← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1786–1818 · переход к 1791.

стр. 1786

ويعيدهم لحظيرة الإيـ ... ـمان قد خفضوا الجناح يا أمة الإِسلام هبـ ... وا واعملوا، فالوقت راح الكفر جمّع شمله ... فلم النزاع والانتطاح؟ فتجمعوا وتجهزوا ... بالمستطاع وبالمتاح يا ألف مليون وأيـ ... ـن همو إِذا دعت الجراح؟! هاتوا من المليار ملـ ... ـيوناً صحاحاً من صحاح من كل ألف واحداً ... اغزوا بهم في كل ساح من كل صافي الروح يو ... شك أن يطير بلا جناح

стр. 1787

ممن يخفّ إِلى صلا ... ة الليل بادي الارتياح ممن يعف عن الحرا ... م وليس يسرف في المباح ممن زكا بالصالحا ... ت وذكره كالمسك فاح ممن يهيم بجنة الـ ... ـفردوس لا الغيد الملاح من همه نصح العبا ... د وليس يأبى الانتصاح يرجو رضا مولاه ... لم يعبأ بمن عنه أشاح بكّاء محراب ولَـ ... ـكنْ في الوغى كبش النّطاح مرٌّ على أعدائه ... ولقومه ماء قراح في الرّوعِ يبذل روحه ... ويقول عند الغنْم صاح (١)

стр. 1788

إِن ضاقت الدنيا به ... وسعته (سورة الانشراح) لا بد من صنع الرجا ... ل ومثله صنع السلاح وصناعة الأبطال علـ ... ـمٌ في التراث له اتضاح من لم يلقنْ أصله ... من أهله فقد النجاح لا يصنع الأبطال إِلاّ ... في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ... ظل الأحاديث الصحاح في صحبة الأبرار ممن ... في رحاب الله ساح من يرشدون بحالهم ... قبل الأقاويل الفصاح

стр. 1789

من صمتهم فكر وذكرٌ نطقهم ... ومقالهم شكر ومجلسهم رباح وغراسهم بالحق مو ... صول فلا يمحوه ماح من لم يعش لله عا ... ش وقلبه ظمآن ضاح يحيا سجين الطين لم ... يطلق له يوماً سراح ويدور حول هواه يلهث ... ما استراح ولا أراح لا يستوي في منطق الإِ ... يمان سكران وصاح من همه التقوى وآ ... خر همه كأس وراح شعب بغير عقيدة ... ورق تذرِّيه الرياح من خان (حي على الصلا ... ة) يخون (حي على الفلاح)

стр. 1790

يا أمتي صبراً، فليـ ... ـلك كاد يسفر عن صباح لا بد للكابوس أن ينـ ... زاح عنا أو يزاح والليل إِن تشتد ظلـ ... ـمته نقول الفجر لاح والفجر إِن يَبْزُغْ فلا ... نَوْمٌ وحيّ على الفلاح

стр. 1791

يا قدس وقال تحت هذا العنوان الأخ الشاعر الداعية يوسف العظم ﵀ (١): يا قدس يا محراب يا منبر ... يا نور يا إِيمان يا عنبر أقدام من داست رحاب الهدى ... ووجه مَن في ساحها أغبر؟ وكفّ من تزرع أرضي وقد ... حنى عليها ساعدي الأسمر؟ من لوث الصخرة تلك التى ... كانت بمسرى أحمد تفخر؟ وأمطر القدس بأحقاده ... فاحترق اليابس والأخضر ودنس المهد على طهره ... إِلا عدو جاحد أكفر يا سورة الأنفال من لي بها ... قدسيّة الآيات تستنفر

стр. 1792

جنداً يذوق الموت عذب المنى ... كالصبح عن إِيمانه يسفر ومن يبع لله أزكى دم ... يمت شهيد الحق أو ينصر والبغي مهما طال عدوانه ... فالله من عدوانه أكبر * * * يا قدس يا محراب يا مسجد ... يا درّة الأكوان يا فرقد سفوحك الخضر ربوع المنى ... وتربك الياقوت والعسجد كم رتلت في أفقها آية! ... وكم دعانا للهدى مرشد! أقدام عيسى باركت أرضها ... وفي سماها قد سرى أحمد أبعد وجه مشرق بالتقى ... يطلّ وجه كالح أسود؟

