← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ثانياً: صرّح بعض المفسّرين بأن الأعداء الذين أخرجوا بني إسرائيل من ديارهم وأبنائهم هم قوم (جالوت)، وأنهم كانوا قد غلبوا بني إسرائيل، وقتلوا عدداً كبيراً منهم، وذلك قبل أن تعود الكرّة لبني إسرائيل عليهم بقيادة (طالوت)! قال الآلوسي: وكان سبب طلب بني إسرائيل من نبيّهم أن يبعث الله لهم ملكاً ليقاتلوا في سبيل الله، أن أعداءهم وهم العمالقة قوم (جالوت) ظهروا عليهم، وتغلّبوا على كثير من بلادهم، وضربوا عليهم الجزية! (١) ثالثاً: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! صريح في أن الله تعالى نصر بني إسرائيل بعد أن تابوا وأنابوا على أعدائهم الذين قهروهم وأذلّوهم وجاسوا خلال ديارهم! وهذا المعنى ينطبق على ما قصّه القرآن الكريم علينا من أن بني إسرائيل بقيادة (طالوت) قد انتصروا على (جالوت) وجنوده، ومن أن داود قتل (جالوت)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾! ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبني إسرائيل؛ لأنه أتاهم بعد ما أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار (طالوت) ملكاً عليهم، وبعد أن قاتل مع (طالوت) عدد قليل منهم .. ولا شك أن هذا النصر في هذه الحالة أدعى لطاعة الله تعالى وشكره على آلائه!

стр. 1647

رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾! أكثر ما يكون انطباقاً على عهد حكم (داود) و (سليمان) ﵉ لبني إسرائيل، ففي هذا العهد الذي دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعزّ سلطانهم، وأمدّهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم قوة وعدداً! أمّا بعد هذا العصر الذهبي -كما أسلفنا- فقد انقسمت مملكتهم إلى قسمين: مملكة يهوذا! ومملكة إسرائيل! واستمرّتا في صراع ونزاع وتدهور، حتى قضى الآشوريون على مملكة إسرائيل سنة ٧٢١ ق. م، وقضى (بخت نصر) على مملكة (يهوذا) سنة ٥٨٨ ق. م! وتاريخهم بعد ذلك ما هو إلا سلسلة من المآسي والنكبات والعقوبات التي حلّت بهم من الشعوب المختلفة في شتّى مراحل التاريخ، بسبب فسادهم وإفسادهم في الأرض! وأمّا المراد بالعباد الذين سلّطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الثاني في الأرض، فيرى جمهور المفسّرين أنهم البابليّون بقيادة (بخت نصر) .. الذي غزاهم ثلاث مرات: الأولى: سنة ٦٠٦ ق. م والثانية: سنة ٥٩٩ ق. م والثالثة: سنة ٥٨٨ ق. م

стр. 1648

وفي هذه المرّة الثالثة قتل الآلاف منهم، وهدم هيكلهم، وساق الأحياء أسارى إلى بابل! وهذا الرأي الذي قاله جمهور المفسّرين ليس ببعيد، لما ذكرنا من تنكيله بهم .. إلا أننا نؤثر على هذا الرأي أن يكون المسلّط عليهم بعد إفسادهم الثاني، هم الرومان بقيادة (تيطس) لأمور، أهمها: أولاً: الذي يتتبَّع التاريخ يرى أن رذائل بني إسرائيل في الفترة التي سبقت تنكيل الرومان بهم أشدّ وأكبر من رذائلهم التي سبقت (بخت نصر) لهم، وبالتالي كان تسليط الرومان عليهم أنكى وأقسى، فهم -على سبيل المثال- قبيل بطش الرومان بهم بقيادة (تيطس) كانوا قد قتلوا من أنبياء الله (زكريا) و (يحيى) ﵉-كما أسلفنا- وحاولوا قتل (عيسى) ﵇ واتخذوا لذلك كل السبل، ولكنهم لم يفلحوا لأسباب خارجة عن إرادتهم، وكانت الرذائل والمنكرات قد فشت فيهم، مما أدّى إلى لعنهم بسبب ذلك! ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (المائدة)! فكانت ضربات الرومان القاصمة لهم، والهادمة لكيانهم، عقاباً مناسباً من الحق ﵎، نتيجة عصيانهم لأوامره، واعتدائهم على خلقه، وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه! ثانياً: المفسرون يذكرون أن تسليط الله عليهم (بخت نصر) في المرّة الثانية من مرّتي إفسادهم، كان من أسبابه قتلهم لـ (يحيى) ﵇، و (بخت

стр. 1649

نصر) كان سابقاً على (يحيى) ﵇ في الزمن بأكثر من خمسة قرون، والذين كانت أورشليم تحت سيطرتهم في عهد (يحيى) ﵇ هم الرومان وقد قتل بنو إسرائيل (زكريّا) و (يحيى) ﵉ في عهدهم كذلك! وإذن فما ذكره المفسّرون من أن الله تعالى سلّط عليهم (بخت نصر) بعد إفسادهم بسبب قتلهم (يحيى) ﵇ ينطبق على عهد الرومان؛ لأنه كان معاصراً لهم .. ولا ينطبق على عهد (بخت نصر)؛ لأنه قبل (يحيى) ﵇ بأكثر من خمسة قرون كما ذكرنا! ثالثاً: ضربات الرومان في ذاتها كانت أشدّ وأقسى على بني إسرائيل من ضربات (بخت نصر) لهم، فمثلاً عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة (تيطس) بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير -كما يقول المؤرخون (١) - بينما عدد القتلى والأسرى على يد (بخت نصر) كان أقل من هذا العدد بكثير، ولقد وصف المؤرّخون النكبة التي أوقعها (تيطس) باليهود بأوصاف تفوق بكثير ما وصفوا به ما أوقعه بخت نصر بهم! يقول أحد الكتّاب واصفاً ما حلّ على يد تيطس: كان (تيطس) في الثلاثين من عمره، حينما وقف سنة ٧٠ م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، وبدأت المدينة تعاني أهوال الحصار، وتقاسي في الوقت نفسه هولًا أكبر، هو هول الحرب الأهليّة، فقد احتلّ المتعصّبون والمتطرّفون ورجال العصابات من اليهود أحياء المدينة، وأخذوا يشنّون هجمات وحشيّة على أحيائها الأخرى، حتى جرت الدماء في الطرقات، وسرت المجاعة

стр. 1650

اليهوديّة، فكانوا يخرجون على أيديهم وأرجلهم كما لأشباح الذّابلة، تسبقهم الشائعات بأنهم قد ابتلعوا ذهبهم في بطونهم، فكان الجنود يفتحون بطونهم بعد قتلهم بحثاً عن الذّهب .. وبعد أن اقتحم (تيطس) وجنده المدينة أصدر أمره إليهم أن احرقوا وانهبوا واقتلوا؛ فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم .. وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمّروه! نبوءة المسيح ﵇: وتحقّقت نبوءة المسيح ﵇ حين قال: (ستلقى هذه الأرض بؤساً وعنتاً، وسيحلّ الغضب على أهلها وسيسقطون صرعى على حدّ السيف، ويسيرون عبيداً إلى كل مصر وستطأ أورشليم الأقدام). (١) رابعاً: النكبة التي أنزلها الرومان بقيادة (تيطس) باليهود -من حيث آثارها- أشنع بكثير من النكبة التي أنزلها بهم (بخت نصر)؛ لأنهم بعد تنكيل (بخت نصر) بهم وسجنهم في أسره زهاء خمسين سنة، عادوا إلى أورشليم مرة أخرى بمساعدة (قورش) ملك الفرس، وبدأوا يتكاثرون من جديد .. أما بعد تنكيل الرومان بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزّقوا في الأرض شرّ ممزّق، وانقطع دابرهم كأمّة، وقضي على كيان مجتمعهم .. ولقد وصل بالرومان أنهم في سنة ١٣٥ م دمّروا أورشليم تدميراً تاماً، وحرقوا أرضها، وخلطوها بالملح، حتى لا ينبت بها الزرع، وأقام الإمبراطور الروماني (أدريانوس) مكان الهيكل اليهوديّ هيكلاً وثنياً باسم الإله المشترى -إذ لم تكن الكنيسة قد اعترف بها بعد، وبقي هذا

стр. 1651

الهيكل إلى أن قامت المسيحيّة في أورشليم، فدمّره المسيحيّون من أساسه في عهد الإمبراطور (قسطنطين)، وقد صرّح بهذا المعنى صاحب (تاريخ الإسرائيلين) حيث قال بعد وصفه لما أوقعه (تيطس) بهم: (١) (إلى هنا ينتهي تاريخ الإسرائيليين كأمّة، فإنهم بعد خراب أورشليم -كما تقدّم- تفرّقوا في جميع بلاد الله، وتاريخهم فيما بقي من العصور ملحق بتاريخ الممالك التي توطّنوا أو نزلوا فيها!). وإذن فما أنزل (تيطس) ومن بعده من الرومان باليهود يعتبر -في رأينا- أشدّ وأقسى في ذاته وفي آثاره، مما أنزله (بخت نصر) بهم، بل لعلنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا: إن ضربة (تيطس) الروماني هي أكبر عقوبة حلّت بهم منذ موت سليمان ﵇، حتى أواخر القرن الأوّل الميلادي! ولهذه الأسباب نرجّح أن يكون المراد بالعباد الذين سلّطهم الله على بني إسرائيل عقب إفسادهم الثاني في الأرض هم الرومان بقيادة (تيطس)! ومع ترجيحنا بأن المسلّط عليهم في المرّة الأولى (جالوت) وجنوده ... وفي المرّة الثانية الرومان بقيادة (تيطس) .. مع ترجينا لذلك .. نعود فنكرّر ما قلناه سابقاً من أن المقصود من الآيات الكريمة إنما هو بيان سنّة من سنن الله الكونيَّة في الأمم حال صلاحها وفسادها!

стр. 1652

رأي جديد: ونعود إلى تلك الآيات القرآنية التي تتحدّث عن مرّتي إفساد بني إسرائيل. نعود لنجد أقوال المفسرين تتفق على أمرين: الأوّل: أن مرّتي الإفساد في الأرض كانتا قبل الإِسلام! الثاني: أن العباد الذين سلّطهم الله عليهم -أيضاً- قبل الإِسلام! وخلاف المفسّرين إنما هو فيما سوى هذين الأمرين! وسبق أن ذكرنا أشهر أقوال المفسرين في ذلك! ولكن رأياً جديداً في تفسير الآيات القرآنيّة للشيخ عبد المعزّ عبد الستّار (١)، خالف فيه إجماع المفسّرين، نعرضه هنا بإيجاز، حيث ذهب إلى أن هاتين المرّتين لم تكونا قبل البعثة، وإنما هي في الإِسلام، وأن المرّة الأولى كانت على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه، والآخرة هي التي نحن فيها الآن! يقول: أطبق المفسّرون على أن ذلك الإفساد وقع منهم مرّتين في الماضي قبل الإِسلام، أيّام أن علوا وغلوا وقتلوا الأنبياء، وكذّبوا المرسلين، وإن اختلفت أقوالهم في ذلك اختلافاً كبيراً في تحديد نوع إفسادهم الأوّل وزمنه، والمسلّط عليهم، وكذلك في الثاني! والذي يعنيني أن أكشف عنه وأن أثبته في هذا أمران: الأول: أن هاتين المرّتين لم تكونا قبل البعثة، وإنما هما في الإِسلام!

стр. 1653

الثاني: أن المرّة الأولى كانت على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه، والآخرة هي التي نحن فيها الآن، والتي سنسوء فيها وجوههم، وندخل المسجد كما دخلناه ... إن شاء الله رب العالمين! وأبادر فأطمئن الذين قد يهولهم هذا التخريج، فيرونه مخالفاً للمأثور أو المعروف من أقوال المفسّرين، إلى أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء وإلى أن المأثور عن بعض الصحابة مضطرب لا تقوم به حجّة، وإلى أن الأمر لا يعدو أن يكون تاريخاً أو تأويلاً! لا يقال في مخالفته إنه تحريف للكلم عن مواضعه! وأعود لأثبت الأمر الأوّل فأقول: الحديث عن الإسراء تبشير وإنباء بمستقبل .. والثابت أن الإسراء وقع لرسول الله ﷺ وهو بمكّة قبل الهجرة، فإن سورة الإسراء أنزلت كذلك، فهي مكيّة، إلا آيات معلومات، وقد كان المسلمون يومئذ بمكّة مستضعفين في الأرض، يخافون أن يتخطّفهم الناس، فلم يكن لبني إسرائيل يومئذ صلة ولا بشأن مع المسلمين، ولم يكن لهم أثر بمكّة، ولا خطر يقتضي أن يتحدّث القرآن عنهم في سورة مكيّة بمثل هذا التفصيل! فما السرُّ في أن يخبر الله عند إسرائه برسوله ﷺ في آية واحدة أول السورة، ينقطع بعدها الحديث عن الإسراء جملة إلى آخرها، ويبدأ الحديث عن بني إسرائيل وما أنعم عليهم وعهد إليهم، وعن دور خطير يكون لهم؟! وما وجه المناسبة بين هذه الآيات والأحداث؟! السرُّ في ذلك أن الله يخبر عن الإسراء بمقدار ما يبشر به نبيّه،

стр. 1654

والمسلمين المضطهدين: بمكّة، المستضعفين في الأرض، بأن أمرهم سيمتدَّ ويعلو وشيكاً، حتى تدين لهم عاصمة الشرك، وعاصمة أهل الكتاب، فهو سبحانه يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)! لم يقل من مكّة إلى بيت المقدس، كما هو الحال؛ إذ الكعبة يومئذ لم تكن مسجداً، وإنّما كانت بيتاً تقوم حوله الأصنام، ويطوف به العائذون والمشركون، ولم يكن هيكل دولة داود وسليمان في دولة يهوذا وإسرائيل مسجداً، وإنما كان بيتاً يأكل بنو إسرائيل من حوله السحت، ويعيثون الفساد! ولكن الله أخبر عن هذا الإسراء بأنه انتقال من مسجد إلى مسجد، تبشيراً للمسلمين بأن أمرهم سيعلو ويتم، بحيث يصبح البلد الذي استضعفوا فيه وهانوا، وحلّت حرماتهم فيه مسجداً حراماً ودار أمن وإسلام .. ليس هذا فحسب، بل سيمتد نفوذه وضياؤه، بحيث يصل عاصمة أهل الكتاب، ويصبح هيكل داود وسليمان لهم مسجداً أقصى كذلك، فهم أولى له: ﴿إِن أَولِيَاؤهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (الأنفال: ٣٤)! وهنا يتضح الجواب، ويظهر وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ وبين آية الإسراء الأولى! فقد اتصل الحديث، وإن انتقل الكلام من الإنباء بمصير الهيكل إلى الإنباء عن مصير أهله!

