا مستصرخاً من كل أنّات النوى ... ويكاد يفنيه اللهيب مسعّرا

стр. 73

حتى يذوق الذل في جبروتها ... يهوي هشيماً في الجحيم مبعثرا يتجرّعون صدديدها وجحيمها ... من كل لون في العذاب مكرّرا حتى الثياب مقيسة ومحيكة ... كفناً أعدّ من الجحيم محرّرا يمسي ويصبح بالوعيد مجددا ... يعطى عقاباً بالخطايا مشترى وهنا ترى اللعنات فيما بينهم ... وترى الحديث ملفّقاً ومزوّرا وترى التبرؤ والتنصّل شاملاً ... ما كان في الدرج الذوائب والذرا وهنا ترى تلك الوجوه كئيبة ... وحسيرة تصلى سعيراً ممطرا ومشاهداً أخرى هنالك غيرها ... حتى ترى فوق العجائب ما ترى حتى ترى هذا الرجيم إِمامهم ... يلقي بدائرة الملام ومنكرا

стр. 74

وهنا فقط يعظ اللعين موضحاً ... وهنا فقط يعظ اللعين مقرّرا والكل يرجو أن يفوز بجنة ... والحق يحكم ليس يحكم فجّرا هلا تبعت إِلى النجاة محمدًا ... حتى تفوز إِلى الجنان وتعبرا فهو السبيل إِلى الحياة وعزّها ... بل رحمة للعالمين مبشّرا لا تطفئ الأحقاب من أنواره ... أبداً يساقط عن ضياه الأعصرا * * * يا أمة الإسلام قودي للهدى ... كل الخليقة أسوداً أو أحمرا حتى نرى سِلماً يعود ورحمة ... ونرى الوجود مضمّخاً ومعطّرا ونرى الشباب تحسنت أخلاقه ... مسكاً بأفواه الزمان وعنبرا

стр. 75

ونرى الظلام تكسرت أمواجه ... والناس قد لزموا الكتاب المبصرا ونرى حياة الخلق طرًّا حلوة ... لو أنهم تبعوا السراج النيّرا ونرى بلاد المسلمين تحرّرت ... من كل شيطان أتى مستعمرا ونرى فلسطين الأبيّة أصبحت ... علماً يرفرف بالسلام ومفخرا ومآذن القدس الشريفة أذّنت ... والمسجد الأقصى هنالك كبّرا والنور يسري في ربوع حياتنا ... والأرض تلتحف البساط الأخضرا ونرى كتاب الله يحكم شرعه ... بين الخلائق قاضياً ومدبّرا فتهزّنا الأصداء من إِرعاده ... والقلب لمَّا أن جفاه تفطّرا وتهزّنا الكلمات من آياته ... والروح لمَّا أن هواه تعطّرا
следующие страницы →