стр. 1793

وبعد ليث في عرين الشرى ... يحل كلب راح يستأسد؟ وبعد شعب دينه رحمة ... يحل مَن وجدانه يحقد؟ يا أفرع الزيتون في قدسنا ... كم طاب في أفيائها الموعد إِن مزق الغاصب أرحامنا ... وقومنا في الأرض قد شردوا فما لنا غير هتاف العلى ... إِنا لغير الله لا نسجد * * * القدس في أفق العلى كوكب ... تشع بالنور فلا تعجبوا أيّامها بالحقّ وضّاءة ... كانت بأطراف القنا تكتب إِن أطرب القيثار أسماعنا ... فاللحن في أفق الهُدى أعذب

стр. 1794

أو حلّت الأمجاد ساح العُلى ... فالمسجد الأقصى لها أرحب والمجد مذ أشرق في قدسنا ... ما باله في قدسنا يغرب؟ يا روضة كانت لنا مرتعاً ... وكوثراً من فيضه نشرب وجنّة فيها ربيع المُنَى ... في ظلّها أكبادنا تلعب مذْ حلّ في أفيائها غاصب ... ما عاد فيها بلبل يطرب مَنْ لي بسيف لا يهابُ الردى ... في كفّ من يزهو به الموكب أَوْ راية في جحفل ظافر ... يقوده الفاروق أو مصعب * * * الوحي والتنزيل والأحرف ... والآي والإِنجيل والمصحف

стр. 1795

وسورة الإِسراء ما رتّلت ... إِلا وأسماع الدنا تُرهف تبارك القدس وما حولها ... وصخرة القدس بنا تهتف في كل صدر من دمي دفقة ... وكل عين دمعة تذرف إِن ضمد الأسى جراح الورى ... فالجرح منّي راعف ينزف يا درّةً في جيد تاريخنا ... رباك من كل الربا ألطف كم قد مشت أبكادنا فوقها ... من كل روض زهرة تقطف وكم سقينا تربها أنفساً ... أنقى من الياقوت بل أشرف يا قدس مهما باعدوا بيننا ... ففي غد جيش الهدى يزحف كنائب الإِيمان قد بايعت ... لا فاسق فيها ولا مترف * * *

стр. 1796

يا قدس يا أنشودة في فمي ... ويا مناراً في ذرا الأنجمِ في كل أفق منك تسبيحة ... وكل شبر دفقة من دمِ وكل روض نفحة من شذى ... وماؤك الرقراق من زمزمِ وكل صدر زفرة حرّة ... وكل خدر عفّة المبسمِ تحنو بقلب خافق بالمنى ... على برئ رف كالبرعمِ قد أغمض الأجفان في هدأة ... وثغره في الثّدي لم يفطمِ من مزق الطفل بلا رحمة ... فمات بين الصدر والمعصمِ شظية عمياء من حاقد ... ورمية من ساعد مجرمِ قد أطلقت هوجاء في غفلة ... وهلكة من ليلنا المظلمِ

стр. 1797

ما كان للهامات أن تنحني ... لو كان فينا عزّة المسلمِ * * * القدس واللطرون والمنتدى ... وبلبل في روضه غرّدا وغابة الزيتون يا حسنها ... تضوّعت زهراً وطابت ندى في ظلّها يحنو على نايه ... فتى كريم الكف عذب الصدى من حطم الناي على ثغره ... وشرد السامع والمنشدا والمسجد الأقصى ومحرابه ... يحنو علينا ركّعاً سجّدا قبابه كانت تناجي العلا ... وأرضه كانت منار الهدى تحدث الأكوان عن زحفنا ... وقد بسطنا للمعالي يدا

стр. 1798

وهامة الفاروق مرفوعة ... أكرم بها في قدسنا مشهدا يعلي لواء العدل تكبيره ... ويصنع الأمجاد والسؤددا يا قدس إِن طالت بنا فرقة ... فسيفنا يا قدس لن يغمدا * * *

стр. 1799

إلى القدس هيّا نشدّ الرحال ويقول ﵀ تحت هذا العنوان (١): إلى القدس هيّا نشدّ الرحال ... ندوس القيود نخوض المحال ونمحو عن الأرض فجّارها ... بعصف الجبال وسيل النضال بعزم الأسود وقصف الرعود ... ونار الحديد ونور الهلال فهلاّ سمعتم أيا إخوتي ... حنين التراب وندب الرمال ونوح المآذن في لوعة ... وآه الحصى وأنين التلال وشعبي الشريد يسيل دماً ... ومسرى الرسول يئن اشتعال * * * إِليَّ إِليَّ أسود الفداء ... فما عاد يجدي مقال وقال

