الطائفتين قاتل حلفاء الخزرج من اليهود إخوانهم المنضميّن إلى الأوس، وقاتل حلفاء الأوس من اليهود إخوانهم أبناء عمومتهم حلفاء الخزرج، وقد بيّن القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (البقرة)!
وإذن فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾! عقب قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾! ينطق على أدوار الفساد الكبيرة التي قاموا بها قبل الإِسلام أيّام أن طغوا وبغوا وعلوا علوًّا كبيراً في الأرض!
٥ - ما أصابهم من عقوبات في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد أصحابه ﵃، جزاء غدرهم شيء هيّن بالنسبة لما أصابهم من عقوبات قبل ذلك، على أيدي البابليّين والرومان وغيرهم؛ لأن ما أصابهم في العهد النبويّ كان عدلاً، وكان يختلف من موقف إلى آخر، وكان في الوقت ذاته ينطبق على الجزء الخاص الذي يستحق ذلك ممن يسكن الجزيرة من اليهود -كما سيأتي- بينما العقوبات التي نزلت بهم قبل ذلك، على أيدي البابليّن والرّومان -مثلاً- كانت لليهود الذين كانوا متجمّعين في منطقة واحدة، هي أرض الشام!
ثم إن العقوبات التي أنزلها المسلمون بهم في صدر الإِسلام، كانت في أوقات متفرّقة، وكانت على قدر إساءة المسيء منهم!
ومن هذا ترى أن ما قام به اليهود من إفساد وفي المرّة الأولى ينطبق على الدور الذي قاموا به قبل الإِسلام، وأن العباد الذين سلّطهم الله عليهم لإذلالهم بسبب فسادهم وإفسادهم كانوا أيضاً قبل الإِسلام!
стр. 1682
رابعاً: جزم بأن المعاقبين لليهود في المرّة الأولى لا تنطبق أوصافهم إلا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم الذين يستحقون شرف هذه النسبة .. وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار، أما أتباع (بخت نصر) فقد ذكروا أنه قتل على دم زكريّا وحده سبعين ألفاً .. فهو اجتياح وليس جوساً!
ونحن نخالفه في ذلك لأمور، أهمها:
أ- أن الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم عباد الله تعالى، والذين سلّطهم الله على بني إسرائيل لإذلالهم بعد إفسادهم الأوّل هم عباد لله مع كفرهم!
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى:
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ (الزمر)!
ففي هذه الآية نسب الله تعالى العباد إلى نفسه بصيغة العموم التي تشمل مؤمنهم وكافرهم، وهناك آيات أخرى نسب الله فيها العباد جميعاً إلى ذاته، سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين! (١)
ب- يقول: وهم الذين لم يكلّفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار .. ولم يبيّن لنا معنى الجوس عنده، إلا أن الذي يفهم من كلامه أن الجوس -في رأيه- معناه التردّد بين الدور والمساكن بدون قتال يُذكر!
وهذا التفسير للجوس -في رأينا- يأباه سياق الآيات، ومخالف للمشهور عن أئمّة التفسير واللغة!
стр. 1683
أمّا أنه يأباه سياق الآيات، فلأن الآية تذكر أن فساداً كبيراً، وطغياناً عظيماً يقع من بني إسرائيل في المرّة الأولى من مرّتي إفسادهم، وأنهم بعد ذلك يؤدّبون على إفسادهم، بأن يبعث الله عليهم عباداً له أقوياء، وقد بيّن الله تعالى مهمّة هؤلاء العباد فقال: ﴿فَجَاسوا خِلالَ الدّيَارِ﴾!
أي فتردّدوا بين مساكنكم يا بني إسرائيل، لقتلكم ولسلب أموالكم، ولتخريب دياركم، وهذا ينطبق على ما نزل باليهود من عقوبات عامّة مدمّرة قبل الإِسلام، على يد البابليّين، والرومان وغيرهم، ولا ينطبق على العقوبات التي أنزلها المسلمون بهم في العهد النبويّ؛ لأنها كانت عقوبات تتّسم بالعدالة -كما هو معلوم- إذ لم تتناول إلا مَن يستحقّها منهم!
وأمّا أنه مخالف للمشهور عن أئمّة التفسير واللغة في معنى الجوس، فإليك الدليل:
١ - قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى جاسوا: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان:
ومنّا الذي لاقى بسيف محمَّد ... فجاس به الأعداء عُرض العسكر
قال: وجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الدّيار، فقتلوهم ذاهبين وجائيين! (١)
قال القرطبي: فجمع بين قول أهل اللغة! (٢)
стр. 1684
٢ - وقال صاحب الكشاف: وأسند الجوس -وهو التردّد خلال الدّيار بالفساد- إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم! (١)
٣ - وقال البيضاوي: ﴿فَجَاسُوا﴾! تردّدوا لطلبكم ﴿خِلالَ الدِّيَارِ﴾! وسطها للقتل والغارة، فقتلوا كبارهم، وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخرَّبوا المسجد! (٢)
٤ - وقال ابن منظور: الجوس مصدر عباس جوساً وجوَساناً: تردّد، وفي التنزيل العزيز:
﴿فَجَاسوا خِلالَ الدّيَارِ﴾!
أي تردّدوا بينها للغارة، وهو الجوسان!
وقال القراء: قتلوكم بين بيوتكم!
وقال الزجاج: أي فطافوا في خلال الدّيار ينظرون، هل بقي أحد لم يقتلوه؟ (٣)
وبهذا يتبيَّن أن الجوس معناه هنا التردّد للقتل والإفساد!
ثم على فرض التسليم برأيه في معنى الجوس، لنا أن نتساءل: هل المسلمون لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الدّيار؟!
الذي يبدو أن المسلمين كلفهم تأديب اليهود أكثر من ذلك؛ لأنهم بالنسبة
стр. 1685
لبني قينقاع -كما سيأتي- حاصروهم بضعة عشر يوماً، وأجلوهم عن المدينة بعد مفاوضات ومجادلات!
وبالنسبة لبني النضير حاصرهم المسلمون -كما سيأتي- حتى اضطرّوهم إلى الجلاء عن المدينة!
وبالنسبة لبني قريظة حاصرهم المسلمون -كما سيأتي- ثم قتلوا المقاتلين!
وبالنسبة ليهود خيبر دارت معارك ضارية -كما سيأتي- انتهت بالقضاء عليهم عسكرياً!
فتأديب اليهود كلّف المسلمين أكثر من جوس الديار بالمعنى الذي يراه!
جـ- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾!
يفيد أن المسجد يؤخذ من أيدي اليهود عنوة، ومن يأخذه يخربه ويهدمه، وهذه الأوصاف والأعمال تنطبق على البابليّين والرّومان وغيرهم؛ لأنهم عندما دخلوا أورشليم قبل الإِسلام دمّروها وهدموا هيكلها!
