← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

إنها صورة الهول الذي روّع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها .. وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان، واليهود من بني قريظة، من كل جانب، من أعلاها ومن أسفلها، فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنّها بالله، وسلوكها في الشدّة، وتصوّراتها للقيم والأسباب والنتائج .. ومن ثم كان الابتلاء كاملاً، والامتحان دقيقاً، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسماً لا تردّد فيه! وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته، وكل انفعالاته، وكل خلجاته. وكل حركاته، ماثلاً أمامنا، كأننا نراه من خلال هذا النصّ القصير! ننظر فنرى الوقف من خارجه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾! ثم ننظر فنرى أثر الوقف في النفوس: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾! وهو تعبير مصوّر لحالة الخوف والكربة والضّيق، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾! ولا يفصّل هذه الظنون، ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج، وذهابها كل مذهب، واختلاف التصوّرات في شتّى القلوب! ثم تزيد سمات الوقف بروزاً، وتزيد خصائص الهول فيه وضوحاً: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾! والهول الذي يزلزل المؤمنين لابدّ أن يكون هولاً مروّعاً رعيباً!

стр. 1192

ولقد كان أشدّ الكرب على المسلمين، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم، فلم يكونوا يأمنون في أيّة لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق، وأن تميل عليهم يهود، وهم قلّة بين هذه المجموع، التي جاءت بنيّة استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة! ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾! فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدّة الآخذة بالخناق فرصةً للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهن والتخذيل وبثّ الشكّ والرّيبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدّقهم في التوهن والتشكيك .. وهم مع هذا منطقيّون مع أنفسهم ومشاعرهم، فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمّل، وروع نفوسهم ترويعاً لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجمّلين! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة، وموقفهم في الشدّة هو موقف إخوانهم هؤلاء، فهو نموذج مكرّر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾! ونبصر صورة نفسيّة لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض .. صورة

стр. 1193

نفسيّة داخليّة لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصفّ بمجرّد مصادفة، غير مبقين على شيء، ولا متجمّلين لشيء: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾! هكذا يكشفهم القرآن، ويقف نفوسهم عارية من كل ستار .. ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد، وخلف الوعد، ومع من؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا، ثم لم يراعوا معِ الله عهداً: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾! ويقرّر القرآن إحدى القيم التي يقرّرها في أداتها، ويصحح التصوّر الذيِ يدعوهم إلى نقض العهد والفرار: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾! إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة، والموت أو القتل قدر لا مفرّ من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر .. ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ، فإذا فرّوا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب، وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل، ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته، سواء أراد بهم سوءاً أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله! فالاستسلام الاستسلام، والطّاعةَ الطّاعةَ، والوفاءَ الوفاء بالعهد مع الله، في السرّاء والضرّاء، ورجع الأمر إليه، والتوكّل الكامل عليه!!!

стр. 1194

مناجاة في ليلة القدر: ويطيب لي أن أقدّم هذه المناجاة للأخ العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي، الذي عرفته منذ منتصف الأربعينيات من القرن الماضي وصحبته في أشدّ المحن في السجن الحربي عام ١٩٥٤ - ١٩٥٦ م، كما صحبته في المحاكمة الظالمة عام ١٩٥٥ م. وقد نظم هذه القصيدة ليلة ٢٧ رمضان عام ١٣٦٩ هـ - ١٩٤٩ م بمعتقل الطور! وكان ختامها دعوات ومناجاة إلى الله سبحانه .. وفرّج الله الكرب .. وسقطت وزارة إبراهيم عبد الهادي، وجاء العيد حاملاً معه البشرى، وبدأ الإفراج عن الدعاة المعتقلين! والقصيدة طويلة .. منها ما يحفظه الأخ الداعية القرضاوي، وهي: (١) عشقتها فاسترقّت قلبي العاني ... فقمت أعزف فيها عذب ألحاني سمّوه شعراً وإِنّي لا أراه سوى ... آهات قلبي وإِحساسات وجداني * * * يا ليلة زانها ربّي وشرّفها ... تنزيله في دجاها نور قرآنِ

стр. 1195

دستورُ حق وتشريع وتربية ... يبقى وإِن زال هذا العالم الفاني ربَّى رجالاً مغاوير اهتدوا وغزوا ... إِن الرجولة من نور ونيرانِ أمسى بلال به من ذلّة ملكاً ... وصار سلمان شيئاً غير سلمانِ! لله فتيان حق لو رأيت فتىً ... منهم ترى ملكاً في زيّ إِنسانِ! فمن يداني أبا حفصٍ وصاحبه؟ ... ومن يداني عليًّا وأين عفّانِ؟! هذا الكتاب غدا في الشرق وا أسفاً ... شمساً تضيء ولكن بين عُميانِ! يحاط بالطفل حرزاً من أذىً وردىً ... وفيه حرز الورى من كل خسرانِ! يُتلى على ميِّتٍ في جوف مقبَرةٍ ... وليس يحكم في حيٍّ بديوانِ! فكيف نرقى ومعراج الرّقِيِّ لنا ... أمسى يُجَرُّ عليه ذيل نسيانِ؟!

стр. 1196

* * * يا ليلة السِّلم والإِسلام معذرة ... فالسِّلم في مصر والإِسلامُ لفظانِ أين السلام؟ أروني أين موضعه ... قد ضاع ضيعة يُتْمٍ بيبن خُوَّانِ! أين الدساتير فانظرها معلّقة ... مثل التمائم في أحضان صبيانِ! أين الحقوق ولم نلمح لها صوراً ... إِلا سياطاً كأذناب لثيرانِ! * * * نحن النجوم تزين الكونَ طلعتُنا ... ويهتدي بسنانا كل حيرانِ نحن النجوم فلا تعجب إِذا انطلقت ... منّا رجومٌ أخافتْ كل شيطانِ قالوا اسجنوا واغمروا الأقسام واعتقلوا ... فجمّعونا على حبٍّ وإِيمانِ وصادروا ما لنا من جهلهم ونسوا ... أن يحجروا رزق رزّاق ورحمانِ