стр. 1800

لقد حان يوم انتفاض الأسير ... ودقَّت طبول الفدا والنضال ونادت ربا القدس أبطالها ... فأين عليّ؟ وأين بلال؟ فإِما نسر في طريق الإِله ... ننل عزّة فوق شمّ الجبال ولا بدّ للنور يوماً نعود ... ولا بد للقيد من أن يُزال وتعلو المآذن في عزّة ... لتعرف لحناً طوته الليال * * *

стр. 1801

فلسطين الغد الظاهر ويقول ﵀ تحت هذا العنوان (١): فلسطيني فلسطيني فلسطيني فلسطيني ولكن في طريق الله والإِيمان والدينِ أهيم براية اليرموك أهوى أخت حطينِ تفجر طاقتي لهباً غضوباً من براكيني لأنزع حقّي المغصوب من أشداق تنّينِ وأرفع راية الأقصى وربّ البيت يحميني * * * قتلت الحقد من قلبي فأنبت زهر نسرينِ أحبّ القدس والجولان أهوى ثلج جينين أحبّ الأردن المعطاء من كفّيه يسقيني * * * ونار الغدر والطغيان والعدوان تكويني فإِن حفروا لي الأخدود أو قاموا بتسميمى

стр. 1802

فلا التعذيب يرهبني ولا الترغيب يغريني وإِن نلت الشهادة بين آلاف القرابينِ فأنبت غاية الشهداء فيها ألف مليونِ * * * سلاح النور في كفّي ورشّاشي وسكّيني أرتّل آية الكرسي وأتلو ربع ياسينِ ولكن دون أوهام لجيفارا ولينينِ ففكر الغرب يتعبني وفكر الشرق يشقيني * * * كفرت بدعوة الإِلحاد من صنع الشّياطينِ وأوثان صنعناها من الأوحال والطّينِ وآمنّا بربِّ البيت والزيتون والتّينِ ليشمخ شعبنا حراً عزيزاً في فلسطينِ ويرفع راية التحرير في كل الميادينِ * * *

стр. 1803

مناجاة في رحاب الأقصى ويقول ﵀ تحت هذا العنوان (١): ربّاه! إِني قد عرفتك خفقةً في أضلعي وهتفت باسمك يا له لحناً يرنّ بمسمعي أنا من يذوب تحرّقاً بالشوق دون توجّعِ قد فاض كأسي حتى سئمت تجرّعي يا ربّ! إِنّي قد غسلت خطيئتي بالأدمعِ يا ربّ! إنّي ضارع أفلا قبلت تضرعي إِن لم تكن لي في أساي فمن يكون إِذن معي؟ * * * يا رب! في جوف الليالي كم ندمت وكم بكيت! ولكم رجوتك خاشعاً وإلى رحابك كم سعيت قد كنت يوماً تائهاً واليوم يا ربّي وعيت إِن كنت تعرض جنَة للبيع بالنفس اشتريت أو كنت تدعوني إلهي للرجوع فقد أتيت

стр. 1804

ذبحوني من وريد لوريد ويقول ﵀ تحت هذا العنوان (١): ذبحوني من وريد لوريد ... وسقوني المرّ في كل صعيدِ مزّقوا زوجي فلم أعبأ بهم ... ومضوا نحو صغيري ووحيدي غرسوا الحربة في أحشائه ... فغدا التكبير أصداء نشيدي دمّروا بيتي وهل بيتي هنا! ... إِن بيتي خلف هاتيك الحدود وتلفّت فلم أعثر على ... غير أبناء الأفاعي والقرود أين بأس العرب مذخور لمن؟ ... أين أبناء الحمى درع الصمود؟ ودمي سال على تلك الربى ... ينثر العطر في حمر الورود ولغ الغاصب في أحشائنا ... غير أنّا لم نزل سمر الزنود