стр. 1655

سورة بني إسرائيل: وبحق ما سمّيت سورة الإسراء سورة بني إسرائيل؛ فإنها أحق بهذه التسمية وأجدر؛ لأنها لم تتحدّث عن الإسراء إلا بمقدار ما بشرف بصيرورة الكعبة والهيكل للمسلمين حرماً ومسجداً، ثم اتصل الحديث ببني إسرائيل وخطبهم مع المسلمين بعد ذلك فقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ ! فإذا لاحظنا أن الله لم يخبر عن بني إسرائيل في سورة مكيّة إلا بمقدار ما تساق العبرة من مواقفهم من موسى وصاياه، وموقفهم من فرعون وجنوده، وأخبر عنهم في السور المدنية كثيراً، فسجّل لهم ضروباً من الفساد والإفساد، فأخبر عن نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وأخبر عن ظلمهم وصدهم عن سبيل الله كثيراً، وأخذهم الربا وقد نُهُوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأخبر عن اعتدائهم في السبت، وحذرهم الموت، وسكوتهم عن المنكر، واشتراءهم بآيات الله ثمناً قليلاً، وأخبر عن إخراجهم فريقاً من ديارهم، وقولهم ليس علينا في الأميّين سبيل ... إلخ! ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأَرضِ مَرَّتَينِ﴾: فإذا لاحظنا هُنا أن الله ينصّ على أنه قضى أنهم يفسدون في الأرض مرّتين، فإذا جاء وعد أولاهما كان كذا، وإذا جاء وعد الآخرة كان كذا ... دلّ على أن المرّتين غير ما سبق أن سجّل لهما، وأنهما يقعان في المستقبل، بالنسبة

стр. 1656

لمن أنزل عليه الكتاب ﷺ ؛ لأن الحديث من أوّله تبشير وإيحاء لمستقبل، فذلك من الأنباء بالغيب، والإخبار بما لم يقع، وإلا فهم قد أفسدوا من قبل .. فالمرّتان المعنيتان في الآية وقعتا بعد، وقد أكّد ذلك إعجاز القرآن وصدق ما جاء به محمَّد ﷺ ! أولاهما: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾! ... إلخ لا تنطبق هذه المرّة تمام الانطباق إلا على الدّور الذي قاموا به على عهد النبي ﷺ وأصحابه، وما عاقبهم الله به، وسلط عليهم فيه! فهم أفسدوا في الأرض، ونقضوا عهد الله ورسوله، وكان ﷺ قد عاهدهم أوّل ما وصل المدينة! (١) رغم هذه الرعاية والمصافاة والمواساة، انطلقوا بالبغي والمكر والفساد في الأرض، يشككون في شخص النبي ﷺ ونزاهته ورسالته، ويفتون المشركين أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً! ويفتحون دورهم وصدورهم لأعداء النبي ﷺ ، ويدلونهم على عورات المؤمنين، وبلغ من أمرهم أن همّوا بقتل الرسول ﷺ غير مرة -كما عرفنا- وهيَّجوا قريشاً وغطفان، حتى حاصروا المدينة، للقضاء على رسول الله ﷺ ودعوته وأتباعه، وانضموا لهم، ونقضوا عهد الله ورسوله في ساعة الشدة ويوم الأحزاب، فسلط عليهم عباده المؤمنين، فأجلوا بني قنقاع، وبني النضير،

стр. 1657

وقتلوا المقاتلين من بني قريظة، ثم فتحوا خيبر، ثم منَّ عليهم رسول الله ﷺ ، فاستبقاهم عملاء حتى أجلاهم عمر ﷺ في خلافته، وكان وعداً من الله للمؤمنين بالتمكن، وقد فعل، وهذه هي المرّة الأولى، لا تنطبق أوصافها إلا على أصحاب رسول الله ﷺ ! فهم الذين يستحقون شرف هذه النسبة ﴿عِبَادًا لَّنَا﴾ لأنهم الموحّدون أتباع عبده الذي أسرى به! أمّا أتباع (بخت نصر) أو غيره مما اضطربت فيه أقوال المفسّرين فقد كانوا عبّاد وثن، لا يستحقّون شرف الاختصاص بالله في قوله ﴿لّنَا﴾! وهم الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩)! وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا كما قال: ﴿فَجَاسوا خِلالَ الدِّيَار﴾! أمّا (بخت نصر) فقد ذكروا أنه قتل على دم زكريا وحده سبعين ألفاً، وأنه دخل المقدس في أهله، وسلب حليّه ... إلخ، فهو اجتياح، وليس جوساً! ردّ الكرة: قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! ردَّت لليهود الكرّة علينا بعد ألف وثلاثمائة وسبعين سنة من تأديب الله لهم، منذ بعث عليهم عباده المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فجاسوا خلال الدّيار!

стр. 1658

بعد هذه المقدّمة -التي أشار القرآن إلى طولها بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ التي تقتضي في العطف تراخياً في الأجل- ردت لليهود الكرّة، وأمدّوا بثلاث ما أمدّوا بمثلها في تاريخهم: ١ - بأموال تتدفَّق عليهم من أقطار الأرض، وعلى ما أرادوا من صعبه أو سهله! ٢ - وبنين مهاجرين ومقاتلين، ينتجون بحماسهم وصلاحيتهم لبناء دولتهم! ٣ - ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾!! ولم يكن اليهود في يوم ما أكثر نفيراً وناصراً منهم اليوم، ولم يتمتّع اليهود في تاريخهم، ولا أمّة في الأرض غيرهم، بمثل ما يتمتّعون به، من كثرة الناصرين لهم، والنافر لنجدتهم، إذا غضبوا غضبت لهم أمريكا، وإنجلترا، وفرنسا، وأمم الغرب جميعاً، وإن دعوا أجابهم الظالمون، وتنادوا لنصرتهم! لقد اتفق الشرق والغرب -ولم يتفق يوماً- على إنشاء إسرائيل، وتقسيم فلسطين، وسكتوا -ولم يسكتوا يوماً- على مأساة اللاجئين والمنكوبين والمشرَّدين. كل هذه الأوصاف تؤكد أن الدّور الذي نعانيه اليوم هو الكرّة المعنيّة في الآية، وكل ما ذكره المفسّرون بعيد، لا تنطبق عليه هذه الصفات! فرصة للاختيار: وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾! بعد أن قرّر سبحانه أنه سيرد لليهود الكرّة، قرّر أنها فرصة لهم، ليختاروا

стр. 1659

لأنفسهم، وليرسموا نهايتهم، فللذين أحسنوا الحسنى، وللذين أساءوا السوآى، ثم قرّر سبحانه أنهم لن ينفكّوا عن فسادهم وإفسادهم، فقرر بعد ذلك على الفور عاقبة أمرهم؛ لأنها معروفة محتومة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾! يقرّر الله أنهم لن يستقبلوا النعمة بالشكر، ولا الكرة بالذكر والانتهاء عن الفساد، وإنما سيعاودون فسادهم الموروث، على نحو يدخلهم في شديد مقت الله ونقمة عباده، بما يبعد أن تدركهم عند ذلك رحمته، فيقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾! سلّطنا عليكم عبادنا الأوّلين الذين دخلوا المسجد، ثم رددت لكم الكرة على خلائقهم: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾! بما ترون من مصارعكم، ومصارع أحلامكم، وما تعاينون من سوء المنظر في المال والأهل والولد: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾! دخول العزيز الظاهر: ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّة﴾ ظافرين منصورين: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾! وذلك دورنا المرتقب، وعملنا الذي نرجو أن يشرّفنا الله به في القريب، فإنا لنطمع أن يعذّبهم الله بأيدينا ويخزهم، وينصرنا عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين! وقد قرّر سبحانه أنه سيجمعهم ألفافاً لنبيدهم: ﴿وفَإذَا جَاءَ وَعدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفيفًا (١٠٤)﴾!