стр. 1197

وأسرفوا وعَلوْا في الأرض واضطهدوا ... وعُكِّر النّيلُ من هاماته الثاني وعذّبوا كي يُذِلوا أنفساً طَمحتْ ... وعزَّت النفس أن تعنو لسلطانِ والليث لن تحني الأقفاص هامته ... وإِن تحكّم فيه ألف سجّانِ * * * يا ربِّ إِن الطّغاة استكبروا وبَغَوْا ... بَغْيَ الذِّئاب على قطعان حُملانِ يا ربِّ كم يوسفٍ فينا تَقِيِّ يدٍ ... دانوه بالسّجن والقاضي هو الجاني! يا ربِّ كم صبيٍّ صفّدوا فمضى ... يبكي كضفدعة في ناب ثعبانِ! يا ربِّ كم أسرةٍ باتت مشرّدة ... تشكو تَجَبُّر فرعون وهامانِ! يا ربِّ رُحْمَاك انجزْ ما وعدت به ... وانصر فنصرك من أهل الهُدى دانِ! * * *

стр. 1198

الله والطاغوت: وتحت هذا العنوان قال الأخ الداعية الشاعر (محمد منلا غزيل): (١) تاه الدليل! فلا تعجب إِذا تاهوا ... أو ضيّع الركب أشباح وأشباهُ تاه الدليل! فلا تعجب إِذا تركوا ... قصد السبيل وحادوا عن سجاياهُ تاه الدليل! فلا تعجب إِذا انحرفوا ... عن الصراط لِلات الشِّرك عُزّاهُ! والشّعر إِن لم تلح في التّيه جذوته ... نوراً مبيناً فلا كانت عطاياهُ إن لفّه الصمت في أكفانه أمداً ... أو ضمّه الرّمز حيناً في حناياهُ فالحرف مازال يُذكي وهج شُعلته ... وقْع الصّراع فيؤتي بعض نجواهُ هيهات يخبو سنا التّبيان مذ صبغت ... آيُ الكتاب بلون الحقّ معناهُ

стр. 1199

هيهات ترضي ظلال الزّيف صبغته ... هيهات يعنو لأغلال حناياهُ يسمو تضيء له الآيات وجهتَه ... ويستطير السّنا في أفق مرقاهُ وكم بدت في الدّجى العاتي كنانته ... تُرمى بسهم أصاب الليل أصماهُ * * * يا ربّ! هيّء لنا من أمرنا رشداً ... يهدي السبيل فإِنا قد أضعناهُ وها هو الشرك في أرجاء بقعتنا ... شركٌ بواحٌ وما انفكّت خفاياهُ! وا أمّة أخرجت للناس أثخنها ... مكر العدوّ فكانت من مطاياهُ! إِن العدوّ هو الطاغوت فانعتقي ... من كيد (إِبليس) إِن المكر إِيّاهُ! إِن السبيل سبيل الله فانطلقي ... نحو الجهاد وخوضي غمر دنياهُ

стр. 1200

تبَّت يدا مترفيها ضلّ سعيهم ... فكيف يطغى عليك المال والجاهُ؟! * * * يا إِخوة الدّرب نعم الدّين آصرة ... للمؤمنين ونعم الحبل أقواهُ تلك السبيل فلا تنسوا معالمها (١) ... ولتحذروا أن تضلّوا إِثر من تاهوا! منهاجنا (الدّين) والتوحيد صبغته ... والعدل شرعته الكبرى ومبناه هيهات ترضى بأوثان عقيدته ... والحق خالصه فيها وأبقاهُ هيهات ترضى بطغيان شريعته ... وما علمتُ تقرُّ الظّلم (شوراهُ)! والفجر مازال وجه الفجر يحجبه ... وجه الضباب وتخفيه طواياهُ كم حاول الكيد مسعوراً ليطمسه ... عَبر الضّلوع فلم يظفر بمسعاهُ

стр. 1201

غداً تطلّ على الدنيا طلائقهُ ... غلاّبةً يا لبشرانا بلقياهُ قد يزحف الصّفّ مرصوص الكيان غداً ... يشتدّ بنيانه يمتدّ ركناهُ إِن طاف في الأرض قلبي في مناكبهما ... يستقبل التّيه بالإشراق يلقاهُ فما أحسّ بغير الفجر مؤذنةً ... أذيالُه يزدهي بالنصر عطفاهُ يا أيها الليل لن تقوى على أمل ... عبر الحنايا بإِذن الله نحياهُ يا أيّها التّيه لن تقوى على قبسٍ ... من جانب الطور بالحق اقتبسناهُ يا أيّها الغيّ لن تقوى على رشد ... في عمق أعماقنا الفرقان آتاهُ غداً نخوض الوغى تترى كتائبنا ... ويزهق الباطل الباغي ودعواهُ غداً سيطوى الهُدى طغيان (قيصره) ... وتنطفي بالهدى نيران (كسراهُ)!

стр. 1202

الكافرون هوى الطاغوت منهجهم ... والقاصدون الهدى يهديهم اللهُ! * * * شظايا من الإيمان: وقال تحت هذا العنوان: (١) بعقيدتي بالحق بالإِيمان يعصف في دمي بالنور بالإِعصار جيّاشاً بوهج الأنجمِ بالرّوح تزخر بالهُدى بهُدى النبيّ الأعظمِ بسنا القلوب الظامئات إِلى اللقاء الملهمِ سيزول ليل الظالمين وليل بغي مجرمِ سيزول بالنور الظلام ظلام عهد معتمِ والباطل المنهار فوق دعاة ليل مظلمِ وسيشرق الفجر المبين ويرتوي القلب الظمي والدعوة السمحاء تزحف بالهُدى والبلسمِ بشريعة الله العظيم وبالنظام المحكمِ بشريعة القرآن دستور الحياة الأكرمِ

стр. 1203

بالنعمة الكبرى من الربِّ الرحيم المنعمِ أنا مؤمن بالنصر للإِسلام للنهج السويّ الأقومِ أنا مؤمن بالنصر للإِيمان للوعي الأبيّ السلمِ * * * أنا مؤمن بالزاحف المهدار يجتاح الحنايا أنا مؤمن بالحقّ بالإِعصار يعصف بالشّظايا أنا مؤمن بالصبر يهزأ بالخطوب وبالرزايا أنا مؤمن بالحق يصرع باطلاً ظلم الرعايا أنا مؤمن بالمجد نزرع دربه أبداً ضحايا بكتيبة التوحيد يسطع نورها بين البرايا علويّة المنهاج ربانيّة يا للمزايا أنا مؤمن وتموج في الأعماق دنيا من رؤايا فتفجر القمم الظماء دورب مجدٍ أو منايا وتثور بالشعل الوضاء فيستقي منها غنايا والآخرون تنكّروا للنور وانتظموا (مطايا) للشرق أو للغرب يا للعار ويل للمطايا راموا انطفاء النور نور الله سحقاً للنوايا