стр. 1805

ولوائي فوق هامات الورى ... يتحدّى في العلا كل البنود قل لمن يحب أنّا أمّة ... أنكرت أمجاد سعد والوليد نحن شعب لم يعد يخشى الردى ... أو يبالي برصاص وحديد كلّما أطفئ منا قبس ... أشرق القرآن بالفجر الجديد قد رجعنا راية زاحفة ... بعد أيّام ضياع وشرود ومضينا نحو آفاق العلا ... نسلم الرايات جدًّا لحفيد إِنها الجنّات تبغي ثمناً ... عزَّ إِلا من شرايين الشهيد قل لمن يلهث في غفلته ... ينشد السلم تمتّع بالصديد ذبحوني من وريد لوريد ... غير أنّي لم أطأطئ ليهودي * * *

стр. 1806

اغضب لله وقال الأخ الشاعر أحمد محمَّد الصديق، تحت هذا العنوان (١): اغضب لله ولا ترهب ... فرضاء الله هو المطلب هيّا فخيولك مسرجة ... والزحف قريب يتأهب ورؤى التحرير مُجنّحة ... كنجوم في الأفق الأرحب انهض فسماؤك واعدة ... وعطاء الموسم قد أخصب وشبابك فيض من نور ... يتلظى في وجه الغيهب ويا طرد أشباح الظلما ... ت ويتكسح الزيف الخلب من كان وليًّا للرحمـ ... ـن فسيف القدرة لا يغلب * * *

стр. 1807

اغضب لله فلا نامت ... في الذل عيون الجبناء من يخش الموت يعش ميتاً ... والمجد حليف الجرآء قلها كالرعد كبرق السيـ ... ـف تزلزل ركن الظلماء فى صيحة حق لاهبة ... تجتاح غثاء الأهواء أو دفقة عطر من جرح ... تهمي في الأفق المعطاء يغتر بها وجه النعمى ... تستأصل جرثوم الداء وتخط لنا عبر الأيا ... م طريق الفجر المترائي * * * وإِذا ما الروح سرى فيها ... الإِعياء وأقعدها الوهن

стр. 1808

وتلاشت جذوتها حتى ... صارت كرماد يمتهن فاغضب لله فإِن الحـ ... ر ذرا الجوزاء له سكن وكتاب الله هو النبرا ... س وأنت الصدر المؤتمن أبداً يدعوك إِلى الفردو ... س فكيف بقيدك ترتهن؟ آفاتك تنضح بالأشوا ... ك ودربك تفرشه المحن فاثبت كي تسقط أوثان ... والحق يعز به الوطن * * * مهد الإِسراء وهل ترضى ... ما يصنع فيه الأعداء أنفاس تزهق أعراض ... تُسبى آهات ودماء

стр. 1809

تاريخ يسرق آمال ... تغتال دماء وبلاء ومساجد تحرقها الأحقا ... د ويعبث فيها السفهاء فإِلام الصمت ترى هل نحـ ... ـن من الموتى أم أحياء؟ وإلام سيبقى أطفال ... درعاً يحمينا ونساء؟ والأمة في الدرك الأدنى ... تهوي ويمزقها الداء * * * اغضب لله فأنت لها ... إِذ تدعوك صيحات القدس وتنادي الصخرة والأقصى ... وتمزق أكفان الرمس وتهبّ أعاصير الأبطا ... ل لخوض ميادين البأس

стр. 1810

الصحوة بذل وجهاد ... بالمال تجود وبالنفس وتفيض بحار صاخبة ... كي تغسل أدران الرجس بالحجر الثائر بالمقلا ... ع بحدّ المدية بالفأس وغداً لا بد سنعلنها ... بالعودة أفراح القدس * * *

стр. 1811

مشاهد وعبر ونجد أنفسنا أمام ضرورة الوقوف بسرعة أمام أهم المشاهد والعبر والأمثال التي ضربت للنبي ﷺ فى هذه الليلة المباركة، تحمل العبر والعظات، والإشارات والبشارات! وللأمثال عند بني الإنسان -ولا سيّما العرب- شأن وأيّ شأن، فهي ترينا المعقول في صورة المحسوس، والغائب في صورة المشاهد، والمأمول المرتقب في صورة الواقع المحقّق .. وهي بما فيها من دقة التصوير، وسموّ التعبير، وعظمة التقدير، وقوّة التأثير، تستولي على النفس، وتسيطر على الحسّ، وتهزّ أوتار القلوب هزًّا! ومن ثمَّ لا عجب أن ضربت الأمثال للنبيّ ﷺ وصوّرت تصويراً دقيقاً معبّراً، حيث يرى المشهد العجيب، فيستفسر عنه، فيجيبه جبريل ﵇! وأوّل ما يطالعنا من هذه المشاهد أمانة الكلمة، ففي الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن ابن عباس ﵄: "فإِذا قوم يأكلون الجيف، قال: ومن هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ... " هذا مشهد. (١) وفي رواية بسند حسن عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1812

"مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب .. أفلا يعقلون؟ " وفي رواية: "من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك"! (١) هذا مشهد ثانٍ! ويأتي مشهد ثالث بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لمّا عرج بي ربِّي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"! (٢) تلك المشاهد تحذّر الإنسان وتنذره أن يقول غير الحق، وهي ترهب النفس في صور ترتجف لها فرقاً، ويقشعرّ الوجدان رعباً، سواء في صورة هؤلاء الذين يأكلون الجيف، وهؤلاء الذين تقرض شفاههم بمقاريض من نار، وهؤلاء الذين يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار من نحاس! يا للهول! إن الخيال الشاخص يقف عاجزاً عن أن يتصوّر مآل هؤلاء الذين يقولون غير الحق! في آية صورة من صوره!

стр. 1813

ألا إنه للهول البشع الذي يتحامى الخيال ذاته أن يتخيّله؛ لأنه أشدّ وأغلظ من أن يطيقه! ولكنه الواقع الذي ينتظر هؤلاء الذين يسعون بالفتنة، ويمشون بالسوء من القول! ويزداد الهول البشع شدّة، ويعجز القلم عن التعبير، وترتجف الأوصال، ونحن نقرأ: "خطباء من أمّتك"! وهذه المشاهد -وهي قليل من كثير- تدعو الإنسان إلى أن يرغب في أن يحفظ للكلمة أمانتها! وحسبنا -كذلك- أن نذكر ما رواه الترمذي وغيره عن معاذ بن جبل قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنّة، ويباعدني عن النار، قال: "لقد سألتني عن عظيم، وإِنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت". ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل". قال: "ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (السجدة)!

стр. 1814

ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذورة سنامه"! قلت: بلى يا نبيّ الله! فأخذ بلسانه قال: "كفّ عليك هذا"! فقلت: يا نبيّ الله!، وإِنا لمؤاخذون بما نتكّلم به؟ فقال: "ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إِلا حصائد ألسنتهم"! (١) وهكذا تأتي أمانة الكلمة ملاك هذا كله .. ومع هذا فما يزال الوجدان يرتعش -وهو يتصوّر- مجرّد تصوّر - تلك المشاهد .. وهنا تشفّ الروح ويراقب الإنسان ربّه فيما يقول وفيما يعمل! وفي سورة الإسراء نبصر مكانة الفرد ومسؤوليّته، ونحن نقرأ قول الحق ﵎: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ " (الإسراء)! وبذلك الناموس تتضح التبعيّة الفرديّة التي تربط كل إنسان بنفسه، وتربط قاعدة العمل والجزاء .. ومن ثمَّ نبصر الربط بين الحركة المسؤولة والكلمة الصادقة، والقول والعمل، والعقيدة والسلوك، والفكرة والتنفيذ!

стр. 1815

وسبق أن عرفنا كيف أن النبي ﷺ اختار اللبن، وأعرض عن الخمر، وذلك في الحديث الأوّل الذي رواه مسلم عن ثابت عن أنس، وفيه: "فجاءني جبريل ﵇ بإِناء من خمر، وإِناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة". ونبصر في هذا ترفعاً عن الحرام، وبعداً وإعراضاً، واختياراً للفطرة .. هذا مشهد! ومشهد ثان نبصره فيما رواه أحمد، قال: حدّثنا أبو عمر الضرير، أخبرنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، أتَتْ عليَّ رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيّبة؟! فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بيْنَا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إِذ سقطت المدرَى من يدها، فقالت: بسم الله! فقالت لها ابنةُ فرعون: أبي؟ قالت: لا, ولكن ربِّي وربّ أبيك الله، قالت: أُخْبره بذلك! قالت: نعم، فأخبرتْه فدعاها، فقال: يا فلانة، وإِنّ لك ربًّا غيري؟ قالت: نعم، ربّي وربّك الله، فأمَرَ ببقرةٍ من نحاس فأُحمِيَت، ثم أمر بها أن تُلْقَى هي وأولادها فيها، قالت له: إِنّ لي إِليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحبُّ أن تجمع عظامي وعظامَ ولدي في ثوب واحد، وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأَمَرَ بأولادها فأُلقوا بين يديها، واحداً واحداً، إِلى أن انْتَهَى ذلك إِلى صبِيٍّ لها مُرْضَعٍ، كأنّها تقاعست من أجله، قال: يا أُمَّهْ، اقْتَحِمِي، فإِن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقْتَحَمَت".