أما المسلمون فإنهم عندما فتحوا فلسطين -كما سيأتي- في عهد عمر بن الخطاب ﵁ سنة ١٥ هـ ٦٣٦ م، لم يكن لليهود أثر فيها، ولم يأخذوا المسجد الأقصى منهم، وإنما أخذوه من النصارى، وهم الرومان يومئذ، الذين كانوا قد استولوا على بلاد الشام مئات السنين، ثم بعد أن دخلوا أزالوا معالم الوثنيّة والشرك، وطهّروه للعابدين، ولم يحصل من المسلمين تخريب أو تدمير لمسجد أو غيره من بلاد الله كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾!
وإذن فالعباد الذين سلّطهم الله علي بني إسرائيل بعد إفسادهم الأوّل في
стр. 1686
الأرض، تنطبق أوصافهم وأعمالهم وعقوباتهم المدمّرة لبني إسرائيل على العباد الذين أذلوهم قبل الإِسلام، كالبابليّن والرّومان، ولا تنطبق على أصحاب رسول الله ﷺ -كما قال!
خامساً: تحدّث تحت عنوان: (ردّ الكرة)!، فقال: قال تعالى:
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾!
ردّت ليهود الكرّة علينا بعد ألف وثلائمائة ونيّف وسبعين من تأديب الله لهم، منذ بعث عليهم عباده المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ فجاسوا خلال الديار ... إلخ!
ونحن لا نوافقه لأمور منها:
أ- أن قوله تعالى: ﴿ثمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! يفيد أنه حسنت حالهم، وتركوا ما هم عليه من فساد وإفساد، حتى ردّ الله لهم الكرّة على عدوّهم، وتلك سنّة الله في خلقه، ينصر من تاب إليه وأناب، وهذا المعنى الذي تفيده الآية لا يمكن أن يوسف به اليهود في عصرنا؛ إذ هم مازالوا على فسادهم وإفسادهم وكفرهم وطغيانهم، ولكن يمكن أن توصف به القلّة المؤمنة التي أطاعت طالوت وقاتلت معه -كما أسلفنا-، وأيّدت داود ﵇ وناصرته، وقالت عندما برزت لجالوت وجنوده: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ ... " (البقرة: ٢٥١)!
وإذن فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! أكثر ما يكون انطباقاً على بني إسرائيل الذين قاتلوا مع طالوت بعزيمة صادقة، وإيمان راسخ، وصبر جميل، ولهذا نصرهم الله على أعدائهم!
стр. 1687
ب- ما قاله من أن اليهود ردّت لهم الكرّة علينا، وأمدّوا بثلاث، ما أمدّوا في تاريخهم بمثلها!
بأموال تتدفَّق عليهم من أقطار الأرض!
وبنين مهاجرين ومقاتلين!
وكثرة الناصر لهم ... إلخ!
ينطبق على حالهم في عهد داود ﵇ -كما أسلفنا- لأنهم في ذلك العهد أمدّهم الله بالأموال الكثيرة، والبنين، وصاروا أكثر عدداً من أعدائهم، ولعلّنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا: إن عهد حكم داود وسليمان ﵉ لبني إسرائيل هو العهد الذهبي الوحيد لهم طول حياتهم!
أمّا ما جاء بعد ذلك من تاريخ بني إسرائيل إلى وقتنا الحاضر، فما هو إلا سلسلة من المآسي والنكبات -كما عرفنا وكما سيجيء- وسيستمر احتقار العالم لهم، وكرهه إيّاهم، وانتقامه منهم إلى يوم القيامة، وإن بدا في عصرنا هذا أنه متعاطف معهم ومساند لباطلهم، وذلك بسبب أنانيتهم وسعيهم في الأرض فساداً، وقد صرح القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُم سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف: ١٦٧)!
هذا، وإن اليهود مهما أمدّوا وأُعينوا من دول الكفر الكبرى فهم ليسوا أكثر أبناء ولا نفيراً منا نحن المسلمين، وليسوا أيضاً أكثر أموالاً منا إذا وازنا بين ما نملكه
стр. 1688
من ثروات فوق الأرض وتحتها، ومن قدرة على العمل الذي يجلب المال بحكم كثرة العدد، لو أحسنا التصرّف فيما نملك!
وعندما يطبق المسلمون تعاليم الإِسلام تطبيقاً كاملاً، ويؤدّون رسالتهم في الحياة كما أمرهم الله، ويحسّون الشعور بالمسؤوليّة، ويراقبون الله في كل تصرّفاتهم، عندما ما يكونون كذلك يفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض!
سادساً: يقول: وقد قرّر سبحانه أنه سيجمعهم ألفافاً لنبيدهم، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾!
ويبدو بوضوح أنه يفسر ﴿الآخِرَةِ﴾ هنا بمعنى المرّة الآخرة من مرّتي إفسادهم .. وهو مخالف لأقوال المفسّرين.
قال ابن جرير: (١) فإذا جاءت الساعة، وهي وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً!
يقول: حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفاً: أي مختلطين، قد التفّ بعضكم ببعض، لا تتعارفون، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيّه!
وقال القرطبي: (٢) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾! أي القيامة: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾!
أي من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر لا يتعارفون!
وقال صاحب الكشاف: (٣) ﴿فإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَة﴾! يعني قيام الساعة!
стр. 1689
﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾! جميعاً مختلطين إيّاكم وإيّاهم، ثم يحكم بينكم، ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم!
وقال القاسمي: (١) أي قيام الساعة!
سابعاً: يقول في صدر مقاله: وأبادر فأطمئن الذين يهولهم هذا التخريج فيروله مخالفاً للمأثور والمعروف من أقوال المفسّرين إلى أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء، وإلى أن المأثور عن بعض الصحابة مضطرب لا تقوم به حجة، وإلى أن الأمر لا يعدو أن يكون تاريخاً أو تأويلاً، لا يقال في مخالفته إنه تحريف للكلم عن مواضعه!
وهذا القول نردّ عليه -أولاً- بأنه خروج عن ظاهر القرآن، بل عن صريحه الذي لا يمكن للمتأمل أن يفهم غيره، وهو أن المراد من الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾!
هو التوراة، لا القرآن الكريم .. وهذا -كما سبق- هو قول جمهور المفسّرين!
والخروج عن النصوص الصريحة يعد مجافاة للحق، ولا ينبغي للمسلم أن يتجاوز مدلول الألفاظ القرآنيّة ويخرج عما تقتضيه معانيها!
ونردّ عليه- ثانياً- بأن ذلك لا يساعد عليه التاريخ الصحيح -كما أسلفنا-، فإذا ضممنا إلى ذلك أن الآيات تفيد أن ردّ الكرة لليهود يكون نتيجة صلاح في الدين، وإحسان في العمل، وتوبة من الآثام .. كان استيلاء اليهود اليوم على فلسطين نتيجة لذلك!
стр. 1690
وهذا كله يناقض الواقع الذي نلمسه بأيدينا، من حيث فسادهم وإفسادهم واعتداؤهم وطغيانهم!
وعلينا أن نجتمع على العقيدة ونمكّن لدين الله في الحياة حتى ينصرنا الله!
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: ٥)!
فتح المسلمين للقدس:
ونجد أنفسنا أمام فتح المسلمين للقدس؛ لأنها حرم مقّدس، ربط القرآن الكريم بينها وبين الحرم المكّي -كما عرفنا- في قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾!
وهي في الدين والعقيدة أولى القبلتين، وثالث الحرمين، وحرمها مع الحرمين: المكّي والمدني يمثلون المساجد الثلاثة التي تنفرد بشد الرحال للصلاة فيها!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ : "لا تشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى". (١)
وسبق أن عرفنا فضل الصلاة في هذه المساجد .. !
стр. 1691
وقد حرص المسلمون على فتحه سلمًا وصلحاً، وقد تسلّم مفاتيحه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وسار على هذه السنة صلاح الدّين الأيوبي عندما استردّها من الصليبيّين (٥٨٣ هـ - ١١٨٧ م) بعد ما يقرب من تسعين عاماً، وانتهكوا حرمتها وقدسيّتها! (١)
وكانت القدس -على مرّ تاريخ الصّراع بين الغرب الصّليبي والشرق الإِسلامي- رمز هذا الصّراع، وبوابة الانتصارات .. حتى لقد لخّص الشاعر العماد الكاتب (٥١٩ - ٥٩٧ هـ/ ١١٢٥ - ١٢٥١ م) هذه الحقيقة من حقائق إستراتيجية هذا الصراع عندما قال لصلاح الدّين الأيوبي:
وهيّجت للبيت المقدّس لوعة ... يطول بها منه إِليك التشوّق
هو البيت إِن تفتحه والله فاعل ... فما بعده باب من الشام مغلق
القدس الشريف:
ولقد حرص المسلمون عندما حرّروا القدس (١٥ هـ/ ٦٣٦ م) من الاستعمار الرّومانيّ .. الذي دام عشرة قرون -على أن يكون اسمها عنواناً على قداستها وقدسيتها اسم (القدس)، و (القدس الشريف) و (الحرم القدسي)، كما حرصوا على أن تكون السلطة الإِسلاميّة هي الضمان الوحيد لذلك .. فلم تحتكرها للإسلام، كما احتكرها الرومان لأنفسهم -عندما كانوا وثنيّن-
стр. 1692
ولمذهبهم النصراني- عندما تنصّروا- وكما احتكرها الصليبيون الكاثوليك- إبان الاحتلال الصليبي .. وكما يحتكرها اليهود ويهوّدونها هذه الأيام!
وكما شأن العقيدة الإِسلاميّة التي تفرّدت وتميّزت وامتازت بالاعتراف بالآخرين .. وبحماية مقدّساتهم!
خطبة الفاروق ﵁ -:
وحسبنا أن نذكر خطبة الفاروق عمر ﵁، في المجموع المحتشدة بإيلياء
فقال:
"يا أهل اللياء، لكم ما لنا وعليكم ما علينا".
ثم دعاه البطريرك صفرونيوس لتفقد (كنيسة القيامة) فلبّى دعوته، وأدركته الصلاة، وهو فيها، فالتفت إلى البطريرك وقال له: (أين أصلِّي؟) فقال: مكانك صلّ، فقال: ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة، فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون: هنا صلى عمر، ويبنون عليه مسجداً!!)
وابتعد عنها رمية حجر، وفرش عباءته، وصلى، وجاء المسلمون من بعده، وبنوا على مصلاه مسجداً، وهو قائم على رمية حجر من كنيسة القيامة إلى يومنا هذا!
العهدة العمرية:
وأعطى أمير المؤمنين عمر ﵁ هؤلاء الروم وثيقة أمان، عرفت بالعهدة العمريّة، وهي لم تزل محفوظة في بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس الشريف، وهذا نصّها:
стр. 1693
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان:
أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم: سقيمها وبريئها وسائر ملّتها، إنه لا تسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من خيرها, ولا من صلبهم، ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولايضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود!
وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية، كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية!
ومن أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، فمن شاء منهم قعد، وعليهم مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الرّوم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتّى يحصدوا حصادهم!
وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمّة رسوله، وذمّة الخلفاء، وذمّة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية!
شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان)! (١)
ونلاحظ النص على منع اليهود من السكن في إيلياء، بناء على طلب
стр. 1694
البطريرك؛ لأن المسلمين حين فتحوا بيت المقدس لم يجدوا فيها أحداً من اليهود، والنصارى قد حرّموا عليهم العيش في المدينة المقدّسة تخلّصاً من مؤامراتهم ودسائسهم!
أساطير التعصّب والحروب:
ومعلوم أن أساطير التعصّب الصليبي هي التي دفعت البابا الذهبي (أوريان الثاني ١٠٨٨ - ١٠٩٩ م) لتغليف الأطماع الاستعمارية بالأساطير اللاّهوتيّة .. فخطب في أمراء الإقطاع الأوروبّيين - بمدينة (كليرمونت) بجنوبي فرنسا ١٠٩٥ م مفتتحاً قرنين من الحروب الصليبية (٤٨٩ - ٦٩٠ هـ / ١٠٩٦ - ١٢٩١ م) ضد الإِسلام وأمّته وحضارته، فقال:
يا من كنتم لصوصاً كونوا اليوم جنوداً! لقد آن الزمان الذي فيه تحوّلون ضدّ الإِسلام تلك الأسلحة التي أنتم الآن تستخدمونها ضد بعضكم بعضاً .. فالحرب المقدّسة المعتمدة الآن .. هي (في حق الله عينه) .. وليست هي لاكتساب مدينة واحدة .. بل هي أقاليم آسيا بجملتها، مع غناها وخزائنها العديمة الإحصاء!
فاتخذوا محجة القبر المقدّس، وخلّصوا الأراضي المقدسة أيادي المختلسين، وأنتم املكوها لذواتكم، فهذه الأرض -حسب ألفاظ التوراة- تفيض لبنًا وعسلاً .. ومدينة (أورشليم) هي قطب الأرض المذكورة، والأمكنة المخصبة المشابهة فردوساً سماوياً!