стр. 1204

هذا لهيب الشِّعر يحرق زيفها يا للشظايا سحقت ضلال الملحدين وأخرست صوت الدنايا أنا مؤمن بالحق نزرع دربه أبداً ضحايا * * * أنا مؤمن بالزاحف الوضاء عبر الكوّةِ أنا مؤمن بالحق بالنصر المبين لدعوتي وبحسب أفئدة تموج بلهفة لله طهر اللهفةِ وبحسب أفئدة بنجواها لرب الناس أعظم نشوة وبحسب أفئدة وعَت معنى الفدا والعزّةِ وبحسب أفئدة رأت في السجن أصدق خلوةِ فبحسبها الوضاء يزحف رغم أنف الظلمةِ ليمزّق الطغيان شرّ ممزّق بالحقّ يا للقوّةِ ويزفّها للأمّة الظمأى شفاء الغلّةِ سنعيدها غرّاء إِسلامية يا أمّتي لا الشرق تعرفه ولا الغرب اللئيم الشّرةِ أنا مؤمن يا أمة الإِسلام تملأ مهجتي نبضات أمجاد توحّد خافقي للكعبةِ

стр. 1205

وتبثّ في الوجدان والأعماق أطهر نفحةِ فتفيض في الأصداء والأشعار أطهر نغمةِ بشريعة القرآن تحكم رغم أنف الشهوة سنعيدها غرّاء إِسلاميّة يا إِخوتي أنا مؤمن بالفجر يزحف رغم أنف الظلمةِ بالغد بالفجر المضيء بفجر هذي الدعوةِ بشريعة القرآن تحكم رغم أنف الثورةِ * * * جمعنا الله في مستقر رحمته إخواناً على سرر متقابلين، آمين آمين آمين! * * *

стр. 1206

الهجرة إلى الحبشة

стр. 1207

الهجرة إلى الحبشة • أول هجرة في الإِسلام • السابقون إلى الإِسلام • مكانة السابقين • غيظ قريش وحنقها • إشارة الرسول ﷺ بالهجرة • هجرة تبليغ الرسالة • البعد عن مواطن الفتنة • البعد عن إثارة المعوقات في طريق الرسالة • تخفيف الأزمات النفسية • إفساح طريق التبليغ • سجل المهاجرين • حكمة سياسة الاستسرار • سفارة المشركين إلى النجاشي • سياسة تبليغ الدعوة • إخفاق سفارة المشركين • تملك النجاشي على الحبشة • إسلام النجاشي • عالميّة الدعوة الإِسلاميّة • مكانة المرأة المسلمة • عودة المهاجرين إلى المدينة • هجرة مواجهة واختبار

стр. 1208

الهجرة إلى الحبشة أول هجرة في الإِسلام: سبق أن عرفنا كيف كانت الحياة في مكّة جهاداً للنفس، وصبراً على الأذى .. ومع ذلك مضت الدعوة إلى الله تشقّ طريقها الصعب، بين قبائل قريش رجالاً ونساءً، وقريش تحبس من قدرت على حبسه. وتعذّب من استطاعت تعذيبه! ورأى رسول الله ﷺ بعد سنتين من الجهر بالدعوة أن الجاهليّة ماضية في عنفها واضطهادها وتعذيبها، مصمّمة على استخدام كل أسلوب لوقف الدعوة الإِسلاميّة، وهي بعد في المهد! وهنا أراد الرسول ﷺ أن يمنح المضطهدين فترةً من الوقت، يستردّون فيها أنفاسهم، ويعودون ثانيةً إلى ساحة الصراع وهم أقدر وأصلب .. وعسى الله أن يجعل بعد عسر يسراً، فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة! روى ابن إسحاق وغيره (١): فلما رأى رسول الله ﷺ ما يُصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب،

стр. 1209

وأنه لا يقدر على أن يمنعهم ممّا هم فيه من البلاء، قال لهم: "لو خرجتم إِلى أرض الحبشة، فإِن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه" فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إِلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إِلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإِسلام! ويروي أحمد عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إِلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلاً، قال في المواهب اللدنية: ثم أذن رسول الله ﷺ لأصحابه في الهجرة إِلى الحبشة، وذلك في رجب سنة خمس من النبوة" (١). وهذا موافق لقول ابن إسحاق من أن وقوع الهجرة الأولى قبل المقاطعة وذلك خلافاً لموسى بن عقبة! (٢). السابقون إلى الإِسلام: ومعلوم أن السابقين إلى الإِسلام من الأوّلين، لم يكونوا كلّهم ولا أكثرهم من الضعفاء والأرقّاء والفقراء، وحواشي بيوتات مكّة، وأتباعها الملتقطين فتات موائدها -كما شُهر ذلك على ألسنة وأقلام السطحيّين من الباحثين- بل كانوا في كثرتهم الكاثرة من صميم أبناء بيوت قريش وبطونها، وعِلْيَة شبابها! (٣) وهم معروفون بأسمائهم وأنسابهم، وبيوتهم وقبائلهم، فما شُهر من أن

стр. 1210

الذين سبقوا إلى الإيمان بدعوة رسول الله ﷺ ، ومتابعته على دينه، وتصديق رسالته، كانوا الأرقّاء والموالي، والمستضعفين والمحرومين كلام لا تحقيق فيه، فلا يصحّ أن يؤخذ على إطلاقه -اغتراراً بما فيه من بريق مناصرة الإِسلام للضعفاء، وتخليص الأرقّاء من رق العبوديّة الظالمة، وتحرير الفقراء من أغلال الاستغلال الاجتماعيّ الجائر- تأثراً بالمذاهب الاجتماعيّة الضالة الفاسدة التي غرّرت بطوائف الشّعب الغرّيرة الكادحة تحت اسم (العمال والمحرومين)، وأقاموا على دعائم هذا التغرير الخبيث الماكر الثورات الاجتماعيّة الخادعة الشرّيرة المفسدة الملحدة، متمثّلةً في الشيوعيّة الفاجرة التي تسوق الشعوب بسياط من بشاعة القسوة والعذاب الذي لا يطاق! فهذا وإن كان في واقع الإِسلام ومبادئه وشرائعه التي أنزلها الله لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ونصرة المظلوم، وإتاحة العيش الكريم لكل إنسان على أرض الله، ولكنه ليس هو واقع السابقين الأوّلين من طلائع المؤمنين بدعوة الإِسلام الذين أسلموا مع رسول الله ﷺ ، واستجابوا له أوّل من استجاب لدعوته، فكانوا أوّل من آمن برسالته واهتدوا بهديه، وكانوا اللبنات الأولى في بناء صرح هذا (الدين القيّم) دين الإِسلام! وليس هو واقع الإِسلام في هدايته العامّة التي جاءت لهداية الإنسانيّة كلها، وتحريرها من ربقة الشرك والوثنيّة، وإدخالها في حظيرة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبوديّة الخالصة، وتخليصها من ذلّ الظلم الاجتماعيّ الذي فرضه عليها حفنة من الطغاة الظالمين، فساقوها بسياط الظلم إلى مهاوي العبوديّة لهم، ولما في أيديهم من حطام الدنيا! فهذا رأي -على شهرته- مدخول، وضعه من يريد أن يقول إن الإِسلام

стр. 1211

يتملّق الضعفاء والأرقّاء والمحرومين، ليستنصر بهم في نشر دعوته، ويخلّصهم من الاستعباد الاجتماعي، فكانوا أسرع استجابة لدعوته، وأشدّ إقبالاً على اعتناقه! فلا يصح أن يغفل الذين يكتبون عن صدارة الإِسلام وطلائعه عن لهذه الدخيلة المغلّفة بالبريق في هذا الرأي، ولا يصح أن نُسلّم لقائلها إلا بعد النظر فيها نظرةً فاحصةً، تتبيّن بها دوافعه الاجتماعيّة، وعوامله السياسيّة في سير الدعوة، مما أدى بكثير من كتاب السيرة النبوية قديماً وحديثاً إلى الإيمان بهذه القضيّة المشهّرة، التي يردّها واقع التاريخ، وحقائق الأحداث التي احتفت بها! مكانة السابقين: بعث الله تعالى محمداً ﷺ رسولاً إلى العالمين، وأمره بالإنذار العام -كما عرفنا- في قوله جلّ شأنه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (المدثر). فنهض رسول الله ﷺ بأمر ربّه، لا يُبالي بما يلقاه من شديد الأذى، وفادح البلاء، لا يتّقي أحداً من الناس! ورأى ﷺ بتسديد الله وتوفيقه، وحكمة توجيه دعوته في سيرها، وتبليغ رسالته -كما أسلفنا- أن لا يبادي قومه بعداوة، وأن لا يُعلن إليهم دعوته في أول خطواتها، وهو وحيد منفرد في قومه، ليس معه من ينصره منهم، ولا من غيرهم، وهم جميعاً، ومن ورائهم سائر العرب، بل سائر الدنيا، إلْبٌ على هذه الدعوة الهادية الراشدة، التي تعيب وثنيّتهم، وتَنْعَى عليهم شركهم، وتسفّه أحلامهم .. وتندّد بحياتهم الماديّة الظالمة التي يحبّونها، دون رادع

стр. 1212

يردعهم عن فجور ظلم يرتكبونه، أو عتوّ بغي يأتونه، حيث لا قانون ولا دين، ولا نظام ولا ضمير! ورسول الله ﷺ ماض في دعوته، لا يصدّه عنها صادّ، ولا يردّه عن سبيلها رادّ، فاستجاب له أوّل من استجاب -بعد زوجه النجيبة الأريبة الحسيبة النسيبة، سيّدة قومها، وسيّدة نساء العالمين إسلاماً، السيّدة خديجة بنت خويلد الأسديّة القرشيّة- أبو بكر الصدّيق، الحليم العليم، أعلم قريش بقريش وأحسابها ومفاخر بطونها، المؤثل ثراء، المؤمّل نجدةً، صاحب حمائل قريش، وأثقالها في دياتها، وما ينوبها في منافراتها، الذي لا يردّ قوله عندها، ولا تخذله إذا تحمّل! كان أبو بكر ﵁ دخل في الإِسلام قوّاماً بالدعوة إلى الله، ما دعا أحداً إلا استجاب له، وما كان يدعو إلا من يستجيب له من أبناء قمم قريش، وذرا أحسابها، وشباب بيوتها! غيظ قريش وحنقها: واتخذ رسول الله ﷺ من دار الأرقم في أصل الصفا -كما سبق- دار دعوته، ومعهد تلقّي رسالته، جعلها مجمع السابقين إلى الإيمان من أصحابه، وأقبل عليه أهل الصّدق من شباب قريش، وغير قريش، مؤمنين بدعوته، متّبعين له في دينه، مصدّقين برسالته، مهتدين بهديه، أعزّةً في قومهم، كرماء على أنفسهم، وكثروا وتكاثروا، وهم مستخفون مع رسول الله ﷺ ، وشعرت قريش بهم وبخطرهم عليها وعلى حياتها الجاهليّة، ومادت الأرض تحت أقدامها، والتفت رجال كل بيت في قريش إلى أنفسهم وأسرهم، وأبنائهم

стр. 1213

وإخوتهم، فإذا بهم يرون أن محمداً ﷺ قد اجتذب منهم زهرات شبابهم، ومصدر قوّتهم، وعدّة مستقبلهم، فهم عنده ومعه مسلمون، مؤمنون، واعتنقوا عقيدته، عقيدة التوحيد، وهجروا آلهة آبائهم وأسلافهم .. وأصبحوا جند دعوة محمد ﷺ ، وكتائب رسالته، ودخلوا معه بشظف العيش، ويبس الحياة وفقرها، بعد الترف والمتعة في بيوتهم بين أهليهم، وفارقوا المال والولد، والإخوة والآباء .. وتبدّلوا بهم محمداً ﷺ وأصحابه .. لا يخالفون عن أمره، يلحظون مواضع إشارته، ويرمقون نظراته، ويتأدّبون بأدبه، يحبّونه أكثر مما يحبّون أنفسهم، لا يتردّدون في تحقيق رغبة من رغباته، ولو كانت فيها حياة أحدهم، فكانوا منه ومعه، بما لم يكونوا به من أمهّاتهم وآبائهم، ومع أولادهم! وطارت عقول قريش شعاعاً من أدمغتها؛ إذ تمثّلوا هذا في واقعهم، ودارت أفئدتهم في حنايا أضلعهم، وتنفّسوا الصعداء غمًّا وهمًّا وكمداً، وما يغني غمّ الدنيا وهمّها وكمدها شيئاً، فليركبوا رأس الشيطان فجوراً وعتواً، وبغياً وكفراً، وليفكتوا بكل ما يقدرون عليه من فلذات أكابدهم الذين تابعوا محمداً ﷺ ، ولتذهب رحمة الأبوّة، وشفقة البنوَّة راغمةً تحت أقدام آلهتهم، لعلها ترضى عنهم! إشارة الرسول ﷺ بالهجرة: وبدأت فوادح البلاء تتوالى على هؤلاء المؤمنين بمحمد ﷺ ورسالته .. وشعر رسول الله ﷺ بما ينال أصحابه من شديد الأذى وقواصم البلاء .. وأنهم لن يستطيعوا أن يبلّغوا رسالات ربّهم إذا زجّوا بأنفسهم في مضايقات الإثارات،

стр. 1214

والتدافع والتقاتل، فليصبروا، وليصابروا، وليعفوا وليصفحوا، وليغضّوا الطرف عن سفاهة السفهاء، وليغمضوا الأعين علي قذى قسوة الآباء والأمّهات، حتى يقضي الله تعالى بالفرج! ولمعت بارقة الفرج من أفق الغيب، فإذا بها آية من آيات الله لنشر رسالته العامّة الخالدة، في أرض غير أرض العتوّ والجبروت، بطريقة لا تلتزم خطة التبليغ في أرض العتوّ والجبروت! هجرة تبليغ الرسالة: فليبق ملأ قريش على كفره وعتوّه، وفجوره وبغيه، ولتبق -إلى حين- قريش كلها في (مكّة) مطموسة البصيرة، منقادة بسلطان ملئها من الطغاة الذين لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، وليخرج المصطفون لتلقّي آية الفرج، إلى حيث يأمنون على أنفسهم الفتنة في دينهم، يعبدون ربّهم في غير خوف ولا إزعاج، ويبلّغون رسالته بلاغاً ترسم له العناية الإلهيّة طريقه في غير إثارة ولا استفزاز، فلا فرار، ولا هرب، ولكنها نقلة يؤدّى فيها حق الدعوة بصورة من صور تبليغ الرسالة، فلتتصوّرها قريش ومن والاها فراراً وهرباً، وليتصوّرها أصحاب العقول السطحيّة الذين لا يتعمّقون الأحداث، ولا يأخذون في حسابهم النتائج مرتبطةً بالمقدّمات، ولكنهم ينظرون إلى الوقائع فرادى، منقطعة الصلات بين مباديها ونهاياتها، هجرة لمجرّد الراحة من مسّ الأذى ومرّ العذاب، هجرة للأمن والسلام! والراحةُ والأمنُ قد يكونان مقصودين، ولكن قصدهما لا يمنع أن يؤاخيهما في القصد أساس الإيمان بالدعوة، بل لا يمنع أن يكون الأمن والراحة مقصودين

стр. 1215

تبعاً لأساس الإيمان بالدعوة، وهو تبليغها بصورة توائم الجوّ الجديد الذي تتنسّمه الدعوة في رياحين حملتها! وهل يستطيع من وجد الراحة والأمن وبيده دعوة تكلفه أن لا يختزنها لنفسه، وأن يبلّغها لكل من يستطيع إبلاغها له، أن يقعد دون قيامه بحق هذا التبليغ إذا سنحت له الفرصة، في غير إزعاج أو إثارة لمن آووه، وأمّنوه، وأراحوه؟ إن المؤمنين الذين هاجروا إلى الله، منتقلين من (مكّة) إلى الحبشة، يحملون في أفئدتهم آيات دعوتهم إلى الله -ويحملون معها دلائل حقّها عليهم في تبليغها، أينما وجدوا من أرض الله، فكيف إذا كانت هذه الأرض التي آوَوْا إليها أرض صدق وأمن، لا يجدون فيها ظلماً يزعجهم، ولا عداوة ترعبهم، ولا نفوساً تكره دعوتهم وتناهضها؟ إنهم حينئذ يكونون مسؤولين عن تبليغ هذه الدعوة، كلما وجدوا مجال التبليغ مهيّئاً لكلمتهم كلمة الحق والخير. يجهرون بها في غير عنت لأحد، ولا إثارة للمزعجات، وهم آمنون مطمئنون! وكذلك كانت الأرض التي وجّههم إلى الهجرة إليها رسول الله ﷺ في قوله السابق، وهو يرى ما يصبّ عليهم من البلاء: "لو خرجتم إِلى أرض الحبشة، فإِن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه". البعد عن مواطن الفتنة: وهنا نبصر البعد عن مواطن الفتنة في الدّين للذين لا يستطيعون ردّ الاعتداء تمسّكاً بعرى الصبر، إلى أن تتمكّن الدعوة من توطيد أقدامها في السير إلى

стр. 1216

غايتها قويّة منتصفةً، فهي هجرة إلى عودة، ونقلة إلى رجعة، ومخرج من ضيق إلى فرج! البعد عن إثارة المعوّقات في طريق الرسالة: ونبصر البعد عن إثارة العوّقات في طريق سير الرسالة، وتبليغ دعوتها؛ لأن المؤمنين المهاجرين كانوا في كثرتهم من شباب قريش خاصّة، وشباب قبائل العرب عامّةً، تملؤهم النّخوة والحميّة والأنفة من الرضا بالضّيم، والاستسلام للظلم، وربما نفد صبرهم، وضاقت أنفسهم مما يلقونه من جَوْر واستبداد بهم، فتدفعهم طبيعتهم البشريّة، وحميَّتهم العربيّة، إلى مقاومة الظلم، وردّ الاعتداء، كما وقع في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، فيما قال ابن إسحاق: (١) وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا ذهبوا في الشّعاب فاسْتَخْفَوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في شعْبٍ من شعاب مكّة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون، فناكَروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون، حتّى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلَحْي (٢) بعير فشجّه، فكان أوّل دم أهريق في الإِسلام! فلو تكرّر ذلك (٣) -وفي المسلمين كثرة من أمثال سعد حميّة وأنفة- لكان

стр. 1217

فيهم شغل شاغل لرسول الله ﷺ ، لأصحابه عن السير بالدعوة في طريق التبليغ، بعيدة عن المعوّقات. ولكان فيه مصادمة لحكمة الاستسرار بالدعوة، لتجتذب إلى ساحاتها أصحاب القلوب الواعية، والعقول السليمة، الذين تتكون منهم كتائبها، عندما تسنح الفرصة لظهورها والجهر بها، وهي قويّة الشكيمة، ثابتة الدعائم، وطيدة الأركان! تخفيف الأزمات النفسيّة: ونبصر تخفيف الأزمات النفسيّة التي كانت -لو استمرّ المهاجرون في إبقائهم بمكّة، لم يهاجروا- تضيف أعباء جديدة إلى الأعباء التي يتحملها الرسول ﷺ في تلقي الوحي برسالته، وحمل أمانة تبليغها والإنذار بها، وهو ﷺ يرى أصحابه ﵃ يُؤذَوْن أشدّ الأذى، ويعذّبون أقسى العذاب، ولا يستطيع منعهم وحمايتهم مما يلاقون، دون أن يؤذن لهم -كما أسلفنا- في رد الاعتداء! إفساح طريق التبليغ: ونبصر إفساح المجال أمام رسول الله ﷺ للسير بالدعوة قدُماً في طريق التبليغ، ولا شك أن هجرة من هاجر من المسلمين كان فيها هذا الإفساح الذي يخفّف من الأعباء النفسيّة التي تشغل رسول الله ﷺ بالتفكّر في أمرهم، وهم يتعرضون للفتنة في دينهم بما ينالهم في أنفسهم من شديد الأذى، وفادح البلاء! والذين يقرؤون أسماء من هاجر إلى الحبشة أوّلاً وثانياً، يعرفون أنسابهم وبيوتهم، وأحوالهم الاجتماعيّة، ومكانتهم في أقوامهم، يعلم علم اليقين أن

стр. 1218

هجرتهم أرفع من أن تكون لمجرد الفرار من الأذى، أو لمجرد الهرب ممّا يلقون من البلاء .. وإنما كانت هجرة قوم آمنوا بالله ربًّا، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولاً، فأوذوا بما لا طاقة لبشر على احتماله، ولم يجدوا للدفاع عن أنفسهم سبيلاً؛ لأنه لم يؤذن لهم في ردّ الاعتداء بل أُمروا بالصبر والصفح، لا عجزاً ولا ضعفاً، ولكن حكمة تدبير، وسياسة تقدير! وحسبنا في البرهنة على أن الذين هاجروا إلى الحبشة، أوّلاً، وثانياً، كانوا من أعزّ بيوت العرب وقبائلها -قريش فمن دونها- ليس فيهم ضعيف أو مستضعف، ولا مولى، ولا تبع، والقلة التي لم تكن بهذه المثابة نسباً وعصبيّة، كانت منها حلفاً، وحليف القوم منهم نجدة وحماية! سجل المهاجرين: قال ابن إسحاق (١): وكان أول من خرج من المسلمين من بني أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف (عثمان بن عفان ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ). ثم ذكر ابن إسحاق سجلاً مسهباً مفصّلاً بأسماء وأنساب جميع المهاجرين إلى الحبشة، في مرّيتها: الأولى، والثانية، وكانوا سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلاً، أكثرهم قرشيّون من طلائع بيوتها وأشراف بطونها! فهل من المعقول أن يخرج هذا العدد العظيم من الرجال، ذوي الأنفة والحميّة عن بلادهم، وأهليهم وعشائرهم، تاركين ديارهم وأموالهم وأولادهم، لمجرد الفرار والهرب من وجوه المشركين؟

стр. 1219

أفما كان هذا العدد الكثير بمستطيع أن يتجمع أفراده، ويقفوا في وجه العدوان عليهم، ويردّوه عنهم بقوّة القتال خفيةً وعلانية؟ نعم، إنهم بالقياس إلى أعدائهم قلة عدديّة، وكان أقوامهم وعشائرهم يأخذونهم فرادى، يعذّب كل قوم من يسلم منهم، لكن هؤلاء المؤمنين كانوا مستطيعين -لو أرادوا- أن يكيدوا لأعدائهم، ويجمعوا أمرهم، للدفاع عن أنفسهم، ويغتالوا الكثير من رؤوسهم، ولو واجههم أعداؤهم في قتال لنالوا منهم، وساجلوهم، وانتصفوا، وفي الوقائع الجزئية ما يؤيّد ذلك، وقد أشرنا إلى قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، وذكرنا غيرها من الحوادث التي استبسل فيها المؤمنون دفاعاً عن أنفسهم! حكمة سياسة الاستسرار: وهذا كله يؤيد أن سياسة الحكمة التي سلكها رسول الله ﷺ بتوفيق الله في استسراره بالدعوة، وهي مشرقة في أفق الحياة، كانت سياسة حكيمة محكمة، أثمرت ثمراتها في تجميع قوّة من المؤمنين الراسخين في إيمانهم، الصادقين في يقينهم، الذين تولاّهم رسول الله ﷺ أوّل ما تولّى بالتربية والتوجيه، حتى فشا الإِسلام في مكّة، وتسامع به الناس في أنديتهم ومحافلهم، وبدأت قريش -وهي سيّدة مكّة- تحس بخطر هذه القوّة يدخل عليها في بيوتها، ويجتذب منها شبابها، ويأخذ بحلاقيمها، فشنت على المؤمنين حرباً خسيسةً، لا مواجهة فيها! ووقف المؤمنون من هذه الحرب الفاجرة موقف الصبر والاحتمال، بل موقف الصفح والعفو والإجمال، مما أدّى أو كاد يؤدي إلى تجميد حركة الدعوة وإبلاغ الرسالة!