стр. 1816

قال: قال ابن عباس: تكلّم أربعة صغار: عيسى ابن مريم ﵇، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون! (١) ونبصر في مشهد الفطرة كل خصائص (الدّين القيّم) وتصوّراته، ومن ثم يتكوّن الفرد في جوّ نظيف شريف عفيف، بعيد عن العلاقة الآثمة، ويوجد الربط بين أمانة الكلمة -كما عرفنا- وأداء الأمانات، وانطلاقاً من أن الدّين القيّم دين الحياة، بكل ما تحمله الحياة المباركة الطيّبة من معان! ونبصر في المشهد الأخير ثبات القلب المؤمن أمام الصعاب، مهما كان شأنها .. ويتضاءل الإنسان أمام هذا الموقف المهيب .. وأمام واقع المسجد الأقصى الذي يئن بحرقة، ويهيب بأتباع النبي ﷺ أن يرفعوا راية الحق. وأخيراً وليس آخراً: نبصر المسجد الأقصى محلّ عناية الله، ومكان رعايته، حيث أسرى بخاتم رسله إليه .. ولئن تاهت البلاد التي سبقت إلى الإِسلام وافتخرت، لأن الفتح كان على أيدي السابقين الأعلام، وجحافل جيوش المسلمين، فإن لموطن المسجد الأقصى أن يعتزّ بأنه قد أسْرى الله بخاتم رسله إليه .. وجعل ذلك أمراً محكماً في القرآن الكريم، يتعبّد المسلمون

стр. 1817

بتلاوته .. وقد أدرك سلفنا الصالح هذه الحقائق، وتلك المعاني، فكانت الشهادة أمنية رفيعة الشأن، جليلة القدر، عظيمة الأثر، وكان الشهداء في مؤتة وحطّين وغيرهما، وقوافل المقاتلين إلى أرض فلسطين، أرض المسجد الأقصى .. وكأنّ هذه الدماء على أرض فلسطين الآن لم تكن كافية، على ما يظهر، أن نجدّد العزم على تحرير المسجد الأقصى .. وكأنه لم يبق لدى الكثير اسم ولا رسم، ولا روح ولا جسم، بيد أن الأمل قائم، ومعادلة النصر حق، والله لا يخلف الميعاد، وصدق الله العظيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥)! ونبصر ضرورة دراسة السيرة النبويّة، وفق هذا المنهج الموضوعي في تلك الدراسات، رجاء أن نرى أنفسنا أمام تفسير الأحداث -وفق قول الرافعي- (١) إن الدنيا لم تستطع تحقيق غايتها الأخلاقيّة العليا إلا فيها، وأنه ﷺ كان إنساناً، وكان أيضاً حركة في تقدّم الإنسانيّة، وأن من معجزاته أنه أطاق في تاريخه ما عجزت عنه البشريّة في تاريخها، وأن كل أموره موضوعة وضعاً إلهيًّا، كأنها صفات كوّنها الحق وعلّقها في التاريخ لمعاني الحياة، تعليق الشمس في السماء لمواد الحياة! وكأن الحقيقة السامية في سيرة هذا النبيّ تنادي الناس (٢) أن قابلوا على هذا الأصل، وصحّحوا ما اعترى أنفسكم من غلط الحياة وتحريف الإنسانيّة!

стр. 1818

ونبصر اليقين بأن الآلام مهما اشتدّت، والمحن مهما طال أمدها، فإن الآمال الكبيرة المرتقبة تخفّف آلام الكفاح، وتمسح الجراح، وتوضح معالم الطريق. والمنح التي تعقب المحن، تحملها معها بشائر النصر .. ومن ثم نبصر خلفاً صالحاً لسلف صالح. تربط الجميع أخوّة زكيّة، صافية نقيَّة، ومحبّة نديّة، ومودّة رضيّة، ونفحة علويّة، وألفة قدسيّة، تنشئ في قلوبنا معالم يعجز القلم عن تصويرها .. وتهبّ نفحات القرن الأوّل .. ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *