غُرِّم، ثم من سبّكم غُرِّم، فما أحِبُّ أن لي دبْراً ذهباً وإِنِّي آذيت رجلاً منكم (والدّبر بلسان الحبشة: الجبل) رُدّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله! ما أخذ الله منّي الرِّشْوة حين رَدَّ عليّ مُلكي، فآخُذَ الرَّشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه، قالت فخرجا من عنده مقْبوحين، مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار!
قالت: فوالله! إِنا على ذلك إِذْ نَزَل به، يعني من يُنازعه في حُكمه، قالت: فوالله! ما علمنا حُزْناً قطّ كان أشدَّ من حُزن حَزِنّاه، عند ذلك، تخوّفاً أن يظهر ذلك على النجاشيّ، فيأتي رجل لا يعرف من حَقّنا ما كان النجاشيّ يعرف منه، قالت: وسار النجاشيّ وبينهما عرْض النّيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضر وقعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزّبير بن العوام: أنا، قال: وكان من أحدث القوم سِناً، قالت: فنفخوا له قِربةً، فجعلها في صدره، ثم سَبَح عليها، حتى خرج إِلى ناحية النيّل التي بها مَلْتَقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعوْنا الله للنجاشيّ بالظّهور على عدوّه، والتمكين له في بلاده، واستَوْسَق عليه أمر الحبشة، فكنّا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (١).
стр. 1227
تملك النجاشيّ على الحبشة:
ونجد أنفسنا أمام قول ابن إسحاق: قال الزهري: فحدّثتُ عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقال:
هل تدري ما قوله: ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإِن عائشة أم المؤمنين حدّثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إِلا النجاشي، وكان للنجاشيّ عمّ، له من صلبه اثنا عشر رجلاً، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشيّ وملّكنا أخاه، فإِنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإِن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلاً، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهراً، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حيناً!
ونشأ النجاشي مع عمه، وكان ليباً حازماً من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله! لقد غلب هذا الفتى على أمر عمّه، وإِنا لنتخوّف أن يملّكه علينا، وإِن ملّكه علينا لقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه، فمشوا إِلى عمّه فقالوا: إِمّا أن تقتل هذا الفتى وإِمّا أن تخرجه من بين أظهرنا، فإِنّا قد
стр. 1228
خفنا على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم، قالت: فخرجوا به إِلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه في سفينة، فانطلق به، حتى إِذا كان العشيّ من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الحريف، فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزع الحبشة إِلى ولده، فإِذا هو محمق (١)، ليس في ولده خير، فمرج (٢) على الحبشة أمرهم!
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعْلموا والله! أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوةً، فإِن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن، قالت: فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملّكوه!
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه فقال: إِما أن تعطوني مالي، وإِما أن أكلّمه في ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إِذن والله! أكلّمه، قالوا: فدونك وإِيّاه، قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسْلموا إِليّ غُلامي، وأخذوا دراهمي، حتى إِذا سرت بغلامي أدركوني، فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لتعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعَنّ غلامُه يده في يده، فليذهبن به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دراهمه، قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله منّي رشوة حين ردّ عليّ مُلكي، فآخذ الرشوة فيه، وما
стр. 1229
أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه، قالت: وكان ذلك أول خبر من صلابته في دينه، وعدله في حُكمه! (١)
إسلام النجاشي:
ولعلّ من أسباب اختيار الحبشة أمل وجود مجال للدعوة فيها، وأن يكون هدف انتداب جعفر بن أبي طالب متصلاً بهذا الأمل .. وإذا كنا قد عرفنا في حديث أم سلمة في إخفاق المشركين، فإنا نذكر ما رواه الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى ﵁ قال:
أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق إِلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً، فبعثوا إِلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدايا، فقدمنا وقدموا على النجاشي، فأتوه بهدية، فقبّلها وسجدوا له!
ثم قال عمرو بن العاص: إِن قوماً منّا قد رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي، قال: نعم، قال: فبعث إِلينا.
فقال لنا جعفر: لا يتكلّم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إِلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون من الرهبان جلوس سماطين (٢)، فقال له عمرو وعمارة:
إِنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا إِليه زبرنا من عنده من القسّيسين والرهبان: اسجدوا للملك.
فقال جعفر: لا نسجد إِلا لله، فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إِن
стр. 1230
الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأعجب الناس قوله، فلمّا رأى ذلك عمرو قال له: أصلح الله الملك، إِنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم، قال يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء، لم يقربها بشر، قال:
فتناول النجاشي عوداً من الأرض، فرفعه فقال: يا معشر القسّيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزيد هذه!
مرحباً بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا أنا ما فيه من الملك لأتيته، حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لهم بطعام وكسوة وقال: ردّوا على هذين هديتهم (١)!
وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إِلى المصلّى فصفّ بهم وكبر أربعاً!. (٢)
стр. 1231
وتعددت الروايات فيمن كان رفيقاً لعمرو بن العاص في سفارة المشركين إلى النجاشي .. ونرى أنه يبعد أن يتكرر الحوار بصورته وموضوعه -كما أسلفنا- ولعلّ وحدة الحوار، تفيدنا أن الحوار كان مرّتين: إحداهما في الهجرة الأولى، والثانية في الهجرة الثانية، وأن سفارة المشركين الأولى كانت استطلاعاً وتعرّفاً .. وعلى كل، فهذا ما نراه في هذا المقام!
هذا، وقصة إسلام النجاشي وغلبة وفد المسلمين على الكافرين عنده قصة واضحة الدلالة في أن الجاهليّة قد عقدت العزم على أن تمضي قدماً في عنفها واضطهادها وتعذيبها للمسلمين .. ولعل حادثة انتصار الأحباش لنصارى اليمن التي كانت حاضرةً في أذهان العرب كانت ذات تأثير في توجيه الهجرة إلى هذه البلاد، فالمسلمون يكسبون حليفاً قويًّا، والمشركون يقع في نفوسهم شيء من الخوف والتوجس والجنوح إلى الارعواء؛ بسبب توثّق الصلة بين المسلمين وهذا الحليف القوي! (١)
عالميّة الدعوة الإِسلاميّة:
وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على عدد المهاجرين إلى الحبشة تتبدّى لنا سعة الدائرة البشريّة التي امتدت إليها الدعوة الإِسلاميّة؛ لكي تجذب إليها عناصر من شتّى القبائل المكيّة، وتجاوزت بذلك دائرة العصبيّة الضيّقة في طريقها الطبيعي صوب الاتساع والشمول، لتضم الأجناس والألوان. وهذا التنوع يقدّم دليلاً آخر على رفض الدافع المادّي للانتماء إلى الدعوة أو مقاومتها!
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
стр. 1232
وقوله جل شأنه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف)!
وقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (سبأ)!
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عالميّة الدعوة الإِسلامية!
ويروي الشيخان وغيرهما عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أعطيتُ خمساً لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيَّما رجلٍ من أُمتي أدركته الصلاة فلُيصَلِّ، وأحِلَّت لي الغنائمِ ولم تَحِل لأحد قبلي، وأُعْطيتُ الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إِلى قومه خاصَّةَ وبعثتُ إِلى الناس عامَّةً" (١).
مكانة المرأة المسلمة:
ولا ننسى مكانة المرأة المسلمة التي تحمّلت أعباء الاضطهاد والهجرة مع الرجل المسلم في سبيل نصرة الحق الذي آمنت به .. ولا ننسى ما قامت به في هذه الهجرة وغيرها في السلم والحرب -كما سيأتي- وهنا يتبدّى لنا المدى الواسع الذي أفسحه (الدّين القيّم) للمرأة، وتتبدّى لنا المكانة العالية التي رفعها إليها!
стр. 1233
وباستثناء النفر من حلفاء قريش ونسائهم لا تذكر الروايات أسماء أرقّاء ومساكين في جملة المهاجرين، وتعليل ذلك يعود إلى أن ضغط زعماء قريش كان أكثر شدّةً على أبناء أسرهم؛ لأنهم تحّسبوا من عواقب إسلامهم بالنسبة لعامة الناس وسائر شباب الأسر، في حين أنه لم يكن ما يخشونه من مثل ذلك من المساكين والأرقاء والفقراء والغرباء، وهذه صورة مخالفة لما قد يكون في الأذهان! (١)
عودة المهاجرين إلى المدينة:
وظل معظم المهاجرين في أرض الحبشة إلى أن وافق قدوم جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة فتح خيبر!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁: بلغنا مخرج النبي ﷺ ، ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إِليه: أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رُهم -إِمّا قال: في بضعٍ، وإِمّا قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي- فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إِلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعاً، فوافقْنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناسٌ من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة- سبقناكم بالهجرة، ودخلتْ أسماء بنت عُميس -وهي ممن قدم معنا- على حفصة زوج النبي ﷺ زائرةً. وقد كانت هاجرت إِلى النجاشيّ فيمن هاجر، فدخل عُمر على حفصة -وأسماء عندها- فقال عُمر حين رأى أسماء: مَنْ هذه؟ قالت: أسماء بنت عُميس،
стр. 1234
قال عُمر: آلحبشيّة هذه؟ آلبحريّة هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبَتْ وقالت: كلاّ والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعم جائِعكم، وَيعظُ جاهلكُمْ، وكنّا في دار -أو في أرض- الْبُعَدَاء البُغَضَاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ ، وايم الله! لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً، حتّى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنّا نُؤْذَى ونُخاف، وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأسأله، والله لا أكذبُ ولا أزِيغُ ولا أزيدُ عليه!
فلمّا جاء النبي ﷺ قالت: يا نبيّ الله، إن عُمر قال كذا وكذا. قال: "فما قلت له"؟ قالت: قلت له كذا وكذا، قال: "ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان" قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هُمْ به أفرح ولا أعظم في أنفسهم، ممّا قال النبي ﷺ .
قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإِنه ليستعيد هذا الحديث منّي.
وتعدَّدت الروايات في ذلك. (١)
وقد سرّ رسول الله ﷺ أيّما سرور لمجيء هؤلاء الصحابة الكرام ﵃ أجمعين .. هؤلاء الذين يعودون بعد هذه الفترة الطويلة، وأمر الإِسلام
стр. 1235
يعلو، وسلطانه يمتدّ شمال شبه الجزيرة وجنوبها .. وعندما نزلوا بالمدينة قام الرسول مبتهجاً، وقال فيما يرويه الحاكم بسند صحيح عن جابر ﵁ قال: لمَّا قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، قال رسول الله ﷺ : "ما أدري بأيّهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" (١).
وجعفر وإخوانه مكثوا في الحبشة بضعة عشر عاماً، نزل خلالها قرآن كثير، ودارت معارك شتّى مع الكفار، وتقلّب المسلمون قبل الهجرة النبويّة وبعدها في أطوار متباينة -كما سيأتي-، ولم يمض وقت على أولئك العائدين حتى اندمجوا في معارك القتال مع من سبقوهم، وقد أشركهم النبي ﷺ في مغانم خيبر .. ففي رواية للبخاري عن أبي موسى ﵁ من حديث طويل -كما سبق أن أشرنا في تعدّد الروايات .. - قال:
فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا- أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إِلا لمن شهد معه، إِلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم! (٢)
هجرة مواجهة واختبار:
تلك هي قصة الهجرة إلى الحبشة بإيجاز .. وتلك هي أهم نتائجها .. وهنا نلحظ أنها لم تكن هجرة استقرار لنشر الإِسلام، واتخاذ الحبشة منطلقاً جديداً لدعوة الإِسلام، وإنما كانت هجرة مؤقتة، هجرة إيواء وانتظار، وهجرة اكتشاف وترصّد .. وهجرة امتحان وانتظار .. وهجرة مواجهة بالفكرة .. وهجرة
стр. 1236
اختبار عملي لمدى الصراع بين الحق والباطل في النفوس، ومدى التحمّل للصعاب المرتقبة، والشدائد المنتظرة! ولم تكن الحبشة في عصورها التاريخيّة منطقة انطلاق، بقدر ما هي منطقة إيواء .. ولم تستطع أن تسيطر حتى على السهول الساحليّة التي تقع إلى شرقها أو تتوسَّع في الغرب والشمال الغربي .. أمّا الجنوب فلم يكن هناك ما يدفع الأحباش إلى التوسّع فيه، لوجود نطاق جافّ نسبيًّا، تليه منطقة هضبة شرق أفريقيا المرتفعة .. ولو جاز لنا أن نتخيّل الهجرة إلى الحبشة هجرة استقرار لنشر الإِسلام، واتّخاذها منطلقاً جديداً لدعوة الإِسلام، لتسابقت إلى الذهن عدة أسئلة:
- من يحفظ القرآن العربيّ؟!
- وما عدد هؤلاء الحفظة؟!
- وإلى أيّ مدى سيسمح لهذا الدّين أن ينتشر؟!
- وما موقف الرومان من الحبش حين يعلمون أن فيها ديناً عالميّ الانتشار آوى إليها؟!
- وهل تصلح الحبشة لتكون منطلقاً جديداً، وهي مناطق مزّقتها الأنهار إلى بيئات منعزلة؟!
- أليس من الأقرب إلى الذهن أن يتابع الإِسلام نموّه في مهده الأوّل، الذي اختاره الله له .. ومن ثمَّ يخرج دعاة الإِسلام من هذه البيئة المختارة، ليدخلوا أفريقيا وغيرها من أوسع الأبواب وأقواها؟!
стр. 1237
أسطورة الغرانيق
стр. 1238
أسطورة الغرانيق
• أكذوبة متزندقة
• المبشّرون والمستشرقون
• المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق
• المستشرق (بروكلمان) وغيره
• ردود العلماء
• بطلان الأسطورة سنداً ومتناً
• قول الحافظ ابن حجر
• قول الدكتور (أبو شهبة)
• قول الإِمام محمد عبده
• البطلان من حيث الزمان
• سبب سجود المشركين
• لا سبيل للشيطان
• رأي أهوج للكوراني
• أمران باطلان:
- الأمر الأول
- الأمر الثاني
• مفاسد رأي الكوراني:
- المفسدة الأولى
- المفسدة الثانية
- المفسدة الثالثة
- المفسدة الرابعة
- المفسدة الخامسة
- المفسدة السادسة
• آيات القرآن
• درس للدعاة
• اعتباران:
- الاعتبار الأول
- الاعبتار الثاني
• وصية أخويّة
стр. 1239
أسطورة الغرانيق
أكذوبة متزندقة:
أقحم بعض كتّاب السيرة النبويّة، وجماعة من المفسّرين، وطوائف من المحدّثين في كتبهم ودواوينهم ومؤلفاتهم (أقصوصة الغرانيق) (١)، وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سبباً لعودة المهاجرين الأوّلين إلى (مكّة)، وهي (أقصوصة مختلقة باطلة في أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة في جذورها وأغصانها، وفرية متزندقة) اخترقها (غِرْنَوق) أبله جهول، أو حاقد على الإِسلام زنديق، أو منافق فاجر عربيد، ألقى بها إليه شيطان عابثٌ مريد، يتلعّب بعقول البُلْه المغفَّلين، الذين يتكثّرون تعالماً، ويتلقّفون كل شوهاء فجور، فجرت إلى مجتمعات أعداء الإِسلام، ومن كل يهودي خبيث، وكل ملحد عتيّ، وسرت منهم إلى كل مسلم أبله مغرّر، وكل متعالم مغفّل، وكل جدلي متفيهق، وكل مغرور مخدوع بكواذب المدح والثناء، وكل حفّاظ (صمّام)، وكل جمّاع لا يفقه ولا يتفقّه، وكل جامد مقلّد، وكل حرفيّ متعصّب، وكل ملبّس عليه يزعم أنه مجتهد، وكل خابط هنا وهناك يتكذّب، وكل حاطب في ظلمات الجهل، (يتلقّف العلم) من وراء طنين الأسماء، دون تمحيص ناقد، أو بحث مسددّ، وكل مدّع دعيّ، وكل متسقِّط يزعم أنه مجدّد، وكل ملتقط يزعم أنه متنق، وكل مزهو بالغرور يزعم أنه وحيد دهره، وفريد عصره، بل واحد أمته، لو قيل له إن الشيطان يلبّس عليك في علمك، فيوهمك ما ليس بحق أنه حق لانتفخت أوداجه غضباً لنفسه، ولكنه يقبل ويدافع دفاع المستميت
стр. 1240
عن قصة مزوّرة تهدم أصول الإِسلام، وتخرق سياج النبوّة، وتحبط عصمة الأنبياء، اعتماداً على مراسيل واهية لا تثبت!
فباضت هذه الأكذوبة البلهاء بين أحضان هؤلاء، وفرّخت في أعشاشهم، وزقزقت أفراخها في أوكارهم، وطارت بأجنحة الافتراء الأبله إلى آفاق التاريخ الإِسلامي المظلوم، فتلقّفها كل (رواندي) ملحد، وحملها كل زنديق مفسد، ليطعن بها في سويداء قلب القرآن الكريم، الحكيم المحكم، ويفتك بخنجرها بالسنة المطهّرة المبيّنة، وهما أصل أصول الإِسلام اللذان قام على دعائمهما شامخ صرح هذا (اللّين القيّم)، ليزعزع الثقة بأصْلَيْه، فينفلت من أيدي المسلمين زمام دينهم الذي أنزله الله تعالى هدىً ورحمةً للعالمين، ليهدم به كل بناء للوثنيّة والإلحاد، ويقضي بهدايته على معالم الشرك والإفساد، ويضعضع بآياته كل تفلسف متزندق، وكل زندقة متفلسفة، ويقيم بشرائعه وأحكامه منائر التوحيد الخالص لله تعالى وحده، وينشر بآدابه في آفاق الحياة نور الحق والخير!
هذه الأكذوبة (الغرنوقيّة الخبيثة) تريد من المسلمين أن يجعلوا من سيّد المرسلين، خاتم الأنبياء محمد ﷺ في يد الشيطان، وأن يجعلوا منه ﷺ معبثة للشرك والمشركين، وأبطولة يرقص من حولها الملاحدة والحاقدون، ولكن الله تعالى يأبى إلا أن يجعل من دينه، دين الإِسلام الذي رضيه لمحمد ﷺ حصناً حصيناً، لا تقتحمه الأباطيل والترّهات، ولا تنطلي على حذّاق حملته من الجهابذة زندقة المتزندقين، وقد أخبر سبحانه إخباراً لا يتخالجه الريب، ولا يحوم حول حماه الشك، بأنه هو الذي تولى بنفسه حفظ دستوره (القرآن الحكيم المحكم)، فلا يدخل في ساحته افتراء المفترين، ولا يلج إلى حظيرة قدسه عبث الشياطين، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر)!
стр. 1241
وليتأمل المتأمّلون في هذه الآية الحكيمة المحكمة، وفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: ٤٤)!
ليروا ما أضفى ربّ العزّة ﵎ على كتابه القرآن الحكيم المحكم من حفاوة الاختصاص بتولّي حفظه، وإسناد ما أفاضه على التوراة من فضله. فوكل حفظه إلى الربانيّين والأحبار!
قال أبو حيّان في البحر: وقد أخذ الله على العلماء حفظ الكتاب -أي التوراة- من وجهين:
أحدهما: حفظه في صدورهم، ودرسه بألسنتهم!
والثاني: حفظه بالعمل بأحكامه، واتباع شرائعه!
وهؤلاء ضيّعوا ما استحفظوا، حتى تبدّلت التوراة .. وفي بناء الفعل للمفعول، وكون الفعل للطلب ما يدل على أنه تعالى لم يتكفّل بحفظ التوراة، بل طلب منهم حفظها، وكلّفهم بذلك، فغيّروا وبدّلوا، وخالفوا أحكام الله، بخلاف كتابنا فإن الله تعالى تكفّل بحفظه، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾!
أفلا يعقل الغِرنوقيّون؟!
هذه الأكذوبة الخبيثة البلهاء كانت إحدى الفرى الحاقدة التي طوّفت ببعض مؤلّفات الجمّاعين للغثّ والسّمين، فرواها في غفلة من العقل والعلم بعض المفسدين، وأدخلت على بعض المحدّثين، مغلّفةً بأغلفة الأسانيد، محاطة
стр. 1242
بهالات بريق الأسماء، فردّدها بأساليب مختلفة، وفرطحها كثير ممن تلقّفها بالبله والغفلة، ورتعت في أسفار المؤرخين، فأعادوا فيها وأبدوا، وزادوا ونقصوا، وأثبتوا وحذفوا، وشوّهوا وزيّنوا، ومسخوا وحرّفوا، وتلقّاها القصّاصون فغنّوا بها، وكان إبليس هو عازف موسيقاها في أنديتهم ومجالسهم، وعازفاً لسماع أباطيلها شفاه الجاهلين من غوغاء العامّة، وعامّة الغوغاء الذين تكبر في صدورهم الغرائب والأعاجيب من المضحات المبكيات، فيهشون لها، ويتزاحمون على محافلها!
بيد أن هذه الأقصوصة الخبيثة والأكذوبة البلهاء، لم تفلت من سياط النقد الممحّص، فنهض إليها من الجهابذة المهرة، والحذّاق العيالم من أئمة الإِسلام المشهود لهم بالفضل والصّدق والتبحّر، والتفقّه في الدين مَنْ طعنها في مقاتلها، فبهرج زيفها، وكشف عن سوأتها، وعرّاها شوهاء متزندقة، وجلاّها بلهاء ملحدة، وأظهرها فريةً مستخبثة، ولكنها ظلّت تعيش في أودية الشياطين تتربّص للوثبة، لتفسد على المجتمع المسلم حياته الإيمانيّة بتشكيكه في أصل من أصول دينه، ودستور حياته (القرآن الحكيم المحكم)، وتزعرع ثقته في صدق نبيّه، سيّد الأنبياء والمرسلين، محمد خاتم النبيّين ﷺ ، ليصبح هذا المجتمع المسلم الذي اكتسح حياة الوثنيّة، والإلحاد المشرك، بهُدى قرآنه، وسنّة نبيّه ﷺ ، فريسة الإلحاد الجديد على ألسنة المستشرقين والمبشّرين الصليبيّين واليهود السبائيّين، والزنادقة الراونديين، والمتحلّلين من فجّار الشيوعيّن الذين عجزوا عن مواجهة القرآن في مواجهة فكريّة، ومحاجّة علميّة، فلاذوا إلى الافتراء يختلقونه، وإلى الأباطيل يزرعونها في أرضه في غفلة من حرّاسه الغرّ الميامين، ليغيّروا معالم هدايته، ويشوّهوا حقائق دستوره -ويخلعوا عن نبيّه سيّد الأنبياء
стр. 1243
والمرسلين ﷺ خلعة العصمة التي حفظه الله بها عن أيّ خطأ فيما يبلّغه الرسول عن الله تعالى من الشرائع والأحكام إلى الخلق كافّةً، فكانت عاصماً له ﷺ من أن يكون للشيطان عليه سبيل!
والعصمةُ عن الخطأ فيما يبلّغه الرسول عن الله تعالى ثابتة بإجماع طوائف الأمّة خلفاً عن سلف، لم يعرف في هذا مخالف إلا من أوّل وحرّف وبدّل، وذلك أمره إلى الله، يتولّى جزاءه بما يستحقّ من جزاء!
المبشرون المستشرقون:
وقد أصدر المبشّرون والمستشرقون ما يُسمَّى (دائرة المعارف الإِسلاميّة) بعدة لغات، لينشروا بواسطتها طعونهم في القرآن الكريم، والسنة النبويّة، ويعدّ هذا في مقدّمة أخطر عمل لهم!
وأصدروا موجزاً لها بنفس تلك اللغات، كما بدأوا في الوقت الحاضر في إصدار طبعة جديدة، ظهرت في أجزاء .. ومصدر هذه الخطورة أن المستشرقين جمعوا كل ما يستطيعون لإصدار هذه الدائرة التي تعتبر مرجعاً لكثير من المسلمين الجاهلين، وغيرهم في دراساتهم، على ما فيها من خلط وتحريف وتعصبّ سافر ضد الإِسلام والمسلمين!
إنهم يفتحون عيونهم لكل الاتجاهات، وهم يقظون لكل حركة قد تفوق سيرهم أو تفسد خططهم .. فإن حاول أحدهم أن يبدو محايداً، أو يتخفّف من أثقال التعصبّ تجد بقية المستشرقين يهبّون في وجهه .. ولا يعرف العقل ولا النطق حدًّا لا يقوم به هؤلاء من تحريف للتاريخ الإِسلامي، وتشويه لمبادئ الإِسلام وثقافته، وتقديم المعلومات الخاطئة عنه وعن أهله!
стр. 1244
والمستشرقون جميعاً فيهم قدر مستشرك من هذا الجانب، والتفاوت -إن وجد بينهم- إنما هو في الدرجة فقط، فبعضهم أكثر تعصّباً ضدّ الإسلام وعدواةً له من البعض الآخر، ولكن يصدق عليهم جميعاً أنهم أعداؤه!
وإذا كان الاستشراق قد قام على أكتاف الرهبان والمبشّرين في أوّل الأمر، ثم اتصل من بعدهم بالمستعمرين، فإنه مازال حتى اليوم يعتمد على هؤلاء وأولئك، ولو أن أكثرهم يكرهون أن تنكشف حقيقتهم، ويؤثرون أن يختفوا وراء مختلف العناوين والأسماء! (١)
المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق:
ومن هنا نستطيع أن نتصوّر ما قاله المستشرق اليهودي (يوسف شاخت)، في (دائرة المعارف الإِسلامية) تحت مادة (أصول): إن أول مصادر التشريع في الإسلام، وأكثرها قيمة (هو الكتاب)، وليس هناك من شك في قطعيّة ثوبته وتنزّهه عن الخطأ، على الرغم من إمكان سعى الشيطان لتخليطه .. ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (الحج)!
المستشرق (بروكلمان) وغيره:
ولم ينفرد هذا المستشرق بهذا الزعم، فقد شاركه المستشرق (بروكلمان)
стр. 1245
في كتابه (تاريخ الشعوب الإِسلاميّة) (١)، والمستشرق (الفريد جيوم) في كتابه (الإِسلام) (٢) حيث صرّحا بأن اعتمادهما على ما جاء في كتب التفسير .. وحيث ذكرا تلك المزاعم الإسرائيلية المزعومة لإثبات زعمهما!
يقول الدكتور هيكل: (٣) الحجج التي يسوقها من يقولون بصحّة حديث الغرانيق، هي حجج واهية، لا تقوم أمام التمحيص، ونبدأ بدفع حجة المستشرق (موير) فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم إلى العود إلى (مكة) سببان:
السبب الأول: أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل، وقد دخل عمر ﵁ في دين الله بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، لم يُخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم في سبيله، ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسلّلهم إلى شعاب مكّة، يقيمون الصلاة بعيدين عن قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلّى عند الكعبة، وصلّى المسلمون معه، هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمداً وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حرباً أهليّة، لا يعرف أحد مداها، ولا على من تدور دائرتها، فقد أسلم من مختلف قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أيّ واحد منهم قبيلته، وأن كانت على غير دينه؛ فلا مفرّ إذن من الالتجاء في محاربته إلى وسيلة لا يترتّب عليها هذا الخطر!
وإلى أن تتّفق قريش على هذه الوسيلة فقد هادنت المسلمين فلم تنل أحداً
стр. 1246
منهم بأذى، وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين إلى الحبشة، ودعاهم إلى التفكير في العودة إلى مكة! وربما ترددوا في هذا العود!
السبب الثاني: الذي ثبّت عزمهم، أن الحبشة شبّت بها يومئذ ثورة على النجاشيّ، لتُهمٍ وُجهت إليه في دينه ولما أبدى من عطف على المسلمين، ولقد أبدى المسلمون أحسن الأمانيّ أن ينصر الله النجاشيّ على خصومه، لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة، وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة زمن قليل، أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخيرٌ لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم، وأن يلحقوا بأهليهم، وهذا ما فعلوه كلّهم أو بعضهم، على أنهم ما كادوا يبلغون (مكّة)، حتّى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه، واتفق عشائرها وكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطة تامة، فلا ينكحوا إليهم -كما سيأتي- وبهذا الكتاب عادت الحرب العنوان بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم، وقد وجدوا هذه المرّة عنتاً من قريش؛ إذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة!
ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق (موير) هو إذن الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة، إنما الذي دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر ﵁ وحماسته في تأييد دين الله، فتأييد حديث الغرانيق إذن بحجّة الصلح تأييد غير ناهض!
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ - فقد تلقّفت ألسن المستشرقين تلك الأباطيل، وقاموا بنشرها، مما يضيق عنه المقام!
стр. 1247
ردود العلماء:
هذا، وكتب كثير من علماء التفسير والحديث في ردّ هذه القصة المختلقة المصنوعة الموضوعة، وأثبتوا بطلانها سنداً ومتناً بالأدلة الدامغة والحجج القاطعة، ومن هؤلاء:
١ - محمد بن إسحاق، فقد صنّف في تفنيدها كتاباً.
٢ - البيهقي، فقد تكلّم في رواة هذه القصة، وأبان أنها غير ثابتة.
٣ - أبو حيّان في (البحر المحيط).
٤ - ابن العربي في (أحكام القرآن).
٥ - القاضي عياض في (الشفا في حقوق المصطفى).
٦ - الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب).
٧ - القرطبي في (أحكام القرآن).
٨ - (الكرماني على البخاري) وقد نقل كلامه الحافظ في (الفتح).
٩ - العيني في (عمدة القاري).
١٥ - الشوكاني في (فتح القدير).
١١ - الآوسي في (روح المعاني).
١٢ - محمد عبده في (مسألة الغرانيق) تفسير الفاتحة مع ثلاث مقالات، المقالة الثانية.
١٣ - صديق خان في (فتح البيان).
١٤ - محمد ناصر الدين الألباني في (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق).
стр. 1248
بطلان الأسطورة سنداً ومتناً:
يطالعنا في المقدمة بطلان هذه القصة المزعومة سنداً ومتناً .. وسبق أن ذكرت ذلك بالتفصيل في كتاب (السنة بين أنصارها وخصومها) (١).
والخلاصة أن بعض الناس يزعم أن سبب رجوع المهاجرين من الحبشة كان لوقوع هدنة حقيقيّة بين الإِسلام والوثنيّة، أساسها أن محمداً ﷺ تقرّب إلى المشركين بمدح أصنامهم، والاعتراف بمنزلتها؛ إذ زعموا أنه قرأ على المشركين سورة (النجم) حتى وصل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ (النجم)!
ألقى الشيطان في آذن المشركين قوله: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى)! فسجد وسجد كفار مكّة، فلمّا بلغهم ذلك في الحبشة ظنوا أن القوم قد أسلموا لهذه القصة المزعومة!
وممن روى هذه القصة المزعومة ابن سعد، والطبري، والبيهقي. (٢)
ولم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد، ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير!
قال ابن كثير: (٣) وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق،
стр. 1249
ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم!
وللقاضي عياض (١) عدّة مآخذ، وفي ذلك يقول:
أما المأخذ الأول أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، وإنما أولع به وبمثله المفسّرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم!
وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال:
لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلّق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة!
وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنَةٌ!
وآخر يقول: بل حدّث نفسه فسها!
وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي ﷺ قال: والله! ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف في الرواة!
ومَن حُكيَتْ هذه الحكاية عنه من المفسّرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن
стр. 1250
عباس، قال فيما أحسب -الشك في الحديث- أن النبي ﷺ كان بمكّة، وذكر القصة!
قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عند شعبة إلا أميّة بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فقد بيّن أبو بكر ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا هذا!
وفيه من الضعف ما نبّه عليه، مع وقوع الشكّ فيه، كما ذكرناه، الذي لا يوثق به، ولا حقيقة معه!
وأما حديث الكلبي فممّا لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، لضعفه الشديد وكذِبه، كما أشار إليه البزار ﵀!
قول الحافظ ابن حجر:
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض مصادر القصّة وأسانيدها وطرقها (١): وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إمّا ضعيف، وإمّا منقطع، ولكن كثرة الطرق تدلّ على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين: أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب ...
والثاني: ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة ...
стр. 1251
وسبق أن ذكرنا أن للألباني رسالة في هذا المقام خرّج فيها أحاديث هذه القصة وحكم عليها بالبطلان، مشيراً إلى أن هناك عدّة روايات مرسلة أسانيدها صحيحة إلى مرسليها، ومن ثمَّ يتّفق في هذا مع ابن حجر، ولكنه يختلف معه في النتيجة، فقد ذهب ابن حجر إلى تقوية تلك الأحاديث الرسلة، حيث قال: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلَّ ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتجّ بمثلها من يحتجّ بالرسل، وكذا من لا يحتجّ به لاعتضاد بعضها ببعض! (١)
أما الألباني فإنه يرى أن تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، وله منطقه وحجته في هذا، وخلص إلى ردّ تلك الآثار المرسلة لكونها لا تعتضد عنده (٢).
وهنا قال الدكتور الأعظمي (٣): ونقل الألباني (٤) عن ابن تيمية في مسألة الاحتجاج بالمرسل ما مفاده (.. وإن جاء المرسل من وجهين، كل من الروايين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ وتعمّد الكذب ...).
وهنا نذكر ما قاله السيوطي (٥): فإن صحّ مخرج المرسل بمجيئه أو نحوه من وجه آخر، مسنداً أو مرسلاً أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل
стр. 1252
الأول كان صحيحاً، هكذا نص عليه الشافعي في (الرسالة)، مقيّداً له بمرسل كبار التابعين، ومن إذا سمّى من أرسل عنه سمّي ثقة، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، وزاد في الاعتضاد أن يوافق قول صحابي أو يفتي أكثر العلماء بمقتضاه، فإن فقد شرط مما ذكر لم يقبل مرسله!
قول الدكتور (أبو شهبة):
ويطالعنا ما ذكره أستاذنا الدكتور أبو شهبة ﵀ على ما ذكره الحافظ وتابعه عليه السيوطي وغيره قائلاً: (١)
١ - إن جمهور المحدّثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف، لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الثاني فلا يؤمن أن يكون كذّاباً، وقد قرّر الإِمام مسلم هذه الحقيقة فقال: (والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة) (٢).
وقال ابن الصلاح (٣): (وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقرّ عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث وتداولوه في تصانيفهم، والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة، أما الشافعي فيحتج به بشروط ذكرها في رسالته، وقد نقلها العراقي في شرح ألفيّته وغيره!
٢ - الاحتجاج بالمرسل إنما هو في فروع اللّين التي يكتفي فيها بالظن، أما الاحتجاج به على شيء يصادم العقيدة، وينافي دليل العصمة فغير
стр. 1253
مسلّم، وقد قال علماء التوحيد: إن خبر الواحد لو كان صحيحاً لا يؤخذ به في العقائد؛ لأنه لا يكتفي فيها إلا بما يفيد اليقين، فما بالك بالضعيف أو المختلف فيه!
هذا إضافة إلى أن القصّة لم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة أو الإِمام أحمد، ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير!
قول الإِمام محمد عبده:
وقال الشيخ محمد عبده: إن وصف العرب لآلهتهم بـ (الغرنيق) لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جارياً على ألسنتهم، إلا ما جاء في معجم ياقوت من غير سند، ولا معروف بطريق صحيح، والذي تعرفه اللغة أن الغُرنوق والغِرْنوق، والغُرنيق، والغِرنيق اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، ومن معانيه الشاب الأبيض الجميل، ويطلق على غير ذلك، ولا شيء من معانيه اللغويّة يلائم معنى الإلهيّة والأصنام، حتى يطلق عليها في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان!
ووجه آخر لبطلان هذه القصّة من حيث الأسلوب اللغوي السليم هو قول المفترين: إن آيات الغرانيق جاءت بين الآيات: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ (النجم)!
والآيات: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ (النجم)!