стр. 1220

وفي نفوس المؤمنين قوى تتفاعل مكتومة مكبوتة، يراها رسول ﷺ ، ويرى آثارها مرسومةً على وجوه أصحابه، وهم من الشباب المفعم حماسةً وقوةً وحركةً، وتحفّزاً لردّ الاعتداء، وهو ﷺ لم يؤذن له بالمقاومة وردّ الاعتداء بالقتال، فكان من أحكم التدبير، وحكمة السياسة أن يفتح ﷺ لأصحابه باب الهجرة، حتى يجدوا لأنفسهم متنفّساً في حركاتهم وهم آمنون على أنفسهم، يعبدون ربّهم وهم مطمئنّون، لا يهيجهم أمر، ولا يفزعهم شيء! سفارة المشركين إلى النجاشي: وقد عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم (١)، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فلمّا دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إِن نفراً من بني عمّنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنّا وعن ملّتنا، قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك، فابعث إِليهم، فبعث إِليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فسلّم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إِنا لا نسجد إِلا لله ، قال: وما ذاك؟ قال: إِن الله بعث إِلينا رسولاً، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إِلا لله ، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو: فإِنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إِلى العذراء البتول، التي لم يمسّها بشر، ولم يفرضها ولد، قال: فرفع عوداً من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسّيسين والرهبان، والله! ما يزيدون على الذي نقول: ما سوى هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه

стр. 1221

رسول الله ﷺ ، وأنه الذي نجد في الإِنجيل، وأنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله! لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته، حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه، وأمر بهديّة الآخرين فردّت إِليهما .. هذا ما رواه أحمد وابن كثير بإسناد جيد قوي وسياق حسن! (١) وسيأتي تفصيل ذلك في حديث أم سلمة ﵂! سياسية تبليغ الدعوة: ولا شك أن هذا لون من ألوان السياسة في تبليغ الدعوة، بدأ هادئاً هامساً، فلمّا حُرّك تحرّك معبراً أصدق تعبير عن هداية الإِسلام في أعظم محفل من محافل الحوار، الذي هيّأ الله له أسبابه وعوامله ودوافعه، ونصب له معالمه، وأقام منائره، وقد اقتضى هذا الحوار من المسلمين المهاجرين في أعظم فرصة سانحة أن يعرضوا رسالة نبيّهم ﷺ وحقيقة دينهم عرضاً حرًّا، أكمل ما تكون الحريّة، صادقاً أبلغ ما يكون الصدق، يعقده ويشهده ملك البلاد التي آوتهم، ويحضره معه بطارقتها وأهل العلم فيها، ويحضره ذوو رأيها ووجوهها، ويحضره راغميْنِ رسولا قريش إلى النجاشي ملك الحبشة، ليردّ عليها هؤلاء المهاجرين، فيسمع هذا الحشد الحافل في صراحة وقوّة صوت الإِسلام، يعلن عن حقيقته، ويشرح دعوته، ويبلّغ رسالته، فيؤمن الملك إيماناً يبخع به بأو الغرور، ويبطّ دمل الحقد في أنفس قريش ورسوليْها إلى النجاشي ..

стр. 1222

إخفاق سفارة المشركين: وروى أحمد وغيره بسند حسن عن أم سلمة ابنة أبي أميّة، زوج النبي ﷺ قالت: لمَّا نزلنا بأرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشيّ، أمِنّا على ديننا، وعبدْنا الله لا نُؤذَى، ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلمّا بلغ ذلك قريشاً، ائْتَمَرُوا أن يبعثوا إِلى النجاشيّ فينا رجلين جلْدَين، وأن يُهْدُوا للنجاشيّ هدايا مما يستطرف من متاع مكّة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إِليه الأَدَم، فجمعوا له أدَماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إِلا أهْدَوْا له هديّةً، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السّهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إِلى كلّ بطريق هديّته قبل أن تكلّموا النجاشيّ فيهم، ثم قدّموا للنجاشيّ هداياه، ثم سلوه أن يُسلمهم إِليكم قبل أن يكلّمهم! قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير داره وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إِلا دفعا إِليه هديّته قبل أن يكلّما النجاشيّ، ثم قالا لكل بطريق منهم: إِنه قد صَبَا إِلى بلد الملك منّا غلمانٌ سفهاءُ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إِلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردَّهم إِليهم، فإِذا كلّمْنا الملك فيهم، فتُشيروا عليه بأن يسْلمهم إِلينا، ولا يكلِّمهم، فإِن قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم!

стр. 1223

ثم إِنهما قرّبا هداياهم إِلى النجاشيّ فقبلها منهما، ثم كلّماه، فقالا له: أيها الملك، إِنه قد صبا إِلى بلدك منا غلمان سفهاءُ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثَنَا إِليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردَّهم إِليهم، فهم أعلى بهم عَيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبْغض إِلى عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص، من أن يسمع النجاشيّ كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صَدَقوا أيّها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمْهم إِليهما، فليرُدّاهُم إِلى بلادهم وقومهم، فقالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا هَيْم (١) الله إِذاً لا أُسلمهم إِليهما، ولا أكاد قوماً جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهُم ما يقول هذان في أمرهم، فإِن كانوا كما يقولان، أسْلَمتهم إِليهما وردَدْتُهم إِلى قومهم، وإِن كانوا على غير ذلك، مَنعْتُهم منهما، وأحسنْتُ جوارهم ما جاوروني! قالت: ثم أرسل إِلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلمّا جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إِذ اجئتموه؟ قالوا: نقول والله! ما علمنا، وما أمرنا به نبيّنا ﷺ ، كائنٌ في ذلك ما هو

стр. 1224

كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشيّ أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: ما هذا الدّين الذي فارقْتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا دين أحدٍ من هذه الأمم؟! قالت: فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إِلينا رسولاً منّا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافَه، فدعانا إِلى الله لنوحِّده ونعبَده، ونخلَعَ ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان! وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة! وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدّد عليه أمور الإِسلام- فصدّقناه، وأمنّا به، واتبعناه على ما جاء به! فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحلَلْنا ما أحلّ لنا، فَعَدَا علينا قومنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، ليرُدُّونا إِلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا، وشقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إِلى بلدك، واخترناك على مَن سواك، ورغِبنا في جوارك، ورجَوْنا أن لا نُظْلم عندك أيّها الملك!