стр. 1660

بشرى للمؤمنين: ويؤكد هذه النهاية ويبشر بقرب وقوعها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ﴾ فإن العطف بالفاء يقتضي الترتيب مع التعقيب، فالوعد واقع بعد هذه الكرّة! والتعبير بـ (إذا) يدل على تحقيق المجيء لا محالة! وبشائر النصر التي تحدونا أولاً وأخيراً في هذه السورة! وقال تعالى بعد هذه الآيات: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)! وقال تعالى في آخر السورة: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ (الإسراء)! تعليق على المقال: والذي يقرأ هذا المقال يتبيّن له أن كاتبه يرى أن المراد من الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾! هو القرآن الكريم لا التوراة! وهذا الفهم لا يمكن أن ينساق إلى ذهن من يقرأ الآيات القرآنيّة بتدبّر، لأن الله يقول: ﴿وَآتَيْنَا مُوسى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾! ثم يقول بعد ذلك: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾!

стр. 1661

فالكتاب في الآية الثانية يقصد به عين الكتاب في الآية الأولى، وهو التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ﵇ وجعلها هدى لبني إسرائيل! وسبق أن بيّنا ذلك، وأنه المعنى المتبادر من الآيات، والذي لا يمكن أن يفهم المتأمل في كتاب الله غيره، وقد أجمع عليه جمهور المفسّرين، وقليل منهم أضاف إلى ذلك أنه يجوز أن يراد به اللوح المحفوظ، ومنهم القاسمي! (١) وقد سبق بيان فائدة إخبار الله بني إسرائيل في التوراة أنهم يفسدون في الأرض مرتّين! وبإثباتنا أن المراد بالكتاب في الآية الثانية هو التوراة، نكون قد رددنا أساس رأيه من أن المراد به هو القرآن (٢)، ورددنا ما بناه على هذا الرأي من أن مرّتي الإفساد في الإِسلام، وأن ذلك من الإنباء بالغيب الذي يكون في المستقبل بالنسبة لنزول الآية الكريمة على النبي ﷺ ! هذا، ولنا تعليقات يسيرة على بعض ما جاء في هذا المقال، منها: أولاً: يقول: ما السرّ في أن يخبر الله عن إسرائه برسوله ﷺ في آية واحدة أوّل السورة، ينقطع بعدها الحديث عن الإسراء جملة إلى آخر السورة، ويبدأ الحديث عن بني إسرائيل، وما أنعم الله عليهم، وعهد إليهم، وعن دور خير يكون لهم، وما وجه المناسبة بين هذه الآيات والأحداث ... ؟ إلخ! ونقول: إن الله تعالى ما ذكر الإسراء إلا يكون آية من الآيات من أول الإسراء مثاراً لتشكيك من في قلوبهم مرض في رسال النبيّ ﷺ وصدق نبوّته،

стр. 1662

كما اتّخذها ذريعة للسخرية برسول الله ﷺ ، ومن آمن به، فالله تعالى يقول لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض، ويصدّون عن سبيل الله من آمن، ويهزؤون برسوله الكريم ﷺ : إن لم تنتهوا عن إثارة الفساد في الأرض، ووضع العراقيل أمام الدعوة، ليصيبنّكم ما أصاب بني إسرائيل قبلكم، حين عاثوا فساداً في الأرض مرّتين، وعلو علوًّا كبيراً، فقد سلّط الله عليهم بعد كل من المرّتين من يسومهم سوء العذاب، ومن يجوس خلال ديارهم بالقتل والتّخريب! وتبدأ السورة بتسبيح الله تعالى (١)، وتضمّ موضوعات شتّى، معظمها عن العقيدة، وبعضها عن قواعد السلوك الفردي والجماعي وآدابه القائمة على العقيدة ... إلى شيء من القصص عن بين إسرائيل يتعلّق بالمسجد الأقصى الذي كان إليه الإسراء! ولكن العنصر البارز في كيان هذه السورة ومحور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول ﷺ .. وموقف القوم منه في مكة .. والقرآن الذي نزل عليه .. وطبيعة هذا القرآن وما يهدي إليه، واستقبال القوم له! واستطرد بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسول ﷺ .. وإلى امتياز الرسالة الإِسلاميّة بطابع غير طابع الخوارق الحسيّة وما يتبعها من هلاك المكذّبين بها .. وإلى تقرير التبعة الفرديّة في الهدى والضلال الاعتقادي، والتبعة الجماعيّة في السلوك العملي في محيط المجتمع! ويتكرر في سياق السورة تنزيه الله وتسبيحه وحمده وشكر آلائه .. ففي مطلعها:

стр. 1663

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾! وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد الله يذكرهم بأنهم من ذرّيّة المؤمن مع نوح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾! وعند دعاوى المشركين عن الآلهة يعقب بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾! وفي حكايته قول بعض أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾! وتنتهي السورة بالحمد: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾! وفي تلك الموضوعات المنوّعة حول ذلك المحور الواحد الذي بيّنا يمضي سياق السورة في مواقف متتابعة: يبدأ الموقف الأول بالإشارة إلى الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾!

стр. 1664

مع الكشف عن حكمة الإسراء: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا﴾! وبمناسبة المسجد الأقصى يذكر كتاب موسى، وما قضى الله لبني إسرائيل من نكبة وهلاك وتشريد مرّتين، بسبب طغيانهم وإفسادهم، مع إنذارهم بثالثة ورابعة: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾! ثم يقرر أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، بينما الإنسان عجول مندفع، لا يملك زمام انفعالاته .. ويقرّر قاعدة التبعة الفرديّة في الهدى والضلال، وقاعده التبعة الجماعية في التصرفات والسلوك! وهكذا نجد السياق ينتقل من سيرة بني إسرائيل وكتابهم الذي آتاه الله موسى ﵇، ليهتدوا به فلم يهتدوا، بل ضلّوا فهلكوا ... ينتقل إلى القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ (الإسراء)! هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم، وفيما يهديهم، فيشمل الهدى أقواماً وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان .. ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج، وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه الشر في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل! يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض .. والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشريّة الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعيّة ونواميس الفطرة البشريّة في تناسق واتّساق!

стр. 1665

ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله .. فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلّعة إلى أعلى وهي مستقرّة على الأرض .. وإذا العمل عبادة متى توجّه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعاً واستمتاعاً بالحياة، فلا مادّية كما نشهد في عالمنا المعاصر .. ولارهبانية أيضاً! ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشقّ التكاليف على النفس حتى تملّ وتيأس من الوفاء، ولا تترخّص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال! ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفراداً وأسراً، وحكومات وشعوباً، ودولاً وأجناساً! ومعلوم أن (الدين القيّم) يقيم العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودة، والشنآن، ولا تصرّفها المصالح والأغراض .. الأسس التي أقامها العلم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل الدّولي اللاّئق بعالم الإنسان! ويهدي للتي هي أقوم في تبنِّي الرسالات السماوية -ومنها رسالة موسى ﵇ والربط بين هذه الرسالات، وتعظيم مقدّساتها، وفق هدى الحق، وصيانة حرماتها، وفق وحي السماء، فإذا البشريّة بجميع رسالاتها السماويّة في سلام ووئام! ولكن اليهود -كما عرفنا- هم اليهود!

стр. 1666

فأمّا الذين لا يهتدون بهدي القرآن، فهم متروكون لهوى الإنسان .. العجول .. الجاهل بما ينفعه وما يضرّه .. المندفع الذي لا يضبط انفعالاته، ولو كان من ورائها الشرّ كله: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً (١١)﴾ ﴿الإسراء)! ذلك أنه لا يعرف مصائر الأمور وعواقبها، ولقد يفعل الفعل وهو شرّ، ويعجل به على نفسه وهو لا يدري، أو يدري ولكنه لا يقدر على كبح جماحه وضبط زمامه .. فأين هذا من هدي القرآن الثابت الهادئ الهادي؟! ألا إنهما طريقان مختلفان: شتان شتان .. هدي القرآن، وهوى الإنسان! ومن الإشارة إلى الإسراء وما صاحبه من آيات. والإشارة إلى نوح ﵇ ومن حُملوا معه من المؤمنين .. والإشارة إلى قصّة بني إسرائيل، وما قضاه الله لهم في الكتاب، وما يدل عليه هذا القضاء من سنن الله في العبادة ومن قواعد العمل والجزاء .. والإشارة إلى القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم! من هذه الإشارات إلى آيات الله التي أعطاها، ينتقل السياق إلى آيات الله الكونيّة في هذا الوجود، يربط بها نشاط البشر وأعمالهم، وجهودهم وجزاءهم، وكسبهم وحسابهم، فإذا نواميس العمل والجزاء والكسب والحساب، مرتبطة أشدّ ارتباط بالنواميس الكونيّة الكبرى، محكومة بالنواميس ذاتها، قائمة على قواعد وسنن لا تتخلّف، دقيقة منظمة دقة النظام الكونيّ الذي يصرف الليل والنهار، مدبرة بإرادة الخالق الذي جعل الليل والنهار آيتين!

стр. 1667

ويبدأ الموقف الثاني بقاعدة التوحيد .. وهي قد أصابها التحريف اليهودي والتخريف الصهيوني الجهول -كما يشهد الواقع التاريخي- وذلك ليقيم عليها البناء الاجتماعي كله، وآداب العمل والسلوك فيه. ويشدّها إلى هذا المحور الذي لا يقوم بناء الحياة إلا مستنداً إليه! ويتحدث في الموقف الثالث عن أوهام الوثنيّة الجاهلية .. وعن استقبالهم للقرآن الكريم، وتقوّلاتهم على الرسول ﷺ ... ويأمر المؤمنين أن يتكلموا بالتي هي أحسن! وفي الموقف الرابع يبيّن لماذا يرسل الله خاتم النبيّين ﷺ بالخوارق؛ فقد كذَّب بها الأوّلون، فحقّ عليهم الهلاك اتباعاً لسنة الله .. كما يتناول موقف المشركين من إنذار الله لهم في رؤيا الرسول ﷺ وتكذيبهم وطغيانهم! ويجيء في هذا السياق طرف من قصّة إبليس، وإعلانه أنه سيكون حرباً على ذرّيّة آدم .. يجيء هذا الطرف من القصّة كأنه كشف لعوامل الضلال الديني يبدو من المشركين، والإفساد في الأرض الذي يقوم به اليهود .. ويعقب عليه بالتخويف من عذاب الله، والتذكير بنعم الله في تكريم الإنسان، وما ينتظر الطائعين والعصاة: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ (الإسراء)! وهو مشهد يصوّر الخلائق محشورة .. وكل جماعة تنادي بعنوانها باسم المنهج الذي اتبعته، أو الرسول الذي اقتدت به، أو الإِمام الذي انتمت إليه في الحياة الدنيا!

стр. 1668

فهل تبع اليهود موسى ﵇؟! إنهم انحرفوا عن رسالته، وكفروا بالحق الذي آمن به ودعا إليه! إن موسى ﵇ من المسلمين، فهل أتباعه -كما يزعمون- كذلك؟! وهنا في هذا الموقف الرهيب الرعيب تنادي كل جماعة، ليسلّم لها كتاب عملها وجزائها في الدار الآخرة .. فمن أوتي كتابه بيمينه فهو فرح بكتابه يقرؤه ويتملاّه .. ويوفَّى الأجر! ومن عمي في الدنيا عن دلائل الحق -كهؤلاء اليهود ومن على شاكلتهم- فهو في الآخرة أعمى عن طريق النجاة، وأضلّ سبيلاً .. وجزاؤه معروف! ولكن السياق يرسمه في هذا المشهد المزدحم المهيب، الهائل الرعيب، أعمى ضالاًّ يتخبّط، لا يجد من يهديه ولا من يهتدي به، ويدعه كذلك، لا يقرّر في شأنه أمراً هنا؛ لأن مشهد العمى والضلال في ذلك الموقف العصيب الرهيب هو وحده جزاء مرهوب، يؤثر في القلوب! ويستعرض في الموقف كيد المشركين للرسول ﷺ ، ومحاولة فتنته عن بعض ما أُنزل إليه، ومحاولة إخراجه من مكة، ولو أخرجوه قسراً -ولم يخرج هو مهاجراً بأمر الله- لحلّ بهم الهلاك الذي حلّ بالقرى من قبلهم، حين أخرجت رسلها أو قتلتهم، كما عرفنا في تاريخ اليهود! ويأمر الرسول ﷺ أن يمضي في طريقه، يقرأ القرآن، ويقيم الصلاة، ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه، ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل، ويعقب بأن هذا القرآن الذي أرادوا فتنته عن بعضه فيه شفاء وهدى للمؤمنين! بينما الإنسان قليل العلم، وهو يعرض موقفاً من مواقف هؤلاء اليهود -كما

стр. 1669

أسلفنا- وهم يسألونه عن الرّوح ما هو؟ .. والمنهج الذي سار عليه القرآن -وهو المنهج الأقوم- أن يجيب الناس عمّا هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته، فلا يبددّ الطاقة العقليّة التي وهبهم الله إيّاها فيما لا يفيد ولا يثمر، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به، فلما سألوه عن الرّوح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله، واختصّ بعلمه دون سواه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قلِ الرُّوح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيل (٨٥)﴾! وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل .. ولكنَّ فيه توجيهاً لهذا العقل أن يعمل في حدود مجاله، الذي يدركه .. ولكنها سمات يهود! فلا جدوى من الخبط في التّيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه .. ! والرّوح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسرّ من أسراره القدسيّة أودعه هذا المخلوق البشري، وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها .. وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق .. وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود .. والإنسان لا يدبّر هذا الكون، فطاقته ليست شاملة .. إنما وهب منها بقدر محيطه، وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقّق فيها ما شاء الله أن يحقق، في حدود علمه القليل! ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيراً أمام ذلك السَّرّ اللطيف -الرّوح- لا يدري ما هو؟ ولا كيف جاء؟ ولا كيف يذهب؟ ولا أين كان؟ ولا أين يكون؟ إلا ما يخبر به العلم الخبير في التنزيل! ويستمرّ في الحديث عن القرآن وإعجازه، بينما هم يطلبون خوارق مادّيّة،

стр. 1670

ويطلبون نزول الملائكة، ويقترحون أن يكون للرسول ﷺ بيت من زخرف أو جنّة من نخيل وعنب، يفجّر الأنهار خلالها تفجيراً! أو يفجّر لهم في الأرض ينبوعاً!! وأن يرقى هو في السماء، ثم يأتيهم مادّيّ يقرؤونه! إلى آخر هذه المقترحات التي يصليها العنت والمكابرة -وكما هو شأن اليهود ومن على شاكلتهم- لا طلب الهدى والاقتناع! ويردّ على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول ﷺ ، وطبيعة الرسالة، وبكل الأمر إلى الله .. ويتهكَّم على أولئك الذين يقترحون هذه الاقتراحات بأنهم لو كانوا يملكون خزائن رحمة الله -على سعتها وعدم نفادها- لأمسكوا خوفاً من الإنفاق! وقد كان حسبهم أن يستشعروا أن الكون وما فيه يسبّح الله! ﴿تُسَبّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ وَلَكِن لًا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ (الإسراء)! والآيات الخارقة قد جاء بها موسى من قبل، فلم تؤدِّ إلى إيمان هؤلاء المتعنّتين؛ لأن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجامدة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ (الإسراء)! وهذا المثل من قصّة موسى وبني إسرائيل يذكر لتناسقه مع سياق السورة، وذكر المسجد الأقصى في أوّلها، وطرف من قصّة بني إسرائيل مع موسى ﵇!

стр. 1671

وكذلك يعقّب عليه بذكر الآخرة والمجيء بفرعون وقومه لمناسبة مشهد القيامة القريب في سياق السورة، ومصير المكذّبين! وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه .. القرآن الذي نزل مفرّقاً ليقرأه الرسول ﷺ على القوم زمناً طويلاً بمناسبته ومقتضياته، وليتأثّروا به ويستجيبوا له استجابة حيّةً عمليةً، والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخضوع والتأثر إلى حدّ البكاء والسجود: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (الإسراء)! وهو مشهد مونع يلمس الوجدان .. ويرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتّحة لاستقبال فيضه .. العارفة بطبيعته وقيمته .. بسبب ما أوتيت من العلم قبله .. هذا المشهد الموحي للدَّين أوتوا العلم من قبله يعرضه السياق بعد تخيير القوم في أن يؤمنوا بهذا القرآن أو لا يؤمنوا! يقول ابن كثير: قوله تعالى: ﴿وإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِه﴾! أي من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدّلوه! (١) فهل يفهم اليهود ذلك؟!

стр. 1672

من هذا العرض الموجز لمقاصد السورة يتبيّن لنا أن الحديث فيها -كما سبق- مسوق لإثبات رسالة خاتم النبيين ﷺ ، وحقيقة ما أنزل عليه .. وأن الذين يقترحون غيره من الآيات ما تأمّلوه وما عرفوه حقّ المعرفة، وأنهم إذا استمرّوا في هذا الإعراض سيصيبهم ما أصاب الأمم قبلهم، وكذلك ما أصاب بني إسرائيل بعد فسادهم وإفسادهم في الأرض! ثانياً: ما قاله من أن الآيات مكيّة، وأن المسلمين بمكة كانوا مستضعفين، فلم يكن لبني إسرائيل يومئذ صلة، ولا شأن مع المسلمين، ولم يكن لهم أثر بمكة يقتضي أن يتحدّث الله عنهم في سورة مكيّة بمثل هذا التفصيل ... إلخ! هذا القول نوافقه عليه في جملته، إلا أننا -كما يقول الدكتور طنطاوي (١) - نخالفه فيما ذهب إليه من أنه لم يكن لبني إسرائيل صلة بالمسلمين، تقتضي أن يتحدّث القرآن عنهم بمثل هذا التفصيل! ومن أسباب مخالفتنا له، أن عدم وجود الصلة التجاريّة أو السكنيّة بين مسلمي مكّة واليهود، وعدم وجود الأثر أو الخطر، لا يقتضي أن يترك القرآن الكريم الحديث عن بني إسرائيل بالتفصيل، إذ هناك ما هو أهمّ من كل ذلك، وهو تشابه موقف أهل مكة واليهود من الدين الحق، فكلاهما قد وقف من الرسالات السماوية موقف الجاحد العاصي، فبيّن القرآن الكريم لأهل مكّة أن الله تعالى قد أنزل التوراة على موسى ﵇ لهداية بني إسرائيل، ولكنهم لم يعملوا بها، بل أفسدوا في الأرض، فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التّوْرَاةَ ثُمَّ لَم يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهدِي الْقَوْمَ الظَّالمِينَ (٥)﴾ (الجمعة)!

стр. 1673

فبنو إسرائيل حمّلو التوراة، وكلّفوا أمانة العقيدة والشريعة: ﴿ثُمَّ لَم يَحْمِلُوهَا﴾! لأن حملها يبدأ بالإدارك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير، وعالم الواقع .. ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها -كما يشهد بذلك واقعهم قديماً وحديثاً- ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام، وليس له منها إلا الثقل، فهو ليس صاحبها، وليس شريكاً في الغاية منها! وهي صورة رزيّة بائسة، ومثل سيّء شائن، ولكنها صورة معبِّرة عن حقيقة صادقة! ومثل هؤلاء اليهود، هؤلاء الذين غبرت بهم أجيال كثيرة، والذين يعيشون في هذا الزمان، وهم يحملون أسماء، ويرفعون رايات، ولا يعملون عمل المسلمين .. وبخاصة أولئك الذين يقرؤون الكتب، ويقومون بدور العلّم والموجّه والمفكر والأستاذ -مهما كانت مناصبهم- وهم لا ينهضون بما تفرضه عليهم العقيدة، وهم كثيرون كثيرون، وهذا خلق يهود! فليست المسألة مسألة كتب تحمل وتدرس، إنما هي مسألة فقه وعمل في الكتب! وحسبنا أن نذكر مثلاً للانحراف عن سوء الفطرة، ونقض لعهد الله المأخوذ عليها، ونكوص عن آيات الله بعد رؤيتها والعلم بها! ذلك الذي آتاه الله آياته، فكانت في متناول نظره، وفكره، ولكنه انسلخ سنها، وتعرّى عنها، ولصق بالأرض، واتبع الهوى، فلم يستمسك بالميثاق

стр. 1674

الأول، ولا بالآيات الهادية، فاستوى عليه الشيطان، وأمسى مطروداً من حمى الله، لا يهدأ ولا يطمئن إلى قرار! ولكن البيان القرآنيّ المعجز لا يصوغ المثل هذه الصياغة، إنما يصوّره في مشهد حيّ متحرّك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات، يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعة، إلى جانب العبارات الموحية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (الأعراف)! روى عبد الرزاق عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعام بن باعوراء، رواه شعبة وغير واحد عن منصور به .. وتعدّدت الروايات وتنوَّعت فيمن هو! قال ابن كثير: المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة إنما هو رجل من المتقدّمين في زمن بني إسرائيل، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف! (١) وجاء في النار: والضمير في قوله ﴿عَلَيْهِم﴾ للناس المخاطبين بالدعوة، وأوّلهم كفَّار مكّة، والسورة مكيّة، وقيل: لليهود؛ لأن المثل تابع لقصة موسى في السورة! (٢)

стр. 1675

وعلى كل، فهو مثل ينطبق تمام الانطباق على اليهود ومن على شاكلتهم .. وعلينا أن نأخذ من الخبر ما وراءه (١)، فهو يمثل حالة الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبيّن لهم فيعرفوها، ثم لا يستقيموا عليها! وما أكثر ما يتكرّر هذا النبأ في حياة البشر -وبخاصة اليهود- ما أكثر الذين يُعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتّخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه، واتباع الهوى به .. هواهم وهوى المتسلّطين الذين يملكون لهم -في وهمهم- عرض الحياة الدنيا .. وهو خلق يهود ومن على شاكلتهم! وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله، ثم يزيغ عنها، ويعلن غيرها، ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبّت بها هذا السلطان المعنوي على سلطان الحق وحرماته في الأرض جميعاً! لقد رأينا من هؤلاء من يدعو للطواغيت الذين يدّعون حق التشريع ويبارك الجاهليّة .. ويخلع على هذا الفجور رداء الدّين وشاراته وعناوينه! فماذا يكون هذا إلا أن يكون مصداقاً لنبأ الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين؟! وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يسجّله القرآن على صاحب هذا النبأ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾!

стр. 1676

ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته .. ولكنه سبحانه لم يشأ؛ لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه ولم يتبع الآيات! إنه مثل كل من آتاه الله من العلم، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من نعمة الله، ليصبح تابعاً ذليلاً ذيلاً للشيطان، ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان، وهو خلق يهود، ومن على شاكلتهم! ثم ما هذا اللهاث الذي لا ينقطع؟! إنه -في حسّنا كما توجيه إيقاعات هذا النبأ وتصوبر مشاهده في القرآن- ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها .. وذلك اللهاث القلق الذي لا يطمئن أبداً .. والذي لا يترك صاحبه، سواء وعظته أم لم تعظه، فهو منطلق فيه أبداً، وهو خلق يهود، ومن على شاكلتهم! والحياة البشريّة ما تني تطلع علينا بهذا الله في كل زمان وفي كل مكان، وفي كل جيل وفي كل قبيل .. حتى إنه لتمرّ فترات كثيرة وما تكاد العين تقع إلا على هذا المثل .. فيما عدا الندرة ممن عصم الله ممن لا ينسلخون من آيات الله، ولا يخلدون إلى الأرض، ولا يتبعون الهوى، ولا يستذلهّم الشيطان، ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان! فهذا مثل لا ينقطع وروده ووجوده، وما هو بمحصور في قصّة وقعت، في جيل من الزمان، فهو خلق يهود، ومن على شاكلتهم! وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يتلو هذا النبأ على قومه الذين كانت تتنزّل عليهم آيات الله، كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها .. ثم ليبقى من بعده ومن

стр. 1677

بعدهم يتلى، ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئاً أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة، وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبداً، وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدوّ لعدو، فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية النكدة! إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصوّرات والتصويرات .. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع .. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً .. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلتس بلحمه، فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقّة، انسلاخ الحيّ من أديمه اللاصق به .. لأنه يهوديّ الخلق! أو ليست الكينونة البشريّة متلبّسة بالإيمان بالله تلبّس الجلد بالكيان؟! ومع هذا، ها هو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرّد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، وينحرف عن الهُدى ليتبع الهوى، ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطّين المعتم، فيصبح غرضاً للشيطان، لا يقيه منه واقع ولا يحميه منه حام، فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه؛ لأنه يهوديّ الخلق! ثم إذا نحن أولاء، أمام مشهد مفزع بائس نكد .. إذا نحن بهذا المخلوق لاصقاً بالأرض، ملوّثاً بالطّين! ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد، ويلهث إن لم يطارد! كل هذه المشاهد المتحرّكة تتتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثّر .. فإذا انتهى المشهد الأخير منها .. مشهد اللهاث الذي لا ينقطع .. مع التعليق المرهوب الموحي على المشهد كله:

стр. 1678

﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (الأعراف)! ذلك مثلهم! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبّسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم .. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً .. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان الإنسان، إلى مكان الحيوان .. مكان الكلب الذي يتمرَّغ في الطّين .. وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى علّيّين .. وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون إلى أسفل سافلين: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾! وهل أسوأ من هذا المثل؟! وهل أسوأ من الانسلاخ والتعرّي من الهدى؟! وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟! وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟! من يعرّيها من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق اللاهث لهاث الكلب أبداً! حقاً، إنه خلق يهود، ومن على شاكلتهم! وقد ترتَّب على ذلك أن سلّط الله عليهم من يذلهّم بسبب فسوقهم عن أمر

стр. 1679

الله (١)، فإذا ما سار أهل مكة على هذا الطريق المعوج الذي سار عليه بنو إسرائيل بعد أن جاءهم خاتم النبيّين ﷺ بالهُدى ودين الحق، فسيصيبهم من العقاب ما أصابهم! وهذا التفصيل الذي تحدّث القرآن به هنا عن بني إسرائيل، قد جاء ما هو أطول منه بكثير في سور مكّية، كسور: الشعراء، والأعراف، وطه، والقصص، وغير ذلك من السور المكّية التي تحدّثت عنهم باستفاضة! وإذن فهناك مقتضى لهذا الحديث المفصّل عن بني إسرائيلَ في سورة الإسراء المكّيّة، وهو تماثل موقف أهل مكّة وبني إسرائيل من الدّين الحق، ومخالفة الفريقين لشريعة سماويّة خالدة، هي شريعة الإِسلام، لا لقانون وضعي أو لعرق دنيوي، وتبشير المسلمين بحسن العقبى، لاستجابتهم لله وللرسول ﷺ . ثالثاً: قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾! لا تنطبق هذه المرّة تمام الانطباق الأعلى الذين قاموا به على عهد النبي ﷺ وأصحابه، وما عاقبهم الله به، وسلّط عليهم فيه ... إلخ! ونحن لا نوافقه فيما ذهب إليه، للأسباب التالية: ١ - الذي عليه المفسّرون أن المراد بالأرض في قوله تعالى: ﴿وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾! أرض الشام التي كان يسكنها اليهود وقت نزول التوراة، وليس المراد بها أرض الجزيرة العربية؛ لأنها -كما سبق- لم تكن سكناً لهم عند نزول التوراة! ٢ - نحن نعرف أنه قد حصل منهم إفساد في عهد النبي ﷺ كما هو معروف

стр. 1680

-ولكن هذا الإفساد-رغم ضراوته- كان دون ما قاموا به من إفساد قبل ذلك، بدليل أن الحق ﵎ قد نعى عليهم في القرآن الكريم، رذائل كثيرة اقترفوها! منها أنهم قتلوا قبل بعثة خاتم النبيين ﷺ بعض أنبياء الله، وحاولوا قتل عيسى ﵇، واتخذوا لذلك كل الطرق والوسائل، إلا أنهم لم يفلحوا في مسعاهم لأسباب خارجة عن إرادتهم! وإذن فإفسادهم في الأرض قبل بعثة النبي ﷺ كان أشدّ وأفحش من إفسادهم بعد بعثته ﷺ ! ٣ - إفسادهم في الأرض في عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃، كان يأخذ في غالبه طابع النفاق والمخادعة، وعدم المجاهرة، خوفاً من المسلمين، عدا ما حدث من معارك خيبر، أما إفسادهم قبل ذلك فكان يأخذ طابع الظلم الصريح، والعصيان الواضح، والطغيان المعتمّد، كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾! وهذا يدل على أن المقصود بإفسادهم في الأرض مرّتين ما كان منهم قبل بعثة خاتم النبيين ﷺ ! ٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾! هذا العلوّ الكبير الذي وصفتهم به الآية الكريمة لا ينطبق على حالهم في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد أصحابه ﵃؛ لأن اليهود في هذه الفترة كانوا يمثّلون جزءاً من اليهود المنتشرين في الأرض، وبلغ بهم ضعف الحال أن بعضهم انضمَّ إلى طائفة الخزرج، وبعضهم انضم إلى طائفة الأوس -كما سيأتي- فإذا ما حصل قتال بين

стр. 1681

الطائفتين قاتل حلفاء الخزرج من اليهود إخوانهم المنضميّن إلى الأوس، وقاتل حلفاء الأوس من اليهود إخوانهم أبناء عمومتهم حلفاء الخزرج، وقد بيّن القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (البقرة)! وإذن فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾! عقب قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾! ينطق على أدوار الفساد الكبيرة التي قاموا بها قبل الإِسلام أيّام أن طغوا وبغوا وعلوا علوًّا كبيراً في الأرض! ٥ - ما أصابهم من عقوبات في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد أصحابه ﵃، جزاء غدرهم شيء هيّن بالنسبة لما أصابهم من عقوبات قبل ذلك، على أيدي البابليّين والرومان وغيرهم؛ لأن ما أصابهم في العهد النبويّ كان عدلاً، وكان يختلف من موقف إلى آخر، وكان في الوقت ذاته ينطبق على الجزء الخاص الذي يستحق ذلك ممن يسكن الجزيرة من اليهود -كما سيأتي- بينما العقوبات التي نزلت بهم قبل ذلك، على أيدي البابليّن والرّومان -مثلاً- كانت لليهود الذين كانوا متجمّعين في منطقة واحدة، هي أرض الشام! ثم إن العقوبات التي أنزلها المسلمون بهم في صدر الإِسلام، كانت في أوقات متفرّقة، وكانت على قدر إساءة المسيء منهم! ومن هذا ترى أن ما قام به اليهود من إفساد وفي المرّة الأولى ينطبق على الدور الذي قاموا به قبل الإِسلام، وأن العباد الذين سلّطهم الله عليهم لإذلالهم بسبب فسادهم وإفسادهم كانوا أيضاً قبل الإِسلام!

стр. 1682

رابعاً: جزم بأن المعاقبين لليهود في المرّة الأولى لا تنطبق أوصافهم إلا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم الذين يستحقون شرف هذه النسبة .. وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار، أما أتباع (بخت نصر) فقد ذكروا أنه قتل على دم زكريّا وحده سبعين ألفاً .. فهو اجتياح وليس جوساً! ونحن نخالفه في ذلك لأمور، أهمها: أ- أن الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم عباد الله تعالى، والذين سلّطهم الله على بني إسرائيل لإذلالهم بعد إفسادهم الأوّل هم عباد لله مع كفرهم! ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ (الزمر)! ففي هذه الآية نسب الله تعالى العباد إلى نفسه بصيغة العموم التي تشمل مؤمنهم وكافرهم، وهناك آيات أخرى نسب الله فيها العباد جميعاً إلى ذاته، سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين! (١) ب- يقول: وهم الذين لم يكلّفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار .. ولم يبيّن لنا معنى الجوس عنده، إلا أن الذي يفهم من كلامه أن الجوس -في رأيه- معناه التردّد بين الدور والمساكن بدون قتال يُذكر! وهذا التفسير للجوس -في رأينا- يأباه سياق الآيات، ومخالف للمشهور عن أئمّة التفسير واللغة!

стр. 1683

أمّا أنه يأباه سياق الآيات، فلأن الآية تذكر أن فساداً كبيراً، وطغياناً عظيماً يقع من بني إسرائيل في المرّة الأولى من مرّتي إفسادهم، وأنهم بعد ذلك يؤدّبون على إفسادهم، بأن يبعث الله عليهم عباداً له أقوياء، وقد بيّن الله تعالى مهمّة هؤلاء العباد فقال: ﴿فَجَاسوا خِلالَ الدّيَارِ﴾! أي فتردّدوا بين مساكنكم يا بني إسرائيل، لقتلكم ولسلب أموالكم، ولتخريب دياركم، وهذا ينطبق على ما نزل باليهود من عقوبات عامّة مدمّرة قبل الإِسلام، على يد البابليّين، والرومان وغيرهم، ولا ينطبق على العقوبات التي أنزلها المسلمون بهم في العهد النبويّ؛ لأنها كانت عقوبات تتّسم بالعدالة -كما هو معلوم- إذ لم تتناول إلا مَن يستحقّها منهم! وأمّا أنه مخالف للمشهور عن أئمّة التفسير واللغة في معنى الجوس، فإليك الدليل: ١ - قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى جاسوا: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان: ومنّا الذي لاقى بسيف محمَّد ... فجاس به الأعداء عُرض العسكر قال: وجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الدّيار، فقتلوهم ذاهبين وجائيين! (١) قال القرطبي: فجمع بين قول أهل اللغة! (٢)

стр. 1684

٢ - وقال صاحب الكشاف: وأسند الجوس -وهو التردّد خلال الدّيار بالفساد- إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم! (١) ٣ - وقال البيضاوي: ﴿فَجَاسُوا﴾! تردّدوا لطلبكم ﴿خِلالَ الدِّيَارِ﴾! وسطها للقتل والغارة، فقتلوا كبارهم، وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخرَّبوا المسجد! (٢) ٤ - وقال ابن منظور: الجوس مصدر عباس جوساً وجوَساناً: تردّد، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَجَاسوا خِلالَ الدّيَارِ﴾! أي تردّدوا بينها للغارة، وهو الجوسان! وقال القراء: قتلوكم بين بيوتكم! وقال الزجاج: أي فطافوا في خلال الدّيار ينظرون، هل بقي أحد لم يقتلوه؟ (٣) وبهذا يتبيَّن أن الجوس معناه هنا التردّد للقتل والإفساد! ثم على فرض التسليم برأيه في معنى الجوس، لنا أن نتساءل: هل المسلمون لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الدّيار؟! الذي يبدو أن المسلمين كلفهم تأديب اليهود أكثر من ذلك؛ لأنهم بالنسبة

стр. 1685

لبني قينقاع -كما سيأتي- حاصروهم بضعة عشر يوماً، وأجلوهم عن المدينة بعد مفاوضات ومجادلات! وبالنسبة لبني النضير حاصرهم المسلمون -كما سيأتي- حتى اضطرّوهم إلى الجلاء عن المدينة! وبالنسبة لبني قريظة حاصرهم المسلمون -كما سيأتي- ثم قتلوا المقاتلين! وبالنسبة ليهود خيبر دارت معارك ضارية -كما سيأتي- انتهت بالقضاء عليهم عسكرياً! فتأديب اليهود كلّف المسلمين أكثر من جوس الديار بالمعنى الذي يراه! جـ- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾! يفيد أن المسجد يؤخذ من أيدي اليهود عنوة، ومن يأخذه يخربه ويهدمه، وهذه الأوصاف والأعمال تنطبق على البابليّين والرّومان وغيرهم؛ لأنهم عندما دخلوا أورشليم قبل الإِسلام دمّروها وهدموا هيكلها! أما المسلمون فإنهم عندما فتحوا فلسطين -كما سيأتي- في عهد عمر بن الخطاب ﵁ سنة ١٥ هـ ٦٣٦ م، لم يكن لليهود أثر فيها، ولم يأخذوا المسجد الأقصى منهم، وإنما أخذوه من النصارى، وهم الرومان يومئذ، الذين كانوا قد استولوا على بلاد الشام مئات السنين، ثم بعد أن دخلوا أزالوا معالم الوثنيّة والشرك، وطهّروه للعابدين، ولم يحصل من المسلمين تخريب أو تدمير لمسجد أو غيره من بلاد الله كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾! وإذن فالعباد الذين سلّطهم الله علي بني إسرائيل بعد إفسادهم الأوّل في
следующие страницы →