اذهبوا وحاربوا البربر (يقصد المسلمين!) لتخليص الأراضي المقدّسة
стр. 1695
من استيلائهم - امضوا متسلّحين بسيف مفاتيحي البطرسيّة (أي مفاتيح الجنّة التي صنعها لهم البابا) واكتسبوا بها لذواتكم خزائن المكافآت السماويّة الأبديّة، فإذا أنتم انتصرتم على أعدائكم، فالملك الشرقيّ يكون لكم قسماً وميراثاً!
وهذا هو الحين الذي فيه أنتم تغدون عن كثرة الاغتصابات التي مارستموها عدواناً، من حيث إنكم صبغتم أيديكم بالدم ظلماً، فاغسلوها بدعم غير المؤمنين. (١)
وعندما اقتحمت الجيوش الصليبية يومئذ - مدينة القدس (٤٩٢ هـ - ١٥٩٩ م) أبادوا جميع من بها من المسلمين- ومعهم اليهود -بالقتل والذبح والحرق .. حتى الذين احتموا بمسجد عمر -قبّة الصخرة- ذبحهم الصليبيون في المسجد، حتى تحوّل المسجد إلى بحر من الدماء! .. وبعبارة صاحب (حرب الصليب):
إن الصليبيين -خيّالة ومشاة- قد دخلوا المسجد المذكور، وأبادوا بحدّ السيف كل الموجودين هناك، حتى الجامع من الدم بحراً متموّجاً، علا إلى حدّ الركب، بل إلى لجم الخيل!!
ولما حلّ المساء تدافع الصليبيون يبكون من فرط الضحك!! بعد أن أتوا المسيح، فأخذ في غسل يديه تخلصاً من الدماء اللاصقة بها، مردداً المزمور التالي:
стр. 1696
(يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم، فيقول الناس: حقاً إن للصديق مكافأة، وإن في الأرض إلهاً يقضي: المزمور: ٥٨: ١٠ - ١١) ثم أخذ في أداء القداس قائلاً: إنه لم يتقدّم في حياته للرب بأي قربان أعظم من ذلك ليرضى الرب). (١)
هكذا بدأت الأساطير النصرانيّة حول القدس .. وهكذا وضعها الصليبيّون في الممارسة والتطبيق!
وهذه الأساطير النصرانيّة هي التي وضعت (كريستوفر كولومبس) (١٤٥١ - ١٥٠٦ م) بعد هزيمة الحملات الصليبيّة في الشرق، وعقب نجاح الصليبيين في إسقاط غرناطة في يناير سنة ١٤٩٢ م إلى أن يسعى إلى القيام بغزوة صليبيّة جديدة -يعيد بها اختطاف القدس من الإِسلام والمسلمين، فكتب إلى ملك إسبانيا (فرديناندز) (١٤٧٩ - ١٥١٦ م)، و (إيزابيلا) (١٤٧٤ - ١٥٠٤ م) يقول: إن هدفه هو العثور على الذهب بكميات كبيرة، حتى يتسنّى للملكين أن يفتحا الديار المقدّسة خلال ثلاث سنوات .. فقد أعلنت لسموّكما أن كل المغانم التي سيدرها مشروعي هذا سوف تنفق على فتح القدس، وقد ابتسمتما -يا صاحبي الجلالة- وقلتما: إن ذلك يسركما! (٢)
وفي رسالة ثانية تحدث (كولمبس) إلى ملك إسبانيا عن أن هدف حياته ومشاريعه رحلاته هو تجهيز حملة صليبيّة لإعادة القدس إلى الكنيسة الكاثوليكية فقال:
стр. 1697
لقد مكثت في بلاطكم سبعة أعوام مناقشة هذا الأمر مع العديد من الرجال .. ولهذا فيجب علينا أن نؤمن بأن أمر القيام بحملة صليبيّة لاستعادة مدينة القدس، لهو أمر سوف يتحقّق بالفعل .. لقد قال به يسوع المسيح المخلص، وذكره من قبل عبر رسالة القدّيسين!
لقد ذكر الكاردينال (بيير) الكثير عن نهاية المسلمين، كما أن الأب (يواقيم الفيوري) قد ذكر أن الشخص الذي سيقوم بإعادة بناء الضريح المقدس، فوق جبل صهيون بالقدس، سوف يخرج من إسبانيا .. فلتكونوا واثقين من إحراز النصر في مسألة استعادة الضريح المقدس ومدينة القدس إلى أحضان الكنيسة الكاثوليكية! (١)
تلك هي الأساطير النصرانيّة -حول القدس -كما أمر بها (كريستوفر كولمبس) - الذي ما نزال ندرّسه لأبنائنا في المدارس باعتباره من عظماء المستشكفين الجغرافيين!
ولقد أدخلت البروتستانتيّة (البعد اليهودي) إلى هذه الأساطير -المحرّكة لاختطاف القدس- وذلك عندما أصدر (مارتن لوثر) (١٤٨٣ - ١٥٤٦ م) سنة ١٥٢٣ م كتابه (المسيح يهودياً) وقال:
إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدّس عن طريق اليهود وحدهم، إن اليهود هم أبناء الله، ونحن الضيوف والغرباء، ولذلك فإن علينا أن نرضى أن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات مائدة أسيادها! (٢)
стр. 1698
ولقد أدخلت البروتستانتيّة إلى صميم العقيدة المسيحيّة ثلاثة مبادئ -هي ثلاث أساطير- دمجت البعد اليهوديّ في البعد النصراني إزاء قضيّة القدس وفلسطين .. وهذه (المبادئ - الأساطير) هي:
أولاً: إن اليهود هم أبناء الله وشعبه المختار!
ثانياً: إن ثمة ميثاقاً إلهياً يربط اليهود بالأرض المقدّسة بعودة المسيح بقيام دولة صهيون!
وهذه (المبادئ - الأساطير) هي التي أثمرت تيّار (المسيحيّة - الصهيونيّة) في الحضارة الغربيَّة .. ذلك التيّار الذي استغلّته الحركة الصهيونيّة في شراكتها مع الإمبراياليّة الغربيّة .. والذي قال عنه (بنيامين نتنياهو) عندما كان سفيراً للكيان الصهيوني بالأمم المتحدة - في خطابه أمام الجمعيّة العامة في فبراير سنة ١٩٨٥ م:
(إن كتابات المسيحيّين الصهيونيين -من الإِنجليز والأمريكان- أثرت بصورة مباشرة على تفكير قادة تاريخيين، مثل (لويد جورج - ١٨٦٣ - ١٩٤٥ م) و (آرثر بلفور - ١٨٤٨ - ١٩٣٥ م)، و (درو ولسون - ١٨٥٩ - ١٩٢٤ م) في مطلع القرن العشرين!
إن حكم اللقاء العظيم (عودة المسيح) أضاء شعلة خيال هؤلاء الرجال الذين لعبوا دوراً رئيساً في إرساء القواعد السياسيّة والدوليّة لإحياء الدولة اليهوديّة .. لقد تفجّر الحلم اليهودي من خلال المسيحيّن الصيهونيّين!) (١)
стр. 1699
ويطول بنا الحديث إذا حاولنا ذكر ما نقله المفكر الإِسلامي المعاصر الدكتور محمَّد عمارة في ذكر تلك الأساطير .. ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتابه القيم: (في فقه الصراع على القدس وفلسطين). (١)
قذائف الحق:
وإذا كان الأمر كذلك فإن علينا أن ندرس سيرة النبيّ ﷺ دراسة موضوعيّة -كما سبق- أن بيّنت كل ما يتصل بقضيّتنا مع اليهود في إذاعة القرآن الكريم من دولة الكويت صباحاً، وأذيعت في البرنامج العام مساء، طيلة سبعة أشهر كاملة!
ولقيت الأحاديث بفضل الله وتوفيقه ترحيبًا وتقديراً، مما دفعني إلى تقديمها للطبع في دار الوفاء بالمنصورة بعد المعاهدة المسمَّاة (كامب ديفيد)، اشتملت على الكتب التالية:
الأول: أسطورة الوطن اليهودي!
الثاني: مفتريات الفكر اليهودي!
الثالث: موقف اليهودي من الرسالة والرسول ﷺ !
الرابع: فساد الطبيعة اليهودية!
الخامس: التآمر اليهودي على حياة الرسول ﷺ .
السادس: اليهود والخيانة عبر تاريخهم!
стр. 1700
السابع: القضاء على اليهود عسكرياً!
الثامن: محاكمة اليهود ودورهم في انحطاط الأخلاق!
التاسع: هذا هو الخطر اليهودي!
العاشر: معالم النصر على اليهود في العصر الحاضر!
ونفدت الطبعة بسرعة، ومن ثمّ طلب الكثيرون إعادة الطبع تحت العنوان الذي قدّمتها فيه إلى إذاعة الكويت (الرسول ﷺ واليهود وجهاً لوجه: دراسة تحليليّة عبر التاريخ في ضوء الكتاب والسنة - ضرورية لكل مسلم)، وترجمتها إلى اللغات الأخرى، لأهميّة موضوعها!
وإذا كنا قد أبصرنا بعض أساطير التعصّب والحروب، فإن علينا أن نوقن بالواقع المقرّر الذي تجري به السنة، ويقتضيه الناموس، وهو غلبة الحق وزهوق الباطل (١)، والحق أصيل على الباطل العارض:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: ١٨)!
والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسّيّة حيّة متحرّكة، فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة، تقذف به على الباطل، فيشق دماغه!، فإذا هو زاهق هالك ذاهب!
هذه هي السنة المقرّرة، فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود، والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلاً، طارئ لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الحق، ويقذف عليه فيدمغه، ولا بقاء لشيء يطارده الحق، ولا حياة لشيء تقذفه يد الحق فتدمغه!
стр. 1701
ولقد يخيّل للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العلم الخبير .. وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب -كما نرى ونشاهد الآن- وإن هي إلا فترة من الزمان، يمدّ الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء .. ثم تجري السنّة الأزليّة الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض، وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء!
والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده، وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه .. فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر، عرفوا أنها الفتنة، وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسّوا أن ربّهم يربّيهم ويريد أن يعدّهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يجتازون فترة الابتلاء .. وكلما سارعوا إلى العلاج قصّر الله عليهم فترة الابتلاء .. وحقّق على أيديهم ما يشاء .. أما العاقبة فهي مقررة:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾!
ونبصر الفجر قد أشرقت أنواره، وبدت مطالعه .. ونبصر قلوباً تتطلَّع إلى الخير، والمستقبل المليء بالخير .. ونحسّ بأننا نتطلّع إلى يوم النصر!
ويحدونا الأمل والبشر، ونحن نذكر قول الرسول ﷺ فيما يرويه أبو داود وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁: "إِن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل سنة من يجدّد لها دينها"! (١)
стр. 1702
ويزداد الأمل والبشر، ونحن نعيش في رحاب السيرة النبويّة، في هذه الدراسات التي تصنع أيدينا على معالم طريق النصر على اليهود وغيرهم .. كما تمعَّنا في أطيافها قرأنا شجناً، واستعرضنا جهاداً، وتبيَّنَّا استشهاداً، ولمسنا صدقاً، وأبصرنا يقيناً!
وهذه المعالم حين تستقرّ في الجَنان المؤمن، يستحيل أن تظلّ مجرد شعور وجداني في أعماق الضمير .. وإنما تندفع بصاحبها لتحقِّق ذاتها في عالم الواقع، ولتمثل حركة إبداعيّة في عالم المنظور، تبدع الحياة كلها، وما ينشأ عنها من أطياف:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ (البقرة)!
وإذا كنا قد أبصرنا كيف اقتحم جيشنا في العاشر من رمضان المعظم ١٣٩٣ هـ ٦ أكتوبر ١٩٧٣ م خط (بارليف) الذي كان أسطورة من أساطير الفنون الحربيّة في العصر الحديث، باعتباره سدًّا منيعاً لا تتخطاه الجيوش، ولا تنال منه أسلحة الهدم والتدمير -هكذا قال اليهود عن هذا الخط، وهكذا شهد خبراء الحرب في العالم بأنه إن لم يكن على هذا الوصف الخارق، فإنه قريب منه- إذا كنا قد أبصرنا ذلك فإننا يجب ألا ننسى شعار هذه الحرب -كما سبق أن قدمت في الجزء الأول من هذه الدراسات -وهو (الله أكبر) في قصيدة طويلة، ومن ثم فقد رأينا ما كان من إمدادات تفوق كل ما هو متوقّع تقف بجانب اليهود .. حتى لا تكون هزيمتهم؛ لأن هذا الاقتحام كان خطوة لإزالة ما رمتنا به من نكسة ١٩٦٧ م!
ورغم الضباب الذي لفّ القضيّة والمعركة، والقيل والقال، في شأن
стр. 1703
الدوافع الكامنة وراء ذلك. فإننا نؤمن بأن هذا الاقتحام كان بلا شك عملاً مميزاً جديراً بالوقوف أمامه طويلاً، وجديراً بأن نذكر الدرس والعبرة، حين رفع الجند شعار (الله أكبر)، هذا الشعار الذي يجب أن نجتمع حوله، ونرفعه عالياً، ونحمل أعناقنا على أكفّنا فداء وتضحية في سبيله:
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ ...﴾ (الروم: ٥)!
ونبصر معالم قضيّتنا مع أحفاد القردة والخنازير واضحة، يصوّرها الكتاب والسنة، وأنها ليست مجرّد صراع كما يدّعيه الغافلون، ويسمّيه العابثون، بل قذائف حق تدمغ الباطل!
- ونرى اليهود في العصر الحاضر قد تجمع منهم كثيرون في الأرض المقدسة:
- وهذا التجمع قد أفادنا، حيث تجمّعوا تحت راية عقيدتهم الباطلة، التي أصابها التزييف والتحريف والتخريف!
- وهذا يتطلّب مواجهتهم تحت راية الدّين الحق!
- ونبصر اليهود قد تملكوا أسباب القوّة والبطش كما يشهد الواقع الأليم!
- وهذا يتطلب ضرورة الأخذ بكل الأسباب الممكنة، والأمة الإِسلاميّة تملك القدرة على ذلك!
- ونبصرهم قد تجمّعوا من كل أنحاء الدنيا، ليتحقّق فيهم إذن الأمر الذي تحقّق منذ زمن، فبعث الله عليهم في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب:
стр. 1704
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ (الأعراب: ١٦٧)!
نبوءة النصر:
- وهنا تتحقَّق فيهم نبوءة النصر فيما يرويه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة، حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله"! (١)
وفي رواية عن عبد الله بن عُمر ﵄ قال: سمعت رسول
الله ﷺ يقول: "تقاتلكم اليهود، فتسلّطون عليهم، حتى يقول الحجر يا مسلم! هذا يهوديّ ورائي فاقتله" (٢)
وقال الشنقيطي (٣): لا وجه لتقييد شروح البخاري هذا النصر للمسلمين على اليهود، بكونه في زمان قتال اليهود -مع الدجال- للمسلمين، ومعهم عيسى بعد نزوله ﵇؛ إذ لا مانع من وقوع ذلك النصر مرّتين، فينصرون عليهم قبل نزول عيسى ﵇، ويستمرّ ذلك النصر عليهم إلى نزول عيسى: "حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله"!
стр. 1705
والتعبير بـ (حتى) في الحديث يدلّ على أن النصر لا يزال من حين قتالنا لليهود، حتى يقول الحجر ذلك القول، سواء كان قبل عيسى ﵇ أو في زمنه، والعقل قابل لكل ذلك، والإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ واجب، وهو في حديث الصحيحين هذا لم يقيّد بما بعد نزول عيسى ﵊ وحينئذ فهو شامل لما قبل نزوله وما بعده، حيث أراد الله ذلك إن شاء!
وذكر لفظ مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال (١): "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إِلا الغرقد، فإِنه من شجر اليهود"!
وفي هذا ظهور الآيات قبل قرب قيام الساعة، من كلام الجماد من شجر وحجر، وظاهره أن ذلك ينطق حقيقة، ولا مانع، ويحتمل المجاز بأن يكون المراد أنهم لا يفيدهم الاختبار وراء الشجر والحجر، والحمل على الحقيقة أولى! (٢)
قال ابن حجر: وفيه أن الإِسلام يبقى إلى يوم القيامة! (٣) ومن أراد المزيد فليرجع إلى معالم النصر على اليهود في العصر الحاضر من كتاب (الرسول ﷺ واليهود وجهاً لوجه: دراسة تحليليّة عبر التاريخ في ضوء الكتاب والسنة فهي ضرورية لكل مسلم. (٤)
стр. 1706
الأقصى بين الأمس واليوم
стр. 1707
الأقصى بين الأمس واليوم
• الأقصى ينادي
• شكوى
• جواب الشكوى
• فلسطين الدامية
• أخي
• ردّ على الشهيد
• نكبة فلسطين
• يا أمّتي وجب الكفاح
• يا قدس
• إلى القدس هيّا نشدّ الرحال
• فلسطين الغد الظاهر
• مناجاة في رحاب الأقصى
• ذبحوني من وريد لوريد
• اغضب لله
• مشاهد وعبر
стр. 1708
الأقصى بين الأمس واليوم
الأقصى ينادي:
هذا، والإِسلام حيويّة زاخرة، في روحانيّة باهرة .. وإنسانيّة سامية، في واقعيّة عاملة .. ومن ثم فهو دين ودنيا .. وتشترك في ذلك قوى الإنسان جميعاً، وتتعاون ملكاته كافّة، وتتكامل مواهبه عامّة، فإذا كل أولئك قائم في خدمة الإِسلام، ملحوظ بعنايته، مشارك في حمايته، مؤبّد برعايته .. وهو متجدد باق على الدهر!
وواقعنا كأمّة إسلاميّة يندى له الجبين .. ولا يختلف اثنان من العقلاء على ضرورة اليقظة من هذه الغفلة التي تعيشها الأمّة .. رجاء أن تعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهب نفحات القرن الأول، ويولد لـ (الدين القيم) عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد .. ويعود المسجد الأقصى المبارك إلى أيدي المسلمين!
المسجد الأقصى يئن بحرقة ... مسرى الرسول يهيب بالعبّاد!
لبّوا الندا إِن اليهود بساحتي ... فعلوا خسيس الفحش والإِفساد!
فليشهد التاريخ أنّا أمّة ... تحمي الحمى بعقيدة وجهاد!
стр. 1709
شكوى
ويطيب لي أن أقدّم هذه الشكوى للمفكر الإِسلامي المرحوم محمَّد إقبال (١) ... نراه في مطلع هذه الشكوى يصوّر أشجانه وآلامه، ثم يوجّه العتب المرير إلى النفس واستسلامها للمحن، ويقول:
لماذا أبقى بقاء الزهرة الخرساء، ولا أحلّق كالطير المغرّد .. ثم يستأذن .. وفي فمه التراب، ليعلن صرخة المسلمين، ويجأر بدعواتهم، ولم لا؟! وقيثارته مملوءة بالأنين والأشجان، تريد أن تنطلق على شفتيه بأنفاسه المتصاعدة!
ربّاه! إليك شكوى عبيدك الأوفياء الذين لم يتعوّدوا إلا إزجاء الحمد وترتيل الثناء!
لقد كانت الدنيا قبل هذا الدين الإِسلاميّ عالمًا من الظلام، تسوده الوثنيّة، وتحكمه الأصنام .. وفي بقاع هذا المعمور كانت سجدات الإنسان لا تعرف غير الأوثان .. ولم يكن الإنسان يعبد غير هذه التماثيل المنحوتة من الأحجار، والصور المصنوعة من الأشجار، وحارت فلسفة اليونان وتشريع الرومان، وضلّت حكمة الصّين في الفلوات، ولكنَّ ساعد المسلم القويّ اقتلع من الأرض شجرة الاتحاد، وأطلع على الإنسانيّة نورًا من التوحيد وظلًّا من الاتحاد!
ربّاه! لقد كانت بساتن هذا الكون بغير أنغام، وأزهارها خالية من العطر، وكان هواؤها دوي العاصفة، ونسيمها دمدمة الرعود، حتى إذا جاء
стр. 1710
رسول مكّة الأمّيّ علّم أهل الأرض حياة أهل السماء، ودلّ سكّان عالم الفناء على طريق عالم البقاء!
نحن الذين نشرنا في الأرض العبير، ومحونا آية الليل بآية الصبح المنير، أصبح إيماننا جنون عشق، فوجهنا الإنسانية بنورك في مثل كرة الطرف إلى معرفة الحق والنور والجمال!
لقد كانت الدنيا عامرة بشعوب وممالك، وكان بها السلجوقي والتوراني والصيني، وكان بها ملك ساسان وبقايا الرومان واليونان، فرفعنا علم التوحيد، وجمعنا أبناء البشر وأجياله أسرة مؤمنة بك موحّدة لك، أصلحنا الفاسد، وقوّمنا المعوجّ، وناضلنا في البر والبحر، وارتفع صوتنا بالأذان فوق معابد أوروبا، وارتسمت سجداتنا على رمال الصحراء في إفريقيا، لم نخش عسف الأكاسرة، ولا طغيان الجبابرة، ولا سلطان الأباطرة، وأسمعنا العالم كله كلمة التوحيد، وصليل السيوف المشرعات كان يدوّي مع الهاتفين "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القدّوس العزيز الحكيم"، لم نكن نحرص على الحياة، ولكن كنا نجاهد من أجل دينك ليحيا إلى الأبد في تفانينا، وما بعنا الأرواح لدنيا نشتريها، بل كنا نطوف حول الكرة، ورؤوسنا على أكفنا، لنجعل اسمك الأعلى مناراً، ونحن نحطم في تطوافنا الهياكل والأصنام، جاعلين فضتها ونضارها تراباً تحت الأقدام، ولو أن أقدام الأسود تزلزلت من هول الميادين، فلقد كانت أقدامنا على الشوك والنار لا تأذن لشمس النهار أن تغرب حتى يضيء لنا هلال الانتصار، لقد نقشنا توحيدك على كل قلب، والإيمان بك في كل ضمير، نرحّب بالحتوف، ونرى الجنّة تحت ظلال السيوف!
стр. 1711
من الذي جعل درعه يوم الجهاد باب خيبر؟
ومن الذي حمل مصباح الحق إلى مدينة قيصر؟
من قبلنا هدم التماثيل وقوض صرح الأباطيل؟
من الذي رد الكفَّار وأبطل عبادة النار؟
أما أيقظنا الكون الهاجع بصوت الأذان؟
ألم نقم الصلاة تحت الأسنّة في الميدان؟
حتى سجدت لك على الأرض الأوثان وسمع تكبيرنا في الجنة رضوان؟
لقد كانت وجوهنا إلى الكعبة، وعزائمنا إلى الميدان، وقلوبنا إليك، وصلّى بين يديك السوقة والأمير، والغني والفقير، ووقف محمود الغزوني الملك وخادمه إياز وجسماهما في الهند وقلباهما إلى الحجاز، كنا ندور
بكأس الإيمان في محفل الكون والمكان، لم نقف عند الصحارى والقفار، بل امتطينا النجائب من أمول البحار، حتى استضاءت النيّرات بوجوه مجاهدينا في بحر الظلمات، ومحونا الباطل من كتاب الدهر، وحررنا المستعبدين، وملأنا بجباهنا بيتك المعمور، وجعلنا لآياتك مصحفاً في الصدور!
إنّي لأرى في شعوب المدنيّة الزائفة من يجترئون على الخطايا، ويقتحمون حرم الفضائل والآداب، وفيهم سكارى الخمر، وسكارى الإلحاد، ولكن الدّنيا ترسل عليهم السحب أمطاراً، وتمطر أرضنا صواعق وناراً!
стр. 1712
نظرت إلى الأوثان والطواغيت، فإذا هي راقصة في ملاعب الأهواء، إنها ساخرة منا، وما أمرَ سخرية الأعداء!
أقول أَن المؤمنين قد انتثروا، وكاد المخلصون أن يندثروا, ولم تعد الصحراء ترى حدة القوافل ولا المتعبدين في المنازل!
ونحن لا نشكو أن فاضت خزائن الكفار بالنضار، ولكن الشكوى أن يصيبنا الفقر والقصور، حتى لا نجد للجنة صداق الحور، ولا ثمن القصور!
يا ربّ رحماك! هب لنا ما عودنا فضلك من نصر وتأييد، فقد دارت بنا الكواكب في أفلاكها دورة العكس .. إن قدرتك هي قدرتك، وما لفضلك حدّ، ولا لنعماك عد .. لو شئت أجريت النهر في الصحراء، أو رفعت الجبال من الماء!
لم يبق لنا يا ربِّ من ثروة سوى الفقر، ولا من قوّة سوى العجز .. إن ذهاب المسلمين من الدنيا هو ذهاب الدنيا بأسرها، وما نطلب البقاء فيها لحظة إلا للفناء في حبّك يا أرحم الراحمين!
لقد ذهب الأغيار بما كان في أيدينا، وبقيت قلوبنا عامرة بك، وما بقاء الدين إلا ببقاء أهله، والجام بما فيه لا يبقى بغير ساقيه!
ربّاه! .. أين محافل العشّاق؟
أين الذين توضؤوا للصباح بمدامع الأشواق؟
أين الذين اقتبست الشمس من وجوههم الإشراق؟
لقد مضى زجل المسبّحين، وخف أنين المستغفرين، وخلا ضمير الليل
стр. 1713
من دعوات المتبتّلين، وبكاء المصلّين، وهبوك قلوبهم يا ربّ!، وفازوا بأجر العاملين، وأصبحت الأرض بعدهم خالية، والديار خاوية، فكأنهم ما سلموا حين قدموا، أو كأنهم ما أقاموا بعد أن سلموا!
مَن لي بنور محمَّد ليكون مصباحي، حين أنقّب عن حفلهم المذاهب، ونورهم الغارب .. لا لا .. إنّي لن أصغي إلى أنّات قلبي المحزون، فما زال من الدنيا سحر ليلى ولا غرام قيس، وما برحت صحراء نجد مرتعاً للمها والغزال، ومبعثاً للهوى والدّلال، ولن يزول جمالها حتى تزول الجبال!
إن جمال أمة محمَّد لا يزال يجتذب قلوب الكون بإشراقه الساطع فأنقذنا من ظلمة هذا اليأس الميت!
ما زال في قلوبنا وفاء الصّدّيق، وعدل الفاروق، وفي كل قلب للقرآن مصحف عثمان، ولا زالت قلوبنا عامرة بتقوى عليّ، وسلمان، وصوت بلال في الأذان، لم نفقد الإيمان القويم، ولا قياس طرق التسليم!
أيقظنا يا رب! بصلصلة الجرس الأوّل، وأحينا بقانون الوفاء!
لقد أكملت الدين على قمّة فاران، وأنرت قلوب العاشقين بجذوة الإيمان, فأحرق متاع حب دنيانا بذلك الشرر من وميض محبتك!
لقد طرب أعداؤنا بين الجداول، وسكروا بالأنغام في ظل الخمائل، وهم في الأوطان، ونحن خارج البستان، فأرسل فراشك مرة أخرى يطف حول نار حبّك، ومر البرق القديم بإحراق القلوب الجامدة!
ربّ! اهد القلوب إلى قبلة الحجاز، وأعطها جناحاً من الإيمان لتعرف قوة الطيران!
стр. 1714
إن العبير حائر بين البراعم والأزهار، والألغام محتبسة في الأوتار، والطير في شوق إلى تجلّي أنوارك، وإقبال أسرارك!
ربّنا وأنت الحكيم القادر! احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، ألهم النملة الضعيفة حكمة الإيمان, حتى تضع يدها على ملك سليمان، وافتح العيون على ضياء الحق للعالمين، حتى نرى براهمة الهند مسلمين!
إن عطر الأزهار قد فاح بسر البستان، ونمت الصرخات عمّا في الوجدان!
أعد الطيور المغرّدة إلى أغصان الصنوبر، فقد فرّت من روضها إلا بلبلاً يحمل في قلبه ضجّة القيامة، وهول المحشر!
أعد الأوراق الذابلة إلى روضها الأخضر، وجدّد في المسلمين ظمأهم إلى حياض الكوثر!
يا ربِّ! إني بلبل تحررت من موسم نيسان لأرسل أنغامي طليقة بالشكوى، في مسمع الزمان، فاجعل ندائي قبساً من وحي الإيمان, إن خمري حجازيّة، وإن كنت أعجميّ الدّنان، ونغمي من الهند، ولكن صوتي من عدنان!
* * *
وإليك القصيدة:
شكواي أم نجواي في هذا الدّجى ... ونجوم ليلي حُسَّدي أم عُوَّدي
стр. 1715
أمسيت في الماضي أعيشُ كأنما ... قطعَ الزمانُ طريق أمسي عن غدي
والطير صادحةّ على أفنانها ... تُبكي الربى بأنينها المتجدّد
قد طال تسهيدي وطال نشيدها ... ومدامعي كالطلِّ في الغصن الندي
فإِلى متى صمتي كأني زهرة ... خرساء لم ترزق براعة منشدِ
* * *
قيثارتي مُلئت بأنات الجوى ... لابد للمكبوت من فيضانِ
صعدتْ إِلى شفتي بلابل مهجتي ... ليبين عنها منطقي ولساني
أنا ما تعديت القناعة والرضا ... لكنما هي قصة الأشجانِ
أشكو وفي فمي التراب وإِنما ... أشكو مصاب الدين للدَّيَّانِ
стр. 1716
يشكو لك اللهم قلب لم يعش ... إِلا لحمدِ علاك في الأكوان
* * *
قد كان هذا الكون قبل وجودنا ... روضًا وأزهاراً بغير شميمِ
والورد في الأكمام مجهول الشذى ... لا يُرتجي وردٌ بغير نسيمِ
بل كانت الأيام قبل وجودنا ... ليلاً لظالها وللمظلومِ
لما أطل (محمدٌ) زكت الربى ... واخضر في البستان كل هشيمِ
وأذاعت الفردوس مكنون الشذى ... فإِذا الورى في نضرةٍ ونعيمِ
* * *
من قام يهتف باسم ذاتك قبلنا ... من كان يدعو الواحد القهارا
عبدوا تماثيل الصخور وقدسوا ... من دونك الأحجار والأشجارا
стр. 1717
عبدوا الكواكب والنجوم جهالةً ... لم يبلغوا من هديها أنوارا
هل أَعلن التوحيد داعٍ قبلنا ... وهدى الشعوب إِليك والأنظارا؟
كنا نقَدِّم للسيوف صدورنا ... لم نخش يوماً غاشماً جبارا
* * *
قد كان في اليونان فلسفةٌ وفي الـ ... رومان مدرسةٌ وكان المُلكُ في ساسان
لم تغن عنهم قوةٌ أو ثروةٌ ... في المالِ أو في العلمِ والعِرفانِ
وبكل أرض (سامريٌ) ماكرٌ ... يكفي اليهود مؤونةَ الشيطانِ
والحكمة الأولى جرت وثنية ... في الصين أو في الهند أو تورانِ
نحن الذين بنور وحيك أوضحوا ... نهج الهدى ومعالم الإِيمانِ
* * *
стр. 1718
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسـ ... مك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالا في الجبال، وربما ... سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإِفربخ كان أذاننا ... قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس إِفريقيا ولا صحراؤها ... سجداتنا والأرض تقذف نارا
وكأن ظِل السيف ظِل حديقةٍ ... خضراء تُنبت حولنا الأزهارا
* * *
لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو ... نصب المنايا حولنا أسوارا
ندعو جهاراً لا إِله سوى الذي ... صنع الوجود وقدّر الأقدارا
ورؤوسنا يا رب فوق أكُفِّنا ... نرجو ثوابك مغنمًا وجوارا
стр. 1719
كنا نرى الأصنام من ذهب ... فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها ... كنزاً، وصاغ العلي والدينارا
* * *
كم زلزل الصخر الأشم فما وهي ... من بأسنا عزم ولا إِيمانُ
لو أن آساد العرين تفزَّعت ... لم يلق غير ثباتنا الميدان
وكأن نيران المدافع في صدو ... ر المؤمنين الروح والريحانُ
توحيدك الأعلى جعلنا نقشه ... نوراً تضيء بصُبحه الأزمانُ
فغدت صدور المؤمنين مصاحفاً ... في الكون مسطوراً بها القرآنُ
* * *
стр. 1720
من غيرنا هدم التماثيل التي ... كانت تقدسها جهالات الورى؟
حتى هوت صور المعابد سُجّداً ... لجلال من خلق الوجودَ وعموّرا
ومن الأُلى حملوا بعزم أكُفهم ... باب المدينة يوم غزوة خيبرا؟
أمّن رمى نار المجوس فأطفئت ... وأبان وجه الحق أبلج نيِّرا؟
ومن الذي بذل الحياة رخيصة ... ورأى رضاك أعز شيْءٍ فاشترى؟
* * *
نحن الذين استيقظت بأذانهم ... دنيا الخليقة من تهاويل الكرى
نحن الذين إِذا دُعُوا لصلاتهم ... والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إِلى الحجاز وكبّروا ... في مسمع الروح الأمين فكبرا