стр. 1225

قالت: فقال له النجاشيّ: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نَعَم، فقال له النجاشي: فاقْرَأْ عليّ، فقرأ عليه صدْراً من ﴿كهيعص﴾ قالت: فبكى، والله! النجاشيّ حتى أخضل لْحيته، وبكتْ أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال له النجاشي: إِن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله! لا أسلمهم إِليكم أبداً، ولا أكاد! قالت أم سلمة: فلمّا خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله! لأنبئنّه غداً عَيْبَهم عنده، ثم أستأصِل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتْقَى الرجلين فينا: لا تفعل، فإِن لهم أرحاماً، وإِن كانوا قد خالفونا، قال: والله! لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدًا عليه الغد، فقال له: أيّها الملك: إِنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأَرْسِلْ إِليهم فاسألهُمْ عما يقولون فيه، قالت: فأرسَل إِليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إِذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله! فيه ما قال الله وما جاء به نبيّنا، كائناً في ذلك ما هو كائن، فلمّا دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبيّنا: هو عبد الله ورسوله ورُوحه، وكلمته ألقاها إِلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشيّ يده إِلى الأرض، فأخذ منها غوداً، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العُودَ. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإِن نَخَرْتُم والله! اذهبوا فأنتم سيومٌ بأرضي (والسُّيُوم: الآمنون) هَنْ سَبَّكُم غُرِّمَ، ثم من سبّكم

стр. 1226

غُرِّم، ثم من سبّكم غُرِّم، فما أحِبُّ أن لي دبْراً ذهباً وإِنِّي آذيت رجلاً منكم (والدّبر بلسان الحبشة: الجبل) رُدّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله! ما أخذ الله منّي الرِّشْوة حين رَدَّ عليّ مُلكي، فآخُذَ الرَّشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه، قالت فخرجا من عنده مقْبوحين، مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار! قالت: فوالله! إِنا على ذلك إِذْ نَزَل به، يعني من يُنازعه في حُكمه، قالت: فوالله! ما علمنا حُزْناً قطّ كان أشدَّ من حُزن حَزِنّاه، عند ذلك، تخوّفاً أن يظهر ذلك على النجاشيّ، فيأتي رجل لا يعرف من حَقّنا ما كان النجاشيّ يعرف منه، قالت: وسار النجاشيّ وبينهما عرْض النّيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضر وقعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزّبير بن العوام: أنا، قال: وكان من أحدث القوم سِناً، قالت: فنفخوا له قِربةً، فجعلها في صدره، ثم سَبَح عليها، حتى خرج إِلى ناحية النيّل التي بها مَلْتَقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعوْنا الله للنجاشيّ بالظّهور على عدوّه، والتمكين له في بلاده، واستَوْسَق عليه أمر الحبشة، فكنّا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (١).

стр. 1227

تملك النجاشيّ على الحبشة: ونجد أنفسنا أمام قول ابن إسحاق: قال الزهري: فحدّثتُ عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإِن عائشة أم المؤمنين حدّثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إِلا النجاشي، وكان للنجاشيّ عمّ، له من صلبه اثنا عشر رجلاً، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشيّ وملّكنا أخاه، فإِنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإِن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلاً، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهراً، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حيناً! ونشأ النجاشي مع عمه، وكان ليباً حازماً من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله! لقد غلب هذا الفتى على أمر عمّه، وإِنا لنتخوّف أن يملّكه علينا، وإِن ملّكه علينا لقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه، فمشوا إِلى عمّه فقالوا: إِمّا أن تقتل هذا الفتى وإِمّا أن تخرجه من بين أظهرنا، فإِنّا قد

стр. 1228

خفنا على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم، قالت: فخرجوا به إِلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه في سفينة، فانطلق به، حتى إِذا كان العشيّ من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الحريف، فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزع الحبشة إِلى ولده، فإِذا هو محمق (١)، ليس في ولده خير، فمرج (٢) على الحبشة أمرهم! فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعْلموا والله! أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوةً، فإِن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن، قالت: فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملّكوه! فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه فقال: إِما أن تعطوني مالي، وإِما أن أكلّمه في ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إِذن والله! أكلّمه، قالوا: فدونك وإِيّاه، قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسْلموا إِليّ غُلامي، وأخذوا دراهمي، حتى إِذا سرت بغلامي أدركوني، فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لتعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعَنّ غلامُه يده في يده، فليذهبن به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دراهمه، قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله منّي رشوة حين ردّ عليّ مُلكي، فآخذ الرشوة فيه، وما

стр. 1229

أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه، قالت: وكان ذلك أول خبر من صلابته في دينه، وعدله في حُكمه! (١) إسلام النجاشي: ولعلّ من أسباب اختيار الحبشة أمل وجود مجال للدعوة فيها، وأن يكون هدف انتداب جعفر بن أبي طالب متصلاً بهذا الأمل .. وإذا كنا قد عرفنا في حديث أم سلمة في إخفاق المشركين، فإنا نذكر ما رواه الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق إِلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً، فبعثوا إِلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدايا، فقدمنا وقدموا على النجاشي، فأتوه بهدية، فقبّلها وسجدوا له! ثم قال عمرو بن العاص: إِن قوماً منّا قد رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي، قال: نعم، قال: فبعث إِلينا. فقال لنا جعفر: لا يتكلّم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إِلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون من الرهبان جلوس سماطين (٢)، فقال له عمرو وعمارة: إِنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا إِليه زبرنا من عنده من القسّيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إِلا لله، فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إِن

стр. 1230

الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأعجب الناس قوله، فلمّا رأى ذلك عمرو قال له: أصلح الله الملك، إِنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم، قال يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء، لم يقربها بشر، قال: فتناول النجاشي عوداً من الأرض، فرفعه فقال: يا معشر القسّيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزيد هذه! مرحباً بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا أنا ما فيه من الملك لأتيته، حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لهم بطعام وكسوة وقال: ردّوا على هذين هديتهم (١)! وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إِلى المصلّى فصفّ بهم وكبر أربعاً!. (٢)
следующие страницы →