стр. 1254
ما هذا؟ ذمّ ثم مدح ثم ذمّ لذات الشيء، فلو أن القصّة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككاً والكلام متناقضاً، وهو مما لا يخفى على المبتدئين في تعلّم اللغة العربيّة، دعك عن عرب قريش، أهل الفصاحة والبيان. (١)
أمّا الآية التي اقترن تفسيرها بقصة الغرانيق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (الحج)!
فخلاصة ما يُقال عنها: إن تفسير البخاري (التمنّي) بما نقله عن ابن عباس غير ملزم لتعيين تفسير (التمنّي) في الآية بـ (التلاوة والقراءة)، وهو التفسير الذي كان مفتاحاً لباب اختراع أكذوبة الغرانيق، وما اشتملت عليه من طامات وبلايا لأن التمنّي جاء في الآية مطلقاً عن قيد الإضافة إلى الكتاب، فلم يذكر له مفعول قيّد به. (٢)
البطلان من حيث الزمان:
قال ابن حجر: هذه القصة وقعت بمكّة قبل الهجرة اتفاقاً، فتمسّك بذلك من قال: إن سورة الحج مكّية، لكن تعقّب بأن فيها أيضاً ما يدلّ على أنها مدنيّة .. فالذي يظهر أن أصلها مكّي، ونزل فيها آيات بالمدينة، ولها نظائر! (٣)
стр. 1255
وقال الدكتور الشامي: آية التمنّي هذه إن لم تكن مدنيّة، فهي ممّا نزل بين مكّة والمدينة، والحادثة حسب زعم رواتها مكّية، فهل يعقل أن يكون ذلك الزمن غير القصير بين الحادثة وبين نزول الآية التي جاءت تعقيباً عليها؟ (١)
سبب سجود المشركين:
وهنا نذكر ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: سجد رسول الله ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنّ والأنس.
تابعه ابن طهمان عن أيوب، ولم يذكر ابن عليّة ابن عباس.
وفي رواية عن عبد الله ﵁، قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة (والنجم) قال: فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد مَن خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفًّا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتل كافراً، وهو أميّة بن خلف. (٢)
قال ابن حجر (٣): أما متابعة إبراهيم بن طَهمان فوصلها الإسماعيلي من طريق حفص بن عبد الله النيسابوري عنه بلفظ: (أنه قال حين نزلت السورة التي فيها النجم سجد لها الإنس والجن).
وأما حديث ابن عليّة فالمراد به أنه حدّث به عن أيّوب فأرسله، وأخرجه
стр. 1256
ابن أبي شيبة عنه، وهو مرسل، وليس ذلك بقادح، لاتفاق ثقتين عن أيّوب على وصله، وهما عبد الوارث وإبراهيم بن طَهمان.
وقوله (والجنّ والإنس) إنما أعاد الجنّ والإنس مع دخولهم في المسلمين لنفي توهّم اختصاص ذلك بالإنس .. قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المسجد من مخالفتهم.
قال ابن حجر: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأوّل منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًّا من حصى فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد؛ إذ المسلمون حينئذ هم الذين خافوا من المشركين لا العكس، قال: وما قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ لا صحة له عقلاً ولا نقلاً!
ثم قال: لكن روى النسائي بإسناد صحيح عن المطّلب بن أبي وداعة قال: قرأ النبي ﷺ بمكّة (والنجم) فسجد وسجد من عنده، وأبيت أن أسجد، ولم يكن يومئذ أسلم ..
وقال: وقد وافق إسرائيل على تسميته زكريّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عند الإسماعيلي، وهذا هو المعتمد، وعند ابن سعد أن الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة، وقيل: سعيد بن العاص بن أميّة، قال: وقال بعضهم كلاهما جميعاً، وجزم ابن بطّال في (باب سجود القرآن) بأنه
стр. 1257
الوليد، وهو عجيب منه، مع وجود التصريح بأنه أميّة بن خلف، ولم يقتل ببدر كافراً من الذين سمعوا عند غيره، ووقع في تفسير ابن حبان بأنه أبو لهب، وفي (شرح الأحكام لابن بزيزة) أنه منافق، وردّ بأن القصّة وقعت بمكّة بلا خلاف، ولم يكن النفاق ظهر بعد، وقد جزم الواقدي بأنها كانت في رمضان سنة خمس، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحبشة قد خرجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا فوجدوهم على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية، ويحتمل أن يكون الأربعة لم يسجدوا، والتعميم في كلام ابن مسعود بالنسبة إلى ما اطلع عليه، كما قلته في المطّلب، لكن لا يفسّر الذي في حديث ابن مسعود إلا بأميّة؛ لما ذكرته، والله أعلم!
لا سبيل للشيطان:
هذا، وقد دلّت النصوص الناطقة نقلاً وعقلاً على أنه لا سبيل للشيطان قط على أنبياء الله ورسله، لعصمتهم من تسلطه عليهم (١)!
أما من جهة النقل: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ (الإسراء)!
وقوله حكايته عن إبليس في نفيه استطاعة التضليل لعباد الله المخلَصين: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ (الحجر)، (ص: ٨٣)!
وبإزالة هذه الوساوس الشيطانيّة، والشُّبه الإضلاليّة، يتميّز الحق، وهو ما جاءت به الرسل من الهُدى والتوحيد عن الباطل، وهو ما يلقيه الشيطان من الوسوسة والأباطيل في أنفس المشركين، والذين في قلوبهم مرض، ليصدّهم
стр. 1258
عن قبول الحق، وفي صدور ضعفاء المؤمنين، ليشككهم في عقائد التوحيد والإيمان والهداية، وبهذا التمييز لا تختلط آيات الله ودلائل توحيده، وبراهين صدق أنبيائه ورسله ومحكم شرائعه بغيرها من أباطيل الشّبه الشيطانيّة .. قال الإِمام ابن تيمية: وجعل ما ألقى الشيطان فتنةً للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم إنما يكون إذا كان ظاهراً يسمعه الناس، لا باطناً في النفس!
قال الشيخ عرجون: إذا كان ما ألقاه الشيطان إنما ألقاه في أسماع أوليائه من الكفرة الفجرة، ولم يلفظ به النبي ﷺ لعصمته عن تلبيس الشيطان -كما هو منزع الإِمام ابن تيمية- وقد وقعت الفتنة بما سمعوه، وهم بمعزل عن إحكام آيات الله- فلا قيمة لنسخ ما ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يختلط بآيات الله الموحَى بها إلى الرسول ﷺ لصونها وإحكامها عن زيادة الشيطان!
على أن قول الشيخ الإِمام ابن تيمية: وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، إنما يكون إذا كان ظاهراً يسمعه الناس، لا باطناً في النفس، دعوى مجرّدة من الدليل؛ لأن ما يلقي الشيطان من الشبهة والأضاليل في قلوب أعداء الإِسلام أشدّ فتنةً للقاسية قلوبهم من المشركين المعاندين، والذين في قلوبهم مرض من المنافقين؛ لأن الشبهة والأضاليل تؤثر في القلب، وتغطّيه بالرّان وظلمة الكفر، وحيرة الشك، وتؤثر في العقل فتفسد إدراكاته، وأمّا ما يسمع ظاهراً ففتنته ضعيفةٌ موقوتةٌ بسماعه، والسماع لايستقرّ أثره، بل يذهب مع تيّار النسيان، ونزغات الشيطان!
ثم قال الإِمام ابن تيمية: والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التي تحصل من نوع آخر من النسخ، وهذا النوع -أي الفتنة بإلقاء الشيطان في قراءة النبي ﷺ كلمات الكفر، ومدح الأوثان، ثم نسخ ذلك بعد
стр. 1259
زمن قد يطول وقد يقصر -أدلّ على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع- أي النسخ الاصطلاحي المعروف في أصول الفقه المتفق على جوازه ووقوعه من جمهور الأئمة، ولم يخالف فيه جوازاً أو وقوعاً سوى شذوذ من الناس، وقد شهر بهذه المخالفة أبو مسلم الأصفهاني ومن تقيّله من المتأخّرين!
وهذا النوع هو المعروف بإزالة حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة تشريعيّة، كتخفيف لحكم الأول، أو انتهاء زمن العمل به، أو زوال أثر الحكم الأوّل، أو كون الحكم الثاني أزجر منه عند كثرة الفساد وشيوعه!
قلنا: إن جعل نوع نسخ ما ألقاه الشيطان من كلمات الكفر أدلّ على صدق الرسول ﷺ من نوع النسخ الاصطلاحي أمر عجيب في قياس الاستقامة العلميّة ومنطق العقل، وإلا فكيف يكون نسخ ما ألقى الشيطان من كلمات الشرك والكفر على لسان النبي ﷺ في قراءته لآيات الله بعد استقراره زمناً -وهو محال- أدلّ على صدق النبي ﷺ وبُعده عن الهوى، وهذا النسخ بهذا المعنى يدلّ على أن النبي ﷺ قبل من الشيطان كلمات الكفر وأدخلها في آيات الله على أنها وحي من الله تعالى وقرآنه، واستقرّ عنده زمناً حتى نسخ وأزيل بوحي جديد!!
ولو صحّ هذا -وما زعمه (الغرنوقيّون) - فماذا بقي للنبي ﷺ من معالم العصمة، وثقة الأمّة المأمورة بمتابعته في جميع ما يبلّغه عن الله تعالى، وقد بلّغها هذا الكفر الخبيث في زعم (الغرنوقيّين) القائلين بثبوت (أكذوبة الغرانيق)، كما جاءت بها المراسيل الواهية الباطلة؟! وما الضمان عند الأمّة في أن تقبل وتصدّق أن الوحي الناسخ لأكذوبة الشيطان هو وحي صادق من عند الله، وليس من تلبيس الشيطان؟! وما هو الضمان عند الأمّة فيما ينزل على النبي ﷺ بعد ذلك من الوحي لتتقبّله وتمتثل لأحكامه تحقيقاً لوجوب المتابعة؟!
стр. 1260
أمّا نسخ حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة اقتضت ذلك، وكلاهما -بالقطع- من عند الله فهو الدّالّ على صدق النبي ﷺ وبعده عن الهوى؛ لأن الناسخ والمنسوخ كلاهما من عند الله تعالى بوحيه القاطع بلا افتراء، وكلاهما شرع صادق واجب الامتثال في زمنه، وليس للشيطان فيه أيّ مدخل، والنبيّ ﷺ متبع في هذا النوع من النسخ أمر الله تعالى محقق لقول الله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ (الأحقاف)!
وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
ثم قال الإِمام ابن تيمية: فإنه -أي الرسول ﷺ إذا كان يأمر بأمر، ثم يؤمر بخلافه وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في ذلك، فإذا قال عن نفسه: إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك كان أدلّ على اعتماده للصّدق وقوله الحق!
قلنا: هذا الكلام مغلق غامض، بل ظاهر التناقض، فعبارة الشيخ الإِمام السابقة تقرّر أن نوع النسخ فيما يلقيه الشيطان أدلّ على صدق النبيّ ﷺ ، وبعده عن الهوى، وعبارته هنا تقرّر أن النبيّ ﷺ يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه، وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في الأمرين -هذا مسلّم في نوع النسخ الشرعي الذي هو إزالة حكم شرعيّ بحكم شرعيّ آخر لحكمة مقتضية لذلك!
أمّا نوع النسخ الذي أزال فيه الوحي الصادق حكماً شيطانيًّا بحكم آخر منزل من عند الله -في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق- فإن النبيّ ﷺ لم يأمر فيه بأمر ثم أمر بخلافه، وإنما الذي اعتمده مثبتو (أكذوبة الغرانيق الخبيثة الباطلة) أن الشيطان هو صاحب الأمر الأول بإلقائه -كما تقول روايات الأكذوبة، على
стр. 1261
لسان النبي ﷺ كلمات أخبث الكفر، وأن النبيّ ﷺ قبل ذلك، وتلاه فيما تلا من آيات الله، واستقرّ ذلك عنده اعتقاداً حتى سجد في آخر السورة، وسجد معه المشركون، تعظيماً لآلهتهم التي مدحت بهذا الكلام الخبيث حتى نزل ملك الوحي بعد مضيّ قدر من الزمن، فاستقرأ النبيّ ﷺ آيات السورة التي جاء بها إليه، فقرأ النبيّ ﷺ ، وزاد (في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق) كلمات الشيطان في مدح الأوثان، فنبّهه جبريل ﵇ ... فكيف ينسب للنبي ﷺ ، وهو المحفوظ بالعصمة من تلبيس الشيطان أنه يأمر بأمر، ثم يأمر بخلافه في (قصة الغرانيق الكاذبة الماطلة)؟!
وكيف يكون مصدّقاً في الأمرين؟
الأمر الأوّل، وهو زعم إلقاء الشيطان على لسانه أخبث الكفر!
والأمر الثاني، وهو إزالة هذا الضلال الكفور الذي يستحيل أن يكون النبي ﷺ قاله بلْه أمر به!
وإذا صدق في الأمرين في (أكذوبة الغرانيق)، فماذا يبقى له ﷺ من الثقة به في النفس، لتتلقّى عنه ما يبلّغه من رسالته عن الله تعالى من الهداية؟
وإذا قال بعد ذلك أنه أمر بالأمرين:
أمر الحق الذي أزال به ما ألقاه الشيطان، وأمر الباطل الذي لبّس به عليه الشيطان، إذن فالأمر الثاني -أي الناسخ لما ألقاه الشيطان من الكفر والضلال هو من عند الله، وأن الأمر الأوّل المنسوخ ليس كذلك -أي ليس من عند الله- فكيف يكون ذلك أدلّ على اعتماده الصدق وقوله الحق، ولا شكّ أن الأمر الأوّل كذب وافتراء على الله تعالى ويستحيل وقوعه من النبي ﷺ !
стр. 1262
فإذا قال (الغرنوقيّون) إنه قد وقع فقد نسبوا الكذب المتعمّد على الله إلى النبي ﷺ ! فيما بلّغه عنه، فأين الصدق الذي يدلّ عليه؟
وإذا نسب إليه ﷺ الكذب في الأمر الأوّل المنسوخ فما برهان صدقه في الأمر الثاني، وهو الناسخ الذي نزل لمحو الباطل، وأنه ليس من عند الله، وإنما هو من عمل الشيطان وتلبيسه!
هذه كلها أباطيل حكيت من نسج الزندقة وأخبث الكفر، وخدع بها الأغرار -إن صحت بعض روايات المراسيل في أكذوبة الغرانيق- فكيف قبلها الشيخ الإِمام ابن تيمية، وهو صاحب الرسوخ في فقه الرواية ونقد الأسانيد؟!
وقد انتهى الشيخ الإِمام ابن تيمية إلى القول بأن الذين يثبتون العصمة بمعنى عدم وقوع الذنب من الأنبياء والمرسلين، ولاسيّما فيما يبلّغونه عن الله تعالي تأوّلوا بمثل تأويلات (الجهميّة) و (القدريّة) و (الدّهريّة) لنصوص (الأسماء والصفات) ونصوص (القدر) ونصوص (المعاد)، بل أوسع الشيخ في التهمة للنافين وقوع الذنب من الأنبياء والرسل فرماهم بـ (القرمطة) إلى أن قال: وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم!
وتهمة (الجهميّة) و (القدريّة) و (القرمطة) تهمة تقليديّة شائعة، ولا سيّما في عصر الشيخ الإِمام ابن تيميّة على ألسنة المنتحلين لطريقته ومذهبه، يُرمى بها كل من يفهم نصوص الأسماء والصفات فهماً تنزيهيًّا يليق بجلال الله وكمال ألوهيَّته!
يقول الشيخ عرجون: وإنما عرضنا رأي الشيخ الإمام وناقشناه مناقشة
стр. 1263
تفصيليَّة بعد ما منّ الله به في إبطال (أقصوصة الغرانيق)؛ لأن دويّ سمعة الشيخ وهالات الإجلال من حوله جعل كثيراً من الناس لا يتفقّهون فيما قيل، ولكنهم يكتفون بمن قال، فأردنا أن ننبّه على ما في إثبات (أكذوبة الغرانيق) من خطورة على العقيدة التوحيديّة التي كان الشيخ الإِمام أحرص عليها، وعلى دعائمها بني مريدوه، والآخذون بآرائه، مجده التاريخيّ بين أعلام أئمة علماء الأمة!
ويقول: وقد ناقشنا رأي الشيخ الإِمام في (أقصوصة الغرانيق) مناقشة بحث علمي، وهي أشدّ هدماً للعقيدة التوحيديّة، من كثير من القضايا والمسائل التي قرن بها اسمه في اجتهاديّاته، ولقي في سبيلها كثيراً من البلاء والمحن- لئلا يقع في خطئها من يتمسّك بالتقليد والاغترار بهالات الأسماء!
ويقول: والبحث العلميّ لا يقف هيّاباً لهالات الأسماء، وإنما يقف مع الحجّة والبرهان، وقد حُذِّرْنا من زلة العالم، وعثرة الأكابر، والله يهدي من يشاء وإليه المصير!
قلت: معلوم أن كل إنسان مهما علا قدره يؤخذ منه ويرد، مع تقديرنا لجهود ومكانة شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى!
رأي أهوج للكوراني:
هذا، وللشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني ... رأي متزيّدٌ جريء أهوج، حاول فيه تصحيح (أسطورة الغرانيق الكاذبة الباطلة) حتى كأنه هو واضعها، لم يكتف فيه بالبحث في أسانيد روايات القصّة، كما صنع غيره من مثبتيها، ولم يبال بما تؤدي إليه من معان خطيرة في
стр. 1264
سيرة سيّد المرسلين ﷺ ، ولكنه تزيّد باجتهاده متعالماً، واختلق للقصّة سبباً وحكمةً، لم يسبقه إليهما أحدٌ من ملّة الإِسلام، زعم أنها وقعت لهذا السبب، بتلك الحكمة، وخف على نفسه ودينه أن يقيم منهما حكماً على النبي ﷺ ، ليكشف أنه كان مفتقراً إلى (التأديب) لأنه افتأت على إرادة الله وقدره، فأراد إيمان الناس جميعاً، والله لم يرد ذلك ولا قدّره، فكان ﷺ محلاً للتأديب والتصفية من آثار هذه الإرادة حتى تفنى إرادته في إرادة الله تعالى، فلا يريد إلا ما يريد الله، ويقدّره، فسلّط عليه الشيطان ليغويه، ويلقي على لسانه في أثناء تلاوته لآيات الله المنزلة من عند الله كلمات كافرة تمدح الأوثان، وتجعل منهم شفعاء لعابديهم، تُرضي شفاعتهم وتُرتجى، وإذا كان شيء غير أكفر الكفر وصفاً يمكن أن يوصف به هذا الهوج الأحمق فليكن هذا الوصف مستعاراً لنعت موقف الكوراني إبراهيم بن حسن (خاتمة المتزندقين في عصره)!
فإذا قيل للشيخ إبراهيم الكوراني: إن الله تعالى عصم أنبياءه عن تسلّط الشيطان عليهم، وأخبر عن هذه العصمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ (الحجر)!
وفي قوله تعالى حاكياً على لسان إبليس استثناءهم من إغوائه: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (ص)!
قال: في تأويل آيات الله في (فلسفة متزندقة) لم يجرؤ أحد من مثبتي (أبطولة الغرانيق) على القول بمثله: إن السلطان المنفي هو الإغواء، أعني التلبيس المخلّ بأمر الدّين، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبي ﷺ معصوم منه، وأما الإغواء غير المخلّ بأمر الدّين فلا دليل على نفيه ولا إجماع على العصمة منه، إذن هناك إغواء للشيطان في زعم هذا الكوراني، إغواء يخلّ بأمر
стр. 1265
الدّين، وإغواء لا يخلّ بأمر الدّين!
قلنا: أليس هذا تحريفاً في تفسير آيات الله تعالى المنزِّهة لعباده المخلصين عن تسلّط الشيطان عليهم بإغوائه وإضلاله وتلبيسه؟! والآيات مطلقة في نفي سلطان الشيطان وإغوائه، والإطلاق هو اللائق بعصمة الأنبياء!
فمن أين للشيخ الكوراني هذا التقسيم المخترق، الذي جعل من إغواء الشيطان إغواءً مخلاً بأمر الدّين، هو فقط مخلّ العصمة عنده، وأما الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين، فليس هو مخلاً لعصمة تمنع من وقوعه وتسلّط الشيطان على الأنبياء به؟!
ثم كيف يكون إغواء الشيطان غير مخلّ بالدّين، وعداوة الشيطان كلها للإنسان مرجعها إلى إفساد الدّين بتزيين الكفر والفسوق والعصيان؟!
وإذْ فرض الشيخ الكوراني هذا التقسيم المبتدع واقعاً، فليكن شرعاً وديناً تسري أحكامه على الناس الأنبياء فمن دونهم، وليكن الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين -وإن كان لا وجود له في واقع الحياة- هو الذي لا تتعلّق به العصمة، وبه يتسلّط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلّهم ويلبّس عليهم، ويريهم أن الشيطان ملك، وأن الملَك شيطان، وأن الأوثان آلهة تشفع لعابديها، وشفاعتها مرجوّة مرتضاة!
وبهذا الإغواء -الذي لا يخلّ بأمر الدّين- وقعت (أخلوقة الغرانيق لتأديب النبي ﷺ على افتئاته على الله تعالى) وفرض إرادته في إيمان الناس جميعاً، مراغمة لإرادة الله تعالى الذي لم يرد إيمان جميع الناس ولا قدره!
هكذا منطق (فلسفة الشيخ إبراهيم الكوراني المتزندقة) الذي